الهلال يشكو لاعب نهضة بركان... وتحدٍ إداري جديد يلوح في الأفق    وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    البنزين الأوروبي والأميركي يتجه إلى آسيا    دراسة تحذر: الذكاء الاصطناعي يميل إلى "مجاملة" المستخدمين على حساب الدقة    رئيس الوزراء الباكستاني: نعرب عن تضامننا الكامل مع الشعب الإيراني الشجاع في هذه الظروف الصعبة    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قصة تحرير 2700 سجين عسكري ومدني من «سجن أبو سليم» الرهيب
نشر في الراكوبة يوم 02 - 09 - 2011

توجد بعض الخلايا النائمة في ضاحية أبو سليم في طرابلس، آخر الحصون التي لجأ إليها أنصار العقيد معمر القذافي. وفي وقت متأخر من الليل، أطلق قناص من بناية مجاورة زخات من الرصاص، سقط على أثرها ثلاثة قتلى، قبل أن يمشط الثوار المنطقة مجددا، بينما الاحتفالات بالنصر مستمرة في ساحة الشهداء. ويقول الثوار إن الضاحية تحت السيطرة، ويشجعون على زيارتها للتأكد من ذلك. لكن الوضع ليس آمنا تماما.
وللوقوف على ما كان يحدث في سجن أبو سليم الرهيب، يمكن الانحراف بالسيارة يمينا، وهناك ترى الأسوار الضخمة وترى جزءا منها وقد دك بالقنابل وتهاوى أنقاضا على الأرض. لكن هذا يخص فقط القسم الخارجي من السجن، المعروف باسم «القسم العسكري»، أي الذي تشرف عليه الشرطة العسكرية والمخصص للسجناء العسكريين المناوئين لحكم القذافي، حيث أمضوا هنا سنين طويلة يصل بعضها إلى أكثر من ربع قرن من الزمان.
وبخلاف السجن الذي تشرف عليه الشرطة العسكرية، أمضى عدد من المدنيين سنوات طوال أيضا داخل سجن أبو سليم المركزي بقواطعه العسكرية والمدنية والانفرادية.السجن المركزي الكبير والرهيب الذي وقعت فيه مذبحة أبو سليم الشهيرة عام 1996 كان بعيدا عن الضربات الجوية. والمذبحة وقعت في القطاع المركزي وسقط فيها 1200 سجين قبل نحو 15 سنة.
وتعد المذبحة، وما تبعها من تطورات، الشرارة التي اندلعت منها ثورة الشعب الليبي ضد حاكمه وأسرته يوم 17 فبراير (شباط) الماضي.
وكان يوجد في السجن المركزي الذي تشرف عليه الشرطة المدنية والمخابرات ثلاثة قواطع (أقسام)، وهي «القاطع العسكري» و«القاطع المركزي» و«القاطع الانفرادي»، هذا إضافة للقاطع الذي تشرف عليه الشرطة العسكرية.
وحين بدأت قوات حلف الناتو استهداف سجن أبو سليم، يوم 22 أغسطس (آب) الماضي، أخذت تضرب بالطائرات المقرات العسكرية الملحقة به، التي توجد بالقرب من مقر السجن العسكري التابع للشرطة العسكرية. وكان يوجد في هذا السجن نحو ألف سجين عسكري صرف. أما سجناء السجن المركزي بقواطعه الثلاثة، فكانوا ينتظرون هجوم قوات القذافي عليهم لقتلهم. وكانت بعض الكتائب الأمنية قد بدأت تفر من الضواحي الغربية لطرابلس وتزحف للاحتماء من هجوم الثوار بضاحية أبو سليم في محيط السجن.
بالقرب من الجدار الخارجي تتناثر قطع حافلات عسكرية ومدافع وثلاث دبابات مع كتل إسمنتية من المكاتب الإدارية التي كانت تابعة للقسم، وفي الفناء المهجور أوراق تحتوي على أسماء لسجناء وأخرى مدون عليها تعليمات إدارية خاصة بسير العمل والمؤن المخصصة والتحركات الخاصة بالسجن، وكان تاريخ بعضها يعود للأيام الأولى من شهر رمضان.
كان يوجد في السجن المركزي من 1400 إلى 1700 سجين، غالبيتهم من الثوار، عدا 300 من السجناء الإسلاميين الذين لم يفرج عنهم بسبب عدم موافقتهم على المراجعات الفكرية التي كان يشرف عليها سيف الإسلام نجل القذافي مع قيادات الإسلاميين منذ مطلع الألفية.
ولم يكن أي من هؤلاء السجناء يعلم بما يدور من تطورات في الخارج، ما عدا مجموعة صغيرة تمكنت من تهريب مذياع صغير في الأيام الأخيرة. وكان من ضمن هذه المجموعة الشيخ جلال عثمان بشير صباحي، وهو من مواليد 1969 الذي كان قد دخل سجن أبو سليم يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1995، ويقول: كنا نسمع ضربات الناتو على السجن العسكري المجاور لنا، يوم 22 أغسطس، وتمكن السجناء الألف المحبوسون فيه من تحرير أنفسهم، بعد تهدم الأسوار وفرار الحراس.
الذي ساعد على إخراج الألف سجين عسكري من سجن أبو سليم التابع للشرطة العسكرية، هو العقيد جمعة السايح، وسجين آخر يدعى خالد الساحلي، والأخير كان له شقيق محبوس في الجانب الآخر من السجن يدعى محمود الساحلي. ومن هنا بدأ الاثنان يستحثان أهالي ضاحية أبو سليم لمساعدتهم في تحطيم أبواب السجن، تحت القصف والرصاص. ورغم أنهما لم يجدا مساعدة تذكر، فإنهم تمكنوا من تحطيم الباب الرئيسي من الخارج.
يقول صباحي: «حين دخلوا السجن، كان القاطع الذي توجد فيه غرفة محبسي مع بعض الإخوة هو أول الأماكن المحررة. ولمعرفتي بخبايا السجن، توجهنا، وكنا نحو 13 سجينا، إلى غرفة الصيانة وحملنا ما وجدناه من قضبان حديدية ومناشير لتحطيم باقي أبوب السجن وإطلاق سراح زملائنا».
وروى صباحي تفاصيل حياته منذ دخوله سجن أبو سليم قبل 16 عاما حتى يوم مشاركته من داخل السجن في تحرير السجناء الذين كان عددهم الإجمالي يبلغ نحو 2700 سجين يومي 22 و24 الشهر الماضي، ويقول «كنت متهما من نظام القذافي مع إخوة آخرين بأننا نعمل ضد النظام ضمن آلاف من الشبان الليبيين الإسلاميين. كنا مجموعة شباب إخوة ملتزمين بالدين، ونريد الدعوة إلى الله لكن كان هناك نوع من التضييق علينا من الحكومة ومن جهاز الأمن الداخلي الذي يشبه جهاز أمن الدولة (المنحل) في مصر».
في منتصف عقد التسعينات من القرن الماضي حدثت مشكلة بين الدولة والجماعة الإسلامية المقاتلة، فوقعت أحداث بنغازي في ذلك الوقت والمعروفة باستخدام قوات القذافي للقوات الأمنية الضخمة ضد الإسلاميين واعتقال الآلاف منهم وقتل آخرين. وكان صباحي في قوائم المطلوبين تحت اسم «جماعة السلماني». يقول صباحي الذي ما زال غير متيقن من صحة ما يدور حوله من تطورات: «كنت أعرف أنني لست مدانا في أي شيء لأنني لم أبادر مثل آخرين برفع السلاح في وجه الحكومة في ذلك الوقت. لكن لم يكن من الممكن أن أسلم نفسي للسلطات، لأنه كان معروفا للكافة أن من يسلم نفسه يكون قد انتهى، مثل عشرات المئات من الناس الذين سلموا أنفسهم للسلطات في عام 1989 ولم يعودوا بعدها أبدا. ولم يظهر لهم أي أثر منذ ذلك الوقت».
في منتصف التسعينات حين ازدادت ضغوط الدولة على الإسلاميين، بادر بعضهم برفع السلاح على الحكومة، وكان بعضهم أصدقاء صباحي ويعيشون معه في نفس منطقة السلماني. و«عرفت أنني مطلوب للاشتباه في، لكن لم أسلم نفسي للأمن الداخلي. وهربت نحو ثلاثة أشهر واختفيت عن الأنظار في مزرعة على مشارف المدينة، إلى أن وشى بي أحد الوشاة وتم القبض علي في منطقة الحدائق والتحقيق معي وتعذيبي بالكهرباء والنار والضرب إلى أن شارفت على الموت».
وزج نظام القذافي بآلاف المساجين في سجن أبو سليم الرهيب دون محاكمة. وفي ليبيا إذا كان جارك معارضا للحكومة، فإما أن تشي به أو تعامل باعتبارك من المشتركين معه في مؤامرة ضد الحكومة. وكانوا يريدون معلومات من صباحي عن كل جيرانه ومن يعرفهم من الإسلاميين. ويقول صباحي: «مكثت في سجن أبو سليم في غرفة بين الحياة والموت. ولم يكن جسدي يتحمل مزيدا من التعذيب، فأدخلوني غرفة العناية المركزة لمدة 15 يوما ولم أبدأ بالتعافي إلا بعد مضي نحو ثمانية أشهر».
ويضيف: «بقيت في السجن مع السجناء الآخرين من دون محاكمة من عام 1995 إلى عام 2003. وكانت التحقيقات معي وعمليات التعذيب المصاحبة لها قد توقفت في السنة التي وقعت فيها مذبحة السجن التي قتل فيها نحو 1200 سجين. أنا كنت في قسم السجن العسكري بأبو سليم، وكنت أسمع صوت رصاص المذبحة في القسم الآخر المعروف باسم السجن المركزي الذي يضم مدنيين وعسكريين أيضا. توقف تعذيبي تقريبا في فبراير 1996».
ولم يحكم على صباحي ولا على زملائه بمدة سجن محددة، لأنه لم يكن هناك محاكم ليعرضوا عليها. و«مكثت في السجن وأنا لا أعلم نهاية ذلك. لم يكن أحد من أسرتي يعلم بمكاني وما إذا كنت على قيد الحياة أم أنني مت مثل الآخرين، حتى عام 2002 حين زارني والدي ووالدتي وإخوتي، حيث كانت الحكومة قد بدأت في فتح باب الزيارات لعائلات المساجين بداية من عام 2001».
ويقول صباحي: «كانت أحوال السجناء مثل حالي، سواء فيما يتعلق بالتحقيقات والتعذيب أو الاحتجاز في السجن من دون حد أقصى معلوم. كان عددنا في ذلك الوقت نحو 2500 سجين غالبيتهم سجناء إسلاميون وسياسيون من جماعة الجهاد ومن الجماعة الإسلامية المقاتلة ومن التبليغ والدعوة ومن جماعة السلفيين وغيرهم».
وعن اليوم الذي وقعت فيه مذبحة سجن أبو سليم، يقول صباحي: «كنا نعلم أن لا أحد من السجناء معه سلاح، وبالتالي حين بدأ صوت الرصاص أدركنا أن حرس السجن هم من يقومون بإطلاق النار. لا أنسى أنه قبل مذبحة أبو سليم بيوم واحد كان حدث تمرد من ستة مساجين وقتلوا وقتل معم حارس واحد. المهم، منذ الصباح لاحظنا غياب الطعام وغياب الحرس عن العنابر. كنت في السجن العسكري. وفي ذلك الصباح جاءوا لنا بمجموعة من السجناء من قسم السجن المركزي إلى قسم السجن العسكري ويبدو أن هذه المجموعة كانت مستثناة من قرار الإعدام الجماعي الذي حدث في ذلك اليوم».
ويزيد صباحي قائلا «سمعنا بعد ذلك صوت إطلاق نار كثيف من جهة واحدة. عرفنا أن هناك حدثا كبيرا يحدث للسجناء. كنا نحن كما قلت في السجن العسكري ولم نعلم بعدد المساجين الذين قتلوا في السجن المركزي إلا حين نقلنا إليه في أواخر عام 1997. حين نقلوني إلى السجن المركزي، الذي كنا نعلم أنه سجن مكتظ بالمساجين، لم نجد فيه أحدا. ووجدنا جدرانه قد طليت، لكن الطلقات الفارغة كانت ما زالت متناثرة في الفناء. ولم يتمكن السجن من تنظيف الفناء منها كلها رغم مرور ما يقرب من عام على المذبحة. كما كان يمكن أن ترى حفرا صغيرة على جدران عنابر السجن من الخارج. كانت هذه حفر طلقات الرصاص. لم ينج من المذبحة غير المساجين الذين كانوا في السجن العسكري والآخرين الذين كانوا في السجن الانفرادي».
يتكون السجن المركزي من عدة قواطع (أقسام أو عنابر) وكل مجموعة توجد في قاطع. كانت هناك مجموعة الورفلة التي كانت متهمة بمحاولة الانقلاب على القذافي عام 1993، وأخبر السجناء صباحي أن جميع من كانوا في القواطع (الأقسام) الخمسة في السجن المركزي تم إعدامهم بالرصاص. يتذكر صباحي: «في ليلة الإعدام كنا نسمع أصوات الصياح والتكبير (الله أكبر) تصدر من الإخوة وهم عزل يتلقون طلقات الرصاص في صدورهم ورؤوسهم».
يوجد في كل غرفة من 10 إلى 12 سجينا، وكل غرفة هي جزء من عنبر طويل مكون من 14 غرفة. ويوجد في السجن المركزي 6 عنابر، ويوجد أيضا قاطعان مخصصان لغرف السجن الانفرادي، وكل قاطع يتكون من عشرين غرفة. يضيف صباحي: «نقلونا إلى عنابر السجناء بعد إعدامهم، ورغم طلاء جدران الغرف وتنظيف أرضياتها لإخفاء آثار الدم والرصاص، فإن الغريب كان تركهم للأسرة والملاءات لننام عليها ونتغطى بها وفيها آثار دم زملائنا».
طوال تلك السنوات كانت الأمور تسير كما هي دون تغيير، فيما عدا قصة المراجعات والسماح بالزيارات بين حين وآخر. يقول صباحي، الذي التف حوله جمع من أقاربه وأصدقائه للاحتفاء به: «لكن لم يكن أي منا يعلم بموعد الإفراج عنه. كنا نتابع التطورات في الخارج بعد أول يوم من أيام ثورة 17 فبراير. تمكنت بمساعدة بعض الإخوة من تهريب راديو صغير وإخفائه بعيدا عن أعين الحرس، وأخذنا نتتبع الأخبار من إذاعات (راديو سوا)، و(بي بي سي)، وتونس وإذاعة ليبيا، وإذاعة السعودية أيضا. وحين علمنا بخير وصول الثوار إلى طرابلس قلنا إن هناك أحد أمرين سيحدث لنا، إما أن الثوار سيطلقون سراحنا أو أن قوات القذافي ستعدمنا جماعيا كما حدث لزملائنا عام 1996».
كانت الإذاعات قد بدأت تتحدث عن خروج جميع سجناء أبو سليم يوم 22 أغسطس، بينما لم يذكر أحد صباحي ونحو ألف وسبعمائة سجين كانوا ما زالوا في السجن. كيف هذا؟ هل هي خطة من قوات القذافي لإبادة كل من بالسجن؟ يقول صباحي: أدركنا بعد ذلك أن الإذاعات كانت تقصد الألف سجين الذين خرجوا من سجن الشرطة العسكرية في أبو سليم. «هنا كان موقعنا، وهناك كان موقع سجن الشرطة العسكرية، وأول من خرج من هناك كان العقيد السايح ورفيقه الساحلي».
وقف الساحلي، وقال للعقيد السايح: لن أغادر أبو سليم إلا بأخي، وكان أخوه محمود في السجن المركزي في الجانب الآخر من سجن أبو سليم. وكانت فوضى المعارك وطلقات المدفعية في الخارج تصم الآذان، وأمام الأسوار الضخمة التي يصل ارتفاعها لأكثر من أربعة أمتار، وأمام الأبواب الحديدية الكبيرة الصماء انطلق الاثنان يستحثان أبناء ضاحية أبو سليم لمساعدتهم في تحرير السجناء بالداخل، لكنهم لم يجدوا تجاوبا يذكر. «كان الأهالي غير واثقين من تقدم الثوار. كان بعضهم بين خائف ومترقب، خاصة أن ضاحية أبو سليم كان معروفا عنها أن بها موالين كثيرين للقذافي».
كان موقع القاطع الذي به غرفة حبس صباحي في مقدمة الموقع من ناحية باب السجن، دخل إليهم السايح والساحلي ومعهما رجل من شعبية (مجلس محلي) أبو سليم. لم يكن يوجد أي من رجال الحرس الثلاثين إلا رجل واحد معروف للسجناء بإجرامه وفظائعه، هذا الرجل لم يهرب، لكنه لم يقاوم. كان كل شيء يتهاوى. هذه لحظات فارقة لكل واحد.
كان في يد العقيد السايح مطرقة كبيرة (شاكوش)، وسمع صباحي والسجناء الخبط لتحطيم باب القاطع الأول، وبدأ السجناء يخبطون على الأبواب من الداخل. وصاح العقيد السايح: اهدأوا يا شباب. إن شاء الله طالعين، لكن الأقفال كانت كبيرة، وكان بينهم وبين الغرفة التي كان فيها صباحي ثلاثة أبواب أخرى بأقفالها الكبيرة.
وفي النهاية حرروا أول السجناء من غرفة صباحي. كانوا سبعة تقريبا خرجوا سريعا وأرشدوا السايح والساحلي على مخزن معدات الصيانة، وأتوا من هناك بآلات لتحطيم باقي الأبواب، ووجدوا مثقابا كهربائيا ساعدهم كثيرا في سرعة إنجاز المهمة. يقول صباحي: «كنا نخاف من ارتداد كتائب القذافي علينا وإبادتنا، لكننا تمكنا بعون الله من كسر الأقفال جميعا ثم توجهنا لفتح الغرف الانفرادية بنفس الطريقة وتحرير جميع السجناء، وبعدها تفرقنا في ضاحية أبو سليم أمام المساجد».
وكان غالبية السجناء تفرقوا في مجموعات صغيرة لدى بعض الأهالي المتعاطفين معهم، وبالمساجد ومنها مسجد أبو شعالة ومسجد القاسي. وتوجه صباحي مع مجموعة أخرى تضم نحو مائة للاختباء في مسجد أبو هريرة بمنطقة كشلاف، حيث التف حولهم الأهالي وأتوا لهم بملابس جديدة وطعام وماء. وحالما أرسل لهم الثوار سيارات لنقلهم بعيدا عن أماكن الخطر، وليودعوا سجن أبو سليم سيئ السمعة الذي أمضى فيه كل منهم زهرة شبابه ورأى فيه الموت أمام عينيه عدة مرات. وفي ساحة الشهداء انطلقت الألعاب النارية احتفاء بتحرير السجن، رغم أنف قناصة القذافي المختبئين في أزقة أبو سليم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.