٭ لم اجد صعوبة في إختيار الموضوع الذي سأكتب عنه إلا هذه المرة لأنه من البديهي والطبيعي وبلادنا تصادف اليوم الاول من ميلاد دولتها الجديدة بعد إنفصال الجنوب وقد رأيت بأن الإعلام السوداني والإعلام العربي قد غطى هذا الامر بما يستحقه من إهتمام ،ولكنني وأنا استرجع الذكريات رأيت ان اكتب في موضوع شخصي بحت وقد تكون هذه هى المرة الاولى التي افعل فيها ما فعلت ولكنني فكرت ملياً بأن هذا الامر الشخصي قد ينطبق على هذا التصرف نسبة لما فيه من مآسي ومراسي مرت بي في هذا البلد الحبيب .وقد قابلت فيها ما قابلت من المحن والإحن واحمد الله العظيم بأنني رغم كل هذه العسرات لم تلن لي قناعة وازددت تعلقاً بحب هذا السودان ولكن تفكيري هداني ان اكتب هذه التجربة الشخصية علها تكون درساً لعهود آتية فيها من العناء والرخاء. فحياتي العملية بدأت بعملي كمعلم بكلية تدريب المعلمات تحت التمرين ثم سرعان ما إستهوتني إعلانات نشرت في الصحف عام 5491 تطلب من الراغبين التقدم لوظائف مفتشي غيط لمشروع الجزيرة وكان الامر يتطلب تزكية ثلاثة من رجالات البلد وكنت أنا في ذلك الوقت صديقاً شخصياً للمرحومين حسن عوض الله مصطفى ويحيى الفضلي طيب الله ثراهما وكنت أتكتم على هذه النية التي نويتها حتى لا تحدث اعتراضات حزبية كنت اتوقعها ولذا فقد آثرت أن أختار المزكين لي وهم المرحوم علي حسني وكان رئيساً لنقابة المعلمين والمرحوم العم عوض ساتي وكان ناظراً لي في مدرسة وادي سيدنا والاستاذة مسنر ويبرلي وكانت عميدة لكلية المعلمات بام درمان وكل الشخصيات التي اخترتها لتزكيني كانت شخصيات مهنية وتربوية. وبعد سنتين او ثلاث يتم اختيار إعلان نتيجة مفتشي الغيط وكنت واحداً منهم وقد قوبلت بمؤاخذة شديدة من الرئيس اسماعيل الازهري والاخ مبارك زروق والاخ يحيى الفضلي رحمهم الله جميعاً والذين فوجئوا بهذا الاختيار وقد اقتنعت بالعمل في مشروع الجزيرة والذي وجدت فيه ضالتي بالتعاون مع صنف سوداني اصيل هم مزارعو الجزيرة والتي ما زالت صلتي بهم ممتدة حتى يومنا هذا. وانا اعترف من فوق هذا المنبر بأن الدروس التي تعلمتها في الجزيرة من نبل في الخلق وطيب في المعشر هذه الدروس لم اجدها في التعليم المتوسط ولا في التعليم الثانوي ولا في التعليم الجامعي ولا حتى الفترات الدراسية التي حضرتها في مصر والاردن والولايات المتحدة لامريكية لأن انسان الجزيرة إنسان متميز بسرعة الفهم والبديهة ونقاء السريرة فأنا إن كان لي ما افاخر به واعتز به هى هذه الصلة التي قويت بيني وبين إنسان الجزيرة والتي كانت فيها العلاقات الانسانية تقوى على مر السنين والايام. دخلت بالقاريء في هذه التفاصيل المملة لأنني اريد ان اقدم لسودان الشمال درساً يغيب عليه كثيراً ولا يجده إلا في اضابير الجزيرة لأنني في السنين الاخيرة وكنت بكامل قواى الجسدية اصبت بآلام مبرحة في ركبتي الامر الذي إستدعى ذهابي الى احدى المستشفيات بالخرطوم حيث تم تغيير الركبة بركبة صناعية وهذه هى الركبة اليسرى ولدهشتي الشديدة ذهبت الى مستشفى آخر وطبيب آخر الذي افهمني بأن الطبيب الاول لم يكن موفقاً في تغيير الركبة وقام بضرر شديد بالنسبة لي هى قطع الاربطة وقد رضيت بهذا المنطق وطلبت منه ان يقوم بإصلاح الخطأ وتم له ما اراد إلا انني لاحظت بأن بعض الفنيين في ذلك المستشفى اخذوا يقومون بمعالجة الجروح بحجة إستخراج (السيرم) واستمر عملهم هذا ما يقارب الشهرين أى ان استمريت على هذا الالم ما يقارب الستة أشهر وقد كانت التكاليف التي اخذها المستشفى ما يقارب 63 ألف جنيه أى ستة وثلاثون مليون بزيادة على منصرفات الاشعة والدواء أما المستشفى الثاني منصرفاته خمسة وعشرين مليون. وجاء فريق من الاطباء بقيادة دكتور شرف الدين الجزولي ودكتور حسن بشير اختصاصي المفاصل والركب وكان الدكتور شرف الدين اكثر واقعية وعلمانية من الذين سبقوه لأنه حولني الى مركز النيلين حيث أجريت لي صورة إشعاعية لكشف كل عظام الجسم واتضح من هذه الصورة ان هناك إلتهاب حول الركبة، الامر الذي استدعى ان يتصلوا بالدكتور الذي اجرى لي العملية الثانية والذي كان في رحلة في امريكا الجنوبية وقد بقيت انا في هذا المستشفى حوالي إثنين واربعين يوماً ادفع فيها قيمة الشيء والتي تقارب الخمس آلاف جنيه اي انني عندما تسلمت رداً بفتح الركبة دفعت ما يقارب العشرين مليون بقى ان يعرف القاريء بأنني استطعت ان احصل على قطعة استثمارية في مربع 082 الجريف وبعت هذه القطعة وصرفت منها كل المبالغ التي ذكرتها وهى كالآتي المستشفى الاول 63 مليون، المستشفى الثاني 42 مليون انتظار الدكتور الى ان يعود من اجازته من جنوب امريكا كلفني 02 مليون أى أنني كنت قد حصلت على هذه القطعة بالسعر الاستثماري علني اتمكن من تشييدها في المستقبل ولكنها ضاعت كما ضاع مالي وركبتي. بقى على القاريء الكريم ان يتتبع هذه القصة لانني اكتب وانا طريح الفراش منذ شهر ستة 0102م الى الآن ولم اتمكن بعد كل هذا من القيام والمشي على ارجلي واعد القاريء الكريم بأنني سأحول كل هذه المستندات وصور الاشعة الى عناصر فنية تؤمن بتراب هذا الوطن ولا يفوتني ان اذكر بعض المؤسسات التي زاملتها في وزارة الصناعة بتقديم يد العون لي والشكر والتقدير لهم. ولكن الذي المني وحز في قلبي كثيراً ان الحكومة الحالية التي تدعي أنها جاءت لتنفيذ شرع الله وتدعي أنها جاءت لتنفيذ العدالة الاسلامية فشلت فشلاً ذريعاً حتى بمجرد الإطمئنان على صحتي على الرغم من أنني اكتب ومنذ 02 سنة في حق هذا الوطن مطالباً بأن نعض عليه بالنواجذ وعدم التفريط فيه ولكنني اكتشفت شيئاً متأخراً جداً وهى انني لو كنت خالاً او عماً لاحد الوزراء ولا اقول ابن اخ او اخت لهيأت لي هذه الحكومة عشرات الملايين من الدولارات لا لاذهب بها الى مصر او الاردن بل لاذهب بها الى امريكا ألا يمكنني ان اتساءل اين العدالة الاسلامية التي يمارسونها واين الحق الاسلامي الذي يدفعكم الى معاملة الناس معاملة واحدة والله العظيم انا حينما انتهيت من كتابة هذا الموضوع شعرت بأن هذا الكلام خير ما يقال ونحن نستقبل اليوم الاول في سوداننا الشمالي المنفصل ويا ليت الانفصال يقف عند هذا الحد؟ بقى ان يعلم القاريء بأنني لم أربع ايادي في انتظار قدر الانقاذ وإنما كلفت الاخ ادريس علي احمد باستخراج بطاقة تأمين صحي علها تعينني على تخفيض تكلفة العلاج الباهظة ولكنني فوجئت بأن يأتيتي ببطاقة تسمى شوامخ وهى سارية المفعول في مستشفى ودنوباوي فقط سبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وانا حتى هذه اللحظة لا ادري إن كنت اتبع لإدارة مشروع الجزيرة او الاقليم الاوسط او رئاسة مجلس الوزراء وكل الذي فهمته ان هذه البطاقة سارية المفعول في مستشفى بودنوباوي كما أننا قدمناها لكل الصيدليات فأكدوا عدم صلاحيتها لمعظم الادوية التي نطلبها. سلفاكير ميارديت ٭ بعد هذا النصر الكبير الذي حققه سلفاكير ميارديت والاحتفال الذي حضره معظم أبناء الزعماء ورؤوساء السودان كنت اتوقع ان يتحلى رئيس جمهورية الجنوب بشيء من المجاملة والواقع حينما ذكر بأن حكومة الجنوب لن تنسى دارفور والانقسنا وجنوب كردفان ونحن الذين بعد لأي شديد استطعنا توفيق اوضاع الجنوبيين واحتفلنا معهم بهذه الانجازات رغم مرارتها ،كنا لا نتوقع من سلفاكير ان يدلي بما ادلى به وكان يجدر به ان يتمنى للسودان السلام والوفاق خاصة بأنه قد ادلى ما ادلى به بعد إنفصال الجنوب وكلامه هذا يعني تدخلاً صارخاً في امور السودان الشمالي. كلمة لابد منها ٭ نرجو ان نؤكد ونذكر بأن هذه مرحلة تاريخية تتطلب من الجميع التدقق فيما يقولون وما يفعلون لأنها لن تنجح ولن تقوى إلا بوحدة الصف والتركيز على اسبقيات الوطن وعدم الملاسنات من الاخوة الجنوبيين. والله الموفق