البرهان يتفقد مستشفى الرباط ويوجّه بتطوير الخدمات الطبية الشرطية    (أماجوجو والنقطة 54)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    مجلس الهلال يترقب قرار الانضباط ويعلن الاستعداد للتصعيد.. والكاف في مأزق كبير    حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد إيمي سمير غانم.. "كورال" مصري يغني أغنية الفنانة السودانية توتة عذاب "الترند" وشاعر الأغنية يعبر عن إعجابه    شاهد بالفيديو.. حمزة عوض الله يهاجم الشاعرة داليا الياس بسبب تبادل السلام بالأحضان مع المطرب شريف الفحيل ويصف المدافعين عنها بأصحاب الفكر الديوثي    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الصادق المهدي مفكر متنازع بين هويتين

يعتبر السيد الصادق المهدي, زعيم حزب الأمة و أمام الأنصار,واحدا من الشخصيات السياسية السودانية المؤثرة في الساحة السياسية, من خلال أطروحاته المتواصلة في شتي القضايا دون تمييز, و هذه الخاصية ترجع لسعة اطلاع الرجل و متابعته للقضايا السياسية و الثقافية و العلمية, ليس داخل السودان فقط, أنما في المحور الإقليمي و في العالم, و إن كان مبحثنا يحاول إن يتناول السيد الصادق في محوره القطري, مركزا علي الجانب السياسي. و محاولة تتبع الشخصية منذ بذوق نجمها في الحقل السياسي, تحتاج إلي عشرات الكتب, باعتبار إن السيد الصادق " الأمام" قدم أطروحات كثيرة, و مبادرات عديدة, حول حل المشكل السوداني, و تتغير أطروحاته تبعا لتغير الأحداث, و التحالفات التي يقيمها حزبه في الساحة السياسية, و أيضا للتغييرات التي تحدث لقاعدة الحزب, بسبب تغيير و تتابع الأجيال و انتشار فرص التعليم, و هي كلها أسباب لها انعكاساتها علي الوعي السياسي و الجماهيري, و تلقي بظلالها علي المؤسسة الحزبية و الدينية, حيث إن حزب الأمة يختلف عن بقية الأحزاب المتعارف عليها, فهو مؤسسة ذات شقين متعارضين من ناحية تناول الموضوعات, و من ناحية القواعد التنظيمية التي تحكمه, و هي القاعدة التي تقوم عليها الهوية, و لكنها أيضا تؤثر في الأطروحات الفكرية لزعيم الحزب, و غالبا من تضعفها من ناحية المضمون, لأنها تقوم علي تقاربات قائمة علي الرضي, و ليس علي المنهج العلمي السليم, الأمر الذي يجعل السيد الصادق يقدم العديد من المبادرات للمشكل الواحد, لأنه يحاول أن ينطلق من هويتين يريد أن يثبتهما في أطروحة واحدة و هنا يقع الخلل.
معروف لكل من يهتم بشخصية السيد الصادق " الأمام" إن الرجل جاء إلي الحقل السياسي علي ركيزتين, الأول علمه حيث تخرج من أعرق الجامعات البريطانية في العلوم السياسية, و إن الرجل قد أظهر من باكورة أيامه أنه كثير الإطلاع أكسبته معارف واسعة, و رجل متابع للأحداث, و يختلف عن النخب السودانية أي " أقرانه" أنه يميل إلي التدوين بعيدا عن الشفاهة, لذلك يمكن محاكمته من خلال كتاباته, عكس النخب السياسية ألأخرى, التي تميل إلي المشافهة دون التدوين,و أيضا كان السيد الصادق قد اصقل نفسه بتجربة معاشة و حية لممارسة الديمقراطية و الثقافة الديمقراطية و السلوك الديمقراطي, من خلال إقامته في بريطانيا و هو طالب علم, فكان متابعا للحركة السياسية في بريطانيا, و مطلعا علي أهم مخرجات المكتبات حول قضية الديمقراطية و الليبرالية و هي التي فتح أفاق في مسيرته التاريخية, و الركيزة الثانية, نسبه, باعتبار أنه من بيت المهدي, و هاتان الركيزتان هما اللتان حملتا السيد الصادق لقمة الهرم السياسي, حيث أصبح الصادق المهدي في فترة وجيزة رئيسا لحزب الأمة, ليس لمقدراته الذاتية و العلمية و لكن لتوازنات أسرية, هنا نستطيع أن نقول إن نسبه أسرع بالرجل للقمة في السياسة.
لقد أظهر السيد الصادق المهدي ذكاء في بداية حياته السياسية, و هو الذي كان يغمره الطموح و الأمل, في أن يكمل رسالة والده السيد الصديق عبد الرحمن المهدي, و الذي كان مكان رضي و قبول من كافة القوي السياسية السودانية, لذلك لم يقف السيد الصادق عند دائرته الانتخابية, و التي نالها بعد أن بلغ الثلاثين من عمره, متخطيا شرط الدستور و اللوائح, و يصبح أحد قيادات حزب الأمة, و إن الرجل كان ذو طموح و هدف, إلا أنه استطاع أن يدعم هذا الطموح بأعمدة قوية يستطيع الصعود عليها للوصول إلي قمة الهرم, فمال السيد الصادق للقوي الحديثة في حزبه, و أيضا استعمل اللغة الحديثة في السياسية و التي تتوافق مع الجيل الجديد الذي بدأ يظهر في حزب الأمة بهدف التغيير, و في ذالك الوقت كان السيد الصادق المهدي بهوية واحدة, باعتبار أن قرأته و متابعاته أقنعته أن العمل السياسي هو الذي سوف يبرزه كشخصية متكاملة الأركان للمجتمع الداخلي و الخارجي, مما جعله مهتما بالعمل السياسي دون البحث عن الإمامة, فكانت شخصيته متزنة و مترابطة في الممارسة و القول, فصراعه لم يكن دائرا داخل حزب الأمة في كيفية تحديث و تطوير الحزب فقط أنما أيضا بصعود قوة جديدة للقيادة, و أيضا كان مهموما بقضايا القوي السياسية الأخرى و كيفية تطويرها, و لاسيما إن الديمقراطية تحتاج لقوي تستطيع أن تسهم في عملية التحديث و التطوير باستمرار,, حيث هناك الحزب الوطني الاتحادي و الذي تحول بعد الاندماج مع حزب الشعب الديمقراطي إلي " الاتحادي الديمقراطي" حيث بدأت الطائفية تفرض شروطها في الحزب رغم إن الأغلبية في القيادة كانت من الطبقة الوسطي المثقفة ذات التنوير و لكنها تراجعت عن رسالتها, و أيضا هناك الحزب الشيوعي السوداني, ثم أخيرا الحركة الإسلامية بكل تفرعاتها و جميعهم يعتمدون علي الطبقة الوسطي, و معروف إن حزب الأمة كان يعتمد علي طبقة شبه الإقطاع, رغم إن بعض قياداته كانت من القوي الحديثة, هذا التكوين أراد السيد الصادق المهدي إن يغير تركيبته, من خلال, استمالة عناصر جديدة في المجتمع, تحدث تغييرا مفاهيميا في الحزب من ناحية الوعي و التنظيم, لذلك كانت معركته مع عمه الهادي المهدي رئيس الحزب و أمام الأنصار, حيث إن الصادق كان هدفه إن يتخلي عمه عن رئاسة الحزب و يحتفظ بالإمامة, في ذلك الوقت لم يكن السيد الصادق مشغولا بالإمامة.
الخلاف الذي نشب بين السيد الصادق و عمه و أدي إلي انشقاق الحزب طوليا,أدي إلي أن يتبني السيد الصادق المهدي أطروحات جديدة, و حاول أن يتوسع وسط القوي الجديدة, و لكن عقب الانتخابات و التي فشل السيد الصادق المهدي في الفوز بدائرة كوستي و الجبلين و التي كان قد فاز فيها السيد محمد داؤود الخليفة جناح السيد الإمام, كانت لها وقعها الشديد علي السيد الصادق, حيث جعلته يفكر بعمق في مسألة الإمامة, في اعتقاد إن سبب فوز منافسه هي أوامر الإمام التي لا يستطيع الأنصار مخالفتها, ففقد الصادق المهدي لدائرته, كانت نقطة تحول في مفاهيم السيد الصادق, و رجوع في الفكر عند الرجل, و هنا بدأت تتسرب إلي أطروحاته الفكرية في المزج بين تطلعاته في السياسة و في نفس الوقت محاولته أن يقدم خطابا لا يبتعد عن جموع الأنصار, الأمر الذي أثر في انطلاقته في الجانب السياسي, و تراجع عن فكرة التطوير و التحديث في المؤسسة السياسية لكي تأخذ بمعاير المؤسسات السياسية التي كان قد عايشها أبان وجوده الدراسي في بريطانيا. كتب غرهام ف توماس في كتابه " السودان موت حلم" ( كان الصادق في صغره راديكاليا مع أنه ظل رجلا من الأنصار عن اقتناع و مسلما متمسكا بتعاليم دينه كان يؤمن بدولة علمانية تقوم في السودان) كانت الظروف السياسية و البيئة التي عاش فيها الصادق المهدي, تؤثر بشكل مباشر علي تكوين الرجل الفكري, حيث التجاذب بين المنهجين و الفكرتين تضعه موقف يحاول أن يقارب بين الفكرتين, و لكن كانت المحاولة علي حساب الفكرة الأولي, الأمر الذي أضعف ما هو مقدم لأن الاجتهادات هنا ليست قائمة علي الأفضلية, و لكنها قائمة علي الرضي, و هنا يأتي التأثير السلبي علي المخرج. باعتبار إن السيد الصادق إذا كان طرح نفسه مفكرا دينيا, لا يمنع إن يقدم اجتهادات في الفكر السياسي, لآن المرجعية تكون معروفة, و لا هو ثبت في هويته الأولي كسياسي يحاول أن يقدم أطروحات دينية في السياسية و يختار مرجعيته الفكرية, و لكن الصادق المهدي يريد أن يمسك بالمنهجين مع مرجعيات هلامية, و هنا تجعل الضعف في أطروحاته الفكرية و التي تحمل هويتين متعارضتين.
نجد إن الصادق المهدي بدأ إسهاماته الفكرية في كتابه الذي صدر عام 1964 " في مسألة جنوب السودان" و هو اجتهاد مقدر قد سبق به القوي السياسية الأخرى التي لم تقدم أية أطروحات في ذلك الوقت, سوي إن الحزب الشيوعي قدم بعد ذلك رؤيته في إصدارته " الماركسية و قضايا الثورة السودانية" و هذا يؤكد إن السيد الصادق كان مجتهدا في تقديم نفسه كقوي جديدة تحمل مضامين جديدة, حتى أصطدم بالواقع الذي جعله يتراجع عن ذلك خطوات لكي يسوق معه فكرة الإمامة لكي يبرز الصادق المهدي بهويتين. كتب الدكتور منصور خالد في كتابه " النخبة و إدمان الفشل – الجزء الأول" ( تعود أزمة النخبة في جوانبها الفكرية إلي تصدع الذات الذي يقود بطبيعة إلي فجوة بين الفكر و الممارسة بين ما يقول المرء و ما يفعل بين التصالح مع الواقع السلبي في المجتمع و الإدانة أللفظية لهذا الواقع و الذي نتحدث عنه هو حالة نفسية علي مستوي النظر و الممارسة للتلبيس في الفكر و التخطيط في الأداء أيا كان نوع البزة التي يرتديها النخبوي إذا سمي نفسه أمميا أو قوميا أو ليبراليا أو إسلاميا) ربما يرجع التناقض في الشخصية السودانية السياسية يرجع لضعف الثقافة الديمقراطية في المجتمع من جانب, و قصور فترات النظم الديمقراطية من جانب أخر, باعتبار إن النظم الشمولية ليست فيها مساحات من الحرية تسمح للنخب أن تقدم فيها اجتهادات فكرية تنتقد الواقع و الممارسات السياسية, و لكن بالنسبة للصادق المهدي التراجع لأنه حاول أن يصطحب في مسيرته السياسية المؤسسة الدينية, و إن يقدم اجتهادات تحاول أن تكامل, و في نفس الوقت تفرق بين المؤسستين, و لا أريد أن أقول هي أكبر من مقدرات الرجل, و لكنها مهمة تشتت الجهود, و يصبح ما يقدم هو نصف العطاء مقسوم علي أثنين, و هي المشكلة التي أوقع الصادق المهدي نفسه فيها.
و قضية الديمقراطية في فكر الصادق المهدي فيها خلال كبير و مبهمة, رغم إن الصادق المهدي يعتبر من القيادات التي تعرضت لأذى جسيم لموقفهم من الانقلابات, و لكن الواقع يقول غير ذلك, فالصادق المهدي في أول مؤتمر صحفي له بعد المصالحة مع نظام جعفر نميري عام 1977 قال فيه ( أننا لا نرفض نظام الحزب الواحد و ربما يكون فيه حل لمشاكل السودان) ثم قبل الصادق المهدي في اتفاق المصالحة أن يدخلوا في الاتحاد الاشتراكي و في مؤسساته. و كتب الصادق المهدي عام 1992 مسودة أطلق عليها مشروع سلام عادل في السودان أكد فيها علي ( نظام الحكم في السودان يلتزم بحقوق و بحرياته الأساسية و يكون ديمقراطيا بمعني الكلمة و يكون شكله الديمقراطي ملائما لظروف البلاد متجنبا السلبيات التي كشفت عنها التجارب) إذا تفحصنا المقولة لا تحدد شكل و نظام الحكم بل تتحدث عن حقوق في النظام السياسي, و هنا يقع الصادق المهدي في تناقض بين الشعار و بين الفكرة, حيث أن الرجل يمكن أن يتفاوض علي نظام الحزب الواحد لكن ليس بأطروحات الآخرين, أنما بأطروحاته الذاتية. لأن الصادق المهدي يعتقد أنه المفكر الذي يجب أن يغتدي الآخرون بأطروحته. كتب المفكر الأمريكي صمويل هنتنتون في كتابه " النظام السياسي لمجتمعات متغيرة " ( من الواضح إن الزعامة التي سوف تبادر إلي إنشاء مؤسسات سياسية تدوم يجب أن تكون من القوي الاجتماعية في الطبقة الوسطي و أن تكون موضع إعجاب هذه القوي) و يضيف قائلا ( إن الزعامة البطولية الجذابة قد تتمكن من القيام بهذا الدور حيث تكون المؤسسات السياسية ضعيفة أو منهارة أو مهزومة تستقر السلطة غالبا بين يدي زعماء جذابين يحاولون أن يسدوا الثغرة بين التقليد و العصرية بإعجاب الناس الكبير لهم) و هنا نسأل هل السيد الصادق استطاع أن يسد الثغرة بين التقليد و التحديث؟ إن الصادق مشكلته أنه يضع عدة أهداف يحاول في مسيرته التوفيق بينهما, و هذه تبعده عن التركيز, فالهدف الواحد لا يمنع أن تكون داخله عدة مضامين يسعي السياسي لتحقيقها, و لكن مشكلة الصادق المهدي يقدم عدة أفكار يعتقد أنها جميعا إستراتيجية, لذلك تجعل مسحاته في المناورة ضيقة و تكتيكاته لا تصب في الإستراتيجية, و دلالة علي ذلك إن الصادق المهدي وقع مع الإنقاذ عددا من الاتفاقيات بدأها بلقاء جنيف و حيبوتي و غيرها و جميعا لم يحقق فيها شيئا منظورا, و هذا يعود لأنه لا يفرق بين الإستراتيجية التي يصبو إليها, و بين محاور تكتيكاته, و هي مشكلة عند العديد من السياسيين السودانيين.
في خطاب الصادق المهدي عقب الانتفاضة و عقب الانتخابات, قال إن حزب ألأمة قد زحف للسيطرة علي الطبقة الوسطي, و إن فوز حزب الأمة بعدد من المقاعد في المدن و الحضر, يؤكد إنه استطاع أن يتمدد في منطقة الوسط, و يعلم السيد الصادق إن الطبقة الوسطي ليس بمكان, أنما هي مفاهيم, فالطبقة الوسطي هي طبقة التنوير في المجتمع و هي التي تحفظ التوازن فيه, و هي الطبقة التي يقع عليها عبء التنوير, و ليس إن حزب الأمة قد فاز بعدد من الدوائر يعني أنه أصبح يمثل الطبقة الوسطي, و اعتقد أن تصنيف حزب الأمة أنه يمثل شبه الإقطاع كان يمثل و ما يزال أرقا للصادق المهدي, و الصادق المهدي قدم هو أطروحات في شتي القضايا و لكن كان محصورة عليه, و ليست إسهامات فكرية من الحزب. و كتب الدكتور أسامة الغزالي حرب في كتابه " الأحزاب السياسية في العالم الثالث" ( إن الشرائح و القطاعات من الطبقات المتوسطة في العالم الثالث أخذت تضطلع علي نطاق واسع بدور أساس و حاسم في الحياة السياسية للبلدان المتخلفة و شكلت النخبة الحاكمة فيها و نظر أليها كوسائط للتحديث و تنمية مجتمعاتها بل لقد ذهب البعض إلي إن تاريخ البلدان المتخلفة ينظر إليه تاريخ نهوض الطبقة الوسطي) و يقول حرب أيضا ( إن الأحزاب ذات الأساس الإقليمي و الطائفي أو الديني في العالم الثالث سوف تظل في الأغلب الأعم أدوات لإعاقة التكامل القومي و بالتالي لعرقلة التحديث و التنمية السياسية) و المقولة الأخيرة هي التي يريد الصادق المهدي الهروب منها, و كانت الفرص متاحة إلي الصادق المهدي لكي يقدم مشروعات إصلاحية في حزبه تجعله أكثر الأحزاب نشاطا في الفكر و الثقافة, و لكن لم يفعل فحصر النشاط في الفكر في الذات, و يقدم أطروحات ذات رأسين, واحدة تحاول أن ترضي القطاعات الجديدة, و التي جاءت للحزب بحكم البيئة و ليس الفكر, و القطاعات التقليدية في الحزب, هذه المواءمة قد أضعفت بالفعل أطروحاته في السياسة لذلك تجده يكثر من تقديم المشروعات السياسية في محاولة لترميم سابقاتها.
كتب السيد الصادق في مجلة السياسية الدولية العدد " 141" ( إن أحزابنا تنقصها شروط مطلوب توفرها لتقوم بدورها ألازم في إنجاح النظام الديمقراطي و إن يكون تكوينها واسعا قوميا و أن يكون عملها مؤسسيا و ديمقراطيا) و في ذلك يرد محمد أبو القاسم حاج حمد في كتابه "السودان المأزق التاريخي و أفاق المستقبل" ( أدي التوجه السياسي نحو الطائفية لا إلي إضعاف التوجه نحو القوي الديمقراطية النامية فقط إلي إجهاض بدايات فكر النهضة و التجديد الذي حملته علي أكتافهم مجموعة " ود مدني" و " النهضة" و " الفجر" فخبأ صوت الثورة الثقافية " الأيديولوجية" ضد أمراض الواقع التقليدي) و إذا كان الصادق المهدي يعلم إن هناك شروطا يجب توافرها, ماذا فعل هو من أجل إيجاد تلك الشروط؟ لكي يحدث واقعا جديدا في الحياة السياسية السودانية لمصلحة الديمقراطية. و الصادق طوال فترته في قمة هرم الحزب لم يستطيع أن يجعل المؤسسة ديمقراطية كاملة الدسم أنما الديمقراطية محدودة بسقف لا يتجاوزه شخصيا, و تأكيدا لذلك في عام 2001 عندما تم تجميد بكري عديل القيادي في حزب الأمة لمدة ثلاثة شهور قال ( أنه أغلق مكتبه و اعتكف بالمنزل و إن الأمر برمته ليس مسألة شخصية بقدر ما إنها تعكس أزمة الديمقراطية و حرية الرأي الأخر داخل الأحزاب السودانية) فإذا كان بكري عديل و هو في قمة الهرم يشكو من عدم الديمقراطية داخل حزبه فما بال الذين هم في أدني السلم.
كتب الصادق المهدي في كتابه " الديمقراطية في السودان عائدة و راجحة" الإصلاحات المغلوطة للديمقراطية في السودان لا تجدي إذا لم يصاحبها وعي أكيد و التزام أكيد بأن للديمقراطية ذراعا اجتماعيا و اقتصاديا لابد من قوته و عافيته فالتنمية العادلة فئويا و جهويا شرط غيابها تشويه الديمقراطية) الرؤية صحيحة, و لكن ذات الرؤية كانت المبرر الذي اعتمدت عليه النظم الشمولية و الريديكالية التي سيطرت عقود في منطقة الشرق الأوسط دون أن تتحول إلي الديمقراطية, و هي مقولة حمالة أوجه, فالديمقراطية تعدل من ذاتها في مسيرتها التاريخية و تطور من أدواتها و تبني مؤسساتها الاجتماعية و الاقتصادية, و ليس غيابها يعني انتظار اكتمال الشروط الاجتماعية و الاقتصادية, و كما قلت إن الصادق المهدي لا يرفض فكرة دولة الحزب الواحد من حيث المبدأ, لذلك تأتي مصطلحاته تتماشي مع ألا شعور الداخلي للرجل, و بالتالي يحاول لوي عنق المصطلحات لكي تتلاءم مع أطروحاته, و هذه إشكالية في إنتاجه الفكري. وحول قضية بناء الديمقراطية كتب جورج طرابشي في كتابه " في الثقافة الديمقراطية" ( الديمقراطية تعريفا هي بكل تأكيد حكومة العدد الأكبر أو بتعبير أدق الحكومة الممثلة للعدد الأكبر و لكن هذا العدد الأكبر ليس مطلقا و ليس في الديمقراطية أصلا مكان للمطلقات فالعدد الأكبر متغير دائم و مقولة من مقولات النسبية و بعكس الغالبيات في الأنظمة الإطلاقية فإن الغالبية في الديمقراطية مقولة أفقية لا عمودية) بمقولة طرابشي أريد فقط أن أكد علي النسبية في الديمقراطية, و أيضا إن الأغلبية شيء متغير و غير ثابت عندما تصل الجماهير للوعي بحقوقها و واجباتها, لأنها في تلك اللحظة سوف تميل في اختياراتها وفقا للبرامج السياسية, و ليس لانتماءاتها الدينية و العشائرية و غيرها من الانتماءات الأولية, و الصادق المهدي بعد أن إضاف لذاته الهوية الثانية, وصل إلي قناعة إن الانتماءات الأولية هي وحدها التي سوف تحفظ الأغلبية, و التي دائما يتعز الصادق إن حزبه يمتلكها و يحافظ عليها, دون أن يعيد لذاكرته إن انتشار التعليم و ازدياد نسبة المتعلمين في المجتمع, و خاصة في مناطق الهامش, سوف تؤثر تلقائيا في نسب و درجات الوعي في المجتمع و تنعكس علي حزب الأمة, و هي النسبية التي تحدث عنها جورج طرابشي, و ما يحدث الآن من نزاعات و حركات مسلحة في المناطق التقليدية لحزب الأمة, حتما سوف تؤثر علي شعبية الحزب, إذا بالفعل إن الحزب لم يستطيع إن يخرج من دائرة شبه الإقطاع, رغم إن التغيير قد شمل العديد من المناطق كما دخلت هناك قوي سياسية جديدة علي الطبقة الوسطي ساهمت في توزيع النسب من جديد, الأمر الذي يجعل الصادق المهدي يحاول أن يعيد أنتاج الحزب من داخل الطبقة الوسطي, و بأدواته الحالية لا يملك مقومات التعامل معها, باعتبار أنها طبقة متململة و غير ثابتة, و تحتاج إلي مساحات واسعة للحرية و الديمقراطية, و التعامل معها بهويتين يفقده القدرة علي السيطرة عليها, و هذه قد حدثت بالفعل في الانشقاقات التي حدثت في حزب الأمة, و لا أحمل المؤتمر الوطني ذلك لأن النخب الجديدة كانت تملك أسباب تمردها علي مركزية الحزب, لآن المركزية لم تتفهم التغييرات التي حدثت في المجتمع و القوي الجديدة التي لا يمكن السيطرة عليها بالأدوات القديمة.
كتب الصادق المهدي في كتابه " الوفاق و الفراق بين الأمة و الجبهة من 58-1995" ( نحن نقول بوضوح إن الدرس المستفاد في السودان من تاريخه الإسلامي و العربي و الوطني يدفعنا دفعا إلي طرح قضية التأصيل من باب التنوع الديني و القومي و الثقافي و تأكيد إن هذا التعايش و التلاقح و التنافس السامي بين عناصر هذا الطيف مهم بل واجب من توازن يعطي كل ذي حق حقه) إن الحديث عن التنوع في السودان دون ربطه بقضية الديمقراطية يبقي ربط خاطئ, فالتنوع لا يمكن أن يدار و يحكم إلا من خلال نظام ديمقراطي يفرد مساحات واسعة للحرية للتنوع, لكي يقدم إبداعاته و تحاوره, و من هنا يأتي دور الإبداع في خلق الوعي الجماهيري الذي يحترم هذا التنوع, و هذه تقودنا إلي مقولة للدكتور برهان غليون في كتابه أغتيال العقل ( التاريخ لا ينتظر الفكرة لينطلق و لكنه هو الذي يتحرك و يحرك الفكر معه و يغير وعي الناس و إدراكهم و نمط حياتهم) و الصادق المهدي قد كانت لديه فرص عديدة كان يمكن أن يغير فيها الواقع السوداني, و لكنه دائما كان يفوت الفرص من خلال تقديمه يتوبيات لا تتحقق في الواقع إلا من خلال قصص الخيال العلمي, واحدة منها العقد الاجتماعي الذي كان يتحدث عنه, و تردده في اتخاذ القرارات في الوقت الصعب, هذه كلها تؤثر علي البناء الفكري و أنتاجه للصادق المهدي, و بالضرورة قد أثرت سلبيا علي الواقع السياسي السوداني.
هذا الخل في المفاهيم عند الصادق سببه أنه يريد أن يظل بهويتين, و يجبر الآخرين أن يتعاملوا معه من خلال تلك الهويتين, أنظر إلي الصحافة في تعاملها مع الصادق المهدي السياسي و مبادراته, تجدها جميعا تتردد في التعامل مع المبادرة هي من الصادق المهدي السياسي المفكر أم الصادق المهدي الأمام باعتبار إذا كان من الصادق السياسي يمكن الحوار حولها و نقدها و يدور حولها جدلا فكريا يتفق يختلف الناس مع الصادق المفكر السياسي, و لكن يختلف الحال مع الأمام لآن ما يقدمه يجب أن يخضع للتطبيق دون جدل فالحوار لا يجادل شيخه أنما يأخذ منه العلم اليقيني, كما إن الصادق المهدي درج علي تقديم مبادرات عديدة في أوقات متقاربة, و هذه تخلق بلبلة داخل حزب الأمة, دون القوي السياسية الأخرى, و دائما المؤسسات السياسية تقدم مشروعاتها السياسية للحلول الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية و غيرها, و تداوم علي المحافظة عليها, و يمكن إن تجري في المشروع بعد التعديلات وفقا للتغيرات التي تحدث في المجتمع و غيرها, و لكنها لا تقدم مشروعات جديدة مع كل حدث, كما درج الصادق المهدي, و تحافظ المؤسسات السياسية علي المشروع لأنه يشكل بنية الوعي للمنتسبين للمؤسسة, و أيضا هناك ملاحظة أخرى في كتابات الصادق المهدي إذا كانت "الديمقراطية عائدة و راجحة" التي هي كان يجب أن تكون دراسة لمرحلة الديمقراطية الثالثة إن الصادق المهدي يميل إلي المنهج التبريري, و يبتعد عن المنهج النقدي, و معروف إن التبرير لا يؤدي إلي المعالجة و هروب للأمام, و هذا يخلق وعي زائف عن عضوية الحزب, و لا يساعد علي عملية التغيير, بينما المنهج النقدي يقوم علي التغيير لأنه يغوص بوعي في التحليل و يسبر عمق المشكلة, و يساعد علي التفكير الصحيح و يخلق الوعي المطلوب عند النخبة و الجماهير, و هذه تعتبر من إشكاليات السيد الأمام, في الختام كل التقدير و الاحترام للسيد الصادق المهدي " الأمام " و حقيقة أن السيد الصادق مهما تناولته أقلامنا يعتبر أحد أعمدة الفكر و السياسة في السودان الذي يؤثر في الساحة السياسية, و كل العذر إذا غفلنا عن شيء و نسال الله له و لنا و لكل الشعب المغفرة.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.