أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




نشر في الراكوبة يوم 22 - 12 - 2016


بسم الله الرحمن الرحيم
يصعب اصدار احكام قطعية حول العصيان، سواء بالنجاح الكاسح او الفشل الذريع، طالما الحدث نفسه في طور التفاعل، وهذا غير ان اصدار الاحكام القاطعة في مسألة ذات طابع اجتماعي سياسي ثقافي تاريخي، معقد ومتعدد الابعاد، يظل من الصعوبة بمكان موضوعيا. بمعني، هذه الوضعية خاضعة لعوامل الصعود والهبوط من ناحية، وقانون التراكم والاضافة من الناحية المقابلة، وهي بطبعها خارجة علي القياس، ولو انه يمكن الاستدلال عليها بقوة الأثر والتأثير، في البيئة من حولها. ولكن ذلك لا يمنع ابراز بعض الملاحظات الاولية حول العصيان، سواء من الوجهة الايجابية او السلبية؟
اولها، يمكن اعتبار هذه الحراك، سواء بنسخة ال27 من نوفمبر او ال 19 من ديسمبر، هو حراك خارج الصندوق، إذا جاز التعبير. وذلك من خلال استخدام وسائل جديدة (وسائط التواصل الاجتماعي) وكذلك من ناحية الشريحة المبادرة (شباب خارج الاطر التقليدية المعارضة). وهو ما يعني بدوره، كسب رصيد اضافي للجانب المعارض. ولا يصدف ان الاضافة نوعية، وذلك من مدخل بعدها الحيوي والمستنير، فضلا عن الاستعداد للتنسيق مع القوي المعارضة من موقع استقلال.
ثانيها، هذا الحراك جسد واحدة من المبادرات المبتكرة، وتاليا فتح المجال امام مبادرات جديدة بادوات حديثة او وسائل غير تقليدية، تستعصي علي النظام الحاكم (التقليدي بطبعه وآلياته وعقليته) السيطرة عليها. بالقدر الذي تستقطب فيه شرائح جديدة الي دائرة الصراع المباشر. بما يخدم في المحصلة المواجهة الشاملة والجذرية، ضد الطغمة الحاكمة بامر الاستبداد والطغيان.
ثالثها، يظل اهم ما انجزه هذا الحراك او ما احدثه من نجاح منقطع النظير، ليس في احداث حراك هائل في راكد اللحظة التاريخية فحسب، وانما في قدرته علي جمع الصف المعارض بكافة تياراته واتجاهاته بل واجياله، علي قلب قضية واحدة (أسقاط النظام)، والمؤكد هي لحظة طال انتظارها والتشوق لما بعدها. وهو ما يستوجب بدوره المحافظة علي هذا التماسك، ومن ثم إدارته بطريقة مثلي، لانجاز الاهداف الآنية والمستقبلية علي افضل وجه.
رابعها، الحراك حشر الحكومة في زواية ضيقة، وتاليا اخرج ما في جعبتها من افلاس واسفاف في المناهج واللغة، ومن ثم الهرولة ناحية ابطال مفاعيل الحراك ومحاولة إطفاء شعلته الاولمبية، بكل اساليب الترهيب والترغيب الفاسدة التي درج علي اتيانها في الملمات! اي اظهر وجه النظام الحقيقي الطافح بالعنف والعفن، وهو يستعيض عن اكاذيبه وشعاراته الهراء، بوسائل امنية عارية حتي من الغطاء السياسي المهترئ، والحشود المستجلبة بالارهاب والاغراء.
اما الجوانب الاخري التي اظهرها هذا الحراك (المفخرة) والتي تحتاج بدورها لمزيد من بذل الجهد، لتلافي القصور وتجويد العمل من اجل تكلله بالنجاح المرتجي، نجدها تتجسد في الآتي؟
اولا، الابتعاد عن تصوير اي حراك مهما كانت درجة تنظيمه او قدرته علي التحشييد في مواجهة النظام الفاسد اهله، علي انه يشكل الضربة القاصمة او المخرج النهائي لازمة طابعها التعقيد من ناحية، والتأخير عن حلها من ناحية مقابلة، الشئ الذي افرز حالة من التداخل في اتجاهات ومسارات التناول، والتضارب في الوسائل والآليات المفضية للحل النهائي.
ثانيا، الاستعداد المبكر لمعركة طابعها الصعوبة والازاحة، وتاليا تحتاج للنفس الطويل، اي الصبر والعمل الدؤوب والتصدي لحملات الترهيب والتشكيك والتثبيط، وكذلك اجراء تحليل علمي وتقييم عملي لكل خطوة او خطوات يتم اتخاذها في هذا الاتجاه، وذلك مع استصحاب المرونة (تكتيك الكر والفر) في اي حراك جديد او في تجديد ذات الحراك، مع التركيز علي الهدف الاستراتيجي والايمان بحتمية بلوغه. وهو ما يعني بدوره ان اي خطوة في اتجاه الهدف وبغض النظر عن مردودها، هي انجاز يستحق التقدير والاحترام والبناء عليه! اي المهم هو صحة الاتجاه وليس حجم الخطوة! وذلك بالتزامن مع الانصراف عن المعارك الجانبية واساليب التخوين والتهم والاقصاء لكل صاحب راي او موقف محتلف. بمعني امتلاك الحد الادني من البرامج او المشاريع التي تستقطب اكبر قدر من المتضررين والرافضين لنظام الانقاذ، بوصفه حاضنة للفساد والافساد والمفسدين! في الوقت الذي تفتح فيه آفاق اوسع للتحرر والديمقراطية ومشاركة الجميع في تشكيل المستقبل المشترك.
ثالثا، التوافق علي آلية او جسم يسمح بتوحيد الجهود وتنسيق الادوار وتنظيم المساهمات وتوظيف كل الآليات والاساليب المتاحة، لانجاز مشروع الخلاص من ناحية، والنهوض بالوطن والمواطنين من ناحية مقابلة.
رابعا، يجب عدم إستسهال الخصم او الاستهانة بما يملكه من ادوات ووسائل قوة وحركة، وكذلك طبيعة المعركة والظروف المحيطة بميدان الصراع (البيئة الداخلية)، وليس الركون فقط لاخطاء ومفاسد الخصم، حتي وإن كان الخصم لا يملك غير الاخطاء والمفاسد كنظام الانقاذ الخطاء والفاسد بالمطلق! في هذا الاتجاه يجب ملاحظة الآتي؟
اولها، ان النظام مؤسس علي التسلط او يستمد مشروعيته من ممارسة القهر والتعسف، وتاليا يرتكز في نشاطه ويعتمد في بقاءه علي قوات عسكوامنية، لا يصدف انها مؤدلجة وتحتكم لعقيدة حزبية/تنظمية/مصلحية ضيقة، وليس لعقيدة وطنية عامة او ذات مرجعية دستورية عليا! وتاليا، هنالك فارق جوهري بينها وبين المؤسسة العسكرية القومية السابقة التي رافقت ثورتي اكتوبر وابريل. وهو ما يعني بدوره، ان تحييد هذه القوات في الصراع او كسبها لجانب الشعب، يحتاج لجهود مضاعفة وآليات ووسائل اقناع اكثر فاعلية، لدرجة يمكن ان يخصص لها وحدة او فرع في الجسم المعارض، يعهد به لشريحة من العسكريين الوطنيين، بوصفهم الاكثر دراية وتأثير علي ابناء مهنتهم، وذلك من خلال توظيف علاقاتهم وخبراتهم او يمكن الاستعانة باقرباء وجيران منتسبي تلك المؤسسات، لتكوين نواة إختراق لهذه المؤسسات من الداخل! من اجل إعادتها لعقيدتها الوطنية من ناحية، ومن ناحية مقابلة، لقطع الطريق امام التجاوزات العسكرية والمغامرات الانقلابية في المستقبل، وما تجره من كوارث يصعب حصرها او احتمالها.
ثانيها، سيطرة النظام علي وسائل الاعلام في الداخل، وتاليا قدرته علي تغبيش وعي البسطاء، والتشكيك في اي حراك معارض لمشاريعه التخريبية النهبوية! وهو ما يبرر بدوره، التوجه مباشرة لانجاز مشروع القناة الفضائية المعارضة، التي جف حلق مولانا سيف الدولة ويراع الاستاذ خضر عطا المنان في الدعوة لقيامها. فهي إن لم تفلح في السيطرة علي فضاء الاعلام الداخلي، فأقلاه ستمكن اكبر قدر من الجماهير، من معرفة فساد وجرائم النظام وترف ونزق اعضاءه، وتاليا تعبئتهم ضده! وذلك اضافة للتبشير بمشروع المعارضة البديل. وكم افتقدنا بدرها في ايام التبشير بالعصيان والتوثيق لابداعاته (وفي البال ابداعات اهلنا في نيالا وهم يرسلون بالونات موشحة بمطلب الرحيل في الفضاء، كما وثقها راديو دبنقا). كما انه لشئ مؤسف بل عيب كبير، ان نجد سفاح ومجرم حرب ولص متبلد الاحساس وعاطل المواهب والقدرات وراعٍ للفساد والمفسدين كالبشير، يصدق البسطاء والعساكر انه حامي حمي الارض والعرض، كما تصفه اجهزة الاعلام المحلية! دون ان يطرف لها جفن! او يتم الرد علي هذا الهراء والزيف والانحطاط القيمي والاخلاقي، من خلال منابر موازية في الانتشار والتأثير؟!
ثالثها، وهو الاهم، سيطرة النظام ليس علي مفاصل الاقتصاد، ولكن علي التشغيل في مؤسسات الدولة العامة والخاصة، بل وتحكمه في مجمل الانشطة الاقتصادية في الحياة العامة! أي السلطة هي اقرب لجهاز احتكار اقتصادي او سمسرة اقتصادية، منها للسلطة السياسية والسيادية العامة! بمعني آخر، التوظيف هو جزء من آليات تحكم النظام، وكذلك تردي البيئة الاقتصادية العامة، واحتكارها بواسطة الصفوة الانقاذية الطفيلية، الشئ الذي حدَّ من خيارات المواطنين واستقلالهم؟ والحال كذلك، يصبح الموظفون في الدولة هم رصيد للنظام بشكل او آخر، ولا يعني ذلك بالضرورة ان كل الموظفين انقاذيون، ولكن يعني قدرة النظام علي التحكم بالموظفين من خلال تهديدهم بالفصل التعسفي! وتاليا، الزج بهم الي عوالم المجهول، في بيئة أصلا ممتنعة علي تقديم حتي حد الكفاف! خصوصا لقطاع غير مدرب علي امتهان الحرف او المهن الحرة، وهذا في حال لم يحتقرها! وبكلام اكثر وضوح، الحكومة تقوم بتعيين جيوش من العطالة المقنعة، وتقدم لهم نوع من الفتات او تربطهم بجهاز الدولة/السلطة عبر المرتبات الشهرية، بقصد شراء صمتهم او نظير تخليهم عن كافة حقوقهم السياسية والاقتصادية، بل حتي المهنية من خلال مصادرتها للعمل النقابي؟! وذات الامر ينطبق علي الحرفيين واصحاب المهن (الهامشية!) وذلك عبر شغلهم طوال اليوم بتوفير فقط ما يبقيهم علي قيد الحياة، ودونما اجازات او حتي ضمانات مرضية! وهم يواجهون غول التضخم وندرة فرص العمل (لان الانقاذ مشاريعها الحقيقية، كلام فارغ وشعارات جوفاء ووعود سراب، وهذا عندما لا تنهب وتحطم المشاريع الاقتصادية القائمة قبل مجيئها الكارثي!)
وهي حالة يصح فيها وصف الدكتور حيدر ابراهيم، بحيونة الانسان السوداني! ويا له من حصاد بائس لمشروع زعموا انه حضاري ويستهدف اعادة صياغة ذات الانسان؟ وكأنه آتي من الكهف او كائن مجرد من الذاكرة والثقافة والخبرة والتاريخ؟! أي المسالة في حقيقتها ليست ذات صلة بالجبن او الشجاعة، بقدر إرتباطها بتدبير المعايِش الحياتية والالتزامات الاسرية تجاه الاسر والاقرباء، ولو ان ذلك لا يمنع ان محصلتها النهائية كانت نوع من التدجين والاستكانة! ولكن ذلك لا يمنع ايضا، تبصير الاخيرين، أي الباحثون عن الاستقرار والمعايِش، أن المستقبل ليس في صالح، لا تحقيق الاستقرار ولا تأمين المعايِش؟! خصوصا بعد أن رفعت الصين ودول الخليج يدها عن دعم هكذا سلطة فاسدة وفاجرة وخاسرة بكل المقاييس، وكذلك لانعدام البدائل الاقتصادية امامها، بعد تدميرها ونهبها وهدرها لكل المخارج والمشاريع والموارد والفرص الاقتصادية؟! في هذا الاتجاه، ومع تناقص مداخيل الحكومة باطراد، مؤكد انها ستوظف ما بين يديها من موارد شحيحة، لصالح مشروع حمايتها بصورة أكبر، وذلك لزيادة المخاطر عليها! وتاليا، ستصبح المفاضلة امام الموظفين/المواطنين بين الجوع والرصاص! اي الامتناع عن مجرد العصيان، لا يوفر بديل غير الموت البطء بالجوع والمرض او القتل السريع او غير الرحيم بالرصاص. ويا لها من خيارات عدمية استدعاها الموظفون والمواطنون باحجامهم عن المشاركة الشاملة في العصيان؟! وهذا بدوره يقودنا لملاحظة في غاية الاهمية، إن لم تكن نقطة تقاطع في الصراع، بين المعارضة والنظام؟ وهي تدور حول ليس المعايش والاستقرار من جهة، والحرية والكرامة والموقف من الديمقراطية كمنهج حكم متقدم من جهة مقابلة فقط، ولكن الاهم في التقسيِّم المجتمعي والاصح الانقسام المجتمعي حول هذه الاحتياجات والقيم والمناهج! بمعني آخر، المعارضة تشكل تقريبا 5% من مجموع السكان وكذلك النظام الحاكم بكوادره ومنتفعيه؟ والحال هكذا، المعارضة اصلا لا تحتاج لمعرفة النظام وسوءه وفساده، لانها الادري به، وهي سلفا تعمل من اجل إزاحته! والنظام بدوره يدري تماما مساوءه وإجرامه، ولكنه يستميت من اجل البقاء. إذا صح ذلك، يصبح الصراع بينهما علي كسب ال90% من مجموع السكان. والاخيرون ما يمكن وصفهم بأهل المعايش، اي محركهم الاساس ليس مسألة الحرية والكرامة والديمقراطية (تزداد حساسيتها لدي الفئات المستنيرة بصفة خاصة والمعارضة بصفة عامة!) ولكن الاستقرار وتوفير مستلزمات الحياة ولو في حدها الادني؟ إذا صح ذلك ايضا، تصبح المنافسة والصراع حول جذب هذه الشريحة العريضة (المعارضة) او تحييدها في الصراع (السلطة)! وتاليا، هنالك خطابان يتوجهان لهذه الشريحة، خطاب سلطوي لغته السائدة التهديد ونبرته الخافتة الترغيب، وعموما هو خطاب عاطفي، وتاليا هو متذبذب وغير مستقر، وتاليا هو هش ويسهل كسره ونسفه من الاساس! ولذا لا يعول عليه، لا لبناء وطن مستقر ولا لتبني مشروع او قضية وطنية حقيقية! مما يصح وصفه بالخطاب التخويفي او التكتيكي او اللاإستراتيجي، اي بوصفه خطاب غير ناضج ويصدر عن سلطة غير شرعية. ولذا لا بديل للخطاب المعارض كي يكسب الرهان علي المدي البعيد، سوي القطع مع خطابات السلطة، خصوصا في نسختها الاستبدادية المتكلسة بسبب السكون والحظر والتمحور حول العرش، وإستبداله بخطاب قائم علي الاقناع والارتقاء، أي يخرج من خانة المعايش والاستقرار كهم حصري، الي خانة الكرامة والحرية وتقبل النهج الديمقراطي، كمخرج وحيد او هدف إستراتيجي، لا يعالج الازمات المستحكمة وبما فيها الهم الاقتصادي (ابو الهموم) والاستقراري فقط! ولكن لإعطاء الحياة معني اسمي والوجود غاية أعظم. وهو ما يعني بدوره، أن مشروع المعارضة يجب ان يتخطي مسألة إزاحة النظام، الي تبني مشروع التغيير الشامل نحو دولة الحداثة وقيم الانسانية. إذا قبلنا هذه الوجهة، رغم ما تستبطنه من وعي نخبوي يحتاج بدوره للتحرر من عقابيله الامتيازية الاحتكارية؟ فهذا يعني ايضا ان المعارضة ضمت الي جانبها شريحة جديدة من الشباب قد تصل بها الي نسبة 10% من مجموع السكان، وتاليا وصول صوت المعارضة الي اكبر قدر من الشعب وقطاعاته الاجتماعية المتضررة، عبر حوامله الجديدة وبادواتهم الحديثة. وذلك بالطبع علي اعتبار ان المعارضة تعلي من شأن ما سبق ذكره، عن الحرية والكرامة ومقاربة النهج الديمقراطي في إدارة شؤون الدولة والمجتمع! وذلك بالتوازي مع وجود حلول وبدائل اسعافية للإقتصاد الذي يعاني الاحتضار. وهذا مرة اخري يقودنا لناحية لا تقل اهمية عن ما ذكر اعلاه، وهي لا تتعلق بتجديد المعارضة لنهجها وتحديث ادوات عملها بما يخدم تحسين اداءها بالمجمل فقط، ولكن يتعلق بالطيف العريض من المجاميع المعارضة غير المنظمة، وذلك من خلال مضاعفة الجهد، او ما يمكن تسميته بالعمل المعارض المزدوج! بمعني، إضافة للجهود النظرية والمعنوية التي لا غني عنها لاي عمل معارض يتقصد النهوض بالوطن، نحتاج الي جهود عملية سواء في جانبها المادي او التنظيمي! بمعني اوضح، يمكن إنشاء ما يمكن دعوته بصندوق دعم المعارضة، يساهم فيه جميع المعارضين داخل وخارج الوطن، وبما تسمح به مقدرتهم وظروفهم وطبيعة التزاماتهم، واول الغيث يمكن ان يوظف لرعاية اسر المعتقلين والمناضلين كما اشار البعض، ومن بعده تأسيس القناة الفضائية السالف ذكرها (هل يعقل ان يمتلك حسين خوجلي قناة فضائية، والمعارضة بكافة اطيافها لا تمتلك واحدة؟!). وايضا يتم توظيف العلاقات الخارجية والمهنية في اي مجال لصالح دعم المعارضة، ليس آنيا فقط، ولكن ايضا بعد إزاحة هذه الفاجعة الانقاذية، وذلك بالمساعدة في إعادة بناء ما دمرته الانقاذ؟! والخلاصة، ان يتم وضع تصور لمشروع نهوض متكامل بجناحيه النظري والعملي. ويحضرني في هذا المقام، الجهد المزدوج الذي يقوم به الوطني الغيور الاستاذ عبدالرحمن الامين، سواء في جانبه الصحفي الاستقصائي الذي يحفظ حقائق الفساد دامغة لهذه المنظومة الانقاذية (الحاكمة باسم الله) للجيل الحالي لاخذ الحيطة والحذر، والاجيال القادمة لاجل العبرة والاعتبار، او في جوانبه العملية الاخري لخدمة الجهد المعارض، من خلال قيامه بالمبادرات الذاتية، كأشد ما يحتاجه درب النضال الطويل الشاق.
وكخاتمة لهذه الملاحظات، نتوجه بسؤال او استفهام، وهو كيفية تحويل حراك 27 نوفمبر وامتداده 19 ديسمبر بزخمه وتلاحمه منقطع النظير، الي حماس ويقظة مستمرة، او نقطة مفصلية في المواجهة الشاملة مع هكذا نظام عدمي؟ اي كمحطة تأسيسية لازاحة النظام اولا وبناء الوطن ثانيا؟ اما متي يحدث ذلك؟ فهذا متروك لإبداع شعب لا تنقضي إبتكاراته؟!
وأخيرا مبروك شباب 27 نوفمبر، وانتم تحقنون مُنشِّط المقاومة في شرايين أمه، اصابتها شرذمة طفيلية بالانيماء الحادة وهي تقتات من دماءها وتحرمها الرعاية بل والاحترام. ومرة اخري شكرا جزيلا شباب 27 نوفمبر، ومعا حتي نكمل المشوار. ودمتم في رعاية الله.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.