"العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    يكررون الأخطاء.. وينتظرون نتيجة مختلفة..!!    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السريِف: حولية في ذكري الابادة العربية المعلنة في دارفور
نشر في الراكوبة يوم 10 - 04 - 2013

بعيدا عن الاسفاف الذي تمارسه الاجهزة الاعلامية والتي تروج لكل مشكلة يتضمن احد اطرافها عنصرا عربيا علي انها مشكلة ارهاب يلزم قمعة بالقوة ولا شيء غير القوة، اود في هذه المقالة تفكيك مقومات الصراع والتعرض لإمكانية احتوائه من خلال التفعيل الخلاق لأليات الحكم المحلي والأهلي، دحر المجموعات الإجرامية التي تستهدف البادية لمجرد اعتماد الصبغة اللونية وتجنح الي أخذ الجميع بجريرة الجاني، ضبط السلاح الثقيل الذي استغلته المليشيات الحكومية في قهر المواطنين والتوسع عشوائيا في اراضيهم (بعد ان كانوا يتعللون باستهداف الزرقة لهم، اصبحوا يتحججون بتكالب العرب عليهم)، وخلق تكامل اقتصادي يعني ببعث التدامج الاجتماعي الحيوي بين كافة مكونات الاقليم الاثنية والقبلية و يهيئ لدارفور استعادة مكانتها كمركز للتقاطع المعرفي ودرب للتبادل التجاري – الأفريقي والعربي (ليس فقط السوداني والجنوب سوداني وإن كان هذا مدخلا مهما وفاعلا).
خلفية تاريخية لازمة، كي لا يتم القفز فوق الحقائق
نوهت كثيراً إلى أن الدولة (واذا شئت العصابة) في مسعاها لإضعاف الكيانات الكبرى ذهبت إلى تقسيم النظارات الي امارات (في حالة المسيرية ظل الكيان يعاني من حالات تفكك داخلي). وإذ عجزت في تحقيق ذلك مع الرزيقات الذين درؤا الفتنة باعطاءالمعالية نظارة، فقد عمدت الي تقسيم المعتمدية الي محليات والاقليم إلى خمس ولايات، كانت اخرها إعلاناً ولاية شرق دافور والتي في نظري تستحق عناية خاصة. إن القراءة الواعية لتاريخ جنوب دافور ينبأ بالدور الرائع والبديع الذي لعبة رزيقات(الجنوب) في تفعيل التحالفات الاستراتيجية على مستوى الإقليم وحفظ التوازنات على مستوى الولاية. حتى نفهم هذا الأمر أود أن انقل القارئ إلى مشهد تاريخي، كما استميحه العذر في سرد حيثيات المسرحية الآتية:
دخل المفتش الانجليزي إلى اجتماع دعى لها أعيان مجلس البقارة بصحبةالزيلعي(شايقي منَاه المستعمر بايلولة دارفور إلى بني جلدته مكافأةلهم على ما اسدوه وأسداه وليهم علي الميرغني من جمايل ساهمت في القضاء على دولة التعايشي وتشليع ما بقى من أركان الحكم الوطني).
الانجليزي: اود أن اعرفكم بالزيلعي عمدة نيالا.
إبراهيم موسى مادبو رد بجسارته المعهودة : نحن ما بنعرف عمدة لنيالا غير المقدوم عبدالرحمن آدم رجال.
اسقط في يد الخواجة ولم يدر ما يقول لوش الفيل (هكذا كانوا يلقبونه).
من ناحية نتعرف على نباهة الانجليز ومقدرتهم على الاستدراك والتكيف. كيف لا وقد اداروا إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، مقارنةباليانكيسالذين لا يدخلون بلداً إلا وهميجلبون له الدمار معتمدين إلى الالية العسكرية وقد افتقروا إلى الحكمة والدرية السياسية. المجموعة الاولي تصل الي غاياتها من خلال تحقيق الاستقرار والثانية من خلال الفوضي والتي من عجب يسمونها فوضي خلاقة.
من ناحية أخرى ننتبه إلى عبقرية آل مادبو(سأتوسع في هذا الامر في كتابي القادم: عبقرية توظيف الارث الافريقي في ادارة المجتمعات، ال مادبو نموذجا)، نفاذ بصيرتهم، وعزمهم على تثبيت الحق لأهل الدار وقد كادت القبائل المهاجرة أن تحوطهم منتقصة من قدرهم لولا رشد الراشدين وبصارة المبصرين. إن الكثرة والعتاد والغنى والقوة لا تبرر الغلبة، فإن الإنسان اضعف ما يكون إن حاد عن قيم الحق أو مال عن مثل السماء. هذا ما يجب أن يعيه عربان غرب وشمال دارفور. إذ لا محيص لهم عن الرجوع إلى قومهم وإمضاء العزم على نصرتهم من خلال تكوين جبهة ثورية لإنقاذ الاقليم والوطن،ليس بغرض الاستنصار لمكون أثني معين. وقتها سيستحيل السلاح الذي بأيديهم الي نعمة وقد ظل نغمة طيلت هذه الاعوام.
ترجى الحكومة من استحداث ولاية شرق دارفور زج الرزيقات في خلافات هامشية لا صلة لها بالتدامج الاجتماعي أو التنمية المستدامة، خاصة أن قيادتهم الأهلية (الفاعلة حالياً) تفتقر إلى الحكمة والنضج الاخلاقي والبسالة اللازمةلرد كيد الاعداء المتمثلين في جهاز الامن وتسكين عزمتهمعلى تأجيج الصراع مع الجنوبالذي هو بمثابة شريك استراتيجيواساسي لتحقيق نهضة اقتصادية على مستوى القارة، وليست فقط القطر. ثانياً، إن الفراغ الذي يتركه رزيقات الجنوب،هو من نوع الفراغ الذي يخلق إشكالا يهدد بانهيار الاقليم كلهويسول للمغامرين التماديفي محاولتهم التسود على المجال بالقوة خالقين إشكالاً مع أبناء عمومتهم (قبل الآخرين) وعازمين علي التمادي في إفشاء الغيظ حد الرهق.
كنت وما زلت أقول بأن معين أهل دارفور لم ينضب، إلا أن وجود "الغواصات" قد أبطل إمكانية كل أسرة نابهة، أو قبيلة ذات حنكة ومقدرةعلى التفعيل. لا ننسي الهايزات. فالمركزلم يزل يعمد الي إهلاك دارفور من خلال الاستعصام بنخب "منتهية الصلاحية".حتي إن الرئيس انتدب مؤخرا مجرمين مخضرمين للبت في قضية الرزيقات وبني حسين. هؤلاء كان يجب ان يمتثلوا امام القضاء، لا ان يفوضوا لحل قضايا المواطنين.
كنت ذات يوم في زيارة الي دار مساليت فصحبني صديقي السلطان سعد بحرالدين ليلا الي سراية والده المشرفة علي بهو المدينة وجلسنا نسمر، كان حينها متأثرا بما حل بأهله من إبادة هندسها احد العسكرين الذين لم تزل الذاكرة رطبة بمولده يوم ان قدم اهله من تشاد واستضافهم والده عبدالرحمن بحرالدين، بل نفحه الاسم الذي يتنقل به اليوم في محافل العنصرية. لم يجد هذا الرجل عرفانا يؤده للجميل افضل من تدبير محرقة "للزرقة"فعمد لاستئصالهم رغم شرائع الخلق والدين. قال لي سعد: هذه تصرفات اهلك. قلت له، هؤلاء لست أهلي، أهلي من تعرفون.
لا يسعني سردمآثر الناظر إبراهيم موسى مادبومثلا، لكنني أذكر منها ما يدعم للقيادة العربية موقفهما التاريخي الداعم للتدامج الاجتماعي لأن الناظر إلى تصرفات بنيهم يظن بأن هؤلاء كانوا دوماً أدواتا "للجلابة" في محاولتهم الدؤوبة للاستطالة على مال الغير وشرهم في طلب حق الأخرين. ذات اليوم أومأ بعض التجار الشرهين للمفتش الانجليزي بضرورة نزع "حي الوادي" من الأهالي المتمثلين في القمر الفلاتة البرنو، الفور، إلى أخره، متزرعين بضرورة أيلولته إلى أناس مقتدرين حتى يطوروه كواجهة حضرية مطلة على الوادي. ما إن اتخذت الإجراءات لإخلاء الحي (الفاخر) حتى هرع الأهالي إلى الناظر إبراهيم في إحدى زيارته وابلغوهبالأمر. ما كان من سيادته إلا أن طلب موعداً هاماً وعاجلاً مع المفتش وأبلغه بأن العدل يقتضي عدم استضعاف الناس بل ويستلزم تقديم الخدمات لهم ولذويهم حتى يعيشوا حياة كريمة في ارض هي ارضهم ودارا هي دارهم. (لسنا بصدد تبيان مستحقات القيادة الروحية والفكرية التي دفعها الاسلاف، لكننا نود ان نقول بأن ظل حكمتهم لم يزل وارفا، فهلا استفدنا منه؟ عوض عن المقيل في الهجير، هل يسعنا ان نستظل بظل السماحة والخلق الاصيل؟)
لم يتغير سلوك "الجلابة" حتى اليوم فقد تعاقبت الولاة (وكلاء الامبريالية الإسلامية) على المنطقة وتوسع نفوذهم حتى سجلوا جميع الأراضي الزراعية كي يستصلحونها مزارعاً يوم ان يتمتشييد خط المياه المزمع تمديده من حوض البقارةحتي حدود نيالا(لا ادر إن كان الصينيين ما زالوا عازمينعلي حفر الآبار)، لكن الذي تغير هو سلوك العرب (عرب دارفور) يوم أن فقدوا القيادة الرشيدة وآلت قيادتهم إلى قادة لا يستهويهم الإرث المجيد قدر ما يستهويهم المركب والسكن الوثير . لا غرو ان قد ادخلت هذه القيادات الكيان العربي في ازمته الوجودية الحالية، ومحنته الاخلاقية التي لا يسعه الخروج منها إلا بالتصالح مع الذات، وطلب الصفح من المتضررين برد حقوقهم إليهم وطلب المثوبة من الله عزّ وجل الذي لا يتعاظمه ذنبا ان يغفره. إن التمادي في الباطل والمكابرة لا تجدى لان الانفاس معدودة والآجال مرصودة. بل إن الفرصة قد لا تأتي في ظل الظروف الإقليمية والدولية التي يمر بها الحزام السوداني. لا استبعدبالمرة تحالفاً كذاك الذي استهدف المتشددين في مالي، بل اطالب بالتخلص من المهزلة التي تسمي قوات الهجين واستبدالها بقوات دولية تشكم المجموعات جميعها التي جاوزت حد الاجرام في دارفور. لا بد من النظر الي حال الأهالي الذين مرت بهم عشر سنوات دون أن تلوح لهم بارقة أمل في الافق الفسيح والمديد، كما لا بد من محاولة صادقة لاستنطاق الاغلبية الصامتة لأن الفرق المتقاتلة لم تعد قادرة علي التفريق بين مصلحة الاقليم ومصالحها الشخصية.بالرغم مما يؤخذ على دريج من خروجه (وإذا شئت هروبه الذي لم يستشر فيه أحداً، مما جعل وحدة دارفور من حينها في مهب الريح)، إلا أنه لم يرتهن إرادته يوما لاحد كما لم يقبل لنفسه أن يكون ارجوذا تفعل اللاعيبمن خلاله. .
لقد تجاوز الأمر "الجلابة" اليوم إلى سادتهم في المجتمع الدولي.هؤلاء لم يعتمدوا سيسيإلاللإبقاء على دارفور في خانة أل "لا حل". يريد الاخير إيهام نفسه بأن بإمكانه القفز بالقناية فوق الواقع الاجتماعي والسياسي المتردي والعسكري الشائك إلى خانة التنمية (المستدامة). كادت أذني تلتوي وانا اسمع السيد/الحاكم وهو يعلن لمذيعة مونتي كارلو بأن الحكومة باتت قادرة على احتواء الموقف عسكرياً. كيف هذا وهو يعلم بأنها قد بعثت ستة الوية إلى الجبل لم ينجو منها أحد؟ كيف هذا وهو يعلم أنها مازالت تتحصن في المدن بالمواطنين، بل إنها تمترست في ابو مطارق ودفعت بالعرب لتحصدهم آلية الجيش الجنوبي المتطور؟ كيف هذا وهو يعلم ان مواطني دارفور لا يستطيعون التنقل من مدينة الي اخري دون طوف عسكري يمولونه ذاتيا؟ كيف هذا وهو يعلم أن الحالة الأمنية قد تردت في دارفور حتى أن الحكومة لا تعرف جهة بعينها تتفاوض معها إن هي اصلا ارادت حلا سياسيا وجدياً؟ هل تتفاوض مع رجال النهب، مع حرس الحدود، مع الحركات، مع من؟ الست هذا ما كانت تصبو إليه، أي ان تتدهور المواجهة بين الحكومة والحركات إلى حرب أهلية (تشمل الاقتتال بين إثنيات الإقليم المختلفة)، ومن ثم إلى امكواكية (فوضى عارمة وعامة يموج فيها الكل موجا)؟
اذا افترضنا أن دارفور أمنة أو أكثر امننا من البلد الحرام، هل يمكن أن تؤتمن دولة تحتل أسفل قائمة الشفافية على أموال المانحين؟ هل يمكن أن تقوِم جهات اعتباطية، تفتقر إلى المقدرة المؤسسية والي الاحترافية والمهنية،اي رؤية وطنية؟ هل يمكن ان تشيد بلاد برؤية تنموية متجزئة؟ ما هي أولويات الاستثمار (التعدين، الزراعة، الصناعات الصغيرة، الي اخره)؟هل يمكن ان يدعم المؤتمر فكرة إنشاء مؤسسة تجمع الابحاث التي انجزت فترة العشر سنوات، تعنيبالاستراتيجيات القطاعية، تدرس اولويات التمويل وتحدد الية للتنفيذ؟ما هي منهجية المراقبة؟ من هي جهة الاشراف؟ اين هو الكادر المؤهل الذي يمكن ان يتولي هذه المهام؟
سألت احد الاخوان عن مدلول "السريف"، فأنباني بأنه تصغير "السرف" اي منبع الماء الذي يتفتق من الصخرة الصماء. تهللت بشرا وقلت لعل العرب تؤوبوترجع الي ربها فيلهمها الحكمة – حكمة التواصل مع الذات كوسيلة للتواصل مع الاخر. لن ادعي الحكمة وسأشرك رفقائي من القراء في هذه المتاهة، إذ أن اندفاعنا احيانا نحو الاجوبة دون استبصار الوجهة او التعرف علي احبولة الواقع يدخلنا في متاهات السؤال.
أسئلة ملحة كي لا يتم تجاوز
(أ‌) الوقائع المحلية:
هل يمكن ان ينجو قاطنو الاقليم من لعنة تصيبهم من خذلانهم لذويهم الذين ما فتئت تتنزل عليهم المعاناة حتي ايقنوا بنصرالله (ألا إن نصر الله قريب)؟
أيظن الحكمندارات ( أو قادة حرس الحدود) أنهم يغتنون بالتنقيب على الذهب في أرض حبس أهلها وحصروا في المعسكرات وافتقروا لسنين؟ وهل جبل عامر وما عقبه من نكبات إلا إحدى اللعنات؟
كان العرب في السابق إذا اقتلوا تكوا البنادق وتضاربوا بالعصى، أما اليوم فهم يقتتلون بالهاون والمدافع، ومن لم يندفع بدعوى الجاهلية مكث في دامره تزيغه قوات الأمن الذل والهوان بمراجعة بطاقات زوجاته واولاده عند الدخول والخروج منها. هل تفكرت القيادات العربية (صنع الانقاذ) في المحنة التي تسببوا فيها لأهليهم، أم أفهم سيكابرون ويزعمون أنهم باسطوا أيديهم بالأمرة؟
ما هي التداعيات المستقبلية لمشكلة الزريقات وبني حسين؟ كيف عجز الاخ الكبير عن مدارات حماقات الاخ الصغير؟ لو ان زريقات الجنوب تعاملوا مع الاقليات التي تحوطهم وتعيش من بينهم بهذه الطريقة، هل كان ان يمكن ان لدارهم ان تعمر مثل هذا العمار؟
اذا كان النظام يتوجس من مجرد التقارب بين العرب، كيف يمكن له ان يتقبل فكرة التقارب، ناهيك عن التنسيق، بين الزرقة والعرب؟
هل لعب جهاز الامن دورا في انتقال الحرب الاهلية الي جنوب دارفور بعد ان انحصرت لفترة في الشمال والغرب؟
هل شهدت دار فور مجيء مجموعات قبلية (عربية وغيرها) من غرب افريقيا مؤخرا؟ ما المشكلة في ذلك؟ اهي مجموعات رعوية ام زراعية؟ هل الهجرة طبيعية ام تغولية؟
امعانا في زجر المتفلتين الذين اتخذوا مبدأ الديات مظلة لتفريغ شحناتهم السالبة هل يجوز اعتبار الجريمة فردية من الان فصاعدا؟حتي لا ترهق الديات كاهل الاقتصاد المحلي، اليس من المفترض ان تفي الدولة بالتزاماتها خاصة ان كل الذي يحدث انما يحدث بسبب إخفاقها، تحفيزها او عجزها عن اداء واجباتها ؟
أمراء الحرب الجدد: هل لديهم ارضية او شعبية ينطلقون منها ام انها اوزان غير حقيقية اكتسبوها ستنتهي بانتهاء النظام الحالي؟
هل عدمت دارفور (شمالها وغربها) قيادات من ذوات الوزن الثقل،يعيدوا لها توازنها ويحفظوا لها اتزانها، مثل المرحوم الشيخ هلال والناظر الدود واخرين؟
أسئلة ملحة كي لا يتم تجاوز
(ب) الوقائع الاقليمية
يلام متعلمو دارفور علي عدم اسهامهم في تنمية المنطقة، مع العلم أنهم اذا اتوا حصروا من قبل النخب الوسيطة ولم يجدوا نصرة من الاهالي، هل للأمر علاقة بالجهل وعدم التعليم، ام ان هذه المجتمعات عصية علي التغيير؟
هل تمثل نهاية الانقاذ نهاية المجموعات الطفيلية ام ان ذلك يستدعي تجفيف مستنقعاتها ومراتعها الاسنة؟ هل يحتاج الامر الي ثورة ثقافية ام ان المحاكمات الثورية كفيلة بإحداث النقلة الحضارية ام الاثنان معا؟ هل فقدت النخب عموما دورها الريادي في ظل هذا الهرج؟
ما هو دور القيادة الاهلية مستقبلا؟ هل من سبيل لاستعادة كل ذلك، وبأي شكلية؟ اذا كانت هذه تعتبر ماضوية، ما هي النظرة المستقبلية التي يمكن ان تحافظ علي اللحمة الاجتماعية وتسعي تدريجيا الي تطوريها؟
كيف السبيلللتوفيق بين بادية متنامية ورقعة زراعية متناقصة؟ ها يمكن تجنب الاحتكاك في ظل نظام اداري متداعي وتنمية اقتصادية منعدمة؟ هل سيستحيل العمد في ظل هذه الفوضى الي نظام إقطاعي جديد، خاصة ان البادية قد اتجهت تدريجيا نحو الاستقرار؟
هل عزلت ولاية شرق دارفور الزريقات عن دورهم الريادي في الاقليم؟ هل كان المقصود محاصرتهم والهائهم عن النظرة القومية؟ ما هي امكانية النخب لفك هذا الحصار ام ان التطويق من مصلحتها؟ الا يكشف هذا الامر فشلها وعجزها الاخلاقي والفكري؟ الي اي مدي ستستمر النخب في استثمار محنة اهليها؟
إهمال الحكومة وإخفاقها في حماية القبائل الحدودية: هل هو عجز أم أنه محاولة استنزاف للكيان؟ ما هو مستقبل الكيان الاقتصادي في ظل احتدام العلاقة مع الجنوب؟هل كان تلغيم المرحال من قبل جيش الجنوببمثابة ضغط علي حكومة الشمال ام انه استهداف للكيان العربي بأكمله؟
هل امعنت جماعة الفجر الجديد في إقصاء العرب ام ان العرب عجزوا عن اتخاذ موقف اخلاقي وفكري من النظام؟ واذا هم، اي العرب، صنفوا الفجر الجديد كجماعة عنصرية او ايدولوجية، هل هم راضون بخانتهم الحالية، خانة العبودية هذه؟
في ظل التراخي الأيديولوجي وفقدان الطائفية قبضتها علي الريف، هل يمكن لفكرة (تضامن قوي الريف السوداني) ان تزدهر بعد ان اجهضت في السابق؟
أسئلة ملحة كي لا يتم تجاوز
(ج) الوقائع الدولية
هل من درس يمكن ان نتعلمه من مالي؟ اذا تمادي الجانجويد في غيهم وضلالهم، اواولئك الذين تمترسوا في خانتهم العقائدية، الا يمكن ان يواجهوا ذات المصير الذي واجهه المتشددون اذا لم يكن بمعاونة الفرنسيين فربما الفريكوم؟ هل يمكن محاربة مثل هذه الظواهر من خلال الادراج العدلي لعرب افريقيا في المنظومات الاقتصادية والسياسية وعدم الاكتفاء بالحلول العسكرية؟
هل للكيان العربي دورا يمكن ان يلعبه في إخراج الوطن من مأزقه الاثني والديني خاصة ان له عبقرية استمدها من الزمان والمكان؟
هل نفدت حكمة الكيان ام انه فقدت مقدرته علي التفاعل في ظل التدخلات الاقليمية والدولية؟
هل يمكن تخيل دارفور منفصلة عن السودان، ولو الي حين؟ ألا يؤثر ذلك علي الحزام السوداني ككل؟
ما هي التدابير التي تسعي الادارة الامريكية لاتخاذهاحال انفصال دارفور حتي لا تصل اثار الزلزال الي كافة اقطار الحزام السوداني (سيما اننا الان نعيش في مدار زلزالي يكاد يطيح حتي بالمحروسة مصر)، ام انها المنية المرجية من كل هذه التصرفات العبثية؟
الخلاصة
لا تحتاج دارفور اليوم الي مؤتمر دولي تحصر فيه الاموال قدر احتياجها الي ندوة ترصد فيها موارد الحكمة المتبتكة منذ قرون خلت واجال مضت. إن استنطاق الاغلبية الصامتة استنطاقا حيويا وامينا من شأنه ان يلهم النخبة عبقرية الخروج من هذا المآزق التاريخي ويهيئ لاستراتيجية متكاملة ترصد فيها موارد الاقليم وتحدد اولوياته حسب ما يبتغيه الانسان -- وسيلة التنمية المستدامة وغايتها. لابد من الاعتماد في هذا المسعي علي القيادة الجماعية لان البشرية قد انعتقت اليوم بفضل النضج الفكري الذي عكسته ساحات الربيع العربي من القيادة الكاريزمية التي لم يحسب لها ان راعت يوما رغبة الجمهور قدر مراعاتها لمصلحتها الشخصية التي كثيرا ما كانت تستطيب الرقص فوق جماجم الغلابة والمستضعفين. حري بمثقف (او جماعة) اتخذ المحاصصة الاثنية وسيلة لتحقيق طموحاته الشخصية الا يؤتمن. كي نقف علي واقع المعضلات البنيوية والمؤسسية، لا بد من النظر الي القضية في مستواها المحلي، الاقليمي والدولي. كما يلزم تتبع مسارها الدولي وتأرجحها منذ الاستقلال، الحرب الباردة والحرب علي الإرهاب التي اقتضت مأثله، شيطنة وابلسةبعض المجموعات الاثنية (زغاوة، رزيقات، الي اخره). يجب ان نقاوم مثل هذا التوجه لأنه يهمل الظروف الموضوعية التي ادت الي الصراع، كما يؤثر سلبا علي استقرار الحزام ككل، علاوة علي انه يجافي المنطق الاخلاقي والانساني. بيد أن إحداث تنمية شاملة منوط بقدرة المجتمع الدولي علي بسط نفوذه علي الارض، جلب المجرمين الي ساحة القضاء، تقييد حرية السماسرة والتعاون بصدقية مع قيادات المجتمع المدني لتحقيق تسوية شاملة بين كافة الكيانات الدارفورية. سيما أن اقصر طريق الي الحل هو اعدله واقومه (وان هذا صرطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون)، صدق الله العظيم.
دكتور الوليد آدم موسي مادبو


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.