وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    البرهان يلتقي سفير دولة الكويت لدى السودان    عبد الله يونس.. الصورة الناطقة..!!    الأهلي الأبيض يبدع ويمتع ويكسب الهلال بثلاثية    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    بالصور.. القيادي السابق بالدعم السريع "بقال" يسخر: (زول عرد من الخرطوم وامدرمان وجغمته مسيرة في نيالا يقول ليك استشهد في الصفوف الأمامية)    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    "جهلة وعنصريون".. يامال ينفجر غضبًا بعد الهتافات الإسبانية ضد المسلمين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    أمجد فريد: اعترافات داعمي مليشيا الدعم السريع فضحتهم وشراكتهم في الجرائم    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    كيكل يعلّق على تحرّكات الميليشيا    شاهد.. المطربة إيمان الشريف تنشر صورة حزينة لها بعد إتهامها بالإساءة للهرم كمال ترباس والفنانة الكبيرة حنان بلوبلو    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    اكتمال عقد الجهاز الفني للكمال    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صاحب "الخندق" يروي أسرار "بيت العنكبوت" الإخواني
نشر في الراكوبة يوم 30 - 08 - 2021

برز في المشهد السوداني ككاتب وصحفي استقصائي لا يشق له غبار، استطاع إسقاط عرش الإخوان ب3 كتب كشفت خبايا وأسرار التنظيم الظلامي.
إنه فتحي الضو الذي نحت اسمه بأحرف من نور في فضاءات النضال ضد الأنظمة الدكتاتورية، فدفع الثمن بالبقاء في منفى اختياري بعيداً عن دفء الوطن، ليعود إلى بلاده بمسيرة ظافرة وبعد عقود من الغياب.
جلست "العين الإخبارية" إلى الضو لتقلب صفحاته النضالية وأسرار تمكنه من اختراق أجهزة الأمن الرسمية والخفية التابعة للحركة الإسلامية السياسية وضربها في مقتل عبر مؤلفاته الثلاثة ذائعة الصيت، "الخندق، بيت العنكبوت، الطاعون".
يخلص فتحي الضو في المقابلة إلى أن تنظيم الإخوان بمثابة أكذوبة كبرى وعبارة عن "نمر من ورق" لضعفه، أن هذه الجماعة ليس لها مستقبل في السودان أو البلدان الأخرى، نتيجة لحالة الكراهية العامة التي تشكلت ضد قوى ما يسمى بالإسلام السياسي.
وقال الضو إن معلومات كتابه "الخندق" دولة الفساد والاستبداد جاءته من طاولة مدير جهاز المخابرات شخصيا صلاح قوش، والذي وصفه بأنه رجل ساذج وهو "نمر من ورق" وليس بحجم الهيبة التي حاول أن يصبغها حوله، مضيفاً "لقد احتقرته لأنه وقع في أخطاء أدت لوصول معلومات خطيرة لي، لا يفعلها طفل مبتدئي.
وشدد الصحفي المخضرم على أن الحركة الإسلامية إذا عرفت مصادره التي كانت تمده بالمعلومات ستموت كمد، وتكتشف أنها كانت أكذوبة، معربا عن سعادته التي جعلت هذا التنظيم يتساقط مثل أوراق الخريف.
وكشف الضو خلال الحوار عن معلومات جديدة حول اختراقه لنظام الإخوان، وكتاب جديد سوف يصدر قريبا تحت عنوان الطوطم (الصنم) والذي يوثق للحركة الإسلامية السياسية كأكذوبة كبرى، كما تطرق للعديد من القضايا الخاصة بالثورة والانتقال، ومحاسبة رموز الإخوان. وإلى أهم ما جاء في الحوار…
عودة إلى الوطن بعد سنوات من المنفى الاختياري، صِف لنا شعورك وأنت في السودان بدون إخوان.
في البدء أشكركم على هذا التواصل، سعيد وأتشرف بإجراء أول حوار مع وسيلة إعلامية عقب وصولي إلى أرض الوطن بعد غيبة طويلة. حقيقة شعور ممزوج بعدة مشاعر فوجدت بنفسي خليط بين السعادة والفرح والخوف والقلق، فعندما تجمع كل هذا سوف يعطيك الإحساس الحقيقي الذي أشعر به، خلاصته وجدت نفسي كما أولد من جديد، دفء المشاعر التي وجدتها تجعل هذه السنوات العجاف سواء على المستوى الشخصي أو الوطني تذوب كلها في لحظة تجل.
عموما أنا سعيد بأن أكون وسط الناس، ورؤية الوطن الذي تشكل في مخيلتي بصورة معينة وأنا في قلب هذا الوطن.
قضيت عمرك في النضال ضد تنظيم الإخوان إلى أن سقط، إلى أي مدى أنت راضٍ عما حققه التغيير حتى الآن؟
هذا سؤال عريض، لكن في تقديري وباختصار شديد، إن كل ما حدث لم يلامس طموحات الثورة، وإن جاز لي تقييم الحكومة الانتقالية وأيضاً الدكتور عبدالله حمدوك طموحاته متواضعة، كان ينبغي أن يسعى الناس لسقف طموحاتهم، وهو سقف عال جداً يبلغ عنان السماء، فهذه الثورة عظيمة بكل المقاييس، ولا تشعر بعظمتها الحقيقية إلا عندما تكون خارج السودان أكثر من داخله، فبالداخل الأشخاص محاصرين بعد تحديات، لكن في الخارج الصورة زاهية جداً بالنسبة للثورة، تشكلت في أذهان المجتمع الدولي على المستوى الرسمي والشعبي ومنظمات المجتمع المدني.
ثورة ديسمبر متميزة فكثير من الكتاب وضعوها في مصاف الثورات التاريخية المعروفة في المسيرة الإنسانية، فما كان ينبغي أن تكون يهذه الطموحات المتواضعة. هنالك من يحاول أن يجر الثورة إلى مطالب بطينية ولا يتذكر بأنها أسمى وأرفع من ذلك بكثير، الأشياء التي يتحدثون عنها صحيح هي معاناة ومآسي يعيشوها المواطن بشكل يومي لكن مهما تعاظمت وطال العهد بها سوف تنجلي، لذلك أخشى عندما تنجلي نجد أنفسنا موجوعون بالقضايا الكبرى التي لم نستطع ملامستها حتى الآن.
للأسف الشديد، الناس لا يتذكرون أن من جملة 65 عاماً أعقبت استقلال السودان هنالك 52 عاماً دكتاتورية، ودائما ينحصر التغيير في (التغيير السياسي) فالدكتاتوريات لها تأثيرات كبرى أكثر من الحيز السياسي والحديث عن ذلك يطول لأنه أُس المشكلة التي نعيشها الآن. حتى في المشكلة الحالية بعض الناس يحصرون التقييم في مسيرة عامين وبضعة أشهر وهو أبعد من ذلك بكثير.
ما تقييمك لمستوى وصول العدالة إلى منسوبي الإخوان حتى اللحظة مقارنة بالجرائم التي ارتكبوها؟
كان ينبغي لنا أن نحترم الشعار الخالد للثورة حرية، سلام، عدالة، فالشعارات ليست أهازيج تردد إنما هي برنامج عمل، يتضمن الضلع الثالث العدالة. حقيقة ليس من باب التجني على الحكومة الانتقالية ولكن حتى الآن العدالة غائبة وتحتاج إلى من يرفع بيدها، قد تكون هناك أسباب يذكرها البعض في تبرير وتفسير غياب العدالة، لكن في تقديري كان ينبغي أن تولى العناية الكافية.
غياب العدالة أعطى إحساس للذين أمنوا العقوبة فأساءوا الأدب، فالذي أساء الأدب لا يمكن أن تتعامل معه باحترام، لأنه أساء إلى نفسه وللأمة العظيمة، وذلك لن يتم إلا بتفعيل العدالة، نحن لا ننادي بالإقصاء الذي كانوا يتبعونه (الإخوان) في فترة التمكين، لكن المعلوم والطبيعي في التاريخ الإنساني أن الثورات أساسا تندلع لتقصي، تقصي الفاسدين والمجرمين وكل الفئات في المجتمع التي ليست لها علاقة بالثورة.
من المفارقات الغريبة أن ينسى الناس نظام الإخوان البائد عندما صعد إلى السلطة بانقلاب عسكري في 30 يونيو/حزيران 1989، أذاع ما يسمى البيان رقم 1 الساعة التاسعة صباحاً (بالتوقيت المحلي)، وفي تمام الساعة العاشرة صباحاً أي بعد ساعة واحدة أصدر ما يسمى المرسوم الدستوري الأول والذي جمع كل الموبقات التي مورست على مدى 30 عاماً، إذ حوى ما يسمى بالفصل للصالح العام، حل الأحزاب والاتحادات والنقابات، وحل كل شيء ما عدا وجودهم في سدة السلطة.
حدث كل ذلك بعد ساعة واحدة من الانقلاب، والآن بعد عامين من نجاح الثورة يتحدث الناس عن ضرورة تنظيف الساحة السودانية من فلول الإخوان، هم يجأرون بالشكوى كأنهم لم يرتكبوا تلك الموبقات، وللأسف الشديد هناك من يسمع لشكواهم وما كان ينبغي أن يسمع لهم أساسا وأن تمضي الثورة في خطها الطبيعي لا تلوي على شيء.
وفي تقديري غياب العدالة أدى إلى تعقيدات كثيرة جداً، ولن يستقيم حال الثورة ما لم تعدل مسيرة العدالة؛ الضلع الثالث من شعارات الثورة.
هل تتفق مع ما ذهب إليه البعض بأن قوى الثورة أضاعت فرصة تاريخية باستغلال شرعيتها واجتثاث الإخوان بضربة واحدة؟
طبعاً هما مدرستان، الأولى كان ينبغي أن يذهب الحس الثوري إلى مداه ذلك شأن الثورات، فأي ثورة تتبع هدى شعاراتها إلى أن تصل للغاية المطلوبة. حقيقة حدثت ملابسات ظرفية وقدرية أدت إلى تعقيد المشهد السياسي برمته، فهذه الملابسات محصورة في وضعية المجلس العسكري الذي كان حتى الدقيقة الأخيرة للتغيير في خندق النظام البائد، وطبيعي جداً لا يمكن أن تغيير جلدك بين دقيقة وأخرى.
مقارنة بجرائهم ما العقاب الذي يستحقه الإخوان؟
كما ذكرت، هم أساءوا الأدب، أعتقد أن هذه الكلمة مع مرارتها تشكل التوصيف الحقيقي لأزلام الحركة الإسلامية، ولن تجد المسيرة الحالية للعدالة توازي طموحات الشارع السوداني، ما زال البون شاسع بين الواقع الذي يعيشه الناس، وبين ما كان يفترض أن يتم من محاكمات ناجزة تجعل هؤلاء المفسدين لا يتباهون بالسير وسط المجتمع بمنتهى العنجهية.
لديك 3 كتب على الأقل (الخندق، بيت العنكبوت، الطاعون) كشفت أدق أسرار تنظيم الإخوان وجرائمه، كيف استطعت اختراق هذا التنظيم الذي ظل يباهي بسرية عمله التنظيمي؟
الصورة بدأت تتشكل لدي قبل انقلاب الحركة الإسلامية فمن قناعتي الشخصية، أن بلد بهذا التنوع الثقافي مثل السودان لا يمكن أن يحكم بعقلية انفرادية، هذا البلد ربنا حباه بتنوع ثقافي نادر على مستوى الإنسانية، هناك دول تصنع التنوع صناعة كالبلد الذي أعيش فيه (الولايات المتحدة الأمريكية) وأوروبا، كندا، لكن في السودان التنوع طبيعي وبثراء عجيب، ولكن للأسف الشديد فشلت هذه النخب السودانية في إدارة هذا التنوع مما أدى لتعثر الدولة وفشل ذريع لهذه النخب التي إذا أحسنت إدارة التنوع كان يمكن للسودان أن يتبوأ مكانة عظمى.
موقفي مبدئي من ما يسمى بالحركة الإسلامية، لا أقول عداء ولكن آليت على نفسي ما استطعت أن أسخر إمكانياتي للوقوف ضد هذا التيار حتى يستعيد السودان عافيته فظللت في نقد مستمر ودائم للحركة الإسلامية حتى قبل صعودها للسلطة، ودوما كنت أنبه الناس أن هذه الحركة خطر على السودان إلى أن حدث الانقلاب المشؤوم.
على المستوى الشخصي، استمريت في مسيرتي التي آليتها على نفسي بتأليف هذه الكتب، فأنا مهتم بالتوثيق وليس الممارسات الأمنية وليس لي بها غرام، اهتمامي بالتوثيق لأني أعتقد أنها واحدة من مآسينا، أن الذاكرة السودانية غارقة في ما يسمى بالذاكرة الغربالية (نسبة إلى الغربال)، فذاكرتنا ضعيفة لدرجة أن كثير من الأحداث والوقِائع المهمة تخرج عبر ثقوب الغربال، لهذا ظللنا نعيد في المشاكل التي نعيشها منذ الاستقلال، كما تعلمون هناك ما يسمى بالدائرة الشريرة، انقلاب عسكري، ديمقراطية، ثورة شعبية ثم ديمقراطية معطوبة وتعاد الصورة المألوفة ببلادنا.
اهتمامي بالتوثيق لحد كبير أرضى قناعاتي ولكن لم يحقق طموحاتي في تمديد هذا الاهتمام حتى يكون هاجساً من هواجس المواطن السوداني، وهذا كان مدخلي في الصحافة الاستقصائية، ومن ثمن حدث التحول في كتب نحو الاهتمام بالنواحي الأمنية.
إذاً كيف استطعت اختراق أجهزة الأمن لتنظيم الإخوان الإرهابي؟
في الواقع أنا ممتن لكل مصادري، وهي متنوعة ومتفرغة وليست مصدر واحد، فالكتاب الأول الخندق كان مهتم بالأمن الرسمي، وبيت العنكبوت يختص بالأمن الشعبي والطاعون متعلق بالأمن الرسمي بعدما حدثت فيه تحولات، فهم سبب وصولي لكل هذه المعلومات.
المصادر قادت نفسها بنفسها، الكتاب الأول، الخندق قدمت كل الضمانات التي يحتاج لها أي مصدر، أهمها المصداقية، والأمر كان يحتاج مخاطرة لأن النظام الحاكم باطش، واهتماماته بالنواحي الأمنية تفوق كل شيء لدرجة أنه خصص 70% من ميزانية الدولة في ثراءها وفقرها وعلى مدى 30 عاماً لصالح قطاع الأمن والدفاع، مقابل 10.4% تذهب للصحة والتعليم، إجحاف.
كان تحد بالنسبة لي أن أخترق هذه الدائرة وشعرت على المستوى الشخصي إذا استطعت أن تهز جزع الشجرة الأمنية، يتساقط عليك النظام كأنه (نمر من ورق)، بالضبط هذا الشعور الذي لازمني عندما ألفت كتاب الخندق.
هناك من يرجح أن مصادرك من داخل أجهزة أمن الإخوان، ما تعليقك؟
أود توضيح شيء مهم جداً، في أحد المقابلات عقب الثورة من الذين يقرأون قراءة عُجلة فسروا كلمة ذكرتها، سؤلت في المقابلة عن مصادري وقلت إن الخندق كان مصدري فيه صلاح قوش وإذا أحسنوا القراءة لفهموا لأني في نفس المقابلة قلت إنني لم أقابل قوش في حياتي فبالتالي لا يمكن أن يكون هو مصدري، ولكن الحقيقة هي أن مادة الكتاب جاءت منه شخصياً ومن طاولته، فهي لم تأت من مدير مكتبه ولا من جندي المراسلة مع احترامي للمهنة ولا من ضابط في الأمن.
مادة كتاب الخندق أتتني من صلاح قوش شخصياً، وأنا تعجبت خاصة في ظل الهيبة التي أحيطت به لكنه رجل في منتهى السذاجة ما جعلني أحتقره فهو ليس بهذا الجبروت لكنه محتم بقوة النظام فمعارفه متواضعة، لأن الأخطاء التي وقع بها وأدت إلى أن أتحصل على هذه المعلومات لا يقع بها طفل، فهي هزت جهاز الأمن، وقوش شخصياً وأدت إلى تغييرات فيما بعد بجهاز الأمن قد لا تكون معلومات الخندق سببا وحيداً لكنها كانت أحد أسباب التعديلات.
كيف استقبلت ردود الأفعال والهزة التي أحدثها الخندق داخل تنظيم الإخوان وجهازهم القمعي؟
أصابتني سعادة كبيرة بما حققته، أنا أعطيت الأمان لمصادري بأني لن أفصح عنها حتى لو وضع الزناد على رقبتي لن أبوح بها وما زلت ملتزم، وهذه هي المصداقية التي قادت إلى الكتابين الآخرين، ولكن إذا مصادري في يوم من الأيام خرجت وطلبت البوح بها، ستموت جماعة الحركة الإسلامية كمداً حقيقة، لأنهم سيعرفون أنهم كانوا نمر من ورق، وأنهم كانوا أكذوبة كبرى، وصلاح قوش نفسه الأكذوبة الأكبر والحمد لله الشعب السوداني علم ذلك.
كتاب الخندق أحدث هزة عنيفة داخل الحركة الإسلامية خاصة المعلومات المتعلقة بمحاولة اغتيال الرئيس المصري الراحل حسني مبارك في أديس أبابا منتصف تسعينيات القرن الماضي، وكيف وصلني (ما دار) بالاجتماع الشهير الذي أباح لي به حسن الترابي شخصا وأنا صرحت به كمصدر لأنه توفي، وهو أباح بأكثر من ذلك بكثير لقناة الجزيرة بهذا الخصوص، لكن هناك جهات من التنظيم الدولي للإخوان تدخلت وأوقفت بثها وظلت حبيسة الأدراج، غير أنها نشرت في الخندق، فهي كانت معلومات خطيرة متعلقة بقضية لا تسقط بالتقادم والمجتمع الدولي طرفا فيها وليس الشعب السوداني فحسب.
فالترابي لم يعطيني هذه المعلومات حباً في سواد عيوني ولكن من باب الانتقام لأنه كان في خلاف مع جماعة عمر البشير.
أيضاً أوردت في كتاب الخندق معلومات عن المحكمة الجنائية الدولية التي تعتبر في ذلك الحين خطا أحمر بالنسبة للإخوان، وكذلك معلومات عن الفساد في الدولة.
كتاب بيت العنكبوت خصصته ل"الأمن الشعبي" وهو الجهاز السري للحركة الإسلامية الإخوانية، كيف استطعت التسلل لدهاليز هذا الجسم وأذرعه الأخطبوطية وبسيرته الدموية رغم تحصينه؟
في الواقع، الخندق وما تضمنه من مصداقية وجرأة في نشر المعلومات، هو الذي جذب مصدر الكتاب الثاني "بيت العنكبوت" فالمصدر هو الذي بحث عني ولم أبحث عنه، وأبلغني أن معلوماته لن ينشرها إلا صاحب الخندق لخطورتها، وأنا أشيد بشجاعته ولا أدري ماذا يحدث لجماعة الحركة الإسلامية إذا عرفوا كادرهم الذي مدني بهذه المعلومات عن الجهاز السري لتنظيمهم "الأمن الشعبي".
بكل صدق وليس تذكية لنفسي، ولكن معلومات "بيت العنكبوت" كانت ترعبني بنفس التعبير، وكنت على يقين أن هذه المعلومات سوف تهز الحركة الإسلامية في جهازها الرسمي، فهو الجهاز المخفي الحاكم، فكونك تكشف مديره وهو عماد الدين حسين وتكشف 13 دائرة (مكتب) في العاصمة الخرطوم يديرها أشخاص بزي مدني ولديهم مهن مختلفة معلمين، مهندسين، ذكرها المصدر بمسمياتها.
هل هي نفس الأوكار المسماة ببيوت الأشباح ويتم فيها التعذيب؟
لا، هي مكاتب للدولة، لكن ليس بها لافتات ولا يمارس فيها أي نشاط عمل، ويدار فيها النشاط الخاص بالأمن الشعبي عقب الدوام الرسمي. تمت تعرية هذا الجهاز بشكل كامل، وأنا تنبأت في مقدمة الكتاب أنه عندما ينشر سوف يتم حل هذا الجهاز بصريح العبارة وبالفعل تم حله.
كتاب الطاعون ضربت به جهاز الأمن والمخابرات الإخوان لدرجة أوردت 700 ضابط برتب مختلفة وتعاونه مع سي آي أيه، كيف حدث هذا الأمر الذي شبهه البعض بالمعجزة؟
على المستوى الشخصي كانت سعادتي كبيرة كون الجهاز الرسمي للحركة الإسلامية فيه جميع أسرارها يتم اختراقه، فهذا شجعني على المضي قدما في اتجاه زلزلة أجهزة هذا التنظيم، ولذلك كان دافعاً لمصدر الكتاب الثالث "الطاعون" الذي خصصته لجهاز الأمن والمخابرات.
مصدر الطاعون، كشفه كان أكثر إيذاءً، حيث تم كشف 700 ضابط بالأسماء والرتب عملت هزة كبيرة جداً. أيضا أن يتم كشف كلمة السر (باسورد) الخاص بالجهاز وهو عند مدير الجهاز وموظف الكمبيوتر.
خلاصة الأمر، المصادر كانت تتشجع بعد كل كتاب، وهذا أعطاني إحساس كلما اتسعت دائرة الكشف كلما كانت المصادر أكثر عطاءاً.
ورغم ردود الأفعال التي أحدثتها، لم أدرك قيمة هذه الكتب إلا بعد وصولي إلى السودان، لتوي شعرت أني عملت شيء، فلم أكن أتوقع هذا رغم التفاعل الكبير وعمل ندوات مستمرة حول الكتب في الأربع قارات لتسخين الملعب وتهيئة الرأي العام، لم أشعر بما أحسه الآن، ففي تأبين الشاعر القدال بقاعة الصداقة في الخرطوم السبت وجدت أشخاص كثر، وكانت هناك مشاعر دافئة.
تقديرك ما دوافع الذين يمدونك بالمعلومات والأسرار من داخل التنظيم الإخواني؟
تختلف دوافعها، مصدر الكتاب الأول "الخندق" ليس له دوافع وكان طرفاً محايداً ربما كان دافعه التباهي كما يسميها علماء النفس، فهو لم يبلغني ما إن كان قد حقق غرض معين.
مصدر كتاب بيت العنكبوت أعتقد تعرض لمعاملة قاسية أظنه في الجهاز معاملة أيقظت ضميره، شهد جرائم ارتكبت أمام عينه هو لم يشارك فيها حسب كلامه، أنه رآها وآلمته وظل يعيش في فوبيا كما حامل ذنب عظيم، فأعتقد كان يرغب في تطهير نفسه كما ذكر لي.
لم أقبل الثلاثة مصادر من الوهلة الأولى كان هناك رحلة طويلة مررت بها، بدأتها بسؤال المصدر عن دافعه فكانت كلمة ثقيلة "عايز (أريد أن) أتطهر"، بعدها خرج مصدر بيت العنكبوت من البلاد بمخاطرة كبيرة ووصل أوروبا حسب متابعاتي له تحول إلى الخندق الثاني، فهو جريج جامعة الخرطوم وعمل على زيادة علومه ومعارفه في بلد أوروبي ودرس حقوق إنسان، وأصبح داعم للاجئين.
مصدر كتاب الطاعون كان دافعه ثأر شخصي وليس وطني، فهو ملتزم بشكل قاطع للحركة الإسلامية وإلى الآن، لكن التزامه هذا لم يمنعه من أن يضخ لي كل هذه المعلومات، وكان ضربة كبيرة جداً للجهاز في الكشف عن محضر اجتماع مع وكالة الاستخبارات الأمريكية سي آي أية، يجعلني أضع نفسي في مخاطرة وأنا في بلد أعرف هذه الأجهزة، ولكني لم أتحسب لأني أدرك أن الفواصل والحماية موجودة.
ففي المجتمع الغربي لا يمكن أن تقبض الأجهزة الأمنية على أي شخص، لذلك سرت بقلب قوي في هذا الاتجاه.
هل توقفت عن عملك الاستقصائي بسقوط الإخوان، أم سنشهد إصدارات أخرى بأسرار جديدة عن التنظيم؟
اختص "العين الإخبارية" بهذا الكشف، إني أعمل على إعداد كتاب باسم "الطوطم" وقد اكملت 70% منه، فهو لا يختص بالأجهزة الأمنية، بقدر ما يركز على موبقات الحركة الإسلامية التي لم تنشر، وحتى المنشور نريد أن يقف حولها الشعب السوداني حتى لا تتكرر التجربة والممارسات التي قامت بها الجماعة الإخوانية.
وأنا أقصد بالطوطم، "الصنم" لأن الحركة الإسلامية بنت صنما وكسرته ليس للشعب السوداني يد فيه، فالتسمية تتسق مع مفهوم الحركة الإسلامية للقضايا المختلفة سواء كان الدين أو الدولة، وأتمنى أن يؤدي الكتاب الجديدة وهو توثيقي، غرضه مثلما فعل سابقيه.
كيف تنظر إلى الدعوات التي يطلقها البعض للمصالحة الوطنية؟
هناك خلط غريب يتم في الآونة الأخيرة في مسألة ما يسمى بالمصالحة، مرة المصالحة الوطنية، وأخرى الوفاق الوطني، تسميات لا تمت للتسمية الحقيقية بصلة، فكلمة مصالحة نفسها لا تتسق مع المفهوم الوطني، لكن شأن أزلام الحركة الإسلامية دائما يحاولون إعطاء أفكارهم صبغة أنها متسقة مع الوطن وملتصقة بالدين حتى يعطونها شيء من القدسية.
الآن أعجب لأحاديث الإخوان عن المصالحة، العجب في أنه مازالت مآسيهم حاضرة لم يمض وقت طويل حتى يعيد الناس النظر فيما حدث.
الحديث عن المصالحة مجرد خطل، يفترض أن يكون هناك فواصل واضحة تتبناها الحكومة الانتقالية نيابة عن الشعب السوداني، في تقديري ليس لنا استبيان ولكن المسح يؤكد أنه ما تزال هناك كراهية للحركة الإسلامية سواء في السودان أو المحيط الإقليمي.
إذا كانت هناك ثواب لثورة ديسمبر هي ثلاثة: لا فرصة لانقلاب عسكري، لا فرصة لإسلام سياسي، لا فرصة لمصالحة. فلا مجال للحديث عن المصالحة ما لم يتم تفعيل العدالة، محاكمات عادلة للمفسدين يذهبوا إلى السجن والذين ارتكبوا جرائم أن يقتص منهم، الوفاء لشهداء الثورة يجب أن يعلو على كل الاهتمامات، فأي حديث يتجاوز الخطوط الحمراء هو مجرد عبث، مهما كانت الموبقات التي يرتكبونها الثورة سوف تمضي لغاياتها المرسومة لها.
نريد منك قراءة تقييمية لمستقبل تنظيم الإخوان الإرهابي، بعد الضربات الموجعة التي تلقاه في تونس، مصر، الجزائر، السودان وسائر البلدان؟
منذ بداية وصول هذه الجماعة إلى سدة الحكم، كنت أقول بثقة شديدة أن الحركة الإسلامية الأصولية ظاهرة عارضة في حياة الشعوب وستزول، هناك ظروف معينة أدت إلى وجودها لفترة زمنية طويلة في الواقع السوداني، ما كان ينبغي، لكن حدث لظروف يطول فيها الحديث، لكن هذا لا يعني أن الحركة الإسلامية كانت تملك المقومات التي تبني دولة.
الحركة الإسلامية ليس لها مؤهلات سواء في السودان أو غيره من البلدان للاستمرار في الحكم، فقد حدث تغييرات كثيرة منها نظرة العالم للإسلام السياسي لذلك ليس هناك مستقبل يذكر للإخوان.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.