اتحاد الكرة السوداني يحسم جدل ملكية استادات الخرطوم ودار الرياضة    الحكومة تتعاقد مع شركة المانية متخصصة لتطوير ميناء بورتسودان    والي القضارف يشيد بجهود معلمي ومعلمات الولاية    تحريرالوقود يربك الأسواق ويرفع السلع الاستهلاكية    تعرفة المواصلات .. المعادلة الصعبة!    حول تجربة تقديمها برنامج "بيوت أشباح" .. نسرين سوركتي: أُصبت بدهشة وانكسار    زعيم كوريا الشمالية يهاجم "البوب": "سرطان يستحق الإعدام"    دمج الحركات في الجيش .. المعوقات والحلول    الشرطة القضارف يحتج ويهدد بشأن البرمجة    أعضاء الاتحاد متمسكون بموقفهم تجاه ( سوداكال)    خبير دولي يحذر من فخ إثيوبي لمصر والسودان بشأن الملء الثاني لسد النهضة    بالأرقام.. جائحة كورونا تتسبب بظاهرة خطيرة بين المراهقات    ولاية باكستانية تهدد رافضي لقاح كورونا بعقوبة "غريبة"    السودان يوقع على مذكرة لتعزيز التعاون مع مصر    المؤتمر السوداني يصدر بيان حول قرار تحرير أسعار الجازولين والبنزين    الامل عطبرة يواجه الجريف عصرا والنيل صباحاً    النيابة ترفض الإفراج عن رئيس الهلال السوداني    شاكر رابح يكتب : "المتغطي بالبنك الدولي عريان"    (فنانون ومواقف).. عمر إحساس (ناس الحفلة باعوني)    في زيارة تستغرق 20 يوماً..حجر يصل دارفور    الشيوعي : لا عودة للوراء وخيارنا الاسقاط الكامل للحكومة    فيروسات جديدة ل"كورونا" سريعة الانتشار    ميتة وخراب ديار    لهجة جبريل وتيه المناصب    مع غيابها الكامل .. المواطن يتساءل أين الشرطة ؟    سلبٌ ونهبٌ بالأبيض واستغاثة بحكومة شمال كردفان    (5) فصائل بالجيش الشعبي تُعلن دعمها لخميس جلاب    الصقور.. شوط الإبداع المتناهي    قالت بأنها تنقل التراث كما هو الفنانة شادن: أنا متمسكة جداً بالشكل الاستعراضي!!    الملحن أحمد المك لبعض الرحيق: أستحي أن أقدم ألحاني للفنانين الكبار!!    طالب بالالتفاف حول الكيان .. السوباط يكتب لجماهير الهلال ويعتذر للجميع    في ورشة تراخيص الأندية .. (الكاف) يؤكد مساعدة الأندية لمزيد من التطور    الحرية والتغيير تؤكد اختصاصها بترشيحات رئيس القضاء    استيراد السيارات.. من يضبط القيادة؟    جريمة هزت الشارع المصري … اغتصاب سيدة عمرها 90 عاماً مصابة بالزهايمر    ما العلاقة بين فيروس كورونا ومرض السكري؟    ظهور عصابات مسلحة ولجان المقاومة تتبرأ منها    9800 وظيفة تنتظر السعوديين.. بدء توطين مهن المحاسبة    ضبط عقاقير واجهزة طبية خاصة بوزارة الصحة تباع بمواقع التواصل    الحداثة: تقرير لخبراء سودانيين يرسم صورة قاتمة لصناعة النفط في البلاد    أوكتاف".. د. عبد الله شمو    «الصحة»: السمنة تؤدي لمضاعفات شديدة عند الإصابة بكورونا    شاعر الأفراح الوردية..كان يكتب الشعر ويحتفظ به لنفسه    أين هم الآن.. أين هم الآن؟    د. برقو: مباراتا زامبيا إعداد جيد لمواجهة ليبيا    من طيب الطيب صالح ذكرى ميلاد مجيدة    الاقتصاد العالمي يمضي على المسار الصحيح نحو نمو قوي متفاوت    رصد نجم عملاق "بسلوك غامض" يبعد عنا آلاف السنين    مسؤولون بإدارة ترامب "حصلوا على بيانات آبل الخاصة بنواب ديمقراطيين    اختراق ضخم يطال ملايين المستخدمين حول العالم.. وهكذا تعرف إن كنت منهم    الشرطة تكشف ضبط شبكة تدير محطة وقود عشوائية بالصالحة    السجن لمواطنين وأجانب يديرون منظمة إجرام واحتيال    بايدن: ما زلت أنسى أنني رئيس    من ثقب الباب باربيكيو الخفافيش!    "يجوز الترحم على الكافر".. مدير هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السابق في مكة يثير جدلا    عنك يا رسول الله ..    أخي مات بكورونا في الثلث الأخير من رمضان.. فهل هو شهيد؟    فاطمة جعفر محمد حامد تكتب: مشروعية الإعلام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





موَّلنا انشقاق الخطيب والانتفاضة في «فتح» ضد عرفات
الرائد عبد السلام جلُّود يروي أسرار عهد القذافي: «2»
نشر في الصحافة يوم 31 - 10 - 2011

٭ بعد غياب جمال عبد الناصر، اعتقد العقيد معمر القذافي أن الجماهير اليتيمة تبحث عن قائد جديد. واعتقد أيضاً أن من شروط هذه الزعامة الإمساك بالورقة الفلسطينية والحضور الفاعل في الساحة اللبنانية المفتوحة.
لم يبخل القذافي على الثورة الفلسطينية بالمال والسلاح. أعطاها وأتعبها وأربكها. ولم يبخل على بعض الأحزاب اللبنانية بالمال والسلاح. أعطاها وأفسدها وأربكها. وكما كل الذين حاولوا مصادرة القرار الفلسطيني، اصطدم بهالة ياسر عرفات. وكما كل الذين حاولوا مصادرة القرار اللبناني اصطدم بلبنانيين وبإرادات دولية كانت تريد مصادرته أو حمايته.
في تلك الأيام احتقر كثيرون سيادة لبنان وانتهكوها. وزعزعت الاعتداءات الإسرائيلية هيبة الدولة اللبنانية. وتقدمت تدخلات عربية لتعميق الشرخ بين اللبنانيين وكبح أحلام اليسار اللبناني ولجم منظمة التحرير الفلسطينية والإمساك بقرارها. ودخلت ليبيا القذافي اللعبة من أوسع أبوابها، وبدت لفترة وكأنها تعمل، من دون قصد، لحساب آخرين.
قاد الرائد عبد السلام جلّود وساطة مديدة وشهيرة في ما يُعرف ب «حرب السنتين» «1975 1976م»، يقول إنه تعرض خلالها «14» مرة لموت شبه محقق.
واعترف جلّود بأن ليبيا دعمت انشقاقاً في الجيش اللبناني قاده الملازم أحمد الخطيب. وساهمت تلك الخطوة في تفكيك الجيش وتوزّع ضباطه وعسكرييه على المتاريس المتقابلة. ويعترف أيضاً أن بلاده موّلت الانتفاضة في «فتح» ضد ياسر عرفات. كما موّلت ايضاً عملية إسقاط اتفاق 17 مايو اللبناني الإسرائيلي. وذكّرني كلام جلّود بما سمعته من عرفات في تونس في بداية التسعينيات، عن علاقاته الشائكة بالقذافي وحافظ الأسد وصدام حسين، واشترط يومها عدم نشره. قال: «أنا محتاج إلى دعمهم بسبب موقع بلدانهم أو دورها أو ثروتها. ومحتاج في الوقت ن?سه أن أحمي القرار الفلسطيني من رغبتهم في مصادرته وتوظيفه في معاركهم». وأضاف مستغرباً: «يزايدون عليّ لأنني لا أقبل أن يتحول القرار الفلسطيني لعبة في يد أحد. يتهمونني أحياناً بالتفريط. ولا أحد يصدق أنهم يحبون فلسطين أكثر من ياسر عرفات».
سألت جلّود عن رحلته اللبنانية السورية، وعن انطباعاته عن عدد من اللاعبين. واستوقفني كلامه عن الرئيس الراحل بشير الجميل وما نقله عن الرئيس السابق أمين الجميل الذي قال له: «أنتم لستم مسؤولين عنا، أقفلوا دكاكينكم في بيروت». كما سألته عن المغامرة الليبية في تشاد وهي كانت باهظة التكاليف.
تبقى الإشارة الى خطأ ورد في حلقة أمس، فالقذافي وفّر الحراسة لضابط الشرطة الذي انتحل صفة الإمام موسى الصدر وسافر بجوازه إلى إيطاليا وليس إلى ليبيا، كما ورد سهواً. وهنا نص الحلقة الثانية:
٭ في سنة 1976م ذهبت بوساطة إلى لبنان، أخبرنا عن تلك الوساطة؟
اجتمعت دول الصمود والتصدي في ليبيا بعد أن بدأ الصِدام بين الفلسطينيين والحركة الوطنية من جهة وسورية من جهة أخرى. وتم الاتفاق على أن أتوجه مع وزير التعليم الجزائري لايصال رسالة إلى حافظ الأسد والعودة. أنا اتخذت قراراً بأن أبقى لأن الوضع شديد الخطورة.
٭ ماذا قال حافظ الأسد عن الفلسطينيين والحركة الوطنية؟
أنا ما عدت اهتم بالرسالة، بل أعددت خطة ومعمر رفض أن أبقى في سورية أو أن أتوجه إلى لبنان، إلى درجة أنه قال لي لن أكلمك هاتفياً إلى أن تترك سورية ولبنان وتعود إلى ليبيا. قرار البقاء كان قراري الشخصي. عندما وجدت الوضع خطراً حاولت إعداد خطة لوقف إطلاق النار وإيقاف القوات «السورية» الزاحفة إلى بيروت عبر ضهر البيدر وعبر جزين. أنا بقيت «48» ساعة أتحاور حول كيفية التوصل إلى وقف للنار، وهو يفترض أن يتم بين قوتين بينما سورية لا تريد أن تعترف أن جيشها في مواجهة مع الفلسطينيين والحركة الوطنية. وبعد «48» ساعة اقترحت?حلاً يوقف القتال بين قوتين متحاربتين من دون ذكر الأسماء. فوافق حافظ الأسد وتوقفت القوات المتقدمة في ضهر البيدر وفي جزين. وكانت هناك كتيبة من «الصاعقة» «السورية» في رأس بيروت يحاصرها الفلسطينيون والحركة الوطنية، واستشهد منهم ثمانية جنود ووقع جرحى. والفلسطينيون والحركة الوطنية منعوا الجيش السوري من إخلائهم. في عقيدة الجيش يجب إخلاء الجثث والجرحى بالقوة وإلا يفقد بقية أفراد الجيش الدافع للقتال. وكانت هناك قوات سورية في المطار. واتصل بي حافظ الأسد وقال لي يا عبد السلام أنا أعتبر نفسي في حل من اتفاق وقف إطلاق ا?نار، وأنا أعطيت أمراً للقوات أن تتقدم من ضهر البيدر، وسأصدر أمراً أن يقصفوا بالطيران، لأن تحرير فلسطين لن يقوم به هؤلاء «الأوباش» بل الجيش السوري سيقوم بتحرير فلسطين. فقلت له إنني مستعد للتوجه إلى بيروت، بعد أن قال لي إن المسألة خطيرة، لكن عندي شرطان الأول أن تبعث معي سياسيين فلا أريد التحدث إلى ضباط الجيش السوري، والثاني ألا أكون في بيروت وتبدأ بضرب الفلسطينيين والحركة الوطنية بالدبابات والصواريخ. وأرسل معي محمد حيدر نائب رئيس الوزراء وزير الاقتصاد وناجي جميل قائد القوات الجوية. وتوجهنا في أربع طائرات عمو?ية هليكوبتر. والسوريون أبلغوا جيشهم المنظم والفلسطينيون أرسلوا برقية لفصائلهم ولكنهم كانوا غير منظمين فلم تصلهم البرقية، فعند محاولتنا الهبوط في مطار بيروت اعتقد الفلسطينيون أننا قوات إمداد فأرادت قوات أحمد الخطيب وعدة جهات ومجموعات فلسطينية إطلاق النار علينا. ومحمد حيدر وناجي جميل قالا لي إذا كنت أنت تريد الموت لماذا أتيت بنا معك. محمد حيدر قال لو كنا على الأرض كنا استطعنا الاحتماء بأي شيء لكن نحن في الجو. وكان معنا أحمد جبريل الذي كان شجاعاً وتوجه إلى قائد الطائرة وقام بتوجيهه لتحاشي المضادات الجوية وهبط?ا على الشاطئ، وبقينا نزحف أربع ساعات ونحن نتعرض للقصف. وصلنا إلى المطار وملابسنا في حالة مزرية. واتصلت من المطار بالفصائل الفلسطينية: أبو جهاد «ياسر عرفات كان في ليبيا حينها» وأبو أياد ونايف حواتمة، وطلبت منهم أن يأتوا إليّ في المطار، فقالوا لن نأتي، فاستفسرت منهم هل أنتم لا تريدون المجيء لأنكم لا تريدون التباحث في أرض «معادية» ولأنكم خائفون من السوريين؟ قالوا نحن خائفون من السوريين قلت أنا مستعد للقائكم في بيروت. وتوجهنا في سيارات وتم استهدافنا، فسيارة المرسيدس التي كنت بداخلها أصابها الرصاص، ثم انتقلت إل? بيروت وأقمنا في شقق مختلفة في الحمراء. وأذكر عجوزاً مسيحية قالت لي يا عبد السلام كنا نستمع إليك عبر الإذاعة ونعتقد أنك رجل كبير في السن وأنت شاب. وسألتني هل زرت بيروت سابقاً؟ فقلت هذه أول زيارة لي في الحرب. فقالت عليك أن تزور بيروت في أيام السلم لا أيام الحرب.
وعقدنا اجتماعات يومية دامت ساعات لكيفية سحب العناصر السورية. واجتمعنا مع الفلسطينيين ومع كمال جنبلاط من الحركة الوطنية، وهو يستيقظ باكراً ويدير الاجتماع اعتباراً من الثامنة والنصف صباحاً، بينما الفلسطينيون يطيلون السهر في الليل ويأتون إلى الاجتماع متأخرين فكان يقول لهم: أنتم الفلسطينيين ... تنامون في النهار وتسهرون ليلاً. وكان يصحبني أبو الحسن سلامة إلى منطقة المتحف حيث ينتظرنا بشير الجميل ونتوجه في سيارة جيب عبر الحازمية للقاء والده بيار الجميل وكميل شمعون.
وفي أول اجتماع لي مع بيار الجميل صرح قائلاً أنه غريق وتمسك باليد التي امتدت له «قاصداً سورية التي دخل جيشها إلى لبنان لمساعدة المسيحيين». لكنه قال لي إن سورية ألدّ أعدائه، فهي لا تعترف بلبنان بوصفه «بلداً مستقلاً» وليست لديها سفارة فيه.
٭ كيف كانت علاقتك مع بشير الجميل؟
كانت علاقة ممتازة. كنا على خلاف معه لكن لديه شهامة ورجولة وصادق مع نفسه وزعيم لديه احترام ويمتاز بأنه ليس تاجراً سياسياً.
٭ وماذا كان انطباعك عن كمال جنبلاط؟
إنه إنسان حكيم ويمتاز بهدوء مؤثر وحدّة تفكير وعقل ثاقب. وفي الاجتماعات كنت أتعرف على أفكار كمال جنبلاط عبر ما يطرحه محسن إبراهيم وجورج حاوي اللذان كانا يحرصان على التشاور الدائم معه.
وأنا تعرضت خلال مهمتي هذه للموت المحقق «14» مرة. في إحدى المرات كنت مع ياسر عرفات في منزل نتناول الغداء، وبعد ثوان من مغادرتنا طاولة الغداء سقط صاروخ من المنطقة الشرقية من بيروت ودمر المكان الذي كنا فيه. وكانت الإذاعات الإسرائيلية واللبنانية المسيحية تهاجمني كثيراً. وفي إحدى المرات كنت سأستقل طائرة عمودية متوجهاً للقاء حافظ الأسد، فبدأوا بقصف المطار، واضطررت إلى التوجه براً في سيارة عبر مناطق مسيحية ملغّمة، واتصلت بالجيش السوري في الجبل. وكانت تجربتي في لبنان زاخرة جداً.
٭ ماذا كان حافظ الأسد يقول عن اللبنانيين؟
نحن في جبهة الصمود كان تقييمنا أن هناك مؤامرة الغرض منها تدمير سورية معنوياً وتدمير الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية مادياً، وكنا نعتقد بوجود مخطط في هذا الاتجاه. وجاء بعد ذلك موضوع زيارة أنور السادات للقدس. ولم نكن نعرف التفاصيل في حينها، ولكننا رأينا أن هناك مؤامرة لضرب سورية. وحافظ الأسد كان يقول لي يا عبد السلام أنتم تقولون هناك مؤامرة نحن ننفذها أما بالنسبة إلينا فنحن تدخلنا لمنع المؤامرة. وأنا بقيت خمسة أشهر بين لبنان وسورية من دون موافقة القذافي. وكان القذافي قد قال لي لا تتصل بي إلى حين رجوعك إ?ى دمشق من دون التوجه مجدداً إلى بيروت على أن تعود إلى ليبيا.
في نهاية الخطة أحضرت قادة فلسطينيين في طائرة هليكوبتر للقاء حافظ الأسد، وألقيت كلمة قصيرة قلت لهم فيها إن قرار بقائي في لبنان لمنع المؤامرة قرار شخصي مني، وكنت رئيس وزراء ليبيا في ذلك الوقت، وليبيا بحاجة إليّ ولدينا حرب في تشاد، ولأن كلمة السر في ثورة الفاتح كانت القدس وفلسطين مهمة لنا، اتخذت قرار البقاء كل هذه الفترة. أنا تعرضت لخطر الموت مرات ومرات، لكنني أحمد لله أنني استطعت تحويل الرصاص إلى قبلات بعد أن عانق أبو أياد الأسد، وكذلك جورج حبش وأحمد جبريل وياسر عرفات أيضاً كان حاضراً. وعقد عرفات مؤتمراً صحف?اً قال فيه إن عبد السلام جلود وليبيا يستحقان أكبر وسام قومي، لكن بعد ذلك باع عرفات جهودي لدولة خليجية وغيّر رأيه. والفصائل الأخرى وقفت ضده: جورج حبش وأحمد جبريل ونايف حواتمة و «أبو نضال».
٭ كيف كانت علاقة أبو أياد بالقذافي؟
القذافي كان في السابق حريصاً أن تفرض الثورة الفلسطينية وضعاً جديداً على العالم العربي، فلا يدجّنها العرب، بل تُقْحِمهم وتغيّرهم وتفرض عليهم وضعاً بحيث لا يتم تدجينها. لذلك هم حاربوا قومية العمل الفدائي، أما نحن فقد قمنا بتدريب فدائيين في ليبيا وسلحناهم ثم أرسلناهم إلى سورية ولبنان.
٭ كم قدمتم مساعدات إلى لبنان؟
مساعدات كثيرة ببلايين الدولارات، وأعطيك مثلاً لدى البحث في اتفاق 17 مايو اللبناني الإسرائيلي التقيت بالرئيس أمين الجميل في الهند وكان معه رئيس الوزراء «شفيق» الوزان، وذلك في مؤتمر دول عدم الانحياز. وقلت له إننا نحذرك من توقيع اتفاق 17 مايو، فوقف وقال لي: أنتم لستم مسؤولين عنا أقفلوا دكاكينكم في بيروت. قلت له أجلس نحن نحذرك واختلفنا.
بعد ذلك توجهت إلى دمشق واجتمعنا مع الحركة الوطنية والفلسطينيين، وقررنا أن نضاعف أعداد المتطوعين، وأن نخصص مرتبات للمتطوعين اللبنانيين والفلسطينيين. وكان وليد جنبلاط حاضراً الاجتماع، وهناك جورج حاوي وجورج حبش ونايف حواتمة والفصائل الفلسطينية، ومن الجانب السوري عبد الحليم خدام. وكان الاجتماع برئاستي. وقررنا أن نسلحهم لإسقاط الاتفاق بالقوة. وحولنا الأموال اللازمة، وحدثت انتفاضة الجبل وانتفاضة الضاحية وتغيرت المعادلة.
وتوجه أمين الجميل إلى أميركا وفرنسا والمغرب، فاتصل ملك المغرب بمعمر القذافي، وقال له أمين الجميل يريد عبد السلام جلود زيارتكم فهل تستقبلونه؟ اتصل بي معمر وأجرينا مباحثات هاتفية، وأنا كنت ضد الفكرة فقال لي: لا يا عبد السلام، من الأفضل أن يأتي إلينا، لأن زيارته لنا اعتراف بأن الحل في طرابلس ودمشق وليس في باريس وواشنطن، وكانت أميركا بدأت الدخول في أجواء الانتخابات الرئاسية. وأقنعني معمر بحجته واستقبلت أمين الجميل في مطار طرابلس وكان يريد إقناعنا بتجميد اتفاق 17 مايو بدلاً من إلغائه. رفضت وقلت نحن نريد استغلال?هذه السنة «الميتة» في السياسة الأميركية قبل الانتخابات. أنت اتفقت مع الأميركيين على تجميد الاتفاق ثم يأتينا رونالد ريغان قوياً ووزير خارجيته شولتز. ووصلنا إلى باب العزيزية وخيمة معمر فوجدنا معمر أعد له شريط فيديو يظهر المدمرة الأميركية «نيوجرسي» خلال قصفها جبل لبنان، بعد انسحاب القوة المتعددة الجنسيات وهروبها. قال له معمر في هذا الوضع كيف تستعين بقوة أجنبية على جزء من شعبك؟ هذا يعني أنك لست رئيس لبنان فأُحرج أمين الجميل. وكاد أمين أن يقنع معمر بتجميد اتفاق 17 مايو لكنني رفضت ووافقني معمر الرأي. وقلت لمعمر ?ذا موضوع الاتفاق مع الأميركيين ولديهم سنة ميتة «راكدة» قبل الانتخابات يريدون خلالها تجميد الاتفاق ثم يأتوننا بعد الانتخابات وريغان قوي لفرض الوضع علينا. ويتوجب علينا استغلال السنة الميتة وإلغاء الاتفاق.
وخلال مرافقتي له في طريق عودته إلى المطار قال لي أمين الجميل كنت أعتقد أنني سأجد صعوبة في إقناع معمر، فوجدت أن الصعوبة في إقناعك أنت يا عبد السلام.
٭ كيف كانت علاقتك بوليد جنبلاط؟
علاقة جيدة. إنه، شخص يمشي مباشرة إلى الهدف، ليس مراوغاً، ومُقِلّ في الكلام وفي كلمات بسيطة وعفوية وصادقة يحدد هدفه.
٭ أنتم دعمتم الملازم أحمد الخطيب يوم قاد انشقاقاً عن الجيش اللبناني ودعمتم أبو موسى في الانشقاق عن «فتح»؟
نعم دعمناهما وخصصنا للانتفاضة الفلسطينية «60» مليون دولار سنوياً بمعدل خمسة ملايين شهرياً.
٭ ما القوى التي دعمتها ليبيا في لبنان؟
دعمنا كثيرين.. الحزب الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي الذي كنا نُكن له التقدير والاحترام لتعاونه، واعتبرناه صاحب موقف جذري، والحزب التقدمي الاشتراكي والقوى الناصرية. وقدمنا مساعدات لمؤسسات إعلامية وفكرية وشخصيات. والثورة الفلسطينية لم تكن قوة فاعلة قبل عام 1969م، ولا نبالغ في القول إن قلنا إن دعمنا المالي والعسكري والسياسي لها ساعدها على ترسيخ موقعها.
٭ هل صحيح أن القذافي نصح القادة الفلسطينيين بالانتحار عند الغزو الإسرائيلي لبيروت في 1982م؟
حاولنا عقد مؤتمر قمة فلم ننجح، وحاولنا إيصال السلاح للفلسطينيين وفشلنا، وكان صالح الدروبي في سفارتنا «في بيروت»، فقلنا له أن يحاول شراء السلاح من السوق السوداء للفلسطينيين والحركة الوطنية، لأننا أخفقنا في إيصال السلاح عن طريق سورية وعبر البحر. وكان العرب مهزومين، فالقتال الحقيقي ليس بين سلاحين بل بين إرادتين: إرادة مصممة على النصر وإرادة مهزومة. والعرب كانوا مهزومين. والمهزوم مهما زودته بالسلاح لن ينتصر.
٭ لماذا دعمتم الانشقاق على ياسر عرفات؟
لأننا اعتبرنا أن عرفات يخون القضية الفلسطينية بعد أن بدأ يسعى إلى حلول تضيِّع الحق الفلسطيني وتضيّع الحق التاريخي للعرب في فلسطين ويتنازل عن فلسطين، وشعرنا أن السلطة الفلسطينية أصبحت عبارة عن حاكم بلدية في ظل الكيان الصهيوني.
٭ كيف كانت علاقة القذافي بياسر عرفات؟
بعد 1969م قدمنا للمنظمات الفلسطينية دعماً مالياً وعسكرياً وسياسياً، وكان لهذا الدعم دور أساسي في نقل منظمة التحرير من مرحلة إلى أخرى. ونحن بادرنا بالدعم وشجعنا دولاً وحركات سياسية على التحرك في الاتجاه نفسه. ونحن وقفنا بقوة مع الثورة الفلسطينية. والعلاقة مع عرفات كانت تتوتر بين حين وآخر سواء مع القذافي أو معي شخصياً. وسأعطيك مثالاً، كان عرفات معنا في ليبيا، وفجأة ألح على ضرورة توفير طائرة له للانتقال إلى مصر. ولم نكن نحن نعلم أن أنور السادات سيلقي خطاباً يضمنه استعداده لزيارة القدس. وأدت الحادثة إلى جفا? مع عرفات. لكن التوتر مع عرفات لم يدفعنا إلى وقف الدعم.
٭ هل كان القذافي يحاول إهانة عرفات؟
لا.
٭ من كان القذافي يحب من الفلسطينيين؟
المسألة لا تتعلق بالمشاعر أو الاستلطاف. في البداية كان معمر يرفض أن يزور الدكتور جورج حبش ليبيا لأنه شيوعي.
٭ لأنه شيوعي أم لأنه مسيحي؟
لا لأنه ماركسي. وتدخلت أنا في الموضوع وغير معمر رأيه وصار حبش يزورنا.
٭ كيف كانت علاقتك مع حبش؟
حبش رجل صادق ومحترم. ونحن كنا ندعم فتح لكن سياستنا كانت تلتقي عملياً مع مواقف المنظمات الراديكالية «الشعبية» و «الديمقراطية» و «فتح القيادة العامة» بزعامة أحمد جبريل وآخرين.
٭ لماذا كانت لأحمد جبريل علاقة خاصة مع ليبيا؟
توطدت العلاقة لأن جبريل قام بعمليات مهمة في تلك الفترة.. عمليات الطائرات الشراعية وخطف جنود إسرائيليين وأكبر صفقة لتبادل أسرى. ومشكلة أحمد جبريل أنه غير سياسي فهو عسكري وعملي، وقلبه على عمله، وهو عروبي ووطني ونظيف. وطبعاً هناك جهات فلسطينية تغمز من قناة علاقته بسورية. ونحن لم نلاحظ هذا الأمر. ونحن كنا نهتم بمن هو أكثر جدية ومن هو القادر على تنفيذ عمليات.
٭ وما رأيك في ياسر عرفات؟
عرفات أفسد الثورة بالمال، وهمشها وأدخلها في متاهات ومستنقعات. وتآمر في شكل ممنهج. وأنا أحترم جورج حبش كثيراً... وأحمد جبريل، لكن جبريل غير مفهوم فلسطينياً لأنه وطني وغير مسيس، وقالوا عنه إنه عميل لسورية وصنيعة سورية، وهذا غير صحيح. أحمد جبريل قال لحافظ الأسد على الهاتف أمامي: يا سيادة الرئيس حرر فلسطين أولاً. لن تدخلوا بيروت إلا على أجسادنا.
٭ هل تعرفت على القائد الفلسطيني الدكتور وديع حداد؟
لا.
٭ وعلى كارلوس؟
لا.
٭ أنت بدأت أهم صفقة سلاح مع الاتحاد السوفياتي؟
وكل العلاقات مع الدول الشرقية وأوروبا واليسار في السبعينيات، في فرنسا وألمانيا وإيطاليا. ولم أنجح في بريطانيا.
٭ هل خزن حلف وارسو أسلحة في ليبيا؟
لا. وقمنا بدور كبير في دعم نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا وروبرت موغابي في زيمبابوي. ومددناهما بالسلاح. ودربنا لزيمبابوي «27» ألف مسلح ورئيس أركان. وكان لنا دور في أنغولا والرأس الأخضر وموزمبيق. وكان لدينا ضباط قاتلوا.
٭ لماذا تورط القذافي في حرب تشاد؟
القرار كان قرار مجلس قيادة الثورة، لأنه حتى النظام الملكي كان يقف مع حركة تحرير تشاد. وكان سلطان تشاد موجوداً في الزاوية. وكانت حكومة الملك تساعد في شكل محدود، بسبب محدودية الإمكانات. وكان هناك تداخل بين التشاديين والليبيين. وكان النظام الملكي يعتبر أن مليوناً ونصف مليون مسيحي يتحكمون في ستة ملايين مسلم. ونحن أكملنا الدور، لكننا أعطيناهم إمكانات أكبر. وبدأنا بتسليحهم، ثم ساندناهم بالمدفعية، قبل أن نتدخل عسكرياً. ولكن سبب الإخفاقات في تشاد أن القذافي بدأ التفكير في نشر الإمبراطورية والجماهيرية وتطبيق «ال?تاب الأخضر» إضافة إلى أنه على مدى «11» سنة استشهد ليبيون في حرب سرية ونحن نعلن انتصار حركة تحرير تشاد.
٭ هل كلفت حرب تشاد كثيراً؟
نعم.. كلفت كثيراً، لكنها قادت إلى أن المسلمين هم من يحكمون تشاد. وذهبت إلى فرنسا وعرض «الرئيس الفرنسي» فاليري جيسكار ديستان خريطة لتشاد قائلاً: من خط «22» شمالاً لكم، وجنوبه لفرنسا. قلت له نحن لن نتاجر بتشاد، فرد قائلاً إن أي صدام مع فرنسا سيكون صداماً مع أوروبا.
٭ كانت العلاقات مع المغرب تراوح بين التأزم والتعاون؟
ضعف موقف الجمهوريات حين أصبحت أسوأ من الملكيات. وذات مرة فوجئنا بالملك الحسن الثاني يرسل موفداً يقول إن هناك عواصم تستهدف المغرب العربي والحل في الوحدة بين المغرب وليبيا. قلنا له: كيف وأنت نظام ملكي ونحن نظام ثوري؟ وهل سيسمح لك الأميركيون؟ فرد بأن الضرورة تحتم ذلك. ووافق معمر وعقد اتفاقية وحدة، لكنني رفضت. وكان يفترض أن أصحبه للتوقيع، لكنني لم ألحق به في المطار، فاضطر إلى السفر بمفرده. ولحقت به في ما بعد والتقيت بالملك الذي حاول إقناعي.
عن (الحياة) اللندنية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.