قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قبيلة بسيناء المصرية بلا جنسية وتعاني التهميش
نشر في الراكوبة يوم 21 - 10 - 2011

تحقيق - محمد علي الدين - كان عوده سويلم يعد الشاى لضيوفه، ويمر عليهم واحدا تلو الأخر ليملأ أكوابهم الفارغة للمرة الثانية أو حتى الثالثة استعدادا لجلسة قد تستمر لساعات داخل “مقعد" منزله البدوي في منطقة القسيمة الحدودية. عاد سويلم، 30 سنة، للجلوس بجواري ثم أشار إلى طفلين يلعبان خارج المقعد، وقال: “دول أولادي وحتى اليوم لا استطيع ان استخرج لهم شهادات ميلاد (...) حتى والدي الذى توفى منذ سنوات لم نستخرج له شهادة وفاة". يصمت عوده ابن قبيلة العزازمة، للحظات ثم يقول: “أنا نفسى لا أحمل إلا هذه الورقة المكتوب بها أنى غير معين الجنسية".
عوده سويلم وأسرته يمثلون نموذج لمشكلة “البدون جنسية" في سيناء، وتحديدا بين أبناء قبيلة العزازمة الموجودين في مناطق القسيمة، ووادى الجايفة، والكونتلا حيث يعيش أكثر من ألفى من أبناء قبيلة العزازمة بدون جنسية أو أوراق رسمية تثبت أنهم مصريون أو فلسطينيون أو اردنيون، يحملون فقط شهادات مكتوب عليها “غير معين الجنسية".
حقل ألغام العزازمة
الحديث عن العزازمة ليس امرا سهلا، ويصفه أشرف العناني، شاعر مقيم في سيناء منذ 25 عاما، ومهتم بجمع تراث القبائل ب"الدخول إلى حقل ألغام". أما الحديث مع العزازمة والوصول إلى مضاربهم يبدو للوهلة الأولى مستحيلا، يتطلب الكثير من الوقت، ومرات أكثر من المحاولات.
شهر كامل من الاتصالات والاستفسارات عن العزازمة،ومدى إمكانية الوصول إليهم .. المعلومات شحيحة، والوصول إليهم يتطلب “وساطة قبلية" تضمن موافقة العزازمة على استقبال أحد الصحفيين والحديث معه.
أخبرني “الدليل" الذى أخذني إلى مضارب قبيلة العزازمة، أن المسافة من العريش شمالا إلى القسيمة في وسط سيناء تبلغ حوالى 80 كيلومترا، وأننا سنضطر إلى التوقف في منطقة الجورة بوسط سيناء لاستبدال تلك السيارة بأخرى تصلح لاستكمال الطريق الصعب من الجورة إلى القسيمة، وقال: “المرحلة القادمة تحتاج المارادونا .. هى وحدها تستطيع اجتياز طرق وسط سيناء". و"المارادونا"، وهو الاسم الذى يطلقه أبناء القبائل على سيارات الدفع الرباعي في إشارة إلى سرعتها، وقدرتها على المناورة واجتياز رمال وسط سيناء الناعمة.
كان سائق “المارادونا" قلقا من الذهاب إلى المنطقة لعدة أسباب؛ أولها أن معظم الطرق الأسفلتية المؤدية إلى الوسط تضررت بشدة بل انقطعت في اكثر من موضع بفعل السيول، والسبب الثاني أن المنطقة شهدت خلافات قبلية قبل زيارتنا لها بيوم واحد ترتب عليها تبادل محدود لإطلاق النار، وأخيرا فإن الوسط يعانى حالة من الانفلات الأمنى حيث شهد قبل أيام قليلة حادثة سطو مسلح على إحدى السيارات أسفرت عن مقتل السائق على ايدى مسلحين. مخاوف السائق كانت حقيقية، فالسيول جرفت الاسفلت تماما، وباتت السيارات مضطرة للسير في طرق جانبيه وسط الرمال الناعمة، وأثناء الطريق مررنا بخمس سيارات رباعية الدفع غاصت عجلاتها في الرمال.
"أهلا بك في إسرائيل"
كلما قطعت “المارادونا" المزيد من الكيلومترات داخل وسط سيناء، انقطع اتصالنا بالعالم الخارجي، فراديو السيارة لم يعد قادرا على استقبال اى إذاعات بينما توقفت عن العمل شبكات المحمول المصرية لتحل محلها على شاشات الهواتف المحمولة، شركةOrange الاسرائيلية مع رسالة تقول: “أهلا بك في إسرائيل .. لاستقبال المكالمات على شبكة أورنج تكلفك الدقيقة 4 جنيهات والرسالة جنيهين .. استمتع بإقامتك".
وصلت سيارتنا الآن إلى قرية القسيمة، أى على بعد 12 كيلومترا تقريبا من أول تجمع لأبناء قبيلة العزازمة في وادى الجايفة. أكثر ما يميز الطريق هى انابيب البوتاجاز التى يضعها الأهالى مقلوبة، ويقول السائق: “الأنابيب المقلوبة تعنى أنها فارغة وتنتظر قدوم سيارة البوتاجاز التى لا تأتى المكان إلا كل 15 يوما"
توقفت السيارة عند “المقعد" الخاص بقبيلة العزازمة – مكان استقبال الضيوف عند البدو وعادة ما يبعد عن منزل البدو 40 مترا ويحق للضيف البقاء فيه أى عدد ممكن من الأيام. طلب منى “الدليل" الانتظار حتى يخبر الشيخ سالم أبو جنب، شيخ قبيلة العزازمة، بقدومي ويستأذن لى بالدخول.
وافق الشيخ سالم، وبدأ بالحديث عن مشكلة البدون جنسية بين أبناء قبيلته معتبرا إياها المشكلة الأهم، وقال: “نطالب بتجنيس العزازمة بالجنسية المصرية .. نحن الآن بلا جنسية وممنوعون من السفر خارج مصر بل لا نستطيع الخروج من سيناء، ومَن يسافر منا يتم إعادته ... حتى فريضة الحج نعجز عن أدائها".وأضاف الشيخ: “نعيش على الأراضي المصرية منذ أيام الشيخ عيد أبو رتيمة". الشيخ أبورتيمة هو أحد شيوخ العزازمة قبل عام 1948 وحتى حكم الرئيس عبد الناصر.
لا شهادة ميلاد ولا شهادة وفاة
يستكمل عودة سويلم ما بدأه الشيخ أبو جنب، ويوضح أن عدد أبناء قبيلة العزازمة داخل الأراضي المصرية يبلغ 5 آلاف فرد، ويحمل 3 آلاف منهم الجنسية المصرية، بينما ما زال ألفين بلا جنسية، ويحملون بدلا منها ما يسمى ب"وثيقة سفر" مكتوب داخلها أن حاملها “غير معين الجنسية من أصل فلسطينى". ويقول سويلم: “في بعض الحالات يكون الشخص حاصل على الجنسية المصرية بينما ابن عمه غير معين الجنسية"، ويضيف: “نعاني من مشاكل عديدة أهمها أننا لا نستطيع استخراج شهادة ميلاد لأطفالنا أو حتى شهادات وفاة أو رخصة قيادة أو نتملك بيتا".
ووفقا لأبناء القبيلة فإن “وثيقة السفر" الحالية بدأت بشكلها الحالي في مطلع 2001، بينما كانت مجرد ورقة من “الكرتون" مكتوب عليها اسم الشخص، واسم الشيخ المصري الذى يضمنه على الأراضي المصرية، وتلك الوثائق القديمة والجديدة يجددها أبناء العزازمة بشكل سنوي من مديرية الأمن بشمال سيناء مقابل 200 جنيه للفرد.
شارون والعزازمة
يجمع معظم المتابعين لتاريخ القبائل في سيناء، ومنهم خليل جبر، خبير شئون القبائل، أن العزازمة من القبائل التى ينتشر أبنائها في سيناء، وداخل صحراء النقب في إسرائيل، وهو وضع تشترك معهم فيه قبيلة الترابين. ويقول جبر: “القبائل مثل الجبال والوديان لا تعرف الحدود السياسية، وامتدادها الطبيعي قد يمتد بين دولتين أو ثلاث دول". أما أشرف العناني يرى أن اللحظة الفارقة في تاريخ أبناء العزازمة كانت في 1953 عندما نفذ أحد أبناء القبيلة عملية فدائية داخل فلسطين أسفرت عن مقتل إسرائيلي، وكإجراء انتقامي، كلف الجيش الاسرائيلي الوحدة 101 صاحبة التاريخ الدموي، بقيادة آرييل شارون بتصفية العزازمة في النقب من خلال مذبحة انتهت باستشهاد 13 من أبناء القبيلة، بينهم نساء وأطفال مما اضطرهم إلى عبور الحدود المصرية، فسمحت لهم مصر بالدخول واعطتهم ما يسمى ببطاقات تعارف تفيد أن حاملها مقيم في مصر.
نفس الواقعة تؤكدها دراسة عن “الهجرة القسرية" صادرة عن جامعة النجاح الفلسطينية بنابلس فى 2007، ترصد فيها تعرض العزازمة لمذبحتين على أيدى قوات الاحتلال الاسرائيلي؛ الأولى في 1950 عندما أجبرت القوات الاسرائيلية 4071 بدويا من العزازمة من أصل 16 ألفا و370 بدويا، على اللجوء إلى سيناء. المذبحة الثانية وقعت في مارس 1955 في بئر السبع، ولا تتوافر معلومات عن الضحايا حتى الآن. إذن أبناء العزازمة اليوم في سيناء، كانوا موجودين قبل عام 1948 وفقا لشيخ القبيلة الحالي، وانضم إليهم في الخمسينيات بعض عزازمة النقب بسبب المجازر الاسرائيلية ضدهم. وقد قامت السلطات المصرية بمنح 3 آلاف من العزازمة الجنسية المصرية بعد اتفاقية كامب ديفيد بينما بقى ألفى منهم بلا جنسية، وهو ما يفسره خليل جبر بأن جزء من العزازمة خلال تلك الفترة لم يكن لديهم الوعي الكافي بقيمة الحصول على الجنسية، ولم يهتموا بالمطالبة بها، وإثبات أسمائهم في السجلات والأوراق الرسمية للدولة.
"ببساطة.. أرادوا إحراجهم"
زاد وعي العزازمة خلال السنوات العشر الأخيرة بأهمية الحصول على الجنسية المصرية، وتعددت مطالباتهم للمسؤولين المصريين إلا أن الرد الدائم هو الانتظار لأن الوقت لم يحن بعد. ويقول الشيخ سالم أبو جنب: “انتظرنا خمس سنوات ثم عشر أخرى لكن أحدا لم يلتفت لمشكلتنا". أول رد فعل للعزازمة كان في مارس 1999 عندما تحرك أبناء القبيلة ليلا، ودخلوا إلى صحراء النقب في إسرائيل احتجاجا على تجاهل السلطات المصرية لمطالبهم المتعلقة بالجنسية والخدمات. عادت القبيلة مرة أخرى إلى الأراضي المصرية بعد أن استجاب المسؤولين لمطالبهم على مستوى الخدمات، وفي أضيق الحدود. ما قامت به العزازمة في 1999، يفسره أشرف الحفني، أمين حزب التجمع بشمال سيناء، بأنه لجوء إلى أقاربهم في صحراء النقب حيث يعيش عدد كبير من أبناء قبيلة العزازمة، ويقول الحفني: “لا يجوز أن نحرمهم من المواطنة ثم نطالبهم أن يكونوا مواطنين"، ويتساءل: “كيف أكون مواطنا بلا أرض وبلا سكن وبلا عمل وبلا خدمات". بينما يعتقد أشرف العناني أن رد فعل العزازمة في 1999 كان لجلب وسائل الاعلام وكاميرات الفضائيات للتركيز على مشكلتهم، وفي نفس الوقت حماية لهم من الحكومة خاصة، وهم أمام عدسات الكاميرات، ويقول العناني أن ما فعله العزازمة كان من باب “الچَكَر" – كلمة باللهجة البدوية تعنى الغيظ والمكايدة – ويضيف: “لا يوجد بدوي يحب إسرائيل، وما فعله العزازمة لم يكن حبا لإسرائيل ولا كراهية لمصر بل ضغطا وعنادا مع المسؤولين الذين أهملوهم لسنوات طوال .. ببساطة أرداوا إحراجهم".
هدأ العزازمة لعدة سنوات، وتراجعت حدة مطالبتهم بالجنسية المصرية لكنهم عادوا للمطالبة بها من جديد في مطلع 2010، عندما طلبوا من وزارة الداخلية ومصلحة الجوازات والهجرة، منحهم الجنسية المصرية إلا أن طلبهم قوبل بالرفض. يفكر العزازمة الآن في اللجوء للقضاء في خطوة لو تمت ستكون الأولى في تاريخ المحاكم المصرية وفقا لسيد فتحى، مركز الهلالي للحريات، حيث لم يشهد القضاء المصري قضية بدون جنسية من قبل.
إذن كيف تبدو فرص العزازمة في الحصول على الجنسية المصرية؟ .. يقول سيد فتحى، المحامي بمركز الهلالي للحريات، إنه طبقا لإعمال مبدأ المساواة في الدستور، يحق لأبناء قبيلة العزازمة غير معينى الجنسية مساواتهم بأبناء القبيلة الحاصلين على الجنسية المصرية، ويضيف فتحى أنه في حالة حصول العزازمة على حكم من المحكمة سيكون ملزما وواجب التنفيذ لكن المشكلة أن وزارة الداخلية تمتنع عادة عن تنفيذ الأحكام المتعلقة بقضايا الجنسية، وعن الأسباب يقول فتحي: “امتناع الداخلية يكون ورائه حسابات سياسية". ترجع الحسابات السياسية التى قصدها سيد فتحى إلى قرار اتخذته معظم الدول العربية بعدم منح الفلسطينيين جنسيات الدول العربية المقيمين فيها حفاظا على هوية الشعب الفلسطيني، ومنع تسربه خارج فلسطين. لكن أشرف العناني يرى أن تلك الحسابات لا تنطبق على العزازمة، فهم مجرد ألفى بدوي بدون جنسية، ومنحهم الجنسية المصرية “كوضع استثنائي" لن يؤثر على التوازن الجيوسياسي للتركيبة الفلسطينية، والواقع ايضا يقول أنهم ولدوا في مصر، وعاشوا على أرضها منذ سنوات طوال.
الفدائي حسين العزازمة
يعود بنا العناني إلى ما اسماه ب"حقل الألغام"، فهو يؤيد منح العزازمة الجنسية المصرية لأنه الحل الأفضل لمصر وللعزازمة من الناحية الإنسانية والأمنية. في المقابل قد يعارض البعض منح العزازمة الجنسية مستندا إلى عمل بعض أبناء القبيلة في النقب كقصاصي أثر مع سلاح حرس الحدود الاسرائيلى “شمار جفول" أو مع الكتيبة البدوية إلا أن العناني يرد بأن هؤلاء لا يمثلون إلا عدد قليل من أبناء قبيلة عانت ويلات المذابح، والتشريد، والتهجير على أيدى قوات الاحتلال الاسرائيلية، ويقول: “أكرر مرة أخرى لا يوجد بدوي سواء من العزازمة أو غيرها يحب إسرائيل"، ويضيف: “خرج من العزازمة العديد من المناضلين ضد الاحتلال الاسرائيلي نذكر منهم الحاج حسين العزازمة الذى قضى سنوات في سجون الاحتلال". وينهى العناني حديثه قائلا: “دعنا نكون حياديين .. أليست عملية فدائية نفذها العزازمة ضد الاحتلال هى السبب في الوضع الحالي؟!". يتسلم سيد فتحى طرف الحديث مؤكدا على حق العزازمة في الحصول على الجنسية المصرية لأن الوضع الحالي يضعهم خارج الإطار الرسمي للدولة، وتحديدا الاطارين القانوني والاجتماعي، ويرى المحامي بمركز الهلالى للحريات أن وضع العزازمة بدون جنسية يعد مصادرة لحقهم في الحياة بالمعنى الاجتماعي بل يصل إلى مستوى الاعدام الاجتماعي على مدار الأجيال المتعاقبة ومصادرة لحقوقهم في الصحة والتعليم والعمل.
أمل بعد الثورة المصرية
سعى أبناء قبيلة العزازمة منذ عامين للحصول على الجنسية المصرية بالطرق القانونية من خلال أحد المحامين الذى سرعان ما اضطر للتنازل عن القضية نتيجة لضغوط أمنية تعرض لها. الآن وبعد الثورة المصرية يحاول العزازمة مجددا، ويقول الشيخ سالم أبو جنب إنه "وأبناء قبيلته يريدون الحصول على الجنسية المصرية دون أي مشاكل مع الحكومة المصرية.. سعى حاليا لرفع دعوى قضائية لأجل هذا الهدف".
إهمال وسط سيناء، وافتقاره للتنمية يظهر بوضوح في مناطق تمركز قبيلة العزازمة، فهم يعيشون في منطقة ذات طبيعة قاسية، تندر فيها الأمطار، ويضاف إلى ذلك أنها منطقة حدودية، وبالتالى فإن أى محاولات للتنمية تصلها متأخرة. لم تعرف مناطق العزازمة حتى الآن خطوط المياه أو الكهرباء، بل إن المشهد الأكثر تكرارا هناك هو اصطفاف أبناء القبيلة أمام سيارات المياه القادمة من مركز مدينة القسيمة للحصول على حصتهم من المياه، وملء "الجراكن" والصفائح المعدنية بالمياه النظيفة. أما الكهرباء فلا أثر لها حيث يغطى المنطقة الظلام الدامس ليلا إلا بعض اللمبات الصغيرة التى تعمل بالمولدات الكهربائية.
يرى العزازمة أن مشكلتهم الأهم هى نقص المياه بشكل عام وتحديدا المياه الصالحة للشرب، كما يقول عودة شتيوي الذى يعتمد مع أبناء قبيلته على مياه الأمطار بالاضافة إلى سيارات المياه التى يرسلها لهم مجلس مدينة القسيمة، ويضيف شتيوي: "كانت سيارات المياه تأتينا كل يومين .. لكن بعد السيول وإنقطاع الطريق الأسفلتى أصبحت تاتى كل 10 أيام .. ولا تكفينا".
سيارة إسعاف معطلة
على بعد 200 متر من "المقعد" الخاص بالقبيلة، أقامت وزارة الصحة وحدة صغيرة لصحة المرأة تتكون من طابقين، وأمامها تقف سيارة إسعاف. من المفترض أن تتولى هذه الوحدة الرعاية الصحية لأبناء قبيلة العزازمة لكن الوحدة وفقا للشيخ سالم أبو جنب – شيخ العزازمة – مهجورة، ولا يوجد بها أطباء أو ممرضات منذ انشائها في 2004، ويضيف أبو جنب : "هذا المبنى خاو إلا من روث الطيور التى استقرت بداخله منذ سنوات .. أما سيارة الإسعاف فهى معطلة وبلا مسعفين، ولم تتحرك من مكانها منذ فترة طويلة". باختصار شديدة فإن كل ما يرمز للدولة المصرية في مناطق العزازمة مجرد وحدة صحية خاوية وسيارة إسعاف معطلة.
الاهمال الصحى للعزازمة يدفعهم إلى اللجوء إلى أساليب العلاج البدائية كما يشرح عودة سلمان – أحد أبناء القبيلة – وأهمها العلاج بالكي والعسل والأعشاب. تفرض الطبيعة الجبلية للمنطقة على العزازمة خطر آخر، يتعلق بإنتشار الأفاعى والعقارب التى أسفرت لدغاتها عن مقتل 15 طفلا على مدار 5 سنوات، ووفقا لأبناء القبيلة فإن هؤلاء الأطفال لقوا هذا المصير لأنهم لم يتحملوا العلاج بالكي، ولم تتوافر لهم أى أمصال مضادة للدغات الأفاعي والعقارب.
مدرسة في وحدة صحية
يعد انخفاض مستوى التعليم واحدة من المشكلات التى يعانيها أبناء العزازمة، فالقبيلة التى تبلغ 5 آلاف فرد، لم ينتظم منهم في التعليم إلا 75 طالبا في المرحلتين الابتدائية والاعدادية. ورغم انتشار الأمية بين أبناء عزازمة سيناء إلا أن شيوخ القبيلة اهتموا بتعليم صغارهم، فانشأوا مدرسة بالجهود الذاتية في 1999، بدون أى مساعدة حكومية، لكنها لم تصمد أمام إحدى موجات الأمطار القوية التى تضرب المنطقة من وقت إلى آخر. لم تفكر الحكومة في بناء مدرسة جديدة لأبناء العزازمة بل نقلت الطلاب وكتبهم ومقاعدهم الخشبية إلى الدور الأرضي من وحدة صحة المرأة المهجورة، ووضعت على المبنى لافتتين؛ الأولى لوحدة صحة المرأة، والثانية لمدرسة "ملحقة الجايفة العزازمة". أما المبنى من الداخل فقد تحولت غرف الكشف إلى فصول للطلاب، وسكن للمدرسين بينما نقش الطلاب جدول حصصهم على الجدران.
خطبة الجمعة ب300 جنيه
يحرص العزازمة على أداء واجبتهم الدينية، لذا بنوا مسجدا بالجهود الذاتية لكن وزارة الأوقاف لم ترسل لهم واعظا دينيا طوال السنوات الماضية، ولو لإلقاء خطبة الجمعه. هذا الوضع يضطر عيد مصلح عودة وآخرون من أبناء العزازمة إلى قطع مسافة حوالي 80 كيلومترا حتى العريش كل يوم جمعه لإحضار واعظ يتقاضي عادة 200 جنيه مقابل الخطبة بالاضافة إلى 100 جنيه ايجار السيارة التى ستحمله إلى مضارب قبيلة العزازمة. ويقول عودة: "في بعض أيام الجمعه لا يتوافر معنا هذا المبلغ لذا نضطر لأداء الصلاة بدون خطبة". ووفقا لتقديرات الشيخ سالم أبو جنب – شيخ العزازمة – فإن الظروف الصعبة دفعت 5% من أبناء القبيلة إلى هجرة مضاربهم، والانتقال للعيش في العريش وأماكن متفرقة من سيناء سعيا وراء الرزق.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.