وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    البرهان يلتقي سفير دولة الكويت لدى السودان    عبد الله يونس.. الصورة الناطقة..!!    الأهلي الأبيض يبدع ويمتع ويكسب الهلال بثلاثية    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    بالصور.. القيادي السابق بالدعم السريع "بقال" يسخر: (زول عرد من الخرطوم وامدرمان وجغمته مسيرة في نيالا يقول ليك استشهد في الصفوف الأمامية)    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    "جهلة وعنصريون".. يامال ينفجر غضبًا بعد الهتافات الإسبانية ضد المسلمين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    أمجد فريد: اعترافات داعمي مليشيا الدعم السريع فضحتهم وشراكتهم في الجرائم    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    كيكل يعلّق على تحرّكات الميليشيا    شاهد.. المطربة إيمان الشريف تنشر صورة حزينة لها بعد إتهامها بالإساءة للهرم كمال ترباس والفنانة الكبيرة حنان بلوبلو    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    اكتمال عقد الجهاز الفني للكمال    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الرساله الثالثة التدمير الذاتي (الجزء الاول)
نشر في السوداني يوم 14 - 11 - 2013


التدمير الذاتي (الجزء الاول)
بقلم: إبراهيم الميرغني
ظل سؤال يُلح علي منذ أن تفتح وعيي على سودانيتي (هذا إن كان قد تفتح)، وظل شعوري العميق بالانتماء إلى هذا البلد، الذي لا أستطيع وصفه سوى ب(البلد النعمة)، ظل هذا الشعور يتطور مع كل ميل جديد قطعته شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، كما وصفته من قبل في رسالتي الثانية (قبل أن يغادرنا التاريخ)، بل تمدد هذا الإنتماء كلما عبرت الحدود (برّاً)، لأجد أن السودان أكثر مما هو (جغرافيا) هو (إثنوغرافيا)، فالسودانية تنساب شرقاً لتشمل معظم الإقليم الأريتري، ولا سيما منطقة قاش بركة، التي لا تختلف في شيء عن شرق السودان؛ كسلا، وتسنى، وأغردات، وبارنتو، هي هي، وجدت سواكن في مصوع وعصب، بل وجدتها في ممباسا على المحيط الهندي، القضارف هي هي غندر أو بحردار، لا فرق.أما الغرب؛ فوجدته ممتداً حتى كانو وتمبكتو ونيامي، أما الشمال؛ فلا أجد تدفقه تحده سوى القاهرة المغروسة في وسط الصحراء.
أينما يممت وجهي في هذه القارة، فثمة وجه للسودان آلفه ويألفني، جوبا، واو، نيروبي، كمبالا، وجدت الدينكا في الماساي والتوتسي، والشلك في الزولو هناك في الكيب عند رأس العالم. وتظل الاسئلة المحيرة المحزنة تطن في رأسى كبعوض (بور) كيف حدث هذا التحول؟، لماذا نتراجع بينما محيطنا بأسره يتقدم ؟، نحن في الحقيقة لا نتراجع بل نضمحل ونتآكل!
ظللت أبحث عن القوى التي تفعل بنا ما تفعل، هل هو ذاك العدو الخارجي المتربص؟ أم هو المستعمر الذي خرج ولكنه ظل قريباً وقريباً جداً كما وعد؟ أم هي تنظيمات سرِّية مندسة وسط التاريخ، وعملاء لقوى عظمى، لا همَّ لها في العالم سوى السودان وتدميره؟ أم هي ممالك من الجن، تريد أن تستوطن الخراب، وتعشق الدماء، ورائحة البارود؟ أم هو كل ما سبق؟ هذا الطنين دفعني كي أنقب في تاريخ هذه البلاد منذ كرمة وما قبلها، مروراً بكوش بمملكتيها؛ الشمالية نبتة والجنوبية مروي، مروراً بالعهد المسيحي؛ المقرة شمالاً، وعلوة وسطاً، وسوبا جنوباً، حتى انتهيت إلى العنج، وسنار، والمسبعات، والفور، ووداي، وتقلي، وتابعت جيوش محمد علي وهي تزحف جنوباً وتشكل ملامح السودان المصغر؛ الذي نعرفه اليوم كنسخة من السودان المكبر؛ الذي لا تحده حدود ونظرت المهدي يقوم بثورته، والتعايشي يحكم بالحديد، والنار، ورؤى المنام، حتى هدير المكسيم في كرري، إلى أن رفع الأزهري العلم في 56، وعبود وأكتوبر، والنميري وأبريل، وما بينهما من ديمقراطيات موؤودة، حتى جاءت الإنقاذ، وما أدراك ما الإنقاذ! إلى نيفاشا التي يجب عندها أن يتوقف التاريخ.
هذا التتبع للتاريخ قادني لحبل يحتاج إلى فريق من البحاثة المثابرين حتى يفككوا جدائله بحكمة ومنهجية، ولكن بالنسبة لي، فأراه رأي اليقين ممتداً يلتف على كامل تاريخ هذا البلد، رويداً رويداً، حتى يدور حول عنقه، ويخنقه خنقة الموت في (نيفاشا).
نعم أنا أرى السودان معلقاً على مشنقة نيفاشا، وعيناه تشخصان في اتجاه يديه التي حاكت ونسجت هذا الحبل عبر العصور، في انتظار هذا اليوم الموعود، وللمصداقية فهذا الحبل رآه قبلي كثر؛ منهم محمد أبو القاسم حاج حمد، والدكتور جون قرنق ديمابيور، وربما دكتور منصور خالد، لكنهم جميعاً حاولوا تفسيره بطرق مختلفة، تعبر عن منطلقاتهم الفكرية والمنهجية والأيدولوجية، وأنا أزعم أني
سأحاول أن أكون أكثر واقعية ومباشرة بل ووقاحة منهم جميعاً، وبما أن هذه الرسائل العشر التي عزمتُ على كتابتها، كشاهد على تاريخ لم أشاهد عياناً سوى فصوله الأخيرة، ولكن النهايات تقود دوماً للبدايات، وأنا مؤمن بأن نيفاشا هي نهاية قصة وبداية قصة جديدة تماماً، لا يعلم نهايتها إلا العلي الخبير. إلا أنه استقر في يقيني أن القوة الأكبر تاثيراً على كامل تاريخ السودان، هى قوة (التدمير الذاتي)، التي قضت على أي محاولة لتكوين منظومة سكانية متماسكة، وسأحاول من خلال هذا السرد، أن أتتبع نهايات الممالك والحضارات التي قامت أو كادت، وأوضح فعل هذه الجرثومة التي تنتقل عبر حقب التاريخ لتمهد الواقع وتعجل بالإنهيار، وسأحاول أن أتقصى من النهايات المبكرة للبدايات الأولى.
النهاية الأولى:
أثبتت البحوث التاريخية والحفريات أن هذه البلاد قد تكون شهدت أولى حضارات الإنسان، أو فلنقل أولى حالات الحياة شبه المستقرة على ضفاف النيل قبل نحو 250 ألف عام، والتي أسماها البحاثة بالمجموعتين الأولى والثانية، وقد خلصوا إلى أن سبب فناء هذه الحياة شبه المتحضرة كان هوالتضحيات البشرية، وأن هذه المجموعات أخذت في التآكل بفعل هذه الآفة، عندماأصبحوا يدفنون مع الميت نساءه، وتطورت ليدفنوا معه جميع أبنائه، وحتى دوابه، لقد وجدوا سلالات كاملة مدفونة معاً في نفس المقبرة وقد وقفت على هذه المقابر الجماعية بنفسي في الشمال، والشمال الشرقي، في أقبح نموذج عرفته الإنسانية (للقرابين والأضحيات البشرية).
النهاية الثانية:
كانت نهاية حضارة كرمة، والتي كانت في غابر مجدها ترهب الحضارة الفرعونية، بل كانت سبباً في انهيارها أكثر من مرّة، ولكن عندما قرر تحتمس غزوها، وعندما وصل العاصمة كرمة، تفاجأ بمدى الوهن والضعف الذي ضرب تلك المملكة القوية، بعد أن أفنى بعضهم بعضاَ، في حروب عبثية، وفقدوا إيمانهم بأنفسهم، وآلهتهم، ورغم مقاومة الأمير (آنى) المستميتة، فقد كان من السهل على تحتمس القضاء على مقاومتهم، وأن يقوم بأول عملية استلاب حضاري موثقة عرفتها البشرية، وذلك بطمر كافة تماثيل الملوك المحليين وأخذ الصبية الصغار أبناء الملوك والأمراء إلى طيبة، فعادوا وهم شباناً أشداء يؤمنون ب (رع ) و (حورس) ويدينون بالآلهة الكباش، من بعد أن فقدوا صلتهم المعرفية والإيمانية مع الماضي، بما فيها ايمانهم بملكهم الأعظم، والذي وصفه عالم الآثار السويسري؛ شارل بونيه _عقب العثور على مقبرة هذا الملك: "هذا هو الفرعون الأكبر الحقيقي".
النهاية الثالثة:
نهاية مروي (كوش الجنوبية)، على يد أكسوم الحبشية، ورغم سنوات المجد الكوشي، في عهد الفراعنة السمر ملوك الأسرة 25، التي حكمت ولأول مرة كامل نهر النيل، من نقطة التقاء النهرين في الخرطوم وحتى المصب في المتوسط، وكانت أول من صهر الحديد. لكن في النهايات وعندما زحفت أكسوم المتحالفة مع قبائل البجا وجد الأكسوميون، أن مؤامرات الملكات (الكنداكات)، ودسائس البلاط، وتواطؤ الأمراء والقواد، جعلت مروي تسقط، وكأنها كانت مستعدة ومتحضرة لهذا السقوط المدوي.
النهاية الرابعة:
نهاية الممالك المسيحية، التي أوقفت في مجدها تقدم قوات عبدالله بن أبى السرح، ووقع معها اتفاقية البقط الشهيرة، التي فرضها رماة الحدق، بصلابة سهامهم ورماحهم المصوبة، في الوقت الذي اجتاحت فيه جيوش المسلمين قارات العالم القديم الثلاث، لكن لم يجد تحالف الفونج والعبدلاب صعوبة في الاجهاز على سوبا، التي يروي التاريخ أن امرأة منها يقال لها "عجوبة" كانت سبباً في خرابها، حتى صارت مثلاً سودانياً خالصاً للتدمير الذاتي.
النهاية الخامسة:
نهاية مملكة الفونج، التي جاء سلطانها بادي السادس مسلماً شارات ملكه للباشا الصغير، بعد اغتيال الشيخ محمد ود عدلان، الذي كان يستعد للمواجهة بفعل ثأر عائلى قديم، وهنا يجب التوقف عند ثلاث محطات، وطرح اسئلة؛ من الذى ذهب لمحمد علي باشا ورجاه فتح السودان، حتى ينقذ البلاد من فتك قبائل الشايقية، وغرره بوجود الذهب والرجال والعاج؟
بعد الصدام في كورتي؛ ما الذي حوّل العلاقة بين الشايقية بقيادة الملك صبير وشاويش وابنه كمبال إلى علاقة تعاون وثيق، جعلت فرسان الشايقية هم طلائع جيوش الخديوي، بل هم من طارد المك نمر حتى أوصله حدود الحبشة (المتمة الأثيوبية)؟
من يلوم السلطان بادى على استسلامه بينما لم يكن له من الملك سوى شاراته وحريمه، بعد أن تحولت سنار إلى وكر لتآمر الوزراء الهمج وانفصال المسبعات وتقلي واستقلال الشايقية، وفناء القواد والأمراء في دسائس القصور.
النهاية السادسة:
نهاية العهد التركي:
على يد المهدية بعيداً عن الأبعاد الدينية، والماورائية، وجدلية المهدي المنتظر (المخلِّص)، كانت الأحوال في الخرطوم والقاهرة مهيأة لنجاح الثورة، بل ساعدت على نجاحها، وذلك عن طريق إبعاد الكفاءات الإدارية والقتالية من التصدي للثورة
أمثال (الزبير باشا، وعبد القادر حلمي)، وإرسال أضعف قواد ومرتزقة الإمبراطورية (هكس ونيازي) وإعلان غردون من بربر لخطة إخلاء السودان، التي فرضت على الخديوي من لندن، ورغم مواجهة كافة زعماء القبائل وشيوخ الطرق الصوفية للثورة في بدايتها، إلا أنهم انضموا إلى صفوفها عندما أحسوا بقرب انتصارها فكان المهدي (المنتصر وليس المنتظر) حسب وصف حاج حمد، هو من قام بذلك الإنجاز التاريخي المتفرد على المستويين الإداري والعسكري والتعبوي، وربما يكون أبلغ تعبير عن حالة الناس في ذلك الوقت هو الحكمة الشائعة المنسوبة للشيخ العبيد ود بدر؛ عندما سُئل عن موقفه من المهدية فقال: (إن كان مهدي جيت لينا، وإن ما مهدى شن لينا)، رغم أن حصار الشيخ العبيد للخرطوم من جهة شرق النيل، أسهم بصورة كبيرة في سقوط أو (تحرير) الخرطوم قبل وصول حملة الإنقاذ بأيام معدودات، نعم انتصرت الثورة، ولكن إنهارت الدولة بمعناها الحديث، ولم يتبق منها سوى آلة حربية صدئة، تم استعمالها فيما بعد بشكل بدائي.
النهاية السابعة:
نهاية الدولة المهدية:
هى أبلغ دليل على فعل جرثومة التدمير الذاتي، فبعد أن حقق (الإمام) أعظم إنجاز عسكري وتعبوي عرفته القارة، وشكل نموذجاً رائعاً في تثوير واقع بأسره، نعم كانت الأيديولوجيا الدينية هي الأساس باعتبار الإمام هو(المهدي المنتظر)، الذي سيملأ الأرض عدلاً، وهي الفكرة الجوهرية التي قامت عليها الثورة، ولكن لا يمكن بأي حال إنكار البراعة والحنكة التي تحلى بها (المهدي) عندما استطاع أن يستخدم فكرة المهدية، ليؤلف بين مختلف قبائل السودان، فترى الدنقلاوي، والجعلي، والبجاوي، والفوراوي، والبقاري، يقاتلون جميعاً صفاً بصف، ورغم اعتماده الأساس على ما يسمى اليوم بقوى الهامش، لكن نجد أن أبرع قواده وأشهرهم كانوا أبناء الشمال النيلي (أولاد البحر، وفي مقدمتهم الأميرين محمد عثمان أبو قرجة، وعبد الرحمن النجومي)، ولكن من سخرية الأقدار، أو بفعل جرثومة التدمير الذاتي، الكامنة في جوف التاريخ، كان سقوط أو (تحرير الخرطوم)، نهاية الثورة، وبداية الدولة التي لم يشهد منها المؤسس سوى أشهر ست، وآل الأمر إلى خليفته عبد الله التعايشي الذي حاول جاهداً استكمال ما بدأه (المهدي)، ولكن واجهته العديد من المعضلات والتي قادته مجبراً أو مختاراً لسلوك فعل التدمير الذاتي، ويمكن الوقوف على المشاهدة التالية:
1- تصفية أسرة المهدي بعد ما عرف ب (ثورة الأشراف).
2- الاعتماد المتزايد على أبناء البقارة في مقابل القواد التاريخيين حتى تمظهر تماماً استقطاب أولاد الغرب في مقابل أولاد البحر، أصبحت أم درمان - في سنوات قلائل بعد رحيل المهدي - موئلاً للمؤامرات والدسائس والتصفيات والعسس، بعد أن كانت البقعة الباركة ومقصد الباحثين عن الخلاص والتحرر من ظلم الأتراك وغيهم، انتهى مصير القواد الكبار إما في سجون الخليفة كحال أبو قرجة الذي حرره البلجيك فيما بعد، أو الموت في حملات وحروب الخليفة العبثية لإخضاع الملكة فكتوريا، أو احتلال الحبشة الذي كلفه خيرة قواده ونخبة جيشه الذي انخفض من 250 ألف مقاتل قبل معركة القلابات إلى 50 ألف مقاتل قبل معركة كرري، بينما انخفض تعداد السودانيين من 8 ملايين نسمة، إلى مليوني نسمة، (ثلاثة أرباع السكان قضوا في الحروب والمجاعات) ومن تبقى على قيد الحياة منهم؛ فقد كفر معظمهم بهذه الدولة التي لم تجلب لهم سوى الموت والذل والخراب، رغم وهج البدايات وهديرها المدوي، الذي ملأ أسماع العالم، وشجاعة فرسانها، لا سيما البجا منهم (fuzzy wuzzy) الذين خلدهم اللورد كبلنج في ملحمته، عندما كسروا مربع الجيش الإنجليزي فى (التيب) والذي لم يستطع حتى نابليون اختراقه، ولم تشفع بسالة الأنصار وتصديهم لقوات كتشنر المكونة معظمها من (سودانيين) و القبائل المتحالفة من جميع (أولاد البحر) الذين زحفوا معها من كورسكو وحتى أمدرمان، وكان آخرهم الجعليين بعد المذبحة المدوية التي ارتكبها جيش الخليفة بقيادة قريبه محمود ود أحمد في المتمة، عندما رفض عبد الله ود سعد إخلاءها، فكان الغزو الانجلو مصري بمثابة المخلص لمعظم – إن لم يكن جميع سكان السودان الشمالي، والأوسط، والجنوبي، ممن تم استهدافهم (عنصرياً).
لم تشفع بسالة الأنصار وإقبالهم على الموت في كرري من أن تنهار الدولة المهدية بفعل مدفع المكسيم شكلاً، ولكنها إنهارت بفعل تدمير القوى المكونة لها ذاتياً وتدمير بعضها البعض، ورغم أن الفرص التى لاحت في السنوات الأخيرة كالعرض الفرنسي للإمداد، أو العرض الحبشي بالتحالف ضد العدويين الإنجليزي، والطلياني، الذي تمكن الأحباش من سحقه في معركة عدوه، بفعل انفتاحهم على العالم الخارجي، وامداد السلاح من فرنسا.
إنهارت المهدية لأن الخليفة عبد الله رفض الاستماع لجميع الناصحين (الخونة) وحتى عثمان دقنة القائد الوحيد الذي احتك بالآلة العسكرية البريطانية، الحديثة، بل واستطاع هزيمتها في أكثر من موقعة حتى هو تم تجاهل رأيه وتفضيل طريقة (جراب الرأي) الأمير يعقوب في الهجوم صباحاً، نعم انهارت الدولة وبقيت المهدية فكرة وإيماناً في قلوب الكثيرين، وحنيناً إلى دولة سودانية خالصة من الأغيار في نفوس الأكثر، بل توقا لمشهد تدفق صفوف الأنصار على حمم المكسيم والهاوزر، بقدر زهول الفاتحين الجدد من هذا النوع من الإقدام الذي لم يعرفوه في حياتهم بقدر ما ذهلوا من تدهور وانحطاط الحالة التي وجدوا عليها أم درمان، وحجم البؤس الذي كان يخيم عليها كقطع الليل، حتى صارت مدينة خارج الوجود الإنساني، يسكنها أشباه بشر، لم يكن المكسيم سوى تمظهر القوة الذي أعلن نهاية الدولة، التي كانت قد انتهت فعلياً قبل سنوات بفعل جرثومة التدمير الذاتي.
وسنحاول فى الجزء الثانى من الرساله أن نتقصى فعل التدمير الذاتى حتى اكتمال ملامح الازمة السودانيه الحالية والمفضية (جدلا) الى نهاية ما عرف بالسودان الحديث.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.