الهلال السوداني إلى الدور ربع النهائي من بطولة دوري أبطال إفريقيا    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم عالم التمثيل بالمشاركة في عمل درامي خلال شهر رمضان    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم عالم التمثيل بالمشاركة في عمل درامي خلال شهر رمضان    شاهد بالصورة.. فنانة تشكيلية تعرض لوحة للفنان الراحل محمود عبد العزيز للبيع بمبلغ 5 مليار جنيه وساخرون: (إلا يشتريها مأمون لزوجته حنين)    ليفربول يحسم أمره ويقرر عرض محمد صلاح للبيع    بنك الخرطوم يصدر توضيحا مهما    وزير الصحة يؤكد دعم غرب كردفان واستمرار الخدمات الصحية رغم التحديات    السلطانة هدى عربي توجه رسالة لخصومها بصور ملفتة: (اصلوا ما تحاولوا تشوهوا صورتنا لي ناس الدنيا ضيقة)    تبادل إطلاق نار في الخرطوم    تفاصيل بشأن خطة تأهيل جسري شمبات والحلفايا    عثمان ميرغني يكتب: "إن جِئْتُم للحق.. أفريقيا على حق".    إطلاق سراح 100 من نزلاء السجون الغارمين بكسلا    الإمدادات الطبية: وصول أول دعم دوائي مركزي لجنوب كردفان بعد فك الحصار    "Jackpotting".. كيف يستولي قراصنة على الصراف الآلي وأين بدأت هذه الهجمات؟    3 ميزات متوقعة في آيفون 18 برو بفضل شريحة " C2″ الجديدة    "ميتا" تعزز فيسبوك بميزة الصور الشخصية المتحركة    الأردني التعمري يقود رين إلى هزيمة باريس سان جيرمان بثلاثية    د. سلمى سجلت نقطة لصالحها، إن تم قبول استقالتها ستخرج وقد رفعت الحرج عن نفسها    الشرطة في الخرطوم تنهي مغامرة متهم المستشفيات الخطير    الأمم المتحدة تطلق التحذير تجاه أزمة السودان    (سبتكم أخضر ياأسياد)    مكاسب المريخ حتى تأريخه..!    من سلوى عثمان لهند صبري .. مشادات "اللوكيشن" تهدد دراما رمضان    نصائح صحية للاستعداد المبكر لرمضان    "الصحة العالمية": اعتماد لقاح فموي جديد لشلل الأطفال    علم النفس يوضح.. هكذا يتخذ أصحاب التفكير المفرط قراراتهم    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    الهلال السوداني يخوض مواجهة مصيرية في أبطال إفريقيا    أئمة يدعون إلى النار    إتحاد جبل أولياء يكون اللجان العدلية    في مباراة مثيرة شهدت ضربتي جزاء وحالة طرد الأهلي يخسر أمام مويس بثنائية نظيفة في دوري شندي    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الهوية السودانية: تفكيك نظرية المركز والهامش و قد مفهوم دولة 56
نشر في الراكوبة يوم 21 - 02 - 2024

▪️لا توجد دولة اسمها دولة 56، فهذا مجرد اسقاط سياسي علي الوقائع التاريخية ..
▪️لقد اسقطت حرب 15 أبريل نظرية المركز و الهامش و سقط بعض منظريها..
▪️طبيعة الصراع في السودان ترتبط بجدلية التخلف، التنمية، و السلطة وليست بمركز مقابل هامش..

*توطئة*
يناقش هذا المقال اهم القضايا التي أنتجتها اخفاقات السياسة في السودان، كما يتصدي و ضمن رؤية موضوعية لمنظور أصبح سائدا حول تفكيك دولة 56 و التي لا نعرف ماهيتها من حيث الدلالات المفاهيمية و التاريخية..كما يناقش هذا المقال و يجادل منطلقات نظرية المركز و الهامش و يكشف التصورات التي أنتجتها و الي اين انتهي حاملوها بعد حرب 15 أبريل..المقال يتجاسر بالقول أن ما حكم تطور الدولة السودانية لا يستند الي منظور مركز مقابل هامش مغلق و علي أساس اثني، انما ترتبط القضية بجدلية التنمية و التخلف و دور السلطة في دولة ما بعد الأستعمار و نهجها في تعميق الأزمات التي أسس لها الأستعمار أبتداءا..

*المقاربة الخاطئة*
لقد ساد عبر السنوات الاخيرة شعار تفكيك دولة 56 و الذي أدي الي أنتاج ذلك الشعار يأتي مرتبطا بالأخفاقات العديدة التي نتجت عن دور السلطات التي حكمت السودان بعد العام 1956..و الذي رتب لذلك يأتي مترابطا و الوعي الذي حكم تلك القوي التي حكمت السودان بعد خروج البريطانيين منه و أدي الي فقرها في أدراك متطلبات الواقع الذي تحكمه، و كأسقاط طبيعي لذلك الخلل في دور السلطة في تعيين موقعها في حلحلة قضايا المجتمع، برزت الأصوات المناوئة للسلطة و بشكل تاريخي، و التي يمكن تحديدها في الواقع الوطني السوداني ضمن اطارين:
الإطار الأول: هذا الإطار قد ارتبط بالحركة الجماهيرية و ما تحتويه من اطراف عديدة سواء كانت حزبية، نقابية، طلابية، و غيرها من القطاعات المدنية و التي تشمل كافة قطاعات المجتمع دون تحيزات قبلية أو جهوية، و هذا الإطار أو الأتجاه هو الذي اقلق السلطات سواء كانت ديمقراطية أو دكتاتورية لأن هذا الأتجاه قد استخدم قوته المعنوية المرتبطة باللاعنف و علي قاعدة قوة الجماهير و التي تتجدد وفق سردية التناسل الإيجابي..
الإطار الثاني: هذا الإطار أو الأتجاه هو الذي ذهب نحو مواجهة السلطة عبر أدواتها المرتبطة بالعنف و السلاح مع تبني خطاب يقول ان هنالك مركزية في الدولة تتأسس علي مفهوم عرقي أو ثقافي يسيطر علي كل شيء مما يفرز معه هامشا عرقيا لا يمتلك اي شيء و بالتالي يصبح لزاما علي ذلك الهامش مواجهة ذلك المركز ، و بالتالي تفكيك دولته من اجل إبداع سودان جديد علي أنقاض السودان القديم… هذا الأتجاه هو الذي انتج نظرية المركز و الهامش و هو الخطاب الذي سنقوم بنقده و تفكيك مرتكزاته..
*نظرية المركز و الهامش*
المدرسة الغربية لديها تأثير واسع علي النخب في دول العالم الثالث، حيث تستمد هذه النخب الكثير من المفاهيم و المرتبطة بالمنظور الغربي، و الذي مثلته اوربا عبر تصورها لذاتها و للعالم..و لقد تصورت اوربا نفسها تاريخيا بكونها هي مركز العالم و كل من يقع خارجها ما هو إلا مجرد هامش و صدي لأوربا، و بالتالي يقع علي عاتق اوربا تمدين هذا الهامش و تطويره حتي يتسق مع الدلالات الاوربية للحضارة، و من هنا برزت فكرة احتلال هذه الهوامش وفق شعار التمدين و الذي يستبطن فكرة نهب موارد هذه الهوامش بأعتبار أن هؤلاء الذين يعيشون في هذه الهوامش يفتقدون القدرة علي تطوير الموارد التي لديهم ، و كما يقول ادوارد سعيد فأن منطق الأوربيين ينطلق من منظور يقول بان الذين يعيشون في الهوامش لا يستطيعون تمثيل أنفسهم فيجب أن نمثلهم نحن، اي الأوربيون، و لهذا فقد كان شعار تمدين شعوب الهوامش حسب المنظور الغربي هي كذبة اوربا الكبري..من هذه الزاوية التقط العقل المصاغ وفق الرؤية الكولونيالية منظور المركز و الهامش بديلا عن فكرة جدل التنمية و التخلف و السلطة في دول العالم الثالث ، و قد قام وعكسا للمفهوم الأوربي الزاحف نحو الهوامش بطرح فكرة الهامش الثائر و المنتفض و الزاحف ضد مركز ثقافي متخيل داخل البلد الواحد حتي لا يتم الأبصار تجاه المركز الحقيقي الذي ادي الي بروز هذه (المراكز) الصغري التابعة للنهج الغربي و التي أدت الي الخلل في واقع السودان و غيره من الدول المشابهة، مما يقود و بالنتيجة لتقليص نضال الشعوب ضد الظاهرة الاستعمارية التي أنتجت فكرة عدم التوازن التنموي و الذي ادي الي تكريس مفهوم هذا الأنقسام داخل الاقطار و الذي تم تصويره لدي البعض بأنه سطوة مركز يحمل سمات عرقية و ثقافية ضد عرقيات مغايرة و متباينة ثقافيا….هذا التحليل لا يعفي السلطات المحلية و لا يعترض علي مواجهتها، انما الحديث هنا يشير الي طبيعة المواجهة الاساسية و التي تحتم وحدة كل الهوامش التي تصورتها أوربا من اجل مواجهة الظاهرة الاستعمارية و معها الأنظمة التابعة لها بعيدا عن الطرق حول الأثنية او القبيلة و التي يرتكز عليها الهامش المطروح عبر تفكير منظري هذه المدرسة، اي مدرسة المركز و الهامش..و استنادا لذلك و ضمن المفاهيم المشحونة بافكار الظاهرة الاستعمارية برزت نظرية المركز و الهامش ضمن أفقها المحدود و الذي يقرأ الظواهر و بشكل منفصل، سواء كان ضمن منظور تاريخي او راهني، كيف؟ نقول وضمن اساس تاريخي فأن اساس الدولة الوطنية في دول العالم الثالث هو اساس استعماري ، بأي معني هذا التوصيف؟ و الأجابة ، بمعني ان الدولة الوطنية الحديثة لم يخطط ابناؤها لإنشاء بنياتها انما ورثوا ما خطط له الأستعمار علي مستوي السياسة و الاقتصاد، حيث ورث ابناء هذه البلدان النمط الليبرالي الغربي في السياسة و الاقتصاد، اما التنمية علي الأرض فقد سارت علي النمط الذي خطط له الأستعمار و لم تبعد عنه كثيرا..فأذا اخذنا السودان كمثال فأن الانظمة الوطنية التي خلفت الأستعمار البريطاني سارت علي ذات النهج الذي رسمته بريطانيا للتنمية و التي تركزت في مناطق بعينها لديها القابلية علي تسهيل نقل الإنتاجية الي بريطانيا دون أعتبار التوزيع العادل للثروة، و من هنا تركزت مظاهر هذه التنمية في وسط السودان و تم حرمان بقية المناطق من هذه التنمية، و لهذا فالأساس في هذا الخلل أنتجته العقلية الاستعمارية و سارت عليه غالبية النخب التي تسلمت السلطة و بالذات العسكرية و التي استبدلت ( البرنيطة) الانجليزية (بالكاب) العسكري مع بقاء العقلية ذاتها و التي أبقت علي ذات النهج و بالذات في مجال التنمية..و بالتالي فأن ما يقول به اصحاب نظرية المركز و الهامش بأن هنالك دولة اسمها دولة 56 و هي المرحلة التي تلت حقبة الأستعمار، فأن هذا المنظور او القول يفصل الحقب التاريخية حتي لا يواجه الظاهرة التي أنتجت الخلل الأساسي في المعادلة الوطنية و هي الظاهرة الاستعمارية و التي لا يتحدث عنها اصحاب نظرية المركز و الهامش كثيرا لأنهم قد اصبحوا جزءا من هذه الظاهرة و التي عنوانها تجزئة و تفتيت الأوطان و فق مبررات احتكار السلطة و الثروة لمجموعة بعينها، و هذا ما أدي كنتيجة لفصل الجنوب و فق ذلك المنظور و الذي ألتقي مع منظور الاخوان المسلمين و القائم علي التفتيت و علي أسس دينية.. لقد نفي انفصال الجنوب تصورات نظرية المركز و الهامش، حيث انعدم المركز الثقافي الذي تم تصويره من قبل في السودان و المحتكر لكل شيء مقابل الهامش الفاقد لكل شيء، حيث ظل الجنوبيون بعد الانفصال يرزحون داخل دائرة الفقر و الحروب دون ان تكون هنالك اسلاموعروبية تسيطر علي المركز في الجنوب كما تم تصوير ذلك عبر تلك المدرسة و في حالة شمال السودان، حيث أن الخلل في التجربة الجنوبية يرتبط بدور السلطة و عدم قدرتها علي الخروج من إطار المصالح الذاتية و المدعومة بوعي القبيلة..اذن و منذ البداية أخطأ منظرو نظرية المركز و الهامش عبر افتراضين:
الأفتراض الاول: و هو الافتراض الذي قيل فيه ان هنالك دولة اسمها دولة 56 دون ان يذهب هؤلاء وراء أساس تلك الدولة و طبيعة نشأتها ذات الركائز الاستعمارية و التي لم تبدأ في عام 1956 و لكن هذا العام قد مثٌل مرحلة جديدة في تاريخ السودان مرتبطة بالاستقلال السياسي مع بقاء تلك الركائز الاستعمارية كما هي في الجوانب الاقتصادية و التنموية ، و لهذا فقد فصلت نظرية المركز و الهامش المراحل و اصبحت معلقة بمرحلة منقطعة عن سابقاتها مما تضيع مع ذلك مسألة التطور التاريخي في فهم الصراع و ربط حلقاته مع بعض…كما ان أصحاب النظرية لم يعُرفوا الدولة نفسها و التي يقوم اساسها علي ثلاثة عوامل هي: الشعب، الارض، و السلطة، و لا ندري اي من العوامل يسعي اصحاب مدرسة المركز و الهامش الي تدميره و لأقامة البديل الجديد؟؟
الأفتراض الثاني: هذا الأفتراض ارتبط بالمحددات القطعية و المرتبطة بفكرة الهامش المغلق علي أساس عرقي-ثقافي مقابل المركز المهيمن علي هذا الأساس العرقي-الثقافي دون الذهاب بعيدا تجاه فكرة أن هذه الهوامش لديها أمتدادتها تجاه المركز المذكور من حيث المدلول الثقافي، و حالة الجنوب بعد الأنفصال تشير الي ذلك حيث ما زالت الغالبية من أبناء و بنات الجنوب يحملون معهم مظاهر الثقافة السودانية العامة و بدرجات مختلفة، و كذا بقية اطراف السودان سواء في دار فور و بقية أطراف السودان، و التي يعتبر صراعها ليس ثقافيا مع وسط السودان و الذي ينظر اليه بأعتباره ذلك المركز المهيمن، انما ترتبط جذور الصراع بطبيعة السلطة المحتكرة لكل شيء و التي قد ثارت عليها جماهير الوسط لتدافع و منذ الأستقلال عن حق الجنوبيين في الحياة الكريمة و تقف ضد السلطات التي رفعت السلاح في وجه الجنوبيين، كما دافعت جماهير الوسط عن دار فور عبر شعار( يا عنصري يا مغرور كل البلد دارفور) ، و علي هذا الأساس تنعدم فكرة الهامش الأثني الثائر ضد المركز الثقافي المهيمن و هنا المركز العروبي، حيث ان القضية و مع الاعتراف بالتنوع الدرجي و ليس النوعي و في أساسها ترتبط بالجدلية التي ذكرناها سابقا و المرتبطة بطبيعة السلطة في دول العالم الثالث و علاقة ذلك بالتنمية و ظاهرة التخلف، حيث تحتكر السلطة كل شيء و من ثم تركيز الثروة حولها و بالتالي حرمان الشعب من كل شيء، و هي الجزئية التي تحدثنا عنها في صدر المقال و التي تقود الي فكرة الثورات ضد هذه السلطة و هي الفكرة الجماعية الإيجابية و التي خرج عنها اصحاب مدرسة الهامش بحمل السلاح بديلا عن النضال السلمي و الذي ادي لأنفصال الجنوب و ادي الي انتكاسات عديدة داخل هذه المدرسة نجملها في النقاط التالية:
اولا: الانتكاسة الفكرية، حيث ان المنطلق الذي قامت عليه نظرية المركز الهامش قام علي اساس سياسي مرتبطا بردود الافعال دون القدرة علي النفاذ نحو معوقات النهضة في دول العالم الثالث، و التي قلنا بأرتباطها بالظاهرة الاستعمارية، و حتي في الجانب السياسي أرتبط الأمر بالشعار و منه شعار تفكيك دولة 56 دون الاجتهاد في تحديد مفهوم الدولة..
ثانيا: غالبية الذين تبنوا نظرية المركز الهامش و من خلال التنظير ، و خارج اطار الحركة الشعبية أو داخلها هم من أبناء (المركز) و هؤلاء قد شعروا بعقدة الذنب نتيجة لممارسات السلطات العسكرية تحديدا في ممارسة القتل و العنف ضد الاطراف ضمن حركة الصراع المسلح، و هذا الانتماء لابناء (المركز) للهامش ليس سيئا و لكنه أنطلق من منظور جزئي يفقد التعاطف مع الهوامش الأخري و في الشمال و الوسط بأعتبارها هي صاحبة أمتيازات مما تضيع معه النظرة الشاملة لقضايا الصراع و المرتبطة بدور السلطة و تهميشها للكل.
*حرب 15 ابريل و تبدلات نخب نظرية المركز والهامش*
يمكن القول و دون تردد بأن انفصال الجنوب قد أنهي نظرية المركز و الهامش و التي شملت المنظور الأساسي للحركة الشعبية، و كما اوضحنا سابقا فلم تكن في الجنوب مركزية مرتبطة بعروبة او اسلام كما تقول بذلك تلك النظرية في شمال السودان، انما كانت القضية في مجملها مرتبطة بقضية التنمية و التخلف و احتكار السلطات لمصائر الشعوب..و بعد انفصال الجنوب اندلعت حرب 15 أبريل لتضع هذه النظرية في رف التاريخ، استنادا للمحاور التالية:
المحور الاول: بعض المثقفين و الذين تعبوا في التأسيس لهذه النظرية و وقفوا ضد ما أطلقوا عليه المركز و مؤسساته و جدوا أنفسهم بعد هذه الحرب يقفون مع المؤسسات التي تمثلها الدولة التي قالوا بضرورة حربها اي (دولة 56) و يدافعون عنها و علي رأس تلك المؤسسات يأتي الجيش و الذي بدأوا يتحدثون عنه و كأنه يحارب قوي خارجية و يؤكدون علي ضرورة وجوده و من أجل الحفاظ علي الدولة و ذلك ينسف الفكرة الأساسية المرتبطة بالأزاحة و الاحلال التي صدرتها نظرية المركز و الهامش، اي إزاحة السودان القديم و احلاله بسودان جديد..كما أن بعض الذين حملوا السلاح من أجل الدفاع عن الهامش تحت مسوغات تلك النظرية وجدوا أنفسهم و هم يدافعون عن جيش (دولة56) عبر هذه الحرب الدائرة اليوم ، و الذي قالوا عنه من قبل أنه جيش المركز المهيمن و الذي لا يخوض حربا الا ضد الهوامش، و هو ذات الجيش الذي يقوم بحربه ضد الشعب السوداني كله و معه المليشيا التي تواطأ في انشاءها، و ذلك من خلال التدمير و قتل و تشريد المدنيين عبر هذه الحرب التي عنوانها الخراب..
المحور الثاني: كشفت هذه الحرب بأن الصراع في طبيعته ليس مرتبطا بالأثنيات نتيجة للمظالم الواقعة عليها و علي اساس العرق، انما هذه الحالة ترتبط بكافة قطاعات الشعب السوداني، و الاخطر ان الذي يتبني قضية الهامش اليوم هي قوات الدعم السريع و هي ليست من (المركز) و لكنها تحمل سماته الثقافية اي أنها تقع في دائرة العروبة و الاسلام او الاسلاموعروبية كما يقول بذلك اصحاب نظرية المركز و الهامش، و قد كانت هذه القوات من قبل ضمن نسق السلطة المركزية، و لكن نتيجة لتوازنات السلطة نفسها حدثت المواجهة بين هذين الطرفين، الجيش و الدعم السريع، و هذا يؤكد ان قضايا الصراع في السودان يرتبط بعملية السلطة و الصراع حولها و من قبل كافة الاطراف دون محددات عرقية أو ثقافية…
المحور الثالث: هذه الحرب قد قضت علي (المركز) و تدميره عبر مؤسسات المركز نفسها مع الاشتراك مع اصحاب العروبة العرقية القادمين من الاطراف، و بالتالي فنحن في أنتظار منظري مدرسة المركز و الهامش ليقولوا لنا كيف نبني السودان الجديد الذي تم تدميره من قبل المنتميين لدائرة العروبة نفسها و ليس من قبل الهامش المفترض من قبل نظرية المركز و الهامش…
المحور الأخير: يمكن القول اجمالا بأن المنطلقات التي تأسست عليها نظرية المركز و الهامش منطلقات خاطئة لم تقف علي ظاهرة التنمية و التخلف و علاقتها بالسلطة في دول العالم الثالث مرتبطا كل ذلك بالظاهرة الاستعمارية التي قامت عليها بنيات التنمية في هذه البلدان و سارت علي نهجها السلطات الوطنية ذات الاتجاه الليبرالي و الذي يدور في فلك الظاهرة الاستعمارية..الحل و وفق منظور مستقبلي يرتبط بمفهوم الديمقراطية الأجتماعية و المرتبطة بالإنجاز علي أسس متوازية و متوازنة علي مستوي كافة الأقاليم، كما يرتبط الامر بدور السلطة ضمن منظورها لواقع المجتمعات و الوعي بجدلية التنمية و التخلف و مشروع النهضة علي أسس اقتصادية و اجتماعية جديدة..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.