تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    جاهزية فنية متكاملة تسبق انطلاق "عربية القوى" في تونس    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لسان الرمل المبين (3)
نشر في الراكوبة يوم 24 - 11 - 2016

كانت مصر تحتفل بعيد شم النسيم. ازدهرت ضفاف النيل بالشباب والأطفال، بينما التوأم المخطوفة قابعة في الدار وحيدةً. غشيتها الحسرات فترقرقت بعينيها الدموع. مسحت دموعها، وحاولت أن تبدو طبيعية، حتى لا يلحظ أحد حالتها البائسة. وقبل أن تجفَّ من مآقيها الدموع، انفجرت بذاكرتها نوافير الشقاء، عَبْرَ درب الأربعين. عادت تلك الذكرى تناوش رئتيها، فشهقت غبناً، واشتعلت بوجدانها جذوة الحنين، إلى دروب الغابة، وأشجارها الباسقة. وبين شهيق الغبن، وزفير الأسى، طحنتها رحى التمنِّي، فمتى تعود إلى حريتها، إلى توأم روحها، وإلى مهاد الطفولة والصبا؟ وهل تعود؟ تحلم بالخريف، بالمطر المدرار وخضرة الأشجار. تحلم بالفراشات المتناغمة في سعيها الدؤوب، بين الزهر والأغصان، تحلم بالليل والنهار. لكنَّ تلك اللحظات الفادحة، ما انفكَّت تطوِّقها بالغبنِ والحسرات:
في سوق القاهرة للرقيق، كابدت جراح الغربة، والذُّلّ والهوان. اشتعل بعينيها بريقٌ مراوغٌ، والذين اِلْتفُّوا من حولها لشرائها، وخزتهم نظراتها الجريئة. قوةٌ غامضةٌ دفعتهم بعيداً عنها حتى توجَّس التاجر وقال في نفسه: "ماذا وراء هذه السوداء. لقد قِيل لي عندما اشتريتها إنَّها عنيدة، لكنَّها ستدرُّ عليك ربحاً وفيراً، لأنَّ جسدها سامقٌ، وأسنانها بيضاء، منتظمة، وبراقة. فهل خدعوني؟!".. حدجها التاجر بنظرةٍ فاحصةٍ فنكَّست رأسها، واستعادت ذاكرتها مشاهد الرَّحيل العسير:
ثلاثمائة من الإبل بدأت رحلتها من الفاشر بعد صلاة المغرب. كان شهر نوفمبر بعد الحصاد، وقد خفَّت قليلاً شواظ الشمس، التي اشتعلت في شهر أكتوبر. أمر رئيسُ القافلةِ المؤذنَ أن ينادي بالرَّحيل. من بئر سوينة انطلقوا إلى المزروب، وبعد أيامٍ من السير ليلاً، وصلوا إلى واحة سليمة، فأناخوا عندها ليغتسلوا، وليرتووا من الماء، الذي يقال بأنَّه أعذب ماء يمكن أن يتذوقه الإنسان. في قلب الرمال الشاسعة بلا نهاية، يمكن الحصول على الماء في واحة سليمة، بعد الحفر إلى عمق ذراع.
كان سعف النخيل يتمايل، بينما انتشر رجال القافلة تحت الظلال، يرتشفون الشاي، ويحلمون بالأرباح التي سيجنونها. يحكون ذكرياتهم عن رحلاتٍ سابقة، بينما سلسلةٌ طويلةٌ من المصفدين تحت الشمس، يراودون أحلام الحرية العصية المنال، ويتوجسون شراًّ من نهاية الرحلة، إن كُتِبَتْ لهم النجاة. ذُبِحَتْ ناقةٌ أنهكها المسير، وكان نصيب المصفدين قليلاً من المرق، وشرائح رقيقة من اللحم. لكنَّهم ارتووا من الماء العذب. وبعد يومين وليلتين، غادروا واحة سليمة بعد صلاة المغرب. وقبل وصولهم إلى الواحات الخارجة، انطلقت صيحات الفزع من مؤخرة القافلة. أكثر من عشرين رجلاً على صهوات الخيول أغاروا على القافلة. الرعب والفوضى طوَّقت الجميع. اندفع الحراس، وصغار التجار إلى المؤخرة. انطلقت البنادق وتلاطم الصراخ. تفرقت الإبل التي تحمل البضائع، والأخرى التي لا تحمل على ظهورها شيئاً، لأنَّها تُسَاقُ لبيعها في سوق إمبابة بالقاهرة؛ من أجل لحومها.. أسفر الهجومُ المباغتُ عن قتل حارسين. واستطاع المهاجمون أن يسوقوا عدداً من الإبل، ثم هربوا في جوف الظلام، وابتلعتهم الصحراء الكبرى، بينما النجومُ تزغردُ محايدةً في زرقة السماء. عاد الهدوء الحذر إلى القافلة فأضاؤوا المشاعل لدفن الحارسين. بعدها اجتمع رئيس القافلة مع الوجهاء، وصغار التجار، وبقية الحراس. قال معظمهم إنَّ الهجوم غير مسبوق، فالعصابات تهاجم في العادة القوافل القادمة من مصر؛ لنهب البضائع التي يحتاجها سكان الصحراء، كالقماش والحرير، ولكنَّ هؤلاء أغاروا عليهم ونهبوا إبلهم!
التوأم شهدت ما حدث عن قرب، فهل تمنَّت أن يخطفها رجال العصابة، الذين أغاروا في جنح الظلام، أم أنَّ الأمر عندها سيان؟ وقالت في نفسِها: "لا أريد سوى حريتي، ولكنَّها مع كلِّ يومٍ تُصْبِحُ صعبة المنال. وهب أنَّني هربت منهم، فكيف لي أن أعود إلى أختي التوأم، التي تركتها وحيدةً، وسط عشيرةٍ تُضْمِرُ لها الشر، وقليلٌ من أهلنا ربَّما يعاملها بقلبٍ طيب"..
عَبْرَ القرون ظلَّتِ القوافلُ تمخرُ درب الأربعين، تحمل ريش النعام والسمسم، وتجرُّ وراءها سلسلةً طويلةً من المصفدين؛ لبيعهم في سوق القاهرة للرقيق. فإن مات أحدهم في أثناء الرحلة، كانوا يتركون جثته على جانب الطريق. تناثرت عظام الضحايا على طول درب الأربعين، بعد أن تسربلت بالدم والصديد، ثم طمرتها الرمال، التي اختزنت أشواط العذاب الطويل، والمرير، عَبْرَ الشهور والقرون. ذاكرةُ الرَّملِ والرميمِ، حفظت، وإلى الأبد، نبضات الأنينِ، والحنين، والنجومُ شاهدٌ أصيل..
لقرونٍ فادحةٍ استمرت تجارة الرقيق، عبْر درب الأربعين، أو عبْر نهر النيل. وكان السكان في ممالك السودان القديم يمارسون الاسترقاق. فالقبائل الكبيرة العدد كانت تغير على القبائل الضعيفة، وتأسر رجالها، وتسبي نسائها، وتجبرهم على العمل لحسابها. وكان الرقيق من الرجال والنساء، هم من شيَّدوا المعابد الحجرية العظيمة، وزينوها بالذهب المنقوش. وكانت قصور الملوك، والأمراء، تعجُّ بالرقيق، والإماء.. ظاهرة الرِّق استشرت في السودان، قبل نشوء الممالك القديمة في كرمة، ونبتة، ومروي. وكان الرقيق يدفنون أحياءً، مع زعيم القبيلة عندما يموت، ليواصلوا خدمته في العوالم الأخرى.. وحملت اتفاقية البقط أكثر من دلالة، عن طبيعة المجتمعات التي عاشت في السودان القديم، والتي استشرت فيها ظاهرة الرِّق، ولحقبٍ طويلة. كان أحد بنود اتفاقية البقط يقضي بأن يدفع الملوك النوبيون 360 عبداً سنوياً للحكَّام المسلمين في مصر، في مقابل أن يمدَّهم المسلمون بالقمحِ، والشعيرِ، والخمور.
في سوق القاهرة للرقيق، كانت التوأم المخطوفة قد استنفرت كل طاقاتها الروحية، وشحذت قدراتها العقلية. كأنَّها أرادت لا شعورياًّ أن تختار من يشتريها. حتى عزم مالكها أن يبعها بأيِّ ثمن، لأنَّ جميع من تقدموا لشرائها؛ انفضُّوا من حولها. بدأ التاجر في الترويج لبضاعته؛ التي ظن أنَّها كاسدة. ضابطٌ فرنسيٌ يعمل معلماً في المدرسة الحربية في القاهرة، تقدَّم من التوأم المخطوفة. جذبٌ لا يقاوم شدَّه إليها. واصل التاجر الترويج لبضاعته، بينما الضابط الفرنسي يتأمَّل التوأم. وقال في نفسه: "رغم سواد بشرتها إلا أنَّها دقيقة الملامح".. التوأم أضمرت أمراً ما، وربَّما قررت أن تهب نفسها لهذا الرجل ذي العينين الزرقاوين. حوارٌ صامتٌ تواتر بين الضابط والتوأم. نداءٌ غامضٌ وشوش صدريهما. أرواحٌ تهفو للسكينة، وأمنياتٌ سابحةٌ في أثير اللحظات.
حين غادر الضابط الفرنسي داره في هذا الصباح، ملأ محفظته من مدخراته، وقصد سوق الرقيق. في المرة الأولى زار هذا السوق مع أحد الزملاء. وفي المرة الثانية قصد السوق وحيداً، لكنَّه مكث قليلاً ثم عاد إلى داره. وها هو الآن في أوج السوق، يتبادل الحوار الصامت مع فتاةٍ سوداء، معروضة للبيع. فهل ملأ محفظته بالنقود هذا الصباح، وهو ينوي في عقله الباطن شراء فتاةٍ ما؟ وهل هذه الفتاة البارقة العينين، هي ما اختارتها الأقدار، لتصحبه لبعض الوقت، وربَّما لبقية العمر؟ مَن يدري؟ قلبه يحدِّثه، وجاذبيةٌ ضاريةٌ تشدُّه إليها. وقال في نفسه: "هل تبدَّلت قناعاتي بالأقدار؟ لقد ظلَّلت دوماً أؤمن بأنَّ الإنسان يستطيع أن يرسم أقداره بنفسه، وأن يحقق أهدافه في الحياة، وهذا لا يعني رفضاً قاطعاً، لتأثير السماء في حياة البشر. لقد واظبت على زيارة الكنيسة في طفولتي. كان والداي يصحباني إلى هناك. شدَّتني الموسيقى، والترانيم، وكنتُ شغوفاً بالحلوى، التي تقدم بعد نهاية القداس. ولكنَّي، ومنذ أن التحقت بالمدارس العليا، لم أذهب لزيارة الكنيسة، ولم أجد بداخلي ما يدفعني لارتيادها. وفي الكلية الحربية أيقنت بأنَّ على الإنسان أن يسعي لتحقيق أهدافه في الحياة، وأن لا يختار العجز.. ولكنَّي، أقف الآن رهينةً، لعينين تشعان بريقاً حائراً، يشدُّني بلا هوادة.. فهل تملك السماء تأثيراً حاسماً في مسيرة حياتي؟ وإلى أين ستقودني العلاقة مع هذه الفتاة السوداء؟"..
انتبه التاجر إلى أنَّ شيئاً ما يدور بين الضابط والفتاة. لم يسمع حرفاً واحداً، لكنَّه أدرك أن ثمَّة حواراً يدور بينهما. وسرعان ما تقدم الضابط لشراء الفتاة. فهل أدرك التاجر الدوافع التي حركت الضابط للشراء؟ طلب التاجر ثمناً مرتفعاً، وبعد مساوماتٍ، وافق البائع على السعر الذي عرضه الضابط؛ خوفاً من أن يفقد هذا المشتري، ولا يجد آخر ليشتري منه هذه الفتاة، التي ظنَّ أنَّ وراءها سراًّ ما، وربَّما لعنةٌ ما تصحبها! دفع الضابط الفرنسي الثمن وصحب التوأم إلى داره. في البداية احتار كيف يعاملها، ولكنَّها حين دخلت الدار، شرعت في النظافة والترتيب دون أن تكلِّمه، لأنَّها لا تعرف لغته الفرنسية، ولا اللغة العربية التي يتحدث بها أهل مصر. تناغمت التوأم مع الضابط الفرنسي. ورغم التباين الحضاري، والثقافي، إلا أنَّهما حققا ما يكفي من الانسجام، والاحترام المتبادل. بيد أنَّ أطيافاً غامضةً ما انفكَّت تراودهما. التوأم وطَّنت نفسها على إرضائه. كان بالنسبة لها ملاذاً من أقدارٍ مجهولة. وبعد شهورٍ من التوافق والقبول، تم استدعاء الضابط الفرنسي؛ كي يعود إلى باريس، فعصفت به الحيرة، والتهبت بصدره الأشواق، وارتعش الحنين. وقال في نفسه: "أحتاجها بكل جوارحي ولكن!".. التوأم شعرت بخطورة ما سيحدث. لقد أدركت أنَّ في الأمر فراقاً، لكنَّها لم تعرف الأسباب. وقالت في نفسِها: "لقد وهبته نفسي راضيةً، فهل كان يُضْمِرُ ما لا أعرفه".. كان عليه أن يخبرها بضرورة سفره إلى بلاده، وأنَّهما ربَّما لا يلتقيان مرةً أخرى، فمن أين يبدأ مصارحتها؟ كان كلاهما يتحدث لغةً عربيةً ركيكة، لكنَّها كانت كافيةً للتواصل بينهما. فماذا سيقول لها؟ ولماذا أخفى عنها، ومنذ البداية، بأنَّ أيامه في هذه البلاد معدودة؟ أم أنَّه انساق مع أهوائه، وانغمس في ربيع الجسد، منصاعاً لتيارات الشهوة العمياء.. وقال في نفسه: "حين اشتريتها، هل أنقذتها من مصيرٍ مجهول؟ ما يقلقني الآن هو وخز الضمير. نعم سنفترق، فهل تستطيع العيش وحدها، في هذه المدينة القاهرة.. إنَّها حتما ستضطر إلى العيش مع رجلٍ آخر، وقد يهينها، وربَّما تُصْبِحُ خادماً في أحد المنازل؟ فهل أهبها لأحد زملائي الفرنسيين؟ ولكن هذه فكرةٌ سيئة"..
التوأم بين التوجُّس وأمواج الأحزان التي تهدر بوجدانها، داهمها الغثيان. لم تكترث في بداية الأمر، وحين فحصها الطبيب قال إنَّها حامل. عاصفةٌ من الخوف والارتباك، طوَّحت بخطوات الضابط الفرنسي، بينما كان في طريقه من داره إلى المدرسة الحربية، لمتابعة إجراءات سفره من الإسكندرية إلى مرسيليا، بعد أن يسلِّم مهامه لزميلٍ آخر، حضر قبل أسبوعٍ، ليحلَّ مكانة في المدرسة. وقال في نفسه: "هل يقبل الضابط الجديد العيش مع التوأم؟ وكيف أصارحه؟ وهل تقبل هي؟".. لقد شعر، ومنذ أن رآها معروضة للبيع، في سوق القاهرة للرقيق، بأنَّها إنَّما اختارته ليشتريها.. ربَّما لأنَّها وثقت فيه بإحساسها، فهل خابت آمالها فيه؟ فكَّر أن يخبر الضابط الجديد، بأنَّ هذه الفتاة تعمل خادمة في منزله، فربَّما يقبل بها خادمة عنده، ثم تتطور العلاقة بينهما، ولكنَّها حامل! حيرةٌ وإحساسٌ فادحٌ بالندم.. وحين أدركت التوأم بأنَّ لحظات الفراق قادمةٌ لا محالة، طوَّحت بها الهواجس، وقالت في نفسِها: "سيعود إلى أهله ويتركني وحيدة.. أنا حزينةٌ لفراقه، ولكنِّي لا أضمر له سوى الخير. لقد اختاره قلبي، وعشتُ معه أياماً طيبةً، رغم حنيني إلى أختي التوأم، إلى عشيرتي وأشجار الغابة، وعصافيرها المغرِّدة. لقد اخترته هرباً من الذُّلّ والهوان. وهذا الجنين في بطني، هل سيعوِّضني عن هذا الفراق؟".. ظلَّ كلاهما يهرب من لحظةٍ قادمة.. كلاهما يرجو، ويتمنَّى، أن تمرَّ لحظات الفراق، بأقل ما يمكن من الجراح النفسية، التي ربَّما تغور عميقاً، وتلقي بظلالها على أيامهما القادمة.. وفي الليلة الأخيرة، قبل السفر إلى الإسكندرية، جلسا إلى طاولة واحدة لتناول طعام العشاء، ثم آوى كلٌّ منهما إلى فراشه.. ظلَّت الكلماتُ صرعى على قارعة النشيج، والأفكار تتداعى.. وعلى شفير القنوط، احتدمت الأمنيات، فهل سيسفر الصبح عن احتمالٍ آخر؟ وحين همَّ بالنهوض ليعاشرها، زجر نفسه. مثقلٌ بالظنون، وبالهواجس والحنين، كابد مشقة اللحظات وهي تمضي عسيرةً. وقال في نفسه: "هل تغفر لي؟ لقد حاولتْ أن تداري عني أحزانها، ومخاوفها، ولم تُفْصِح عما يدور في نفسها. فهل ستبرأ جراح هذه التجربة مع الأيام، وتطويها أجنحة النسيان؟ أم أنَّها ستظلُّ تنخر في أعماق وجداني، حتى آخر قطرات العمر؟ لست أدري كيف ستمضي لحظة الوداع. هل أطلب عوناً من السماء؟! وهل تملك السماء حلاًّ لمعضلات الإنسان؟ يا إلهي، سحقتني الحيرةُ والندم".. التوأم المخطوفة ظعنت بخيالها إلى أختها التوأم الأخرى. ورغم أزمتها النفسية العميقة، استطاعت أن تشحذ قواها العقلية، وأن ترسل عبر خواطرها استغاثةً واهنة..
أشرقت الشمس بعد ليلةٍ من الأرق، والهواجس، والظنون. ظلَّ الضابط الفرنسي يدور حول التوأم. يحاول، وبلا جدوى، الهروب من لحظة الفراق التي أَزِفَتْ. فهل يحمل حقائبه ويغادر المنزل دون وداع؟! في أتون النحيب المكبوت، كابدت التوأم لحظاتٍ عسيرة الإيقاع، تسربلت بصمتٍ موجعٍ، وبعينيها، وخلجات نفسها، تابعت خطوات الضابط التائهةِ، والحائرة. انتزع الضابط نفسه من بؤرة التردُّد، حمل حقيبته وتقدم خطوتين، ثم التفت وراءه. كانت التوأم غارقةً في مرجل الحنين. وضع الضابط حقيبته وعاد إليها، ضمَّها إلى صدره؛ فترقرقت بعينيه الدموع.. إنَّها الآن، تملك ما يكفي من الحكمةِ، والجلد.. لقد عاملها، ومنذ أن اشتراها، بأنَّه القوي، وهي الضعيفة. ولكنَّها، ورغم مصيرها المجهول، والجنين الذي تحمله في أحشائها، تصرفت من مركز القوة، وتركته بين مطرقة الندم، وسندان الارتباك..
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.