شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    إطفاء أنوار المطار..!    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    عادل الباز يكتب: البلد محاصرة والشعب منصرف عن معركته    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قمة الافلاس.. وآخر "البليلة حصحاص"..!!    شكوى الهلال تربك «الكاف».. والتأجيل لغدًا الثلاثاء    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد إيمي سمير غانم.. "كورال" مصري يغني أغنية الفنانة السودانية توتة عذاب "الترند" وشاعر الأغنية يعبر عن إعجابه    شاهد بالفيديو.. حمزة عوض الله يهاجم الشاعرة داليا الياس بسبب تبادل السلام بالأحضان مع المطرب شريف الفحيل ويصف المدافعين عنها بأصحاب الفكر الديوثي    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حركة الطلبة والسلام في السودان
نشر في الصحافة يوم 30 - 05 - 2010

لما تواترت الأنباء عن موعد وصول الدكتور جون قرنق الى الخرطوم، مثَّل ذلك حدثاً مهماً في إطار التحولات السياسية، عليه كان من الطبيعي أن يهبَّ العشرات من حولنا صوب ساحة الخرطوم الخضراء لاستقباله، لكن الملاحظة غير الطبيعية أن عدداً مقدراً من أشداء الطلاب الديمقراطيين المعارضين لم يتحمسوا للذهاب، مرد ذلك لعدة أسباب ليس من بينها جوانب الفضول وحب الاستطلاع والمشاركة في حدث القرن، ربما كان القاسم المشترك بينهم ثمة إحساس عميق انتابهم أفراداً وجماعات بأن الطريق الى السلام المُبتغى قد فسد باستقبال سلطات الخرطوم لرجل السلام في قلب دائرة صناعة الحرب، إذ كانت تلك الشريحة الطلابية الرافضة تعتقد بأن الطريق الأوحد لتحقيق السلام العادل يتأتى فقط في حالة دخول قرنق ومن معه من طلاب السلام الى الخرطوم دخول الفاتحين كفتح الجيش الإنجلزي لبوابة السودان، على النقيض من الطريقة التي أدخل بها الدكتور قرنق الى العاصمة لما أتاحت له سلطات الخرطوم بعض المجال ليحل عندها ضيفاً، على أن تجرى مراسم استقباله شريطة أن يظل محصوراً في دائرة ونطاق نظام المؤتمر الوطني، وعلى ذلك المنوال مرت الأيام حتى لقي حتفه في حادثة الطائرة الغامضة. وهكذا تعالت صيحات الطلاب الديمقراطيين بأن لا سبيل لتحقيق السلام الا عقب القضاء على جذور الحكم الشمولي وبناء بديل ديمقراطي على أنقاضه، وأن أي مسعى غير ذلك يُعد ضرباً من ضروب العبث، ولعل المبرر الموضوعي للطلاب يستند على إدعائهم المعرفة بحقيقة تنظيم المؤتمر الوطني، ونمط تفكيره وممارسته من خلال وتيرة الحراك الاجتماعي الفاعل بالجامعات السودانية خاصة عبر نشاط المعارضة بجامعة الخرطوم المتسم بالنشاط الدؤوب، والتجديد السنوي للوعاء عبر فاعلية عمليتي دخول نسبة من الطلاب الى الجامعة، وتخرج نسبة منهم الى الشارع، مما جعل من الجامعة وسطاً أكثر دراية و اثرّ تجارباً. حصيلة الطلاب المعارضين في العمل السياسي يمكن وصفها بالمعقولة، حيث شهدت الفترة التي تلت انقلاب الإسلاميين على الديمقراطية في 1989م حراكاً أكسب الطلاب خبرة عملية مهمة، وتراكما معرفيا نظريا معقولا، بالتالي تميز نشاطهم السياسي بخاصية الاستمرار في الوقت الذي انقطعت فيه الأحزاب عن ممارسة نشاطها الدائم مع الجماهير لأسباب ذاتية وموضوعية من بينها قرار السلطات بحلها وحظرها من الحق في العمل العلني، عليه لجأ بعضها الى باطن الأرض ولسان حالها يقول لعل باطنها خير من ظاهرها، وتكيَّف البعض منها مع المعطيات الجديدة في العمل السري المنظم، ولجأت بعض القيادات والكوادر الى الخارج لتنظيم العمل المعارض. ومع تداعيات إتفاقية نيفاشا في 2005م إنتعش العمل الحزبي العلني فعادت غالبيتها من الخارج بعد انقطاع طويل، ونطق جهرا من صَمَت لعقد ونيف من الزمان، لكن الجامعة ظلت المنبر العلني والجهور للتنظيمات، والمكان المتصل بالحراك السياسي - الاجتماعي والثقافي، والمقياس الدقيق لحجم التحولات الاقتصادية، ولعل خاصية كثافة واستمرار النشاط ميَّزت الحركة الطلابية بداخل أسوار الجامعة عن سمة محدودية وانقطاع النشاط لدى الحركة السياسية في الخارج، بذلك تحفز عدداً من مراقبي ومتابعي التحولات السياسية - الاجتماعية للأخذ بناصية الأولى أكثر من الثانية، والنظر الى الواقع والمستقبل بمنظور الطلاب، أو على الأقل جعل قراءاتهم في موضع تقدير فعلي، لأن رؤى السلام المُبتغى قد تبدو ملامحها أكثر وضوحاً في الأفق في حالة النظر اليها بعيون طلابية، حينها ربما يصبح مشهد السلام أكثر تحديداً.
لتحقيق السلام في السودان هناك أطر عامة، وقواعد ثابته،لا يأتيها خلاف من بين يديها ولا من خلفها، كوقف نزيف الحرب، ونبذ القتال والاقتتال، فضلاً عن وضع إطار عادل لقسمة الثروة والسلطة، بجانب توفير الأمان للمواطنين، بدلاً عن الأمن الذي إرتبط مسماه بالتعذيب والإرهاب والإبادة الجماعية، نهدف من وراء ذلك للتأكيد على أن مسألة وضع أطر نظرية عامة، وعبارات إنشائية حول مفهوم السلام عملية هيِّنة للغاية، بل أهون من عملية إبادة قرية بسلاح الجنجويد في دارفور، كذلك لجهة صياغة أفكار غنيِّة عن السلام، لا نجد إحتمالاً للوقوع في فقر نظري يوازي فقر الريف السوداني خاصة في شرق البلاد، عليه يقع على كاهل الرامي لصنع السلم والعدل العمليين والنظريين استصحاب بُعد واقعه المعاش كأرضية يُفضَّل الإنطلاق منها نحو الآخر، خاصة وأن الآخر هو المُستقبل المُرتجى غير المُعاش، وتأسيساً على ذلك نحاول الإنطلاق من أرضية الحركة الطلابية كواقع راهن كما أسلفنا القول، وكمجتمع سريع التأثير والتأثر بمجريات الصراع الخارجي، أي الصراع خارج أسوار الجامعة، وداخل أسوار البلاد، وخارج حدودها لأن عمليتي الحرب والسلام في السودان لا تنفصلان عن الإطار الإقليمي والدولي.
منذ أكثر من قرن مضى ظهرت الحركة الطلابية السودانية كشريحة مُساهِمة مُساهَمة فعلية في صنع الأحداث المفصلية، وذات قدح مُعلَّى في الشأن الوطني، بذلك أعترف المجتمع بدورها الطليعي، ومع تأسيس كلية غوردون التذكارية في 1902م إرتبطت الجامعة بقضايا الوطن وتوحد مصيرهما مثلما ربطت الإنقاذ مصيرها بمصير السودان، فمرت البلاد بحزمة من التواريخ المهمة والمفصلية، من أهمها حدث إنطلاق الحرب في جنوب السودان بعد تمرد توريت في 1955م نتيجة لشعور النخبة الجنوبية بخيبة أمل تجاه ممارسات الصفوة الشمالية المُمسِكة بتلابيب مصير الوطن شماله وجنوبه وشرقه وغربه ووسطه أيضاً، ولعل من بين أبرز قضايا ومطالب النخبة الجنوبية وقتها موضوع الحكم الذاتي، ولما شعرت بتخلي صفوة الشمال عن وعدها المسبق الذي ضربته عشية الإستقلال وهكذا غابت المصداقية في الوقت الذي ظلت تتراكم المظالم التاريخية من تنمية مختلة، وهوية باتت بمثابة عامل نقيض للوحدة والتعاون مع مواطني جنوب السودان، إنطلقت الحرب وتوقفت، الى أن عاودت الإنطلاق مجدداً، ثم خفت أوزارها، وهكذا إستمرت رؤى السلام تراوح مكانها تارة وتأتي تارة أخرى حتى محطة نيفاشا الراهنة غير النهائية، ومن المُرجَّح إياب الأمور الى دائرة الحرب مرة أخرى طالما أن نخبة الشمال التي يؤدي دورها في هذه المرة المؤتمر الوطني لم تف بماعليها من إستحقاقات، ولم تنفذ واجباتها المتعارف والمتفق عليها إقليمياً ودولياً مع دول الإيقاد والشركاء والأصدقاء، لكن في المرة القادمة قد يضم المشهد بؤر طحن أخرى إضافية في شرق وغرب البلاد، ناهيك عن أزمات النيل الأزرق وجبال النوبة وأبيي التي تغلي بركاناً تحت الأرض، ونحو ذات الناصية أفرز الوسط الطلابي غالبية قادة وأسس تلك الحركات الإجتماعية والسياسية الراهنة، وربما المستقبلية أيضاً، ففي ساحات النقاش البسيطة ظلت تدور أفكارالحرب ورؤى السلام على أساس علاقتهما بحراك وتوزيع الموارد، وسبق التنبؤ بتلك الرؤى قبل أن تصبح حقائق، ولعل أهمية التعرض لتلك الأحداث التاريخية تبيان الخطأ الناتج عن هجر المحمول الذهني الطلابي، وعدم الأخذ بالعبرة من تجارب الطلاب المماثلة، فالواعظ من إتعظ بغيره كما تقول الأمثال الشعبية.
قبل التفكير في صنع السلام السياسي يجب بناء السلم الإجتماعي، فالأول يُعبِّر عن مصالح الصفوة وهو سهل الصنع، بينما يُعبِّر الثاني عن مصالح الجماهير وعلى العكس من الأول، شاق البناء وطويل الأمد، يبدأ أول ما يبدأ بالإعتراف بالآخر المُختلف عنه، مما يُعد مدخلاً للإحترام الفعلي لا القولي، أي ليس على شاكلة إحترام القوى للضعيف، أو الأغلبية للأقلية، بل إحترام فعلي على النقيض من الوسط الطلابي كثير الوباء بالتماهي القبلي، والفخر الإثني، بجانب الفرز الطبقي، فضلاً عن التخندق الديني المُحكم، وفي الخاطر تجارب مستمرة تدلل على إستهداف الإسلاميين - بكافة مشاربهم - للنشاط والوجود المسيحي الطلابي المحدود، ففي العام 1998م قام الإسلاميون بالجامعة بحرق معرض الكتاب المقدس، وتواصل حتى الأمس القريب مسلسل قمع المعارضين وإستهداف طلاب القوميات غير العربية من النوبة الشماليين ومنتسبي جنوب السودان وشرقه وجبال النوبة والدارفوريين، لكن هذا لا يعني قصر الأمر على غير العرب، فقد ذاق الكثيرون منهم ويلات القهر سيما المناصير ومنتسبي منطقة أمري والجزيرة ضحايا التنمية المختلة في وقت تُمزَّق فيه روابط السلام والإستقرار في كافة أنحاء البلاد، وتُمزِّق فيه الإجهزة الأمنية الروابط الإجتماعية لطلاب تلك الأقاليم.
محاسبة الجناة الذين إرتكبوا الجرائم من بين المطالب غاية في الأهمية، وبدون طرق بابها يكون بيت السلام عُرضة للإنتهاك ومدعاة لإعادة الإنتهاك، فعلى الرغم من الحرية التي يتمتع بها الجناة بدءاً برئيس النظام، ومروراً بطلاب الجامعة في العقدين المنصرمين الذين يحتمون خلف مناصب وحماية دستوريين لا تخطئهما العين، ونهاية بغيرهم من الرموز والمسؤولين، من غير إجراء محاكمات عادلة للجناة والمشتبه فيهم لا أمل لصنع سلم وطيد، ونوافق الرأي بأهمية إحتواء مفهوم السلم الإجتماعي لقائمة مطالب تتضمن إعادة تقسيم السلطة والثروة على أسس عادلة، وضرورة تحفيز عودة الراغبين الى مواطنهم الأصلية بعد نفي أسباب الطرد الريفي والجذب الحضري، ولعل موضوع الأراضي المغتصبة يتطلب تسوية النزاع المضروب حولها، كما يجب تجريد الجانجويد والتورابورا من السلاح، في ظل تأسيس مصالحات قبلية تُوفِّر التعويضات وحماية العائدين، وتحقيق تنمية متوازنة على النقيض من مشروع مثلث الصفوة المسمى مجازاً بمثلث حمدي، لأن ما سبق لا يتأتى الا في ظل معاقبة الجناة بعد محاسبتهم في ظل سيادة وسائل الضبط الإجتماعي الحديثة والتقليدية على حد سواء.
إن الدواعي السابقة جعلت من السلام حالة غير معاشة، ومن السودان دولة مختلة الهوية ظلت تتموضع وفقاً لمصالح النخب الحاكمة، ولعل جذور الأزمة لم تراوح مكانها بعد من آثار تجارة الرقيق في الممالك القديمة، خاصة في سنار ودارفور وإبان التركية والمهدية والحكم الثنائي، فإذا كان عماد الإقتصاد التقليدي السابق قد بُني على تجارة الرقيق، فإن إستغلال البشر وإستخدامهم أسوأ إستخدام بلا قيمة من أعمدة الإقتصاد المُستحدث حالياً، فكيف يمكن تحليل ظاهرة إستحواذ ما لايزيد عن 3% من البشر السودانيين على ثروة وسلطة للسكان المختلف في تعدادهم!!!
عليه، تبقى عملية صنع السلام السياسي غاية في اليسر كما أسلفنا، طالما ظلت غاية الصفوات المتعاقبة المحافظة على مصالحها وسلامها الخاص، بغض النظر عن المصالح الشاملة والسلام العام، مما ترتب عليه قطع تلك الصفوات لأي طريق متجه نحو بناء العدالة الإجتماعية ومن ثم السياسية، الشيء الذي وسَّع الهوة بين الإطار النظري المُوقَّع عليه نحو التحول الديمقراطي، والواقع العملي الذي تفضحه زيادة معدلات إنتهاك حقوق الإنسان في ظل قوانين مقيدة للحريات، مما كان له الفضل في تقريب المشهد وتوضيح الصورة المُختلة عن أوضاع السعي الجاد وغير الجاد لبناء بيت ديمقراطي هش في ساحة شمولية مانعة، حقاً لهي عملية بالغة الخطل، فعلى ذات النحو سبق للحركة الطلابية الديمقراطية أن خاضت تجربتها بمحاولاتها لبناء نقابات حرة في ظل إدارات جامعية ديكتاتورية، فكانت النتائج المذهلة أن باتت السلطة الطلابية المنتخبة مُقيَّدة في إطار جزيرة معزولة وسط محيط شمولي هادر لا تقوى على فعل شيء قط، ولمزيد من توضيح المقاربة يمكن التمعن ودراسة الحالة التي سيطرت فيها المعارضة على نقابة إتحاد طلاب جامعة الخرطوم منذ العام 2003 حتى 2008م، إذ أثبتت التجربة أن الكل يؤثر على الجزء، أثر سلطة الدولة على إدارة الجامعة، وبالتالي إفراز ذلك على سلطة الطلاب، أيضاً تأثير العام على الخاص، العام الديكتاتوري على الخاص الديمقراطي، وقبل أن تؤكدها التجارب الطلابية بسيطة المظهر عميقة الجوهر، أتت بها الحقائق العلمية المثبتة، لكن لم يؤخذ بناصية العظة، وهاهي الإتجاهات الخاطئة التي تحاول الخطو في طريق السلام السياسي تتعثر مرات ومرات طالما لم تأخذ بعبرتي الطلاب والعلم مأخذ الجد، أي نأت عن تصحيح الخطأين الأول والثاني، وربما لا تتعظ الحركة السياسية السودانية من العثرات الماثلة لتقع في الخطأ الثالث، ولعل التداعيات الرامية لقيام إنتخابات - نزيهة - بإسثناء المشاركة الحقيقية لمواطني إقليم دارفور، سوف يترتب عليها عدة آثار بالغة الخطورة، مستقبلية في ملمحها قد يصعب التكهن بتحديدها، وقس على ذات المنوال الإتجاه الماثل لعزل المحمول الطلابي عن المشاركة الفاعلة في صياغة وبناء قضايا السلام، بالتأكيد سيترتب عليه أيضاً قدرمن الآثار الجمَّة، لكنها معاشة اليوم قبل أن تأتي مستقبلاً.
السلام الأوَّلي من منظور طلابي لو جاز النظر، يتطلب إعادة بناء مؤسسات التعليم العالي بقدر يضمن نزاهتها وحيدتها، من قانون جديد، حرية للبحث العلمي وديمقراطية في البناء التنظيمي للإدارات والوحدات والقطاعات والمكاتب، الى جانب ضمان جوانب الشفافية والمشاركة الواسعة وحقوق الإنسان، على الأقل الحق في التعليم والتمتع بالصحة الدراسية على أسوأ تقدير. كذلك من المهم القضاء على ظاهرة العنف الطلابي المُستشرية للدرجة التي امتلكت فيها الزمام القالعة لجذورالوئام والإستقرار بعد تخطيها لمرحلة مُجرد أحداث دامية خلَّفت وراءها تسعة عشر قتيلاً من بين الطلاب الناشطين في تعزيز ثقافة حقوق الإنسان، وأكثر من 3226 مصاباً بإصابات بالغة بسبب التعذيب والإستهداف الوحشيين، فضلاً عن ما يفوق الألف ونصف الالف من حالات الإعتقال والتحفظ التعسفيين، وبالضرورة أفرزت تلك المسببات البدنية ظواهر إجتماعية ونفسية رهيبة لم يزلها بعد سكب مداد التوقيع على ورق إتفاقيات السلام الأربع في نيفاشا والقاهرة والشرق وأبوجا، ولعل معالجة موضوع السلم الإجتماعي في كافة بقاع المعمورة من شأنها الإسهام الجاد في القضاء العملي على ظاهرة العنف الطلابي، ودعم النهج العلمي لمعالجة الظاهرة، عليه نجد من الضرورة بمكان فض وثاق السلطة الأمنية والمالية عن رافدها في تنظيم الطلاب، مع إلغاء المكاتب الجامعية والهيئات المدعومة من قبل التعليم العالي التي تسمى بوحدات دعم الجهاد، وإستبدالها بوحدات دعم الثقة وبناء السلام وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان وأهداف الألفية، لا الجهاد والطحن والحرب والنزوح والتشرد والهجرة القسرية.
على ذلك النهج يصبح من المحتمل القريب الى الممكن، وضع لبنات لأسس متينة تضمن إنتاج الأجيال المعافاة والحرة في تفكيرها، المرتكزة على قاعدة ذات أسس صالحة فينتقل الطلاب لأفضل روافد القوى الإجتماعية والسياسية، بدلاً عن أكثرها سوءاً، فمن الطلاب يخرج القادة، واليهم يعود فضل الإسهام المعلَّى في الحراك الشعبي والجماهيري الذي بلغ ذروته في إنتفاضات عِدة ضد الديكتاتوريات حدثت في أكتوبر 1964م، وأبريل 1985م، وإستمر الإسهام عبر تراكم الجهود الرامية لإعادة الديمقراطية وتعزيز فرص السلام من خلال ضفة ديكتاتورية 1989م التي عبر فرضها للشر المستطير عمَّقت قيمة طلب الخير لدى الضفة الأخرى وهذا مأخذ إيجابي، يمكن وصف الضفة الأخرى بضفة الجهد المضني لتحقيق التعايش السلمي، ضفة لم يبارح شواطئها قط التفكير الجدي في ماهية وكيفية صناعة السلام والحفاظ عليه، وهي محاولة لرؤية السلام في السودان من منظور آخر، ومن ضفة أخرى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.