عندما يكون الهم العام في البلاد كله متوحد تجاه أمر واحد مثل ما يحدث حاليا من مشاكل السيول والأمطار التي ضربت اجزاء واسعة من بلادنا الطيبة يصبح حينها الحديث والكتابة عن المواضيع الأخرى مثل التعليق على الجهل الذي أظهره عصام الحضري خلال اللقاء الذي اجراه معه الزميل هيثم كابو ..(فبشتن) وشخصن خلاله عصام الحضري كل قضاياه وتوعد منتقديه بالحساب العسير (يوم القيامة)..!! أو الحديث عن اقالة الكوكي مدرب المريخ بعد فشله في تحقيق لقب بطولة الظفرة الرمضانية الودية والإبقاء عليه سابقا عندما فشل في الظهور بمستوى لائق في دوري ابطال افريقيا فخرج المريخ من مراحله الأولى مثله مثل فريق ولد رفاي الموريتاني (فريق من الخيال)وكل الأندية المغمورة .. !! وما علم اهل المريخ ان الخروج من الأندية الأبطال وغيرها من بطولات ليس السبب فيها مدرب الفريق .. بل علة في الحصول على روح الفريق .. المهم لا حديث ينبغي ان يعلو فوق الحديث عن الهم العام للبلاد .. مشكلة السيول والأمطار وسوف استغل هذه المساحة لكي احدثكم عن كيف ان للمصائب محاسن كثيرة .. انظروا كيف جمعتنا مشكلة الامطار الأخيرة على قلب رجل واحد .. وكيف غدونا نستشعر آلام الغير ونتعامل وكأنها آلامنا .. انظروا كيف تداعى كل الجسد للسهر والحمى حينما اشتكى منا عضو عزيز .. فصرنا كالبنيان يشد بعضه بعضا ..حربا على المصائب والنكبات..!!
من المحاسن والنعم الأخرى العظيمة جدا والتي اظهرتها مشاكل السيول الشعور والإحساس بالمسئولية تجاه الغير ..وهو امر قد اصبح سمة من سمات شباب هذه البلاد .. صارت مساعدة الغير والسهر .. والسفر والتطوع والنفير (متعة) لا تقاوم لدى شباب بلادي واستدل هنا بالعمل الكبير الذي قدمه شباب منظمة (صدقات) و جماعة جسر ونفير وغيرهم لمساعدة المنكوبين في شرق النيل وأمدرمان .. ما شاء الله لا عدمتكم هذه البلاد يا شباب ..!!
هل تصدق عزيزي القارئ ان غالبية هؤلاء الشباب لم يشاهدوا بيوتهم منذ الأسبوع الأخير من شهر رمضان إلا لماما .. قضوا العيد وهم في خوض مع الخائضين في الوحل والطين حتى تصل المساعدات من ماء وعيش ودواء وكساء للمنكوبين ..بورك فيكم .. بورك فيكم .. ولا خوف عليك يا بلادي فقد كشفت نكبة السيول الأخيرة عن معدن الشباب السوداني الذي نصر المتضررين قبل ان ينصرهم الشيوخ .. فاطمأن يا قلب على مستقبل وطن زخيرته هؤلاء الشباب المسئول ..المتحضر .. الفاهم .. الواعي .. الراسي .. الوسيم ..بختك يا بلد ..!!
شاهدت عددا من الشباب من متطوعي منظمة صدقات ونفير ثاني ايام العيد .. يتبسمون رغم الوعثاء والرهق الذي ضرب وجوههم يستعدون للذهاب لمنطقة الفتح (بعد عودتهم) من مرابيع الشريف بشرق النيل .. فقلت ولله لربما كان هؤلاء ملائكة رحمة ارسلهم الله من السماء يعلموننا معنى التكافل والتراحم والنفير ..!! وتذكرت قول شاعر عربي انشد يوما ما قائلا :
(فإن تكن الأيام فينا تبدلت *** ببؤسى ونعمى والحوادث تفعل
فما لينت منا قناة صليبة *** ولا ذللتنا للتي ليس تجمل
ولكن رحلناها نفوسا كريمة *** تحمل ما لا يستطاع فتحمل ).
رسالة أخيرة ارغب في ان أوجهها لكل من اصابه الضرر بفعل السيول والأمطار الأخيرة .. لا تحزن فإن الله يجيب المضطر (المشرك) .. فكيف لا يجيبك أنت ... (إذا دعوته) .. عليك اللجوء لله والتضرع لوجهه الكريم حتى تنكشف هذه الغمة .. فليس لها من دون الله كاشفة ..!! ورب ضارة نافعة .. وانظر لقول الشاعر :
(قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت *** ويبتلي الله بعض القوم بالنعم . )