كلوب يتغنى بتمريرة صلاح الرائعة وهدفه الاستثنائي    السيسي: فوجئت بوجود بطاقة تموين باسمي في المنيا وأن شخصا يستخدمها    تدشين نفرة"العطاء ونسمة السلام" في ولاية سودانية    غارزيتو يعلن تشكيلة مباراة زاناكو الزامبي    مصر.. مصرع عريس أثناء زفافه وإصابة 5 من أصدقائه جراء غرقهم بترعة مياه    التغيير درب الخلاص !!    دراسة: كثرة تناول اللحوم قد تسبب فقدان البصر    الخرطوم تستعد لمعرض الكتاب الدولي    أزمة الشركاء.. سيناريوهات متوقعة    اشتباكات بين مواطنين وحركة مسلحة بشرق النيل    وزير المالية يقر بعدم دفع الحكومة لاسعار مجزية لمنتجي الصمغ العربي    جهود شُرطية للعثور على "شهيد النيل"    أسعار مواد البناء والكهرباء في سوق السجانة يوم السبت 16 أكتوبر 2021م    للمطالبة بحل الحكومة.. متظاهرون أمام قصر الرئاسة بالخرطوم    الفاتح جبرا ... خطبة الجمعة    السعودية تلغي إلزامية ارتداء الكمامة والتباعد وتسمح بالمناسبات في القاعات    الصحة تزفّ خبرًا سارًا بشأن "استخراج شهادة التطعيم بلقاح كورونا"    العثور على جثة رجل على قارعة الطريق بشرق النيل    دور النشر العربية تبدأ في تخليص شحناتها عبر معبر أشكيت    فيفا يستفسر الاتحاد السوداني عن أزمة المريخ    مونيكا روبرت: صارعت الموت لأول مرة في حياتي    لما يكون عندك مشكلة مع باب الدولاب    تقرير عن تجربة جديدة ووحيدة في المملكة السعودية خلافا للمعروف والمألوف    مظاهرات واسعة معارضة للحكومة في الخرطوم    وزير المالية : 2 مليار دولار تنفق للعلاج بالخارج    عبد الله مسار يكتب : متى تصحو الأمة النائمة؟    هويدا حمزة تكتب..جمهورية أعلى النفق    قتل حيوان غريب يهاجم المواطنين ب(شبشة)    سعر الدولار و اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم السبت 16 اكتوبر 2021 في البنك المركزي والبنوك وشركات الصرافة    أحمد يوسف التاي يكتب: البداية الفعلية لتدمير محمية الدندر القومية    ميدالية فضية لمنتخب السودان للدراجات باللاذقية    افتتاح مهرجان "ساما" للموسيقى في 23 من أكتوبر    من خلال عروض مُختلفة ومُغرية عفاف حسن أمين تشيد بالعديل والزين    صعوبة الخطاب الرياضى    عسكوري: مليونية اليوم تمهيد لاختيار الحكومة الجديدة    تفاصيل خسائر اقتصادية صادمة عقب إغلاق الموانئ    التصريحات الحكومية خالية من الصحة.. تحالف مزراعي الجزيرة يحذر من فشل الموسم الشتوي    الحداثة: تضارب الأرقام حول المساحات المزروعة في الموسم الصيفي    عضو بالتغيير : مايجري تمهيد لانقلاب مدعوم من جهات خارجية    دورة السلام بربك تنافس محموم وحضور مشرف لقادة الحركة الشعبية تمازج    كشف تفاصيل تقرير لجنة حمدوك لمراجعة تعيينات الخارجية    سيف الجامعة: قررت الابتعاد عن كل ما يعكر صفوي وعافيتي النفسية    الشرطة توقف شبكة إجرامية بنهر النيل    كيف تنقل حياتك الافتراضية من فيسبوك إلى مكان آخر؟    إدارة تعزيز الصحة بالنيل الأبيض تحتفل باليوم العالمي لغسل الأيدي    بداية لثنائية سودانية مصرية.. الجقر يستعد لرمضان بمسلسل(سكة ضياع)    من عيون الحكماء    بعد سحب أغنياته من ندى القلعة .. مطربات يطالبن عماد يوسف بشراء الأغنيات    افتتاح مركز للتطعيم بلقاحات كوفيد 19بساحة المولد النبوي الشريف    ضبط (1460) من الكريمات المحظورة بنهر النيل    محكمة عطبرة تحكم بالإعدام على قاتل الشهيد خالد شيال    صفقة مسيّرات للمغرب وإثيوبيا: المصالح ترسم نظرة تركيا إلى المنطقة    في اليوم العربي للبيئة-ريادة المملكة العربية السعودية في العمل البيئي- خطوات وإنجازات    آبل تعلن خطة تطوير سماعات "آير بود"    انفجارات تهزّ بيروت    ضبط كميات من المتفجرات على متن عربة بجسر كوستي    صلاح الدين عووضة يكتب.. وحدث !!    البرهان وحميدتي.. التوهان السياسي!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كرت أحمر
نشر في الراكوبة يوم 13 - 04 - 2013


بسم الله الرحمن الرحيم
كرت أحمر
أعان الله الرياضيين السودانيين وبالأخص جماهير الهلال والمريخ علي محنتهم وهم يتجرعون الهزائم المتتالية علي أيدِ فرقٍ مغمورة، كُتب لها أن تصنع تاريخها عبر تهالك وضعف فرقنا المحلية التي ألفت الهزائم وتتطبعت بها وعقدت معها حِلفاً أبدياً، وهذا ليس جلداً للذات ولكنه تأكيد ودليل إثبات لما كتبناه في مرة سابقة عن ضعف وتدهور الرياضة أو مرضها المزمن، الذي هو في الحقيقة نتيجة او عَرَض أو إنعكاس لمرض البلاد المزمن وبصورة أدق جهازها السياسي والسلطوي، أي الراس الذي يديرها والذي إذا صلح لصلح كامل الجسد الوطني، وبث العافية في كل قطاعات البلاد السياسية/ الإقتصادية/الإجتماعية/الرياضية ..الخ، ولأخرجها من هذا الواقع المزري والنفق المظلم الذي دخلت فيه أو أُدخلت فيه بسبب قلة المعرفة والخبرة مرة والغرور والمكابرة وضيق الأفق وغياب الحكمة والطمع والجشع وروح التملك والإحتكار مرات عديدة لأكثر من عقدين وتطمع أن تزيد.
والروابط بين الرياضة والسياسة عديدة وذلك لإنخراط كتل جماهيرية عريضة فيهما من ناحية ومن الناحية الأخري تحوّل الرياضة الي لغة عالمية تتحدثها كل الدول والشعوب، وتُضبط بقوانين ولوائح وتنظيم عالمي يتحدث بلغة مفهومة وسلطة نافذة ومحترمة يشترك كل العالم في تكوينها، ويسبب اي تجاوز لقوانينها ولوائحها فرض العقوبات والحرمان الدولي من خيراتها وينبذ مرتكبها علي المستوي الدولي، وكذلك الديمقراطية مع فوارق بسيطة فهي أيضا اصبحت لغة عالمية أو صيرورة تاريخية مثلت خلاصة التجارب الإنسانية لحل اكبر معضلة واجهها المجتمع البشري وهي مسألة الحكم والسلطة، وهي لغة تكتسب فاعليتها في بيئة اكثر عقلانية وحداثة وفي نفس الوقت تشجع عليهما لإكسابها مزيداً من القدرة والكفاءة لمعالجة الإشكالات الوطنية المتجددة بتجدد الحياة وتنوع المشارب والإهتمامات، ولكن المؤسف في شأن الديمقراطية أن عدم الإلتزام بكل شروطها وإنتقاء الجانب الإجرائي منها أو حتي الإنقلاب عليها وركلها بعد الوصول الي السلطة أو شيطنتها وإكسابها بعد تحريمي، لا يجد رد الفعل المناسب والحازم من المؤسسات الدولية ذات الصلة بها! وإنما تلجأ تلك المؤسسات كما عودتنا دائما للبحث عن مصالحها والصحيح مصالح الدول المسيطرة عليها وتساهم بنصيب الأسد في ميزانيتها وبالتالي تتحكم في قراراتها، وتقدم الديمقراطية بمعناها الشامل قربانا لتلك المصالح ومطية للتدخل الخارجي وتشكيل الملعب الداخلي بما يتوافق وتلك المطامع، وتحدثنا بلسانٍ مَصلحِي مبين عن السلم الأهلي وأستقرار الأوطان، وتغض الطرف عن منتهكي النظم الديمقراطية والشرعية اوتفرض عليهم عقوبات مخففة او مخجلة لا تتناسب مع حجم الجرم والضرر الذي تسببه تلك الإنتهاكات او تفرض عقوبات تصيب الشعوب بصورة حصرية وتزيد من محنتها وتعمق إنعدام الثقة بتلك المؤسسات وهو سلفا لأ يعاني من الخمول، وتعطي الأنظمة التسلطية منتهكة الشرعية مبرر إضافي لتسلطها، والأدهي والأمر إعتراف تللك المؤسسات نفسها بهم وقبولها تمثيلهم فيها بوصفهم شركاء!! وكل ذلك يكسبهم شرعية زائفة يعلم الجميع غربتهم عنها وغربتها عنهم، مما يحدث ربكة وتشوه تزيد من شلل تلك المؤسسات وتصيب مصداقيتها في مقتل، وتحرج حتي من يتصدي للدفاع عن الجانب المشرق لتلك المؤسسات أو يعمل داخل اروقتها وينفذ برامجها ومخططاتها ويستمتع بامتيازاتها وعلاقاتها.
وايضا ما يجمع بين الرياضة والسياسة في بلادنا المنكوبة بخاصة أن جمهورنا الرياضي جمهور عاطفي وبه شبهة غوغائية ويميل لتصديق كل المدح والتعظيم لفريقه ولأعبيه، مهما كانت غرائبية وعجائبية ومبالغة تلك الأوصاف والصفات ومفارقتها البينة لأرض الواقع، مع النفور التام من النقد الموجه لتلك الفرق وإعتباره نوع من العداوة والحقد والتحريض، مع رفض او عدم تصديق بعض الأصوات العقلانية التي تضع النقاط علي الحروف وتمس بقلمها الشجاع وفكرها النير المستقيم مواطن الداء، كسوء الحالة العامة وسيطرة الراسمالية علي الإدارات بصورة بابوية وملكية، بطريقة أنا أدفع فانا أتحكم في كل شئ، وانا النادي والنادي أنا، وترافق ذلك مع ضعف إمكانيات الأندية المادية وتدني مصادر دخلها وضعف قدرات اللاعبين المحلين وعشوائية الإحتراف والبرمجة المعكوسة(المشاترة) وتمركز الرياضة في العاصمة بصورة أساسية وإنحياز الإتحادات الرياضية القومية لها، وفشل الخطط او انعدام الوسائل الحديثة لإكتشاف المواهب ورعايتها وغيرها مما ظل يكتبه ويحمل همه اولئك الكتاب الرياضيون ولكنهم للأسف أقل شهرة ونفوذ في مجال الإعلام الرياضي وإسهمهم ومساهماتهم في حالة إنخفاض لدي المتلقي مشجع/رياضي/إداري/مسؤول ..الخ والدليل حال الرياضة الماثل الآن، وأيضا قابلية الجمهور الرياضي للتصديق بكل سهولة للتبريرات الفطيرة للهزائم المذلة التي ظللنا نتلقاها خلال الآونة الأخيرة، ويرجع مرة أخري مغمض العينين لمتابعة المباريات وكأن شيئاً لم يكن، ليتم إعادة إنتاج الهزائم بنفس الصورة وهكذا دواليك، دون ان يتخذ موقفا حازما تجاه الفرق المهزومة كفعل المقاطعة مثلا او رفع لأفتات خلال المباريات تعبر عن رفضها للتدهور والهزائم او إعطاء ظهرها للملعب كما شاهدت قبل فترة طويلة إحدي دوريات آوربا. وكذلك جمهورنا السياسي وهو علي العموم يتقاطع مع الجمهور الرياضي، نجده يستمع بإهتمام ويستمتع ويصفق ويهلل ويكبر، لخطابات سياسية فطيرة ومليئة بالتهويمات والأحلام والأوهام، من غير ان يتساءل عن آليات تنفيذها او الملل من تكرارها دون معرفة مصير سابقتها، او يربط ما بين واقعه المتدهور ونوعية هذه الخطابات التعويضية (بديل عن الواقع او الإستحقاقات التي تبرر حكمهم) وأن الحقائق العينينة و العملية الماثلة هي اكبر تحدي وكشف لهذه الخزعبلات والخطابات الرغبوية السلطوية، والسبب أن الجمهور لا يريد أن يرهق نفسه بالتفكير والتحليل أو دفع ثمن التغيير، لذلك نجده ميال لتصديق هذه الأوهام والنداء العاطفي الذي يعفيه من الكد والتعب وبذل الجهد لصناعة واقعة ومستقبله علي أسس أكثر عقلانية ومصداقية وجدية تحتاج لدرجة عالية من الإنضباط والتنظيم هو في حل عنهما، وتكفيه هذه الترهات التي يبرع فيها بعض السياسيين(الكلامنجية)، وكما قيل عن العرب انهم ظاهرة صوتية كذلك معظم الساسة السودانين فهم ظاهرة صوتية بل ظاهرة سرابية يحسبها الشعب ماءً وتنمية حتي إذا جاءها وجد عندها الجفاف والفشل، ووفته نصيبه من الحسرة والخزلان غير منقوص، وهي متورمة الذات لا تعبر عن الجمهور ومنفصلة عنه نفسيا وعمليا، لها همومها ومطامحها الذاتية وليس بالضرورة هموم الجماهير التي تتحدث بإسمها، ولكنها تستغل الجمهور وتسوّق نفسها عبر ترضيته، حتي ولو بالكلام الخالي من الصدق و الفارغ من المحتوي(كاويق كلام شالو الهوا بتعبير المرحوم حميد)، فليس المهم عقل او حاجات الجمهور الفعلية ولكن تصفيقه او دعمه لمصلحة مشاريعها الخاصة، مما أضعف السياسة وبالأخص اللأعبين السياسيين، من أن يتم إفراز سياسيون قادرون علي البناء والإنجاز وقيادة شعوبهم الي بر الأمان، عوضا عن تسلق العناصر الضعيفة وإحتكارها لمنصة العمل السياسي وتحكمها في الدولة والجمهور بطريقة آلية لتردي بهما الي دولة العطالة الشاملة وهاوية الدمار.
وإستلافنا مصطلح الكرت الاحمر من حقل الرياضة وإستخدامه هنا في حقل السياسة، بسبب دقة تعبيره ووصفه للحالة الحالية وجزاء من تسبب فيها، والكرت الأحمر كما يعلم الرياضيون وبصورة مبسطة عبارة عن عقوبة تفرض من قبل الحكم علي اللأعب الذي يرتكب مخالفة عنيفة تسبب خطر علي سلامة اللاعب المنافس، حتي ولو بنية الإيذاء فقط ولم يصب اللاعب المنافس مكروه حسب تقدير الحكم، وكذلك يعطي الكرت الأحمر في حالة تكرار الأخطاء البسيطة او الاقل درجة خطورة(تستحق كرت أصفر) أوبسبب سوء السلوك، ويمكن بمقارنة وحسبة بسيطة وتقدير او معرفة حجم الأخطاء التي يرتكبها السياسيون وبتطبيق قوانين الرياضة عليهم، لغادر ساحات العمل السياسي منذ وقت مبكر العشرت من السياسيين، ولنجَتْ بلادنا من أخطار كارثية تسببت فيها تلك النوعية من السياسيين التي أدمنت إرتكاب الأخطاء، ولكن لا حياة لمن تنادي ولا كروت حمراء في بنية نظامنا السياسي وشعاراته الأثيرة (عفا الله عما سلف وجنن تعرفو وديل شبعوا...الخ).
هذه المقدمة الطويلة هي مدخل لقضية إعادة ترشيح او عدم ترشيح قائد النظام والدولة قسريا لقيادة هذه البلاد المستباحة مرة أخري، وهي قضية سرت كالنار في هشيم الواقع الجاف واليابس بفعله وجماعته الضالة، ومن يسمع هذه الضجة المثارة والمفتعلة ينتابه شعور كأن من يراد التجديد له، هو شارل ديغول أو ونستون تشرشل او مهاتير محمد او غيرهم من الزعماء الذين أحدثوا تاثيرات عظيمة في مسيرة بناء بلادهم وتنميتها وإستقرارها والقفز بها الي الأمام خطوات، وفرض إحترامها وهيبتها وهيبة مواطنيها علي العالم الذي لا يحترم ويكترث إلا للكبار، ولكن العجب وكل العجب أن يثار كل هذا الضجيج والغبار لمن قاد بلاده الي التقسيم، والإنهيار الكامل لكل مشاريعه الإنتاجية والخدمية، وفرض علي شعبه الفقر وأمراضه الإجتماعية، ويعيش جزء عزيز من بلاده علي إيقاع الحرب والإقتتال و يعاني شعبها مأساة النزوح واللجوء والتشرد والإقامة الجبرية تحت رحمة الطبيعة والمنظمات الأجنبية أعطته او منعته او تاجرة بقضيته! ولكن قبل الحديث عن هذه القضية هنالك إشكالية مهمة او مغيبة ولكنها مركزية بل تمثل لب القضية، ويعني تجاوزها وقوفنا المستديم في نقطة الصفر او الانحدار الي أسفلها لعقود أخري، وهي أن رئيس النظام قام بإنقلاب علي الشرعية الديمقراطية نقطة سطر جديد. والقفز علي هذه الحقيقة البديهية وإكسابها بعد شرعي، بسبب طول المدة او بحجة قانون الأمر الواقع او بسبب ضعف وعجز الأحزاب السياسية المعارضة، لا يعني باي حال من الأحوال أنها أصبحت لأغية او غير موجودة او أنها قيدت ضد مجهول، بل حتي إعتراف الأحزاب بضعفها وقلة حيلتها لا يمثل فضيلة، ولكن الفضيلة تكمن في التخلص من هذا الضعف والعجز وإحسان الظن بالنظام! والتوحد والتكاتف بين الأحزاب المعارضة لمواجهة هذا الواقع المغلوط بثبات من أجل تغييره أو علي الأقل الصمود في مواجهته حتي يأتي أوان تغييره، وقبل ذلك تحديد هدفها الأساسي الذي يساعدها علي هذا التماسك وهو التخلص من النظام، الذي يعني حضورها وحضور السياسة والأمل مهما كانت درجة صعوبة البناء والقيام من تحت هذا الركام، لذلك ما يتردد الآن عن تشريح او عدم ترشيح وإنقياد الجميع لمثل هذا الحديث يهدر دم القضية الأساسية، وهي هل الرئيس ومن خلفه النظام شرعيان ام غير ذلك، والسبب كيف يؤتمن رئيس ونظام فاقدان للشرعية علي الشرعية وكيف نثق في كيان إنقلابي أن يقيم القسط علي أسس ديمقراطية، والمتتبع لهذا الكيان أي ما يسمي بالحركة الإسلامية وطوال تاريخها المراوغ و تقلباتها في كل مرحلة لتتعايش مع كل الفصول، وممارساتها سواء في معارضتها الكيدية التخريبية او من خلال السلطة المطلقة التي تحصلت عليها غدرا! يجد أنها كانت أكبر عبء علي العملية السياسية ونكبة حقيقية علي البلاد ويجدها لعبت الدور الأساسي في تعطيل البناء الديمقراطي وعرقلة المسيرة الوطنية لعدة اسباب
أولا رفضها العلني او المبطن للديمقراطية كنظام حكم وآلية تدار بها العملية السياسية بعدالة، فهي تعترف بها فقط تحت إكراهات الواقع أو كوسيلة للوصول الي السلطة او السيطرة عليها عن طريق التزوير والتلاعب بها، او من خلال خطابها الموجه للخارج (الكافر) بغرض كسب وده و خداعه وتخويفه او تحييده لفرض مزيد من التسلط علي الداخل، وديدنهم في ذلك الغاية تبرر الوسيلة.
ثانيا تعتقد أنها تمتلك الحقائق المطلقة حصريا او تعتنق أيدويولوجية ترتكز علي وهم التميّز والقدرة السحرية علي حل كل الصعوبات في غمضة عين وإنتباهتها، وعندما تفشل في ذلك كما هو متوقع، لتعدد وتعقد المشاكل وبالتالي تتعدد طرق ووسائل الحل، بعد طرحها ودراستها بتعمق ووضع خطوات الحل في حدود الظروف المحيطة والأمكانات المتاحة، نجدها تلجأ للإنكار والدفاع عن النفس وخلط المشاكل والمواضيع والقضايا ببعضها البعض، لتزداد المشاكل تعقيداً والأوضاع تأزماً ولا تجد مخرجا غير الهروب الي الأمام، وإعتبار كل تلك الإشكالات كأن لم تكن او تخلق عداوت وهمية لحرف أنظار الجمهور عن واقعه المعاش الذي يحاصرهم بالصعوبات وإستحالة العيش في ظله، او يدعون انها مؤامرة او اخيرا اكتشفوا المشكلة الحقيقية وهم قادرون علي حلها بعد ان عرفوها الآن وهم يحتاجوا فقط لمزيد من الوقت والصبر!
ثالثا تميل الي إبعاد او محاربة الآخرين من أحزاب وتنظيمات سياسية أي تكتفي بذاتها وهل بعد الإكتمال نقص يحتاج للإكمال! ولذلك تصادر الملعب السياسي وتمنع المافسة المتكافئة بين الأحزاب لتثبت جدارتها وأهليتها وأحقيتها لإدارة الدولة، والمنافسة الحرة مطلوبة لذاتها و بشدة لتقوية التنظيمات السياسية من جهة والعمل السياسيا من الجهة المقابلة، وبقول وأحد هي المياه التي تعيش فيها سمكة التجربة الديمقراطية ولولاها لإنعدم اكسجين البقاء الذي يمنحها الإستمرارية، وبتعطيل هذه المنافسة الحرة بسبب الإنقلاب الذي تبنته ورعته وقوته وما زالت تشكل له الدعامة والوقود للاستمرارية الخاطئة، حرمت نفسها وبقية القوي السياسية من هذه النعمة(المنافسة الحرة)، وعطلت عجلة الخبرة إبنة الممارسة الحرة، وبددت ميراث تراكم التجارب الديمقراطية القصيرة، الذي يمكنها من تلافي القصور وتدارك الاخطاء قبل إستفحالها، والنتيجة نضوج التنظيمات السياسية وإزدهار التجربة والممارسة الديمقراطية وإنعكاسها علي إستقرار البلاد و من ثم التوجه لتطويرها.
رابعا عدم معرفتها وفهمها للمجتمع السوداني وتطوره عبر التاريخ وتعقيدات الحاضر وتنوعه وثراء مكوناته، وتاليا إخضاعه لمزيد من الدراسة والتفكير المبدع والخلاق لإدارة مجتمع بهذا القدر من التنوع والثراء، عوضا عن المنظار الآحادي لرؤية كل الوطن بكل تشكيلاته، بغض النظر عن هذا المنظار إسلامي/عروبي/افريقي لأنه يستحيل لإتجاه واحد او مكون واحد مهما كان عدد منسوبيه ودرجة وعيهم ان يسيطروا علي هذا الوطن الشاسع المتعدد، ويفرضوا عليه وجهة نظرهم الخاصة، بما يحرم الآخرين من رؤية أنفسهم ممثلين في هذه السلطة التي تديرهم، وتاليا عدم هدهدة مخاوفهم وإستيعاب حاجاتهم وتطلعاتهم والأهم الاستفادة من طاقاتهم وقدراتهم ودمج ثقافتهم في الكل الوطني لتنتج لوحة شاملة تعبر عن كل المحتوي الداخلي للوطن، وهذا ما فشلت فيه الحركة الإسلامية بامتياز، وذلك ليس لضعف كادرها وقصور همتهم فقط ، وأنما يرجع بالأساس لفساد المنهج وبطلان الوسائل، أي خطأ المقدمات يستلزم فشل النتائج ولأ عبرة للمحاججة والإنكار والتبرير والإنتظار.
خامسا طريقة إدارة الحركة الإسلامية نفسها قائمة علي المغالبة، وفي الحقيقة السيطرة الآحادية او الفردية، اي رئيس الحركة يمثل مجمل الحركة، حركاتها وسكناتها والصاح المطلق داخلها، ويُعرَّف العضو داخلها بالرئيس وليس بمبادئها وتنظيمها (هذا إذا جازت هذه الالفاظ في حقها) ولذلك يردد الجميع صدي صوته وأفكاره بصورة(بغبغائية) وفرح وإنبهار، كأنها آيات قرآنية او كلمات سيدنا المسيح، وبطريقة آلية خالية من التفاعل والإنفعال او الإقناع والإقتناع او الإنكار والرفض(ام الكبائر)، وبقول آخر القائد الملهم والأب الروحي أعفي الجميع من مغبة التفكير وتحمل المسؤولية، وقراراته نهائية لا تحتمل الخطأ ولا يقبل المراجعة(مِن مَنْ كلهم تلاميذ علي مقاعد الدرس وأتباع للطريقة طالما عاش المعلم الروحي)، هذا المسلك تحول الي ثقافة او طريقة حياة داخل الحركة، وترك أثره النفسي والمعنوي في كل من ينتمي للحركة أي إحساس بالدونية وقلة الفعل والإنجاز علي المستوي الفكري والتنظيمي، وللتعويض عن هذا النقص وقلة المواعين التي تستوعب طاقات أفرادها المعطلة والطموحات المكبوته، مَثَّل القيام بالإنقلاب حل لمشاكل الحركة بالأساس وليس له صلة بمشاكل البلد من قريب او بعيد، ولكنه أتخذ من ذلك غطاء اوقميص عثمان ليسهل لهم إضفاء نوع من المشروعية علي ذلك الفعل، ولاشباع مرض سلطوي قديم يؤكد تفردهم وأحقيتهم بالملك منذ دخولهم لساحات العمل العام، لكل ذلك كان الإنقلاب هو الحل المثالي لكل تلك الإشكالات اي طموح الشيخ بالرئاسة وحصول البقية علي باقي الأنصبة من الغنيمة، ولا عزاء للمبادئ الإسلامية التي فلقوا بها رؤوس المواطنين وصدعوا بها راس التنظيمات المنافسة، ولا إحترام لمشاعر دراويش الحركة الظانيين بها خيرا!(كلمة دراويش ليس المقصود منها الإستخفاف بهم او التقليل من شأنهم كما درج علي استخدام هذه الكلمة احيانا، ولكن المقصود أن إنجذابهم للقائد/الشيخ غيب عنهم الحقائق الظاهرة واعمي بصرهم عن رؤية النقائص البشرية، وعموما علي المستوي الأخلاقي هم افضل أعضاء الحركة أما علي المستوي السياسي والعملي فهم أسوأ أعضاءها وذلك بسبب سهولة استغلالهم وتوظيفهم بواسطة الرئيس/الاب الروحي )، لذلك عند الإستيلاء علي السلطة بصورة إنقلابية لم يجد هذا الفعل الأخرق والمفارق لقيمة حفظ العهود، والحنث بالقسم المغلظ علي حفظ الدستور، أي إعتراض ظاهر(المقصود التخلي عن الحركة ورفض هذا المسلك وإعلانه علي الملأ) ولا التساؤل عن مدي مشروعية هذا الفعل من بقية الاعضاء، بل التسليم والقبول أو الإعتراض الخجول الذي لا يمس المكاسب المتوقعة، ويمكن تفسيرها او تغليفها باشواق اعضاء الحركة علي بسط دولة المدينة علي كل البلاد الكافرة مهما كانت الوسائل! وحتي الإعتراضات القوية ظهرت بعد فترة طويلة وظهور معادل السلطة او فتنتها وهي أكبر مفرق للحبايب والأقارب واصعب امتحان تبتلي به الضمائر وتبلي به السرائر كما علمنا كتاب التاريخ، لذلك تأخر ظهور الإعتراضات حتي ذاك الحين قلل كثيرا من قيمتها المعنوية والعملية ولكنه لحسن الحظ لم يفقدها كل قيمتها، كونه يأتي متاخرا خير من ألا يأتي نهائيا ، والخلاصة أن المساهمات الفكرية والتنظيمية من بقية الأعضاء كانت خجولة وتتحرك في الهامش وليس المتن، أي بعيدا عن مسائل من عينة طريقة الحكم الصحيحة، وتداول الحكم سلميا وطريقة الوصول اليه، والرقابة والمحاسبة وكيفية مشاركة بقية قطاعات الشعب في ذلك، وموقع قيم كالعدالة والحرية وحقوق الانسان من ذلك النظام المتخلق في طور التنظير وآليات إنزاله لارض الواقع بعد الحصول علي السلطة، بالطبع لم نتحدث عن عزل الرئيس/الشيخ او محاسبته لغياب هذ الأمر ليس عن فكرهم وتنظيمهم فقط ولكن بسبب غيابه حتي عن الإرث الذي ينهلون منه اي مصادر هذا الفكر والمقصود تاريخ السلطة الإسلامية عبر تاريخها الطويل، لذلك تناول هذه النقطة بالذات دونها خرت القتاد وكما ذكرنا سابقا، لعبت التربية الداخلية والتراتبية التنظيمة أكبر عائق لتجاوز هذه المعضلة، ويسبب مجرد الإقتراب منها لصاحبه متاعب وتهم وتخوين جزاءً لهرطقته، هذا إذا لم يخرج من جنة التنظيم الي جحيم الفصل والإبعاد نهائيا من الجماعة المسلمة!
المهم قامت الحركة بإدارة البلاد بنفس أساليب إدارتها الداخلية اي المرجعية للقائد الملهم/ الرئيس الفذ/الشيخ المبجل وبالتالي غياب المؤسسية والمحاسبة، وفي مثل هذه البيئة يصعد الي أعلي كل من يستلطفه او يجد القبول لدي القائد/الشيخ، ولا نحتاج لشرح طريقة الحصول علي ذلك القبول! وتخيلوا عندما تكون هذه هي الوسيلة الوحيدة للصعود والترقي، كيف سيكون حال اولئك المترقون او الصاعدون او من يملكون المناصب والإمتيازات وما يسببه ذلك للمنصب من هوان وللبلد من تردي وللكرامة من مهانة.
لذلك ما يجري الآن من زوبعة الترشيح وعدم الترشيح يأتي كخلفية لهذه المسيرة الطويلة من الفشل والتردي والإستبداد والظلام وطريقة العمودية(من العمدة بلهجة ابناء عمومتنا المصريين وشركائنا في نصيبنا من حكم الاسلاميين) لإدارة البلد، ونعني بذلك لدي العمدة كل السلطات من الحكم والقضاء وتنفيذ العقوبات وإمتلاك كل الاطيان بالحق او بالباطل والإستيلاء علي مجمل الريع كملك يمين، وتوزيعه بمزاجه وما يراعي مصالحه وبقائه في العمودية، ويعني ذلك بالمجمل غياب الدولة، وعندما تغيب الدولة يتحول كل موظف أو ضابط او مدير او مؤسسة الي دولة بطريقته/ها الخاصة او تقوم هذه التنويعات مقام الدولة في تصريف امورها/مصالحها الخاصة، وعندها تتحول الدولة الاصلية لمجرد غطاء لعديد من الدول الباطنية التي تتعدد بتعدد الافراد والنفوذ وتمتلك السلطات الفعلية، وينعكس ذلك علي المجتمع اي بدلا عن اللجوء الي مؤسسات الدولة الطبيعية، يلجأ لاولئك الافراد(الدول الداخلية) الذين ينجزون له أهدافه بفاعلية وفائدة أكبر من الدولة الطبيعية! وعندها تكتسب كلمات مثل الواسطة فعل السحر والجاذبية والقدرة، وفي نفس الوقت يثير فعل اللجوء او الإحتكام لمؤسسات الدولة الطبيعية السخرية والازدراء ويعكس قلة الحيلة والعجز! كل ذلك أوصل بلادنا الي هذا الدرك السحيق، وكل من يغب عن السودان ولو لفترة بسيطة، يجد نفسه عند عودته غريب الوجه واليد واللسان والمزاج، ويشعر كأنه هبط الي دولة أخري او مجتمع آخر لم يألفه، ولولا نهر النيل وسحنة أقوام أهله التي لا تخطئها العين، لفكر في الرجوع من المطار وهو يغالط نظره وإحساسه ان هذه بلاده او هؤلاء إخوته الذين تربي معهم وعرفهم عن قرب، فهم تائهون بائسون محبطون تبدو عليهم آثار المثغبة والتعب والضياع، فقدوا البهجة والإبتسامة، كارهون لأنفسهم والحكومة والحياة، غاضبون من حاضرهم ولحظتهم وراهنهم، خائفون علي مستقبلهم واشد خوفا من غدهم الذي يعدهم بمزيد من إرتفاع الاسعار والمعاناة والضيق، يأكلون ويشربون ويتزوجون بطريقة آلية خالية من المتعة والانس وراحة البال، يعيشون فقط بقوة دفع سنة الحياة الماضية، ولولا ذلك لتوقفت الحياة منذ أمدٍ بعيد بدلاً عن هذه المسيرة العرجاء التي تقتطع من المستحيل عنوة مساحة للبقاء، فقد أصبح السودان وطناً تسكنه الأشباح يعمره الخوف والمجهول يحاصره اليأس والإحباط مفخخا وعرضة للإنفجار والحرب الاهلية والتشظي والضياع، لكل ذلك نرفع الكرت الاحمر عاليا ونشهره في وجه الجماعة الضالة ورئيسها أن اخرجوا من ملاعبنا اعتزلوا السياسة اختفوا عن المشهد عذبتونا كرهتونا كفانا دمار.
عبدالله مكاوي
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.