"العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    يكررون الأخطاء.. وينتظرون نتيجة مختلفة..!!    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حسين خوجلي يكتب:وفي ليلة الإسراء ذكرى وشوق ومؤانسة
نشر في باج نيوز يوم 18 - 01 - 2026


الموصلي والكابلي في عصر لا ورد فيه ولا أزاهير
كان إسحق الموصلي مثل عبدالكريم عبدالعزيز الكابلي شاعراً ومغنياً لكن من حظ الرجل أنه حضر زمان الرشيد والذي كان أيضاً شاعراً وكريماً ومحباً للنشيد وكان عليه الرحمة يجاهد عاماً ويحج عاماً وعاصروقد أورث إبنه المأمون الأدب والسخاء وتذوق الشعر، وكان ذلك الزمان الرطيب الخصيب مترعاً بالحدائق والورود والأزاهير حتى (التربالة) في بغداد كانوا يجدون الشعرويلهمون المغنيين ويستحلبون المعاني من ضروع الأفكار ومن أعجب ما قرأته في ذلك حكاية الموصلي والنص الذي إستعصى عليه وقد أجاده وأثرى من بعده ،وكان ذلك الزمان زمان التحالف ما بين الدين والدنيا حتى غلبنا زمان أصبح فيه العرب والمسلمون لا يملكون زمام الدين ولا الدنيا يقول صاحب الرواية:
دخلت يوماً على المأمون في زمن الورد، فقال لي: يا إسحاق! هل قلت شيئاً في الورد؟ قلت: أقول بسعادة أمير المؤمنين،وفكرت ساعة فلم تسمح قريحتي في ذلك الوقت بشيء، فخرجت من عنده وبقيت ليلتي ساهراً متفكراً، فلم يفتح علي بشيء، فلما أصبحت غدوت إلى دار الخلافة، وإذا غلام الفضل بن مروان على باب المأمون، ومعه سبع وردات على صينية فضة، ينتظر الإذن في الدخول بها عليه، فسألته المهلة بها قليلاً، فامتنع، سألته ثانياً، وقلت: أمهل قليلاً، ولك بكل وردة دينار،.فأجابني إلى ذلك فدفعت له سبعة دنانير، وأحببت أن لا يصل إليه الورد قبل وصول الشعر، وخرجت أقصد الأزقة لعلي أسمع شيئاً من أحد أو ينبعث خاطري ولو ببيت واحد، فبينما أنا كذلك وإذا أنا برجل يغربل التراب وهو ينشد ويقول:
إشرب على ورد الخدود فإنه
أزهى وأبهى، فالصبوح يطيب
ما الورد أحسن من تورد وجنة
جمراء جاد بها عليك حبيب
صبغ المدام بياضها فكأنه
ذهبٌ بقالب فضة مضروب
فلما سمعته نزلت عن دابتي، ودخلت مسجداً بالقرب منه وطلبته، فلما أقبل سألته أن يمليها علي فاعتل، وقال: إن أردت فاعطني بكل بيت عشرة دنانير، فدفعتها له واستمليتها منه ثم عدت أنا وغلام الفضل بن مروان، وإذا بالمأمون وكان مسترخياً من وعثاء تعهد وحوائج الناس من وراء الستارة، فلما جسيت العود قال لجواريه: اسكتن، فقد جاء إسحاق، فقدمت ذلك الورد بين يديه وأنشدت الأبيات فسمعت الشهيق والزفير من وراء الستارة ثم أخرج إلي بدرةٌ فيها عشرة آلاف درهم، فأعدت الأبيات، فأخرج إلي بدرة أخرى، فأعدت الثالثة فأخرج إلي بدرة ثالثة، فأخذت في غير الشعر، فخرج إلي خادم وقال: يقول لك أمير المؤمنين لو دمت على إنشادك لدمنا على البدرة ولو إلى الليل.
ترويج طريف لرأس الديك
كان الناس في أسواق السودان حتى إلى زمان قريب لا يشترون الفراخ المذبوحة من الحوانيت وكانوا يقولون إننا لا نشتريها لأننا لا نعلم هل بيعت ميتتة أم مذبوحة وهذا عصركثر فيه الدجالون ومكتسبو المال الحرام، ولذا فقد كانوا يشترون الدجاج حياً ويذبحونه بأيديهم ويتنظرون عافيته فإن سلم أكلوه لحماً ومرقاً.
وكان بسوق الدجاج والحمام في بلادنا مقار شهيرة في كل المدن السودانية وكان من بين تجارهم ظرفاء وأصحاب فكاهة ومن الحكايات الشهيرة بسوق الدجاج بأمدرمان أن أحدهم كان من الحفظة ومن مطالعي كتاب الأغاني للأصفهاني ومثل هؤلاء في بلادنا كثير، وكان هذا الظريف قد إستقل ثمن ديك من أحد الطالبين يقول له: هذا جسدها فبكم تشتري الرأس ويحكي على خاصته حكاية سهل بن هارون وقد قيل أنه دعى جماعة من أصحابه إلى مائدته وكان قد هيأ لهم دجاجاً مطبوخاً وعندما أخذوا في الأكل ، غمس يديه في إناء كأنه يلتمس شيئاً فلم يجده، فنادى على طباخه وسأله: أين رأس الديك ؟ فقال الطباخ: رميته فقال سهل مغاضباً:
والله إني لا أرضى برمي ساقه ورجليه فكيف برمي رأسه؟ والرأس الرئيس وفيه الحواس الأربع ومنه يصيح ولولا صوته ما فُضِل وفيه عيناه اللتان يضرب بهما المثل فيقال: شراب كعين الديك، ودماغه عجب لوجع الكليتين ، ولم يرعظم قط أهش من عظم رأسه ، فإن كان قد بلغ من نُبلك أنك لا تأكله فقل لي أين هو؟ فأكد الطباخ ثانية أنه لا يدرى أين هو ، وهنا رد عليه سهل:
ولكني والله أدري أين هو .. لقد رميته في بطنك فالله حسبك!
عند المنشدين والفنانين حضور
كان مكتب ألوان في بداية عهدها مجاورلمكتب مجموعة من الأصدقاء في عمارة جوزيف نخلة منهم الأخ (بابكروداعة) بالقرب من ولاية الخرطوم وكان يتردد عليهم الأخ الفنان الراحل عبدالعزيز المبارك وكان في شرخ شبابه ونجوميته و حيويته، وأجريت معه حواراً لألوان للصفحة الفنية وكان في بداية العمل الصحفي نحرر في كل الصفحات والأبواب السياسية والإقتصادية والإجتماعة والرياضة والفنون ،وأذكر أنني قلت له أثناء الأنس لقد استمعت لك في مناجاة صوفية بالإذاعة وأشهد أنك أديتها بطريقة فيها الكثيرمن التمكن والأداء (المبارك) وإني لأقترح عليك نصاً آخر فأمسك بالقلم وأمليت عليه قصيدة الشيخ عبدالغني النابلسي وهي مجاراة لأحد قصائد السهروردي القتيل وهو نص اشتهر بين مداح أهل السودان من قديماً من الذين يجدون الفصحى وقد بدأ عبدالعزيز كما أخبرني لاحقاً أنه قام بتلحينها إنشاداً لكنه لم يسجلها للإذاعه بعد وقرأها علي نصاً بصوت رخيم.
فإن وجد أحباب عبدالعزيز عليه الرحمة في مقتنياته هذا النص فأستحلفهم بالله أن يهدوني له فإني قد أعددت بقسم المنوعات في إذاعة المساء العائد والراجح بإذن الله برنامجاً بمسمى (تسجيلات نادرة) وهو إلتقاط وهدايا من مكتبات أهل الذوق والتوثيق في بلادنا إن وجدت بعد أن إعتدى هؤلاء الأوباش على كل جميل حتى أصبح الشعار المتداول بين أهل الأدب في رثاء الدهر السوداني الموسوم بالسماحة والجمال(عفت الديارفلا كريم يرتجى منه النوال ولا مليح يعشق).
والنص المتداول بين أهل الأماديح والتواشيح:
أحزاننا بلقائكم أفراح
وزماننا قدح وأنتم راح
يا سادة من ذكرهم ترتاح
أبدا تحنّ إليكم الأرواح * ووصالكم ريحانها والرّاح
هذا الوجود جميعه إشراقكم
وجميع من في الكون هم عشاقكم
ما هكذا يا سادتي أخلاقكم
وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم * وإلى لذيذ لقائكم ترتاح
من ذا ترى يدري بكم من يعرف
أنتم حقيقة كلّ شيء يوصف
غلب الهوى أين المعين المسعف
وارحمتا للعاشقين تكلفوا * ستر المحبّة والهوى فضّاح
يا سادتي مني السّلام إليكم
فأنا هو المطروح بين يديكم
ومن الجميع على البعاد لديكم
خفض الجناح لكم وليس عليكم * للصبّ في خفض الجناح جناح
لجمالكم في كلّ قلب ساحة
وزهورنا بنسيمكم فوّاحة
هل للمتيّم من جفاكم راحة
فإلى لقاكم نفسه مرتاحة * وإلى رضاكم طرفه طماح
كدر الحوادث زال عن عين الصّفا
وبدا جمال أحبتي بعد الخفا
فبحقّ ذاك العهد يا أهل الوفا
عودوا بنور الوصل من غسق الجفا * فالهجر ليل والوصال صباح
أسفار وأفكار
لوعلم كريستوفر كولومبوس ما فعله ترامب الآن بأمريكا لدعو من كل قلوبهم اللهم لا تيسر لكريستوفر بأن يبلغ شاطئ الدنيا الجديدة. وقيل أن في الرجل جرأة وفصاحة وأقوال مأثورة منها:
لن تعبر المحيط ما لم تتحلى بالجرأة والشجاعة لكي تترك الشاطئ يغيب عن ناظريك.
نهم العلم والدنيا
كان القدامى من المؤسسين في الفكرالإسلامي يقرؤون ويتدبرون ويؤلفون فأصبح الزراري منهم الآن لا يقرؤون ولا يتدبرون ولا يؤلفون إلا هذه الأكاذيب التي يبثونها في مواقع التواصل الإجتماعي هذا الإختراع الذي ظنناه نعمة فصار نقمة،
وفي أمرالعلم والدنيا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث المأثورة من رواية أنس بن مالك : (مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: مَنْهُومٌ فِي عِلْمٍ لَا يَشْبَعُ، وَمَنْهُومٌ فِي دُنْيَا لَا يَشْبَعُ) .
وقد ذكر أحد الثقات أن أبو عثمان الجاحظ مات والكتاب على صدره ، وكان الجبائي من شيوخ المعتزلة في النزع ( الإحتضار) يملي على إبنه أبي هشام مسائل في علم الكلام، وأعرف في زماننا من مكث نحو خمسة سنين لا ينام إلا قليلاً من الليل صيفاً وشتاء وهو منكب على كتاب صنفه وكانت وسادته التي ينام عليها الكتاب.
أيام وليالي وأعوام وسنوات
الأيام والليالي والعصر والدهر والسنين والأعوام كتب فيها المفكرون والعلماء والشعراء الكثر فتناثرت هذه المفردات في كل صفحة لكتاب وفي كل قصيدة لشاعر وفي كل موعظة لخطيب وحتى الفرنجة توفقوا في تدبرها ومنهم مؤسس أمريكا أبراهام لنكولن حيث قال: الحياة لا تقاس بعدد السنين ولكن السنين تقاس بمدى جدوى الحياة.
وأبلغ منه أبيات المهجري العبقري صاحب العمق والسلاسلة في الشعر إيليا أبي ماضي:
قُل لِلَّذي أَحصى السِنينَ مُفاخِراً
يا صاحِ لَيسَ السِرُّ في السَنَواتِ
لَكِنَّهُ في المَرءِ كَيفَ يَعيشُها
في يَقظَةٍ أَم في عَميقِ سُباتِ
قُم عُدَّ آلَفَ السِنينِ عَلى الحَصى
أَتَعُدُّ شِبهَ فَضيلَةٍ لِحُصاةِ
خَيرٌ مِنَ الفَلَواتِ لا حَدَّ لَها
رَوضٌ أَغَنُّ يُقاسُ بِالخُطُواتِ
كُن زَهرَةً أَو نَغمَةً في زَهرَةٍ
فَالمَجدُ لِلأَزهار وَالنَغَماتِ
تَمشي الشُهورُ عَلى الوُرودِ ضَحوكَةً
وَتَنامُ في الأَشواكِ مُكتَإِباتِ
وَتَموتُ ذي لِلعُقمِ قَبلَ مَماتِها
وَتَعيشُ تِلكَ الدَهرَ في ساعاتِ
تُحصى عَلى أَهلِ الحَياةِ دَقائِقٌ
وَالدَهرُ لا يُحصى عَلى الأَمواتِ
العُمرُ إِلّا بِالمَآثِرِ فارِغٌ
كَالبَيتِ مَهجورا وَكَالموماتِ
جَعَلَ السِنينَ مَجيدَة وَجَميلَةً
ما في مَطاويها مِنَ الحَسَناتِ
الإسراء بين توثيق البوصيري وتحقيق شوقي
حركت المناسبة المباركة للإسراء والمعاراج أشجان المسلمين صوب مراقي الغيب وصدقية المصطفي وكانت دليلاً على الإلتزام بالوحي في عالم الشهود وعالم الغيبة وكان الإسراء والمعراج إختباراً حقيقياً لصدق إسلام وإيمان المؤمن وظلت عبارة أبوبكر الصديق تحوم حول الحمى لا تفارق عقول وقلوب الراشدين( إن قالها فقد صدق).
ولأن في هذه الأيام نعيش هذه الذكرى الثنية التي يتنعم فيها الناس بسورة الإسراء وذكراها نقرأ بعض بركتها وبعدها نتنعم بعبقرية البوصيري في التوثيق وعبقرية شوقي في المجاراة والإستدلال والتحقيق إذ يقول الإمام البوصيري في قصيدة البردة التي يحفظها غالب أذكياء أهل السودان من المادحين والمنشدين
أَمِنْ تَذَكُّرِ جِيرَانٍ بِذِي سَلَمٍ
مَزَجْتَ دَمْعًا جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ
وفي مناسبة الإسراء والمعراج يقول:
سَرَيْتَ مِنْ حَرَمٍ لَيْلاً إِلىَ حَرَمٍ
كَمَا سَرَى البَدْرُ فيِ دَاجٍ مِنَ الظُّلَمِ
وَبِتَّ تَرْقَى إِلىَ أَنْ نِلْتَ مَنْزِلَةً
مِنْ قَابِ قَوْسَيْنِ لَمْ تُدْرَكْ وَلَمْ تُرَمِ
وَقَدَّمَتْكَ جَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ بِهَا
وَالرُّسْلِ تَقْدِيمَ مَخْدُومٍ عَلَى خَدَمِ
وَأَنْتَ تَخْتَرِقُ السَّبْعَ الطِّبَاقَ بِهِمْ
فيِ مَوْكِبٍ كُنْتَ فِيهِ الصَّاحِبَ العَلَمِ
حَتىَّ إِذَا لَمْ تَدَعْ شَأْوًا لِمُسْتَبِقٍ
مِنَ الدُّنُوِّ وَلاَ مَرْقَى لِمُسْتَنِمِ
خَفَضْتَ كُلَّ مَقَامٍ بِالإِضَافَةٍ إِذْ
نُودِيتَ بِالرَّفْعِ مِثْلَ المُفْرَدِ العَلَمِ
كَيْمَا تَفُوزَ بِوَصْلٍ أَيِّ مُسْتَتِرٍ
عَنْ العُيُونِ وَسِرٍّ أَيِّ مُكْتَتَمِ
فَحُزْتَ كُلَّ فَخَارٍ غَيْرَ مُشْتَركٍ
وَجُزْتَ كُلَّ مَقَامٍ غَيْرَ مُزْدَحَمِ
وَجَلَّ مِقْدَارُ مَا وُلِّيتَ مِنْ رُتَبٍ
وَعَزَّ إِدْرَاكُ مَا أُولِيتَ مِنْ نِعَمِ
بُشْرَى لَنَا مَعْشَرَ الإِسْلاَمٍ إِنَّ لَنَا
مِنَ العِنَايِةِ رُكْنًا غَيْرَ مُنْهَدِمِ
لَمَّا دَعَا اللهُ دَاعِينَا لِطَاعَتِهِ
بِأَكْرَمِ الرُّسْلِ كُنَّا أَكْرَمَ الأُمَمِ
أما الذين يفاضلون ما بين الأصالة والمعاصرة فإنهم يعدون مجاراة شوقي لشيخه البوصيري أدنى منها بدرجة واحدة أو تقف معها نداً لند وبعض الشوقيين يقولون بلا قسم مغلظ إن أمير الشعراء قد فاق أمير المادحين وفيها يقول شوقي:
أسْرَى بك اللهُ ليلًا إذ ملائكُهُ
والرُّسْلُ في المسجدِ الأقصى على قَدَمِ
لمَّا خطرتَ به التفُّوا بسيِّدِهم
كالشُّهْبِ بالبدرِ أو كالجُندِ بالعَلَمِ
صلَّى وراءك منهم كلُّ ذي خطرٍ
ومن يفُزْ بحبيبِ اللهِ يأتممِ
جُبْتَ السمواتِ أو ما فوقَهنَّ بهم
على مُنوَّرةٍ دُرِّيةِ اللُّجُمِ
رَكوبة لك من عزٍّ ومن شرفٍ
لا في الجيادِ ولا في الأينُقِ الرُّسُمِ
مَشيئةُ الخالقِ الباري وصَنعتُهُ
وقدرةُ اللهِ فوقَ الشكِّ والتُّهَمِ
حتى بلغتَ سماءً لا يُطارُ لها
على جناحٍ ولا يُسعى على قَدَمِ
وقيل كلُّ نبيٍّ عندَ رُتبتِهِ
ويا محمدُ هذا العرشُ فاستلِمِ
خطَطتَ للدِّين والدنيا علومَهما
يا قارئَ اللوح بل يا لامِسَ القَلَمِ
أحطتَ بينهما بالسرِّ وانكشفَت
لك الخزائنُ من عِلمٍ ومن حِكَمِ
وضاعَفَ القُربُ ما قُلِّدتَ من مِنَنٍ
بلا عِدادٍ وما طُوِّقتَ من نِعَمِ
ومن الموافقات العجيبة والسعيدة أن الكهف تلتقي في هذه الجمعة بالإسراء فلنجعل هذا اليوم ساحة عطرة للدعوات لكل المسلمين هذا العالم المضطرب ولندعو كلنا بأكف ضارعة أن ترتفع رايات التوحيد في كل عواصم العالم وأن يكتب الله النصر المؤزر للسودان وأهله ففي ظني أنه ليس هنالك شعب على وجه هذه الدنيا الفانية من هو أصدق حباً للمصطفي صلى الله عليه وسلم من هذا الشعب الأسمر الصابر شعب السودان.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.