أعود لسياسة بنك السودان الأخيرة كما وعدت وأول مالفت نظري فيها رغم ما قدمته من مرونة وواقعية كما ذكرت سابقا إلا أنه تبقى بعض الملاحظات الضرورية التى لم نتعرض لها سابقا. أول مالفت نظري أنها سياسة انكماشية وظهر ذلك جليا فى رفع الهامش النقدي للبنوك الى 13% مما يشل قدرة البنوك على ضخ المزيد من الأموال للاستثمار خاصة إذا أضفنا لذلك فتح الباب أمامها لشراء شهادات شهامة وصرح التى تمول وزارة المالية لسد العجز فى الموازنة فقد اعتادت البنوك على شراء الصكوك لضمان عائدها بدلا عن ضخها للقطاع الخاص والاستثمارات الواسعة بل إن كثيرا من أصحاب الودائع يسحبونها من البنوك لشراء الشهادات فيضعف دور البنوك التى تتعرض لعقوبات بنك السودان عندما ينكشف حسابها فتتضرر مرتين. الأمر الأهم الذى لفت نظري هو التوجه الجديد كما ذكر السيد المحافظ لارتباط الجنيه السوداني بالأيوان الصيني وترك التعامل بالدولار تدريجيا وربما اليورو بطبيعة الحال. وهنا أتساءل الحكمة فى ذلك وهناك دراسات اقتصادية وسياسية حول مستقبل النظام الشيوعي الصيني الذى ربما يشهد هذا العام أو الأعوام القادمة انهيارا كما حدث فى الاتحاد السوفياتي، فهل تمت دراسة هذا الاحتمال؟ كنت سأوافق السيد المحافظ لو قال إن الاتجاه نحو تعامل الجنيه السوداني مع سلة عملات دولية منها الأيوان والين والدولار واليورو والعملات الخليجية والعملات العربية والإسلامية على أمل أن يصبح الجنيه السوداني نفسه عملة حرة مثلما كان فى ستينات القرن الماضي عندما كان الجنيه السوداني قويا ومرغوبا فيه ففي السعودية كان تجار المملكة يتبارون فى اقتنائه خاصة عند فترة الحج، فقد كان الجنيه السوداني يساوي ثلاثة عشر ريالا سعوديا ويساوي ثلاثة دولارات وثلث والجنيه الأسترليني سبعون قرشا سودانيا !! يقول الكاتب غوردون جي جانق الخبير بالشئون الصينية فى كتابه ( انهيار الصين القادم) إن الحزب الشيوعي الصيني سيسقط قريبا لا محالة وذلك لعدة أسباب منها التغييرات الناجمة عن الانضمام الى منظمة التجارة الدولية وبسبب الاضطرابات الكثيرة التى وصلت العام الماضي وحده 280000 حالة. كما أن الصين التى ارتكزت على سياسات دينغ شياو بينغ الإصلاحية الانفتاحية منذ أواخر سبعينات القرن الماضي قد بدأت تتخلى عنها تدريجيا فى عهد الرئيس هوجيتاو الحالي، فقد استفادت الصين فى الماضي من انتهاء الحرب الباردة ومن ميزة حجمها الديمغرافي وعمالتها قليلة التكلفة والآن ولت أيام الرخاء وانقلبت الميزة الديمغرافية الى ضدها بسبب المطالب فى رفع الأجور مما سيجعل المصانع غير قادرة على المنافسة فى ظل المنافسة العالمية التى ستحدثها التجارة العالمية الحرة وربما تراجع الطلب. وسوف تشهد الصين تراجعا على الطريقة اليابانية. ويؤكد الكاتب أن الحزب الشيوعي الصيني سيصبح عاجزا عن احتواء السخط الاجتماعي وسيضطر الى تكثيف القمع فى مواجهة الاحتجاجات المتوقعة وحتما سيخسر المعركة فى مواجهة مجتمع صيني ديناميكي متحرك أكثر من الحزب الشيوعي الذى شاخ فكريا وسياسيا. ذلك أن ظاهرة التوترات والتمرد والاحتجاجات المتواصلة ستزعزع استقرار النظام مثلما حدث فى دول الربيع العربي ولن ينفع معها القمع خاصة إذا تجاوز الناس حاجز الخوف وهو أمر واقع لا محالة، ذلك أن الأنظمة الاستبدادية التى تبدو فى ظاهرها مستقرة وآمنة لكنها غير محصنة من الثورة والانتفاضة ضدها خاصة إذا أصبحت عملية صنع القرار آخذة فى التدهور وأصبح النظام منقسما على نفسه فعندها سيحدث ما أسماه (الثورة المفتوحة) بغير زعامات وقيادات معروفة تماما كما حدث فى ثورات الربيع العربي. هل بعد هذا نصرّ على أن تحتكرنا الصين اقتصاديا؟ خذوا حذركم، يجب ألا نستبدل سيدا بسيد آخر.. الحل فى الحياد الإيجابي سياسيا واقتصاديا والانفتاح على كل دول ومجتمعات العالم.