أخرجت قناة النيل الأزرق الساحرة متعاونة مع زين الباذلة منبراً باهراً أطل منه شاعر جامعة الخرطوم السابق ونصير الفقراء الطبيب الأديب ود بادي الذى كان يرفع عقيرته فى الثمانينيات بالهتاف الشعري الذى حفظته الجماهير: أصحاب البرج العاجي سلام!! أطل من مسرح باه فى حلة سودانية ضافية أناروا أكمامها بتطريز يوحي لمشاهده وكأنه وهو يتكلم أسد من الآساد الرابضة. تذكرت فى الاحتفاء بالشاعر احتفاءنا فى السبعينيات بنزار قباني لما جاءنا فى نادي طلاب جامعة الخرطوم، فامتلأ النادي على سعته وتسلق الناس سطوح المباني المجاورة وخاصة مبنى سينما النيل الأزرق العتيدة، حتى قال نزار قولته الشهيرة: «الشاعر فى كل مكان فى الوطن العربى شاعر، ولكنه فى الخرطوم قديس».. وقتها لم تكن هناك شركات اتصال ولا زين ولم تكن «عين السودانيين قد قويت للاحتفاء بشاعر سوداني بعد»!! شرّق ود بادي وغرّب وأعجبتني جسارته وأعجبنى مضاؤه وخجلت لما قال إنه ينزل فى «برج الفاتح» «برج عاجى عديل كده»، والغريبة أن برج الفاتح قد صمم وكأنه «عاج» فى يد امرأة غنى بجمال جدتها سرور وغنى بجمالها محمود عبد العزيز.. ولكنه قال فى لباقة إنه خرج من البرج العاجي وذهب وأكل «الكسرة» فى أم بدة وشرب القهوة فى الحاج يوسف فى اعتذار شاعر يفهم أنه يجب أن تتناغم معيشته مع قوافيه، واستدعى فى اعتذاره الخجول صديقه صحافى الشعب «الطاهر سادتي» الذى قال إنه أصر على أن يسقيه شاياً فى شارع الستين!! قال شعراً جميلاً عن الوطن وعن الأم وعن حميّد، ولكنى كنت دائماً أقول لنفسى وأنا اسمع شعره فى المنبر إنه قد فرغ من قول أجمل شعره أيام جامعة الخرطوم، وأن شعره الأخير مثل ما نسمع من بعض كبار الفنانين فى آخر حياة كل واحد منهم «إن جماهيره مازالت موعودة بالجديد»!! وإذا أصفى الشاعر أو أصفى الفنان فخير للشعر والفن أن يلزم ذلك الشاعر أو ذلك الفنان «عرضه» ويترك الجمهور يتذكر انتاجه الأول الجميل بدلاً من أن يشوهه بابتذال جديد لا يزيده فى النزول إلا دركة تلو دركة!! هذا ما كان من الشعر، ولكن ود بادي خرج ثلاث خرجات عن ميدان الشعر فدعا إلى إقامة حزب سودانى جديد اقتد له شرطين هما: عدم أكل الحرام واحترام الرأى الآخر ... قال إن هذا الحزب لو قام لحل مشكلات السودان، واسأل إخواننا ناس البوليتيكال سينس أن يفتونا لو فهموا شيئاً! ثم إنه نادى بعودة الجنوب وبكى بكاء الواله الهيمان على أخيه ملوال.. وكأنى به قد نسي مقولة طلاب جامعة الخرطوم الذين كان هو شاعرهم إذ كانوا يقولون عن الحب «حب كانا ففتي ففتي» أما إذا كان الحب من جانب واحد.. فالعاشق لن يلقى غير الهوان. أرى أن الاتجاه الآن قد انتقل فى العلاقة بين السودان وجنوب السودان من مربع هذا العشق الساذج إلى مربع المصالح المشتركة.. وماله؟ ثم إنه قال فى هاشمية تغلي إن السودانيين لا تليق بهم الزكاة، وأنهم لا يريدونها، وانهم يترفعون عليها، ولكن ليتذكر شاعر الشعب أن بعض المحرومين من شعبه المحب لشعره لا يعرفون زين ولا تعرفهم وليس عندهم ديجتال لالتقاط قناة النيل الأزرق، ولن «يحوِّموا» جهة برج الفاتح.. فماذا سيفعلون إذا منعت منهم الزكاة ولم تسعفهم «المعونة الأمريكية»؟!