ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    علامات فى العينين تساعد على اكتشاف الإصابة ب 3 أمراض مختلفة    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    رئيس الوزراء يتوجه إلى ألمانيا مترأساً وفد السودان المشارك في أعمال الدورة 62 لمؤتمر ميونيخ للأمن    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الحكومة تؤكد عودتها الكاملة إلى الخرطوم.. ولقاء حاشد للإعيسر مع الجالية السودانية بالكويت يعكس التفافاً وطنياً واسعاً    الفنانة شيماء سيف: من ساعة ما حجيت ونفسي اتنقب واختفي    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أزمة ''الموازنة''... بداية إفلاس مالي أمريكي...؟
نشر في الراكوبة يوم 07 - 10 - 2013

تعيش الولايات المتحدة الأمريكية اليوم وضعاً اقتصادياً ومالياً لا تحسد عليه، فالاقتصاد الأمريكي ينزف شيئاً فشيئاً... وقد بدأت الولايات المتحدة سنتها المالية بإغلاق مؤسساتها الحكومية بسبب الخلاف على الميزانية بين مجلسي الشيوخ والنواب، ووضع 850 ألف موظف في عطلة قسرية غير مأجورة... وتسود حالة عدم اليقين في المالية العامة الأميركية وأزمة الدين العام... وعجز الميزانية 1.6 تريليون دولار، والبطالة، ونمو خدمة الدين العام أسرع من نمو الدخل، وحصة واشنطن من التجارة العالمية تراجعت من 15.8 في المائة إلى 10.9 في المائة...
ولعل من أبرز تأثيرات هذه الأزمة على السياسة الخارجية الأميركية اضطرار الرئيس ''باراك أوباما'' إلى إلغاء جولة هامة كان ينوي القيام بها في آسيا للمشاركة في قمة ابيك في بالي التي تجمع 21 دولة من آسيا والمحيط الهادي ثم في قمة دول جنوب شرق آسيا وشرق آسيا في بروناي وزيارة ماليزيا والفيليبين.
ويعتبر العديد من المحللين أن إلغاء زيارة الرئيس الأميركي قد تسيء إلى استراتيجيته الرامية إلى جعل آسيا محور السياسة الخارجية الأميركية وهو ما سيفسح المجال واسعا أمام القوى الاقتصادية العملاقة الأخرى في شرق آسيا وعلى رأسها الصين للعب دور أكبر على الصعيدين السياسي والاقتصادي وخلق توازنات جديدة ستترك تأثيرها على المشهد العالمي برمته.
وقد ارتفعت وتيرة التحذيرات الأميركية من تخلف واشنطن عن سداد الديون وقد يكون سابقة وكارثة محتملة، مع تداعيات قد تكون أكثر خطورة من الأزمة المالية في 2008، وفي صيف 2011، أدى وضع سياسي مماثل حول سقف الديون إلى شل واشنطن ما دفع بوكالة ستاندارد اند بورز للتصنيف الائتماني بحرمان الولايات المتحدة من تصنيفها الممتاز ''ايه ايه ايه''.
ومن المؤكد أننا نتحدث عن الولايات المتحدة الأمريكية، التي أعادت إنتاج ولاية ثانية لرئيس، هو الأول المختلف عن كل الرؤساء الذين سبقوه في تلك البلاد، من حيث جذوره التاريخية وسحنته وانتماءاته العرقية. ولأنّ الدولة العظمى لا تستطيع إلا أن تكون مختلفة في كل شيء، شأنها شأن جميع الإمبراطوريات في التاريخ، فقد عمدت إلى إدارة موازنتها العامة بالقطارة، بعد أن بلغ دينها في نهاية عام 2012 قرابة 16 تريليون دولار، ما يزيد عن ناتجها الإجمالي المحلي بأكثر من تريليون دولار.
فقد كسب ''أوباما'' وحزبه الديمقراطي، منذ بداية الإعلان منتصف العام المنصرم عن دوّامة الخوف من الهاوية المالية أو الجرف المالي Fiscal Cliff كسب ثلاث جولات في معركته مع الحزب الجمهوري وصقوره داخل مجلسي الكونغرس.
الأولى في الثاني من آب 2012، حين اُتفق على الرفع المؤقت لسقف الإنفاق العام، والثانية في 3 كانون الثاني الماضي، بعد حبس أنفاس أعياد الميلاد ورأس السنة، حين اتفق على البرنامج الضريبي المعدل والمشروط بمدة شهرين فقط، والذي يُوسع مروحة الإعفاءات الضريبية بحيث تشمل أصحاب الدخول المتوسطة حتى 400 ألف دولار للفرد و450 ألف دولار للأسرة سنوياً، كمخرج لتفادي الهاوية المالية. أمّا الثالثة والأخيرة فقد تمّت قبل أيام وقضت برفع سقف الدين، لكنها جاءت مشروطة بمهلة قصيرة.
اليوم، تأتي أزمة الموازنة، في ولاية ''أوباما'' الثانية، لتسقط أمريكا في حبائل الدائرة المفرغة، بسبب شلل الميزانية ورفض الكونجرس الموافقة على تمويل الحكومة الفدرالية، وما أظهرته من أعراض صادمة يبدو أقساها تلك الخشونة التي أصابت مفاصل الدولة الفيدرالية الأميركية للمرة الأولى منذ 17 سنة.
وفي هذا الصدد، أعلن وزير الخزانة ''جاكوب لو'' في بيان ''كما رأينا قبل عامين، أن الغموض الطويل الأمد بشأن معرفة ما إذا كانت أمتنا ستدفع في الوقت المحدد وكامل مستحقاتها المالية، سيضر باقتصادنا''. وأضاف إن ''تأخير رفع سقف الديون حتى اللحظة الأخيرة هو بالتحديد ما لا يحتاج إليه اقتصادنا''.
أما الرئيس ''أوباما'' فقد شن هجوماً شديد اللهجة على الرئيس الجمهوري لمجلس النواب ''جون بوينر'' محملا إياه مع فريقه الجمهوري مسؤولية شلل الدولة. وقال ''أوباما'' في كلمة ألقاها في روكفيل في ولاية ميريلاند وهي ضاحية تقع في شمال غرب واشنطن موجها كلامه إلى الجمهوريين ''اذهبوا إلى التصويت، أوقفوا هذه المهزلة وضعوا حدا للشلل''.
وأضاف ''إن الشيء الوحيد الذي يشل الدولة، الشيء الوحيد الذي يمنع الناس من العودة إلى العمل، الشيء الوحيد الذي يمنع الشركات الصغرى والمتوسطة من الحصول على قروض، الشيء الوحيد الذي يمنع كل ذلك من الحدوث خلال الخمس دقائق المقبلة هو أن ''جون بوينر'' لا يريد حتى السماح بإجراء تصويت على مشروع القانون (حول الموازنة) لأنه لا يريد أن يغضب المتطرفين في حزبه''.
والجدير ذكره أنّ الخلاف بين الحزب الجمهوري وبين ''أوباما'' ليس على مبدأ خفض النفقات كمقدمة لخفض الدين، بل على أبواب الخفض التي يصرّ مجلس النواب على تحميلها لبرنامج الرعاية الصحية، (إنجاز ''أوباما'' التاريخي الذي عجز عنه أسلافه لتغطية أكثر من 40 مليون أمريكي مكشوفين صحياً، وهذه قضية يستحيل على ''أوباما'' الرجوع عنها، إلاّ بشكل ضيّق من خلال إبقائه على هامش مناورة للتفاوض حول خفض طفيف من تكلفة برنامج الرعاية الصحية)... في حين كانت غاية الحزب الجمهوري ومازالت واضحة في توجهها نحو إفادة أصحاب الدخول الأعلى من الإعفاءات.
وقد كشف وزير المالية الأميركي ''جاكوب ليو'' عن إمكانية تعرض بلاده للإفلاس يوم 17 تشرين الأول 2013 القادم في حال عدم موافقة الكونغرس على رفع سقف الدين العام بشكل عاجل.
ويقول ''ليو'' في رسالته إلى أعضاء الكونغرس التي نشرت يوم 25/9/2013 أنه (إذا فشلت الحكومة في دفع فواتيرها سيؤدي ذلك إلى كارثة)، وأشار إلى أنه بعد ثلاثة أسابيع لن يبق في الخزانة الأميركية إلا 30 مليار دولار كأموال حرة، في حين تكون الالتزامات المالية لواشنطن أكبر بضعفين في تلك الفترة...
ويتمتع الكونغرس بصلاحية رفع سقف ديون الولايات المتحدة البالغة حالياً 16700 مليار دولار، وترفض الغالبية الجمهورية في مجلس النواب القيام بذلك في خضم معركة مع إدارة الرئيس ''باراك أوباما'' حول الموازنة الأميركية.
وفي هذا المشهد يتهم الحزب الديمقراطي، الحزب الجمهوري باحتجاز الاقتصاد الأميركي لدوافع أيديولوجية وسياسية لا علاقة لها بمصلحة أميركا... وكل ذلك في إطار ابتزاز سياسي واضح.
وبعيداً عن تجاذبات الحزبين الديمقراطي والجمهوري، فقد قالت وزارة الخزانة الأميركية في تقرير قبل أسبوعين من الموعد النهائي المحدد في 17 أكتوبر عندما سيتعين على الكونغرس رفع سقف الدين تحت طائلة تخلف الولايات المتحدة عن السداد، فإن ''سوق التسليف قد يتجمد وقيمة الدولار قد تنهار وأسعار الفائدة الأميركية قد ترتفع بقوة ما يقود إلى أزمة مالية وانكماش سيذكران بأحداث 2008 وحتى أسوأ من ذلك''.
ومما لاشك فيه أن الأزمة الاقتصادية العالمية، المستمرة منذ عام 2008، أثرت سلباً على الاقتصاد الأميركي وسببت نوعاً من (الاعتلال الحاد في المالية العامة لأميركا) وهذا ما استأثر باهتمام كبير في الكونغرس الأميركي (مجلس النواب والشيوخ)، وبخاصة موضوع الدين العام الحكومي الذي وصل اليوم إلى السقف الذي حدده الكونغرس ب 16.7 تريليون دولار. والحزبان الأميركيان لم يتوصلا حتى الآن إلى اتفاق لرفع سقف الدين العام.
لذا فإن السياسة الأميركية الآن في حال أسوأ مما كانت عليه في الفترة السابقة لأزمة الدين العام في عام 2011... علماً بأن الموعد النهائي لرفع سقف الدين العام هو منتصف تشرين الأول (أكتوبر) 2013 وهذا يترافق مع مشكلة مالية أخرى تتعلق بأزمة الميزانية حيث أقر مجلس النواب، الذي يسيطر عليه الجمهوريون، مشروع قانون يربط الموافقة على تحديد الموازنة بسحب التمويل لقانون الرعاية الصحية للرئيس''أوباما''...
ولفهم ذلك من المفيد الإشارة إلى المشهد التاريخي الاقتصادي والسياسي لأميركا على امتداد 32 عاماً منذ بداية عهد الرئيس الأميركي الأسبق (رونالد ريغان عام 1981 من حيث أعلن هذا الأخير مع بداية ولايته شعاره الشهير الحكومة ليست الحل الحكومة هي المشكلة) كما أعلن ''ريغان'' يومها ما سماه (ثورة) اليمين السياسي ضد الطبقة المتوسطة والفقراء وتضمنت ثورته دعوة لخفض الضرائب على الأثرياء، خفض إنفاق التعليم، والبنية الأساسية، والنمو الهائل لنفقات الدفاع... وإلغاء القيود التنظيمية الاقتصادية والمالية... وكان ذلك بمثابة هجوم من قبل أصحاب المصالح الخاصة وول ستريت، شركات النفط الكبرى، وشركات صناعة السلاح...
وقد تابع الرؤساء الأميركيون الذين جاؤوا بعد ''ريغان''': ''جورج بوش'' الأب، ''بيل كلينتون''، و''بوش'' الابن هذه السياسية، وأدت الحروب العبثية التي صعدها ''بوش'' الابن إلى ارتفاع ميزانية النفقات العسكرية... كما كان إلغاء القيود التنظيمية المالية والاقتصادية سبباً في إثراء (وول ستريت) وإلى خلق الأزمة الاقتصادية المالية العالمية الحالية بسبب الاحتيال والإفراط في خوض المجازفات المالية...
فالولايات المتحدة التي تبدو من الخارج قوية كل القوة وعظيمة كل العظمة، تبدو من الداخل متعبة ومجهدة وخائفة كل الخوف بخاصة بعدَ الهزائم التي منيت بها جراء سياساتها الظالمة المرتكزة على شن الحروب وقهر إرادة الشعوب والهيمنة على مواردها والتحكم بمصائرها.
فجميع المؤشرات والبيانات الحيوية التي كانت تشير في يوم من الأيام إلى تقدم الولايات المتحدة في كل المجالات، هي نفسها المؤشرات والبيانات التي تشير إلى تراجعها إلى المركز العشرين بين الدول المتقدمة، في مجال الصحة والتعليم والتنمية البشرية، وفي العديد من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والحيوية.
ويكفي أن نشير إلى أنَّ عدد العاطلين عن العمل في أمريكا يزيد عن عشرين مليوناً، وهم يشكلون 6 في المائة من إجمالي القوة العاملة، وهي أعلى نسبة بطالة بين الدول الصناعية، وأن عدد فقرائها يتجاوز أربعين مليوناً ويشكلون 13 في المائة من إجمالي سكان الولايات المتحدة الأمريكية، وأن معدل عمر الفرد الذي هو أهم مؤشر على تطور وتقدم ورقي أي مجتمع من المجتمعات، تراجع فيها إلى المرتبة 15 عالمياً إضافة إلى تراجعها إلى الدولة رقم 13 من حيث الإنفاق العام على الصحة والدولة الأولى في عدد المصابين بالإيدز وبمرض القلب والسرطان والدولة 17 عالمياً بالإنفاق على التعليم حيث إن عدد الأمريكيين الذين لا يعرفون القراءة والكتابة يزيدون على 24 مليوناً علاوة على 40 مليوناً آخرين يقرؤون بصعوبة ولا يجيدون الكتابة.
هذا التراجع على صعيد المؤشرات الاجتماعية الإيجابية يقابله تقدم سريع على صعيد المؤشرات الاجتماعية السلبية فهي الأولى باستهلاك الخمور والأولى بالإدمان على المخدرات والطلاق والاغتصاب وعدد السجناء وامتلاك السلاح الفردي للحماية الذاتية بسبب فقدان الأمان.
ولابد من التأكيد أن استمرار الأزمة في الولايات المتحدة واستمرار توقف عمل الادارة الأميركية سيؤدي إلى أزمة عالمية ستمتد إلى العالم العربي. وفي هذا السياق قال ''أوباما'': ''إذا رفض الكونغرس منح الولايات المتحدة القدرة على دفع ديونها في مواعيد استحقاقها فقد يكون لذلك عواقب كارثية على الاقتصاد العالمي كله.. لا يمكن لأسرنا وشركاتنا تحمل هذه اللعبة الخطرة مجدداً.
وبدوره اعتبر رئيس البنك الأوروبي في باريس، أن الشلل الذي اعترى الميزانية في الولايات المتحدة أو''إغلاق الحكومة الفيدرالية'' سيشكل ''خطراً على الولايات المتحدة والعالم إذا ما استمر".
ومن المتوقع أن تتأثر اقتصاديات دول المنطقة (وعلى رأسها الدول الخليجية) نتيجة ارتفاع الانكشاف على الولايات المتحدة الأمريكية خلال السنوات الأربع الماضية، وبلغت قيمة الاستثمارات المُباشرة في أدوات الدين الأمريكي للدول الخليجية بحدود 270 مليار دولار أمريكي ودول مثل الصين بلغت أكثر من 1.2 تريليون دولار أمريكي واليابان بحدود 1.15 تريليون دولار أمريكي والبرازيل أكثر من 240 مليار دولار أمريكي وتايوان أكثر من 200 مليار دولار أمريكي.
وقد بلغت دول العالم مُجتمعة (دول ومؤسسات مالية وبنوك وصناديق تقاعد واستثمار) استثماراتها في أدوات الخزانة المالية الأمريكية أكثر من 5.5 تريليون دولار أمريكي لتشكل أكثر من 35 في المائة من نسبة الدين العام الأمريكي بشكل مُباشر، وبشكل غير مُباشر أكثر من 25 في المائة (من خلال الإيداعات في البنوك الأمريكية والاستثمارات في شركات الاستثمار والصناديق الأمريكية) مما يعني أنه هنالك أكثر من 60 في المائة من المديونية الأمريكية تم تمويلها وشراء أدواتها المالية من خلال تلك الدول والصناديق والبنوك التجارية والاستثمارية خارج أمريكا (بشكل مُباشر)، ومن داخل أمريكا (بشكل غير مُباشر).
اِن التأثير سوف يكون كبيراً على تلك الدول وخصوصاً الدول النفطية العربية منها بسبب تركز الاستثمارات العربية الخليجية في أدوات الدين والاستثمار الأمريكية حالياً وتاريخياً، على الرغم من وجوب وجود خطط تحوط مالي (بكل تأكيد) لتلك الدول والصناديق الاستثمارية والسيادية لمواجهة تلك الحالات والاحتمالات والتي كانت متوقعة ومعروفة لغالبية المحللين والاقتصاديين.
وقد حذر وزير الخارجية الأميركي ''جون كيري'' من أن الأزمة المالية التي تتخبط فيها واشنطن حالياً قد تضعف الولايات المتحدة في العالم. ونقلت ''ا ف ب'' عن ''كيري'' قوله أثناء مؤتمر صحفي عشية افتتاح قمة أبيك للتعاون الاقتصادي في آسيا والمحيط الهادي في جزيرة بالي الإندونيسية... ''إذا استمرت أزمة شلل الإدارات الفيدرالية الأميركية أو تكررت فقد يبدأ الناس يشكون في إرادة الولايات المتحدة في الاستمرار وقدرتها على ذلك...''.
إذاً، فالولايات المتحدة تقف الآن على المفترق بين الالتصاق بمبادئ اقتصادها الرأسمالي الصرف (ممثلة بالجمهوريين المهيمنين على الكونغرس)، وبين شيء مخفف من التدخل الحكومي الذي لا يسمح بالمساس ببرامج الإنفاق العامة التي تضمن حياة كبار السن والمعوقين، من بين سواهم من فئات المحتاجين لمعاونة الدولة.
وفي الاتجاه ذاته قال ''باتريك مونين'' الخبير الاستراتيجي لدى ''انفستمنت منجمنت'': الخطر الأكبر لا يكمن في إغلاق الحكومة الفيدرالية بل في النقاش حول سقف الدين، والخطر الأكبر يكمن أيضاً في الشكوك الكبيرة حول الطريقة التي ستعتمدها الولايات المتحدة للسيطرة على عجزها في الميزانية.
وقد حذر وزير مالية أميركي أسبق ''بيير شتايزوك'' من أن الولايات المتحدة ستفقد مكانتها كقوة عظمى في النظام المالي العالمي الذي أصابته الأزمة الاقتصادية بخلل كبير، وأصبح النظام العالمي متعدد الأقطاب في الاقتصاد والسياسة. الواقع أن السياسيين في المجالس التشريعية لأميركا وغيرها من الدول الرأسمالية تحولوا من (التصفيق) إلى (اللطم) كما ذكرت صحيفة الفاينانشال تايمز...
وهكذا يبقى الأميركان هذه الأيام يحبسون أنفاسهم خشية أن يصل الاقتصاد الأميركي إلى ''حافة الهاوية'' دون إيجاد الحل المناسب الذي يجنبها السقوط في ''الهاوية'' الحادة التي تعني المزيد من الضرائب والتكاسل الاقتصادي والترهل المالي وكلاهما يتوعدان الأميركان بمستقبل مظلم يمكن أن يأتي على أنموذج ''الحلم الأميركي'' على نحو نهائي!
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.