السودان بعد زيارة مصر: لن نحارب إثيوبيا    التعايشي: ملتزمون بحسن الجوار والحفاظ على الأمن الإقليمي    تجمع أساتذة جامعة البدري: وزيرة التعليم العالي لم تلب مطالبنا    مساع لانشاء بنك خاص لمشروع الجزيرة    حي العرب بورتسودان يفوز لأول مرة في الدوري .. ركلة جزاء تحبط حي الوادي نيالا أمام الأهلي مروي    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    هل فشلت النخب في امتحان الاقتصاد؟! .. بقلم: د. عبدالله سيد احمد    شباب الكباري .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    البنك المركزي يحجز حسابات إيلا وأبنائه    عشاق الأضداد .. بقلم: كمال الهِدي    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    كانت الخرطوم جميلة .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان    (سلطان الكيف) !! .. بقلم: عبد الله الشيخ    الاستئناف تشطب طلب هيئات الدفاع عن المتهمين في قضية انقلاب الانقاذ    الهلال يحقق فوزه الأول في الدوري على حساب الأمل .. هلال الساحل يفوز على المريخ الفاشر .. الخرطوم الوطني يستعيد الصدارة.. وفوز أول للوافد الجديد توتي    الإمارات والاتفاقية الإبراهيمية هل هي "عدوان ثلاثى "تطبيع بلا سند شعبى؟ (3/4) .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    تعليم الإنقاذ: طاعة القائد وليس طاعة الرسول .. بقلم: جعفر خضر    ما اشبه اليوم بالأمس د.القراى و لوحة مايكل أنجلو و طه حسين و نظرية الشك الديكارتى .. بقلم: عبير المجمر (سويكت )    فيما يعول عليه ! .. بقلم: حسين عبدالجليل    يا أسفي علي القراي ... فقد أضره عقله وكثرة حواراته .. بقلم: د.فراج الشيخ الفزاري    مصرع 11شخصاً في حادث مروري بطريق كوستي الراوات    تفكيك شبكة إجرامية يتزعمها أحد أكبر التجار بمنطقة الصالحة بامدرمان    التعليم الحديث والقطيعة المعرفية مع الموروث الشعبي: الكرونة والأدوية البلدية نموذجاً .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    التعدد .. بقلم: د. طيفور البيلي    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ملف ذكرى 18 يناير
نشر في حريات يوم 17 - 01 - 2011


منشور : هذا .. أو الطوفان !!
(واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة .. واعلموا أن الله شديد العقاب)……
صدق الله العظيم …..
غايتان شريفتان وقفنا ، نحن الجمهوريين ، حياتنا ، حرصا عليهما ، وصونا لهما ، وهما الإسلام والسودان .. فقدمنا الإسلام في المستوى العلمي الذي يظفر بحل مشكلات الحياة المعاصرة ، وسعينا لنرعى ما حفظ الله تعالى على هذا الشعب ، من كرايم الأخلاق ، وأصايل الطباع ، ما يجعله وعاء صالحا يحمل الإسلام إلي كافة البشرية المعاصرة ، التي لا مفازة لها ، ولا عزة ، إلا في هذا الدين العظيم ..
وجاءت قوانين سبتمبر 1983 ، فشوهت الإسلام في نظر الأذكياء من شعبنا ، وفي نظر العالم ، وأساءت إلى سمعة البلاد .. فهذه القوانين مخالفة للشريعة ، ومخالفة للدين ، ومن ذلك أنها أباحت قطع يد السارق من المال العام ، مع أنه في الشريعة ، يعزر ولا يحد لقيام شبهة مشاركته في هذا المال .. بل إن هذه القوانين الجائرة أضافت إلى الحد عقوبة السجن ، وعقوبة الغرامة ، مما يخالف حكمة هذه الشريعة ونصوصها .. هذه القوانين قد أذلت هذا الشعب ، وأهانته ، فلم يجد على يديها سوى السيف ، والسوط ، وهو شعب حقيق بكل صور الإكرام ، والإعزاز .. ثم إن تشاريع الحدود والقصاص لا تقوم إلا على أرضية من التربية الفردية ومن العدالة الاجتماعية ، وهي أرضية غير محققة اليوم ..
إن هذه القوانين قد هددت وحدة البلاد ، وقسمت هذا الشعب في الشمال والجنوب و ذلك بما أثارته من حساسية دينية كانت من العوامل الأساسية التي أدت إلى تفاقم مشكلة الجنوب .. إن من خطل الرأي أن يزعم أحد أن المسيحي لا يضار بتطبيق الشريعة .. ذلك بأن المسلم في هذه الشريعة وصي على غير المسلم ، بموجب آية السيف ، وآية الجزية .. فحقوقهما غير متساوية .. أما المواطن ، اليوم ، فلا يكفي أن تكون له حرية العبادة وحدها ، وإنما من حقه أن يتمتع بسائر حقوق المواطنة ، وعلي قدم المساواة ، مع كافة المواطنين الآخرين .. إن للمواطنين في الجنوب حقا في بلادهم لا تكفله لهم الشريعة ، وإنما يكفله لهم الإسلام في مستوى أصول القرآن ( السنة ) .. لذلك فنحن نطالب بالآتي :-
1- نطالب بإلغاء قوانين سبتمبر 1983 ، لتشويهها الإسلام ، ولإذلالها الشعب ، ولتهديدها الوحدة الوطنية..
2- نطالب بحقن الدماء في الجنوب ، واللجوء إلى الحل السياسي والسلمي ، بدل الحل العسكري. ذلك واجب وطني يتوجب على السلطة ، كما يتوجب على الجنوبيين من حاملي السلاح. فلا بد من الاعتراف الشجاع بأن للجنوب مشكلة ، ثم لا بد من السعي الجاد لحلها ..
3- نطالب بإتاحة كل فرص التوعية ، والتربية ، لهذا الشعب ، حتى ينبعث فيه الإسلام في مستوى السنة (أصول القرآن) فإن الوقت هو وقت السنة ، لا الشريعة (فروع القرآن) .. قال النبي الكريم صلي الله عليه وسلم : (بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود غريبا ، كما بدأ ، فطوبى للغرباء ‍‍ قالوا: من الغرباء يا رسول الله ؟؟ قال: الذين يحيون سنتي بعد اندثارها).
بهذا المستوى من البعث الإسلامى تتحقق لهذا الشعب عزته ، وكرامته ، ثم إن في هذا البعث يكمن الحل الحضاري لمشكلة الجنوب ، ولمشكلة الشمال ، معا‍ ‍‍... أما الهوس الديني ، والتفكير الديني المتخلف ، فهما لا يورثان هذا الشعب إلا الفتنة الدينية ، والحرب الأهلية .. هذه نصيحتنا خالصة ، مبرأة ، نسديها ، في عيد الميلاد ، وعيد الاستقلال ، ونرجو أن يوطئ لها الله تعالي أكناف القبول ، وأن يجنب البلاد الفتنة ، ويحفظ استقلالها ووحدتها وأمنها .. وعلي الله قصد السبيل.
أم درمان
25 ديسمبر 1984م
2 ربيع الثاني 1405ه
الأخوان الجمهوريون
كلمة الأستاذ محمود محمود طه أمام محكمة المهلاوى في السابع من يناير 1985
((أنا أعلنت رأيي مرارا ، في قوانين سبتمبر 1983م ، من أنها مخالفة للشريعة وللإسلام .. أكثر من ذلك ، فإنها شوهت الشريعة ، وشوهت الإسلام ، ونفرت عنه .. يضاف إلي ذلك أنها وضعت ، واستغلت ، لإرهاب الشعب ، وسوقه إلي الاستكانة ، عن طريق إذلاله .. ثم إنها هددت وحدة البلاد .. هذا من حيث التنظير ..
و أما من حيث التطبيق ، فإن القضاة الذين يتولون المحاكمة تحتها ، غير مؤهلين فنيا ، وضعفوا أخلاقيا ، عن أن يمتنعوا عن أن يضعوا أنفسهم تحت سيطرة السلطة التنفيذية ، تستعملهم لإضاعة الحقوق وإذلال الشعب ، وتشويه الإسلام ، وإهانة الفكر والمفكرين ، وإذلال المعارضين السياسيين .. ومن أجل ذلك ، فإني غير مستعد للتعاون ، مع أي محكمة تنكرت لحرمة القضاء المستقل ، ورضيت أن تكون أداة من أدوات إذلال الشعب وإهانة الفكر الحر ، والتنكيل بالمعارضين السياسيين
آخر حديث صحفي للأستاذ محمود محمد طه قبيل إغتياله مع مجلة الجامعة .
محمود: كنا أمام خيارين مايو أو الطائفية والهوس الديني .. فارتضينا أخف الضررين
أجرى الحوار: عمر السيد ، هاشم بلول ، عمر إبراهيم – 4 يناير 1985
ي الرابع من يناير 1985م وعلى موعد مسبق ، كانت أسرة تحرير المجلة في الثورة الحارة الأولي ، الساعة تقترب من العاشرة وعشر دقائق ، فتح مصراع الباب قبل قرعه ، إنتحينا يمينا ، وفي حجرة صغيرة بها سريران و تختنق بالكتب و المجلات ، جلسنا .. وعلي شفاه ضيفنا إبتسامة هادئة .. إرتشفنا كوب الحلومر ، و تناولنا حبات من التمر ، وبعدها حملنا أدواتنا و دلفنا جميعا إلي الصالون بمساحته الرحبة حيث جلس أكثر من أربعين من الأتباع نساء و رجال .. كانت الحجرة تعج بمريديه و أصحابه حيث صادف اليوم الجمعة و إحتفالهم بالإستقلال المجيد.
جلس ضيفنا الأستاذ محمود محمد طه وعليه الثوب الأبيض وعلي رأسه قلنسوة بيضاء .. و كان ذلك بعد خروجه من المعتقل و الذي بقي فيه أكثر من 10 أشهر حيث أفرج عليه في أواخر شهر ديسمبر 1984م ، الأسئلة التي نحملها له في أذهاننا ، جاءت معبره عن طرحنا لحرية الفكر الذي يحمله الأستاذ محمود محمد طه حيث عاصر المراحل الوطنية التي مر بها السودان و الحكومات المتعاقبة. سألناه عن مفهوم الإستقلال و وجوده الحقيقي ووقفنا معه في موقفه من نظام مايو و طبيعة الحكم و علاقة النظام الخارجية بالمؤسسات المالية الدولية ، إستطلعناه عن سياسة الدولة و النهج الذي تسير عليه. إستمر لقاؤنا حوالي الساعة و الثلث حيث ودعناه منصرفين.
و بعد يوم واحد من هذا اللقاء تم القبض علي الأستاذ/ محمود محمد طه لينفذ حكم الإعدام عليه بعد اسبوعين أي في يوم الجمعة 18 يناير 1985 ليكون هذا اللقاء هو آخر الكلمات التي أدلى بها الأستاذ محمود محمد طه و نقدمها اليوم كجزء من واجبنا الذي نؤديه إنطلاقا من مبادئنا الراسخة في حرية منابرنا.
س : الأستاذ محمود من الذين عاصروا فترة النضال الوطني و استقلال البلاد. فأين نقف نحن اليوم من تحقيق مفهوم الإستقلال الحقيقي ؟.
ج : بسم الله الرحمن الرحيم .. يسرني في هذا اليوم أن ألتقي بأبنائي من طلبة جامعة الخرطوم، أعضاء هيئة تحرير مجلة الجامعة.
و سأواجه أسئلتهم بالقدر الكافي من التفصيل.
أما بخصوص السؤال فنحن اليوم في أبعد موقع عن تحقيق الإستقلال في جميع عصورنا.
و الناس لو كانوا يتعمقوا في الأمور بيلاحظو مافي استقلال حقيقي و ما بتحقق إلا إذا كان قائم علي مذهبية و فكر. و حركتنا الوطنية تهمل المذهبية و تهتم بالإغلبية الميكانيكية و لذلك من البداية ما حققنا الإستقلال ، وقد نجلوا الإستعمار اليوم أو غدا ولا نكون أحرارا أو مستقلين، و إنما متخبطين في فوضى لا قرار لها و الفوضى التي نشاهدها اليوم علي عهد مايو في أخريات أيامه. و نحن إن نلاحظ أن عهد مايو عندما قام في 1969م جاء في ساعة حرج ، في ساعة الصفر ممكن تقول والبلاد كانت ستتورط علي يد الطائفية في ما يسمى ظلما وجورا و بهتانا بالدستور الإسلامي ، و أنقذت مايو البلد من الهوس الديني و الطائفية من تقنينها لوجودها و للشريعة الإسلامية و الدستور الإسلامي ولا هي دستور إسلامي و لا تشريع إسلامي و الدستور الإسلامي بصورة خاصة تزييف للإسلام.
وسلطة مايو في أول عهدها أوقفت هذا العمل ، و لكن في آخر أيامها تورطت فيه هي بنفسها بسنها قوانين سبتمبر 1983م تحن كنا مؤيدين لمايو بنصحها لأنو نحن بنعرف إنو ما عندها بديل غير الهوس الديني و الطائفية و نحن كنا مناهضين للطائفية و الهوس الديني.
و معروف إنو الطائفية حاربتنا سياسيا بقيام محكمة الردة لكن واجهناها بالصورة الكافية ، قبل أن تنجح في مؤامراتها جاءت مايو و كانت مايو ثورة علمانية و لن تستطيع أن تكون ثورة دينية و لكن علي علمانيتها و دستورها العلماني في الوقت الحاضر كانت أحسن مرحلة من مراحل الحكم الوطني و لكن تورطت في الهوس الديني و انحرفت و أتت بقوانين سبتمبر 1983م لا هي إسلامية و لا هي شرعية و لا علمانية و كانت الفوضى و اختلطت الأمور و انحدرت البلد وهنا برزنا نحن لمناهضتها و خاصة معارضة قوانين سبتمبر 83.
س: قلت أن الإستقلال يبني على مذهبية وفكر ؟ أو بمعني آخر تأييدكم لهذا النظام علي أي أسس كان؟
ج : نحن ما عندنا فرص لنجد المستوى اللي نحن عايزنو للدعوة للفكرة و كان علينا إختيار أخف الضررين: الطائفية أو مايو.
س: قلن نحن اليوم أبعد ما نكون عن الإستقلال. هل في العودة للتجربة البرلمانية معالجة لما يمر به السودان من أزمات ؟
ج : هو في الحقيقة ما في تجربة برلمانية ولم نمر بها في أي وقت و لن نمر بها إلا إذا تقوض نظام مايو الحالي علي سوءه فالأحزاب الطائفية كانت تضم المثقفين و كانوا علي قيادة الأحزاب وبيجروا وراء قيادات الأحزاب لأنو السند الشعبي و النواب كانوا بيرشحوا من زعيم الطائفة فأم كدادة مثلا يودوا ليها سياسي من هنا ما معروف ولاؤه للزعيم الطائفي و القيادة الطائفية يتحرك بإشارة و بالأغلبية الميكانيكية بيحملوا القرارت و هذا ما حصل في تجربتنا حتى تم تعديل الدستور و حل الحزب الشيوعي و إخراج نوابه من البرلمان و هم من خيرة النواب و المثقفين و أخرجوهم الناس اللي ما عندهم وزن ولا قيمة إلا بإشارة زعيم الطائفية للتخلص من الشيوعيين و نحن قدمنا لمحكمة الردة لمعارضتنا حل الحزب الشيوعي.
و هذا ما يحدث من داخل البرلمان حيث عدلت المادة 215 من الدستور والتي كانت تعطي المواطن حق التنظيم و حرية الرأي فأصبح ذلك محرما ، فلا يمكن أن تكون تلك هي حياة برلمانية بل خديعة موجودة و سقوط مايو بعدم وجود بديل يجعلنا في وضع أسوأ مما فيه نحن الآن.
س: لو الأستاذ محمود خير بين النظام الرئاسي و البرلماني فأيهما يفضل ؟
ج : أفضل الرئاسي لأنو حسم الأمور بسرعة بالرغم من أنه أقل ديمقراطية ، لكن دا موش الموضوع ، إنما الموضوع ما هو الفكر تحت النظام البرلماني أو الرئاسي ، فكم أنخدعنا بالشكول و الإنتخابات و الوزراء و هكذا ، و الأسوأ هو التضليل بإسم الديمقراطية مثل ما حدث في حل الحزب الشيوعي و طرد النواب.
المشكلة هي هل الشعب واع ليستحق الديمقراطية وهل القادة القلة اللي بيروا قيادة شعبهم عندهم من النزاهة والعلم وحب الخير لشعبهم حتى تتمكن من إقامة نظام برلماني.
س: في الفترة الأخيرة تم إطلاق سراحكم و السيد الصادق المهدى في آن واحد هل يتمشى ذلك مع لعبة الموازنات السياسية التي ينتهجها النظام في تثبيت أركانه ، علما بأن الأخوان قد فقدوا أداة ضغطهم على السلطة عن طريق الإتحادات الطلابية و اهتز موقفهم بممارسات البنوك الإسلامية ؟.
ج : ما أفتكر ان النظام ينطلق من تفكير حتى ولو تفكير معوج بل من تخبط ، فاعتقلنا بغير سبب و اخرجنا بغير سبب ما أفتكر النظام دا بمتلك التخطيط والتفكير في انو بلعب بالناس ضد بعض كموازنات سياسية ، يفرق بين الناس ليحكم و يرسخ مواضيعه كلها سايرة في تخبط منذ تشريعات سنة 1983م في المشاريع الاقتصاد السياسية و الادارة و من ضمن التخبط اعتقلنا ومن ضمنه افرج عنا.
س : قبل فترة سمعنا بإمكانية إخراجكم من المعتقل وكان في رفض بالخروج. ما هو السبب؟
ج : في أوائل مارس 1984م عرض علي الإفراج و قلت ليهم الأمر ليس بهذه البساطة و أنا اللى أدخلت أولادي في السجن و أنا اللي برسلهم لقيادة الأركان ، والمنطق يقول انو تخرجوهم و تتركوني أنا و مكثت حوالي عشرة شهور وجاء الإفراج الشامل دون قيد أو شرط.
س: الشي اللي بتقال من الرأي العام انو كان في طلب منكم بتقديكم للمحاكمة أو عدم الخروج من المعتقل ؟
ج : في الحقيقة نحن رفعنا قضية جنائية ضد عمر محمد الطيب لأنو اعتقلنا بدون سبب و الكتاب اللي صدر كتاب أمني و عمر دفاعا عن نفسه إعتقلنا لأغراض شخصية ، و لا زالت القضية موجودة لكن ما استمرت. و قدمنا ثلاث قضايا دستورية أخيرا وشطبت لعدم وجود ضرر للناس اللي رفعوها.
وما في سبب تاني لرفض الخروج من المعتقل.
س : هل يتفق معنا الأستاذ بأن سلطة مايو إتسمت بفردية القرار ! وهل للتخبط السياسي الذي يحدث في الساحة علاقة بذلك ؟
ج : لا دا مش السبب ، السبب الأساسي هو قوانين سبتمبر 1983م لا هي قوانين شرعية ولا دينية ولا علمانية ، والتخبط جاء من هنا. إنقلاب مايو العسكري قراراته تكاد تكون سلبية من بدايته لكن كان بيعاون من السياسيين و بيقولوا رأيهم و بيأخذ رأي معتدل وما كان دور نميري بارز لأنو ما كان مستبد لغاية ما جاءت حكاية الإمامة شرع الله والهوس الديني فلخموه كدى شوية ، والناس ما كان بيفهموا وما بنصحوه وحدثت بينهم مناقشة ومشادة ومسابقة .. وما بفتكر لما جاء الإنقلاب العسكري كان غير كده لأنو أساسا جاء بشكل فردي و بتحدث الصرعات والواحد بتخلص من زملائه و ينفرد هو بالعمل.
فالوضع الطائفي كان من السوء بحيث أنو يبرر ديكتاتورية النظام و يبرر الإنقلاب العسكري.
و لا يوجد شعب محترم يحكم بالجيش في العالم لكن الضرورات بتملي حاجة زي دي. و انحرفت مايو أخيرا لمن وقفت تحت تضليل الهوس الديني بعد تشريعات سنة 1983م.
س : بتقصد أنو التخبط مرتبط بفردية القرار لكن ما هو السبب الأساسي ؟
ج : فردية القرار ما ظهرت بصورة كبيرة إلا بعد الهوس الديني.
س : يرتبط النظام بالعقد الاجتماعي بينه وبين القاعدة ما هو رأيك في البيعة كشكل من أشكال العقود الاجتماعية التي حاولت السلطة الحاكمة إيجادها ؟
ج : البيعة التي تمت ما عندها أي أسس تسندها من الدين و لأنو الشعب دوخ بالحكم الفردي و بالإرهاب المشهر عليه مشوا في طريق البيعة ما بإعتبار إنو مقتنعين ، وما في في الإسلام بيعة بالطريقة دي ، فالبيعة بتكون لأتقي الناس و أعلم الناس.
و كانت في العهد الأول، عهد الخلفاء الراشدين الأربعة ثم عهد معاوية و كان بيرهب الناس وبيقودهم في الطريق اللي عايزو ، وبعد الخلفاء ما في بيعة إسلامية ممكن تكون ملزمة لإنسان ، وما بيدخلها إنسان هو عاقل ولا بيطلبها إنسان هو على جانب الحق من الدين و المسألة اللي حصلت كلها ما عندها سند.
س : النظام لم يشهر سلاح البيعة و ما فيش معيار محدد للتقى والتفضيل يملكه الناس فماذا حددت عدم وجود سند لتلك البيعة من الدين ؟
ج : الإسلام غائب عن صدور الناس ، والبيعة دي قامت وما كان في حوجة لشهر السلاح أو حمل السيف لأن الناس جهلة ويكفي الإدعاء بإسم الدين ، وشعبنا حمل على البيعة والتضليل يعني عن الإرهاب.
س : رأس مال الأسرة السعودي المالكه و البنوك الإسلامية ما أثرهما على الوضع السياسي الراهن وما صاحبته من أزمان ؟
ج : أكثر شيء يتمثل فيه رأس المال السعودي هو بنك فيصل الإسلامي ، و بنك فيصل ما هو إسلامي ، ما في إقتصاد إسلامي بالمناسبة دي ، الإقتصاد أما ربوي يعني رأسمالي ، أو إشتراكي متخلص من الربا فالربا و الراسمالية ماشات مع بعض. وحتى الإسلام لما ركز علي تهويل أمر الربا “الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس. فالإقتصاد الإسلامي إقتصاد أشتراكي فعلى الناس التخلص من الربا بالإشتراكية ، فالبنك دا قايم على تحويل للسير في ركاب النظم الحديثة للبنوك و يأخذ الربا بأسماء أخرى ، و مشاكله أن الحكومة قالت : تسبب في المجاعة ، ونحن قبل ثلاث سنوات قلنا إنو بتحايل وما هو إسلامي و يأخذ الربا وده أخطر لأنو بيأخذ الربا بإسم الدين.
و ربا البنوك الغربية أفضل لأنو واضح.
س: إلى أي شيء يعزى التخبط في أسعار السلع كشكل من أشكال التخبط الإقتصادي و القرارات الإقتصادية الأخيرة والتغير المستمر في الوزراء والتراجع المستمر في القرارات ؟
ج : زي ما دار الكلام قبيل إنو البلد محتاج ، غلاء الأسعار اللي إنتو شايفنو السبب فيه التضخم. ففيه مستوى عالمي أثر علينا نحن. نحن بنستهلك ما بننتج ، جنيهنا نازل ، الدولار يساوي أكثر من 3 جنيهات في الوقت الحاضر. القيمة النقدية ماشة نازلة لخلل في الميزان التجاري.
نحن ما بننتج دا اساسها الداخلي انت تكون محتاج بطبيعة الحال بتتأثر بالنصيحة اللي بتجيك من الناس اللي بعاونوك وما في حد بيفكر انو البلد متأثر بنصائح الناس اللي يمدوه بالقروض واللي بيصبروا على تسديدها و يمدوا لينا يد العون و لكن ده مش السبب في إنو بعض الوزراء بيطردوا وبعد شوية بيرجعوا ، جائز يكون في نصائح من البيوت التجارية في اولئك الناس من الموظفين وغيره يكون في مناصب معينة ، والنصيحة بيأخذ بيها أما المسائل الأخلاقية و سحب الأوسمة ، والطرد ، و الإعادة اجزاء من التخبط اللي نحن بنقوله ، فمثلا إلغاء رسوم الإنتاج ، ظن انو الزكاة بتكفينا وأمين صندوق الزكاة السابق قال : عائدنا من الزكاة 600 مليون جنيه في الوقت اللي ما فيش حاجة بالمرة و الشعب جائع و محتاج و المسألة ترجع كلها للتخبط اللي سببه الهوس الديني المتمثل في قوانين 83 و الإتجاه الجديد نحو الدين بلا دين ولا فهم.
مقال الدكتور منصور خالد عن اغتيال الاستاذ محمود
جريدة السياسة الكويتية
يناير 1985
وقد كان فوت الموت سهلا فرده إليه الحفاظ المر والخلق الوعر
فأثبت في مستنقع الموت رجله وقال لها من تحت أخمصك الحشر
غدا غدوة والحمد نسج ردائه فلم ينصرف إلا وأكفانه الأجر
مضى طاهر الأثواب لم تبق روضة غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
وما كان لمحمود أن يرد عنه غائلة الموت بالجزع، فما جزع من المصائب إلا من اتهم ربه.. وما كان ليدفع عنه البلوى بالانخزال أمام المهووسين، وبدع الدجاجلة، واضطغان الذين ما استطاعوا عبر ما يقارب نصف قرن من الزمان أن يجابهوا الرأي برأي أوثق.. فإن فعل خان ماضيه، وتنكَّر لتعاليمه، وقد عرف الناس الراحل الكريم، على لينِ عريكتِه، رجلاً أصمعيَّ الفؤاد، صلب القناة.. إن الذي يأبى على نفسه من الدنيا الفضول – ولا يطلع غيره على ما لا يعلمه عنه إلا الله، لا ينكسر أمام الموت كما يفعل “إمام” آخر الزمان الذي أكداه السعي وراء الحياة، فراراً في كل معركة، ولواذاً عند كل لقاء، وتهالكاً أمام كل مجابهة، فأين مروءة محمود من مِرائه، وأين حلم محمود من غلوائه، وأين تواضع محمود من خيلائه، وأين جرأة محمود من انخزاله وانزوائه..
إن اغتيال محمود محمد طه، شهيد الفكر، لرزءٌ أكبر من أن توفيه الدموع السواجم. وما اغتال محموداً دهرٌ خئون، وإنما انتاشته سهام صدئة، أطلقها قضاة تالفون، ودعاة عاطبون، وحاكم فاجر، معتل العقل، آن له أن يلجم..
لقد ذهب محمودٌ إلى رحاب سنية، وجنابٍ حانٍ، وهو راضٍ، وكيف لا يرضى بذلك، الرجل الذي يودع فلذة كبده، وعينه لا تدمع، وهو يقول لمن جاء لعزائه “لقد ذهب ابني إلى أبٍ أرحم”!! نعم! ذهب محمود إلى ذاك الأب الأرحم، وبقينا نحن في خُلْف شعورٍ وزمانٍ عقيمٍ عقم الخصي الأوكع الذي قتل أباً شجاعاً فتاكاً – نعم! بقينا نحن في زمان كزمان الصوفي المتبتل أبوبكر الواصلي، زمانٌ ليس فيه آداب الإسلام، ولا أخلاق الجاهلية، ولا أحلام ذوي المروءة، فما أشد أهل السودان اليوم حاجةً، وقد استبدت بهم الدواهي العظام، والكروب العضال إلى ذوي الرأي السديد والعزم الحديد.. أوغبن في الرأي وخورٌ في العزيمة؟! معاذ الله!
لقد كانت دعوة محمود، على اختلاف الرأي حولها، دعوة مفكر حر، ما حمل يوماً عصا، حتى ليتوكأ عليها وهو الشيخ الذي قارب الثمانين، وكانت رسالته لمثقفي السودان، الذين أجدبت فيهم الأفئدة، وظمئت العقول، وأظلمت الألباب، كانت رسالته للمثقفين حتى يملكوا زمام أمرهم، ويوغلوا في دينهم المتين برفق، بدلاً لتركه للسفلة، السقاط، من المتاجرين بالدين والمطمورين بالخرافة، والمبخوسين حظاً بين الناس يوم قسمت العقول..
وفي البدء كانت الكلمة، وقد بدأ محمود كلمته بالدعوة لخلق الجمال “لأن الله جميل يحب الجمال” ولا مكان للحب والجمال في نفوس الحاقدين والحاسدين، ناهيك عن القتلة السفاحين، وقد كتب شهيد الفكر في أول عدد من الصحيفة “الجمهورية” في الخامس عشر من يناير 1954 تحت عنوان “خلق الجمال”:
((نحن نبشر بعالم جديد، وندعو إلى سبيل تحقيقه، ونزعم أنا نعرف ذلك السبيل، معرفةً عملية، أما ذلك العالم الجديد، فهو عالمٌ يسكنه رجالٌ ونساءٌ أحرار، قد برئت صدورهم من الغل والحقد، وسلمت عقولهم من السخف والخرافات، فهم في جميع أقطار هذا الكوكب، متآخون، متحابون، متساعدون، قد وظفوا أنفسهم لخلق الجمال في أنفسهم وفيما حولهم من الأشياء، فأصبحوا بذلك سادة هذا الكوكب، تسمو بهم الحياة فيه سمتاً فوق سمت، حتى تصبح وكأنها الروضة المونقة، تتفتح كل يوم عن جديد من الزهر، وجديد من الثمر))
ففي البدء كانت هذه الكلمة، التي تدعو لعالم لحمته الحرية، وسداه الحب، ولا حرية مع الطغيان والخرافة، ولا حب مع الغل والحقد. وما قال محمود شهيد الفكر بأنه يعرف هذا العهد الجديد، كما يردد الأدعياء القاصرين، الذين يسعون لكتابة الفصل الأخير من تاريخ الإنسان، وإنما قال “نحن نبشر به”، وما قال محمود بأنه سيخلق هذا العالم الجديد الحافل بالزهر والثمر، كما يدعي الذين يتحدثون عن البعث الجديد وهم يذلون البشر بالتبول على رؤوسهم، وإنما قال “نحن ندعو إلى سبيل تحقيقه”، وما قال محمود وهو الأديب الأريب، لا الثأثأ الفأفأ، بأنه سيد العارفين الذي لا تكتنف دعاويه ذرة من شك، وإنما قال “إنا نعرف ذلك السبيل”.
ومن أجل كل هذا أحب الناس محموداً مع اختلافهم عليه.
كان هذا هو البدء، ثم مضى في أخريات أيامه، – عوداً على البدء- يدعو مثقفي السودان للحوار الفكري، الحر الطليق، حول أمور دينهم ودنياهم، بدلاً من تركها للموميات المحنطة، والمنافقين المتكذبين باسم الإسلام. فقد عرف أهل السودان، كما عرفنا الدعاة الأطهار، وقد خلت نفوسهم من الغل، وسلمت أفئدتهم من الحسد، وطهرت ألسنتهم من الإسفاف، وتجافت أرواحهم عرض الدنيا الزائل، لا كشاف أئمة آخر الزمان الذين ما تركوا معصية إلا وولغوا فيها. ومن هذا رسالته (( النهج الإسلامي والدعاة السلفيون)) ديسمبر 1980 والتي جاء فيها:
(( إن على المثقفين ألا يتركوا ساحة الفكر، لعقليات تريد أن تنقل تحجرها إلى الحياة باسم الدين، وتريد أن تصفي باسم تحكيم الإسلام سائر مكتسبات هذا الشعب التقدمية التي حققتها طلائعه المثقفة عبر صراعها الطويل من أجل الحرية والمساواة، ثم على المثقفين أن يتخلصوا من مواقفهم السلبية المعهودة نحو مسألة الدين فيكسروا الاحتكار الذي ضربه الدعاة الدينيون حول الدين.
إن المثقفين، في الحقيقة، لهم أولى بالدين من هؤلاء الدعاة الأدعياء الذين حجَّروا، وجمَّدوا الدين، ذلك بأن المثقفين يمثلون روح العصر، بأكثر مما يمثلها هؤلاء)).
لقد أحسن شهيد الفكر الظن بدعوة نميري للإسلام، وما كانت تلك الدعوة إلا كلمة حق أريد بها باطل، فما أراد النميري الإسلام إلا سوط عذاب، وآلة تعذيب يقهر بها الخصم، ويروع بها المناهض.
وما كان لذي الصبوات في شبابه، والنزوات في كهولته أن يفعل غير هذا، بل ما كان غريباً – والحال هذه- أن يمضي صاحب الدعوة المزعومة للبعث الإسلامي، دافعاً بالسودان إلى بدعٍ لم تعرفها الدولة الإسلامية إلا في عهود الانحطاط التتري والشعوذة الأيوبية، والطغيان المملوكي.. فما عاد الإسلام هو الإسلام، ولا أصبح السودان هو السودان، ودون الناس هذه المخلوقات الديناصورية التي أخرجها النميري من حظائرها.
والتي لا مكان لها في عالم اليوم، إلا في متاحف التاريخ الطبيعي.. كما أحسن شهيد الفكر الظن بمثقفي السودان وهو يستحثهم للدفاع عن حقهم في الحياة، وفي التفكير، وفي الإرادة الحرة الطليقة، فوقفوا – أغلبهم ذاهلين- أمام بدع الجاهلية، وضلالات المهووسين وتقحم المتفيقهين.. وكل ذلك باسم الدين، والدين منهم براء!! ومع كل هذا الهوس والتعصب المذموم، المزعوم، صمت هؤلاء الأدعياء المنافقون على انتهاب بيت المال على يد خازنه، وصمتوا على بيع ديار المسلمين في مزاد مقفول لمشترٍ واحد هو “الخاشقجي”، وصمتوا على تجاوز الحاكم لأحكام السماء في تعامله مع ذوي البأس من غير المسلمين، كما فعل مع المصارف الأجنبية حول الربا، وصمتوا على هرطقة الحاكم وهو يساوي نفسه بالرسول الكريم، عليه أفضل الصلوات، وصمتوا على تجاسر الحاكم وهو يفترض لنفسه عصمة في دستور حاكه بيده، والعصمة لم يعرفها الإسلام إلا لمحمد صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد عصمه بارئه، وصمتوا على خيانة بيضة الإسلام وهو يتقاضى الثمن الربيح على تهجير يهود إثيوبيا لإسرائيل. صمتوا عن كل هذا، فالإسلام في عرفهم هو القطع والجلد والتشهير بالشارعين في الزنا.. وعلم الله أن الزناة الحقيقيين هم زناة الفكر والقلم، “وستكتب شهادتهم ويسألون”..
وعلَّ مثقفي السودان، قد رأوا ما يمكن أن يقود إليه الهوس الديني وشهدوا ما يمكن أن يؤدي إليه صمت الشياطين الخرس عن الحق.. ويا ليت أهلي يعلمون! يا ليتهم يعلمون، أن الطاغية الذي لا يقتصد في محاسبته رجل مسالم هو أول الناس إجفالاً عندما يلوح له بالعصا، فما سلَّ “الإمام” سيفه إلا أمام أعزل، وما طالب الطعن والنزال إلا في ساحة خلاء.. ودون الناس توسله وتضرعه للصنديد جون قرنق في أدغال الجنوب، ودون الناس انكساره أمام الأب فيليب عباس غبُّوش؛ وما انكسر البطل إلا لأن الشيخ الذي أحوجت سمعه الثمانون إلى ترجمان قد قالها ولم يُبال!! “إن مسَّني أحد بضر فسنجعل الدماء تجري أخاديد”.. ودون الناس تهالكه بالأمس أمام الأطباء.. وهو يكذب وفي لسانه لسع الحية.. أوهناك من يصدق بعد كل هذا بأن هذا العاطب معتل العقل يتصرف من وحي دينه؟! فالله يعلم بأن إمام السودان الذي يتكئ اليوم على عصاة مهترئة اهتراء منسأة سليمان، لظالم بلا إرادة، وصارمٌ بلا عزم، وحليم بغير اقتدار، ومحارب بسيف من خشب، كسيف سميِّه “أبي حية النميري”.
وما غدره وطغيانه إلا طغيان ضعيف مرتجف.
إن العصبة الظالمة التي تتحلق حول إمام آخر الزمان “كافورنا هذا” إنما تجهل، كما يتجاهل، بأن شهيد الفكر سيبقى ضميراً مؤرقاً، ومصباحاً مسرجاً، في هذا الديجور الحالك الذي يعيش فيه أهل السودان؛ سيبقى في غرسه البشري الذي أورق، وفي نبته الفكري الذي اكتهل، وسيبقى في نفوس كثير من السودانيين كنموذج للرجل الذي تجافى مزالق السقوط، وما فتئ يحترم في الناس أغلى ما يملكون – عقولهم-.
وسيبقى إسم محمود بعد كل هذا حياً في نفوس الذين لا ينامون على الهوان، بما سيثيرها فيهم من بغض للظلم وإدانة للعدوان واستنكار للهوس، وإنكار للغدر..
لقد اغتال النميري، والعصبة التالفة من خلفه من كل مشعوذ ومنافق ومتاجر بالدين، لقد اغتال كل هؤلاء باسم الإسلام والمسلمين مفكراً حراً، أعزلَ من كل سلاح، إلا القلم، ومع هذا، فما تركوا لهؤلاء المسلمين فرصة الابتهاج بهذا الذبح الثمين، بل هرَّبوا جثمانه خشية ما لا تحمد عقباه.
لقد أخرج النميري العسس والعيون والسلاح والحديد فكذَّب بذلك كل دعاويه ودعاوي من حوله من المنافقين، فما أراد النميري بجرمه الشنيع الفاحش هذا، وما تبعه من مظاهرة بالقوة، إلا إرعاب أهل الشمال، بعد أن تركه أهل الجنوب، يسلِّح على نفسه، حتى ذهب لبيع السودان كله نفطاً وقطناً وتراباً حتى يبتاع بثمنهم سلاحاً، يدفع عنه، لا عن السودان، العوادي – وحربه في الجنوب حربُ بغيٍ، وما بغى المرءُ إلا على نفسه!! ويا ليت حاكم السودان كان يملك الحس من المسئولية الوطنية التي تجعله يقول ما كان يقوله شهيد الحرية: (( “تقول الحكومة راح منا عشرون وقضينا على ستمائة من المتمردين” أما نحن فنقول “لقد راح ستمائة وعشرون مواطناً سودانياً”)).
وعلَّ إمام الباطل يعرف في نهاية الأمر، أنه يتاجر برأسمال غيره، وما تاجر برأسمال غيره إلا المفلس، فالجيش جيش الشعب، والسلاح سلاح الشعب.. ولن يرضى هذا الشعب لنفسه أن يكون وقوداً لحرب جائرة، أشعلها حاكمٌ ظنينُ عقلٍ.. كما لا يرضى لنفسه، أن يكون أداة بطش في يد طاغية لا ظهير له.. فيوم أن تجيء الحاقة فلا غوث لعاطب ولا ملاذ لتالف، ولا يحسبن الظالمون بأن دم أبي الشجاع سيذهب هدراً ليبقى فيها ليسرح خصيٌ أوكع، أو لتمرح إماءٌ لكع.
مقال الحاج وراق عن اغتيال الاستاذ محمود محمد طه
صحيفة الحرية 22/12 / 2001 م
مسارب الضي الحاج وراق
تتحدد الأخلاق في المجتمع التقليدي ليس وفقاً للضميرالفردي الحر، ولا العقل اليقظ، وإنما تتحدد كقالب سلوك نمطي معطي كبداهة غير قابلة للتساؤل (هذا ما وجدنا عليه آباءنا) ! فللزوج نمط سلوك محدد، ونمط للزوجة، وللأبناء، وكذلك أنماط سلوك عند الميلاد، وفي الزيارات، والعزاء، وفي الزواج، والوفاة إلخ
وهي أنماط سلوك مكررة ورتيبة بحيث تتحول الي طقس (طبيعي) مثلها مثل مواسم الطبيعة .. ويراعي المجتمع التقليدي الإلتزام بأنماط السلوك هذه بمحدودية أعداد أفراده وعلاقات القرابة في الدم والمكان الذي تربط بين أفراده بما يفضي الي غياب الخصوصية وبما يوفر من إمكانات الرقابة الجماعية على سلوك أفراده، وبآليات العقوبة والعزل الإجتماعي التي توقع على العناصر المنفلتة أو عصية الضبط …. وهكذا فإن السلوك لا يحدده الإختيار الشخصي فى الخطأ والصواب، ولا تحدده المشاعر والأفضليات الشخصية وإنما مطلوبات ” الرقيب الجماعي” ( أنا من غزية، إن غزت غزيت! ) . ولذلك فإن القيمة التي يلح عليها التقليد ليست الفضيلة في ذاتها وإنما “السترة” …. والمسافة بين الإختيار الشخصي وبين مطلوبات التقليد تسدها “المجاملة” “والمنافقة” -أي تناقض الظاهر مع الباطن!
ولذلك كان الأستاذ محمود محمد طه أصيلاًََ واحداً وإستثنائياً في بحر القيم التقليدية المتلاطم في البلاد. دعا إلي ” التوحيد” ليس كلفظة تردد بلا روح وإنما كتوحيد بين الظاهر والباطن .. ودعا إلي الإنسان الحر – وهو بحسب تعريفه – الذي يقول كما يفكر ويفعل كما يقول ثم لا تكون نتيجة قوله وفعله إلا براً بالأحياء وبالأشياء .
وكان بأسلوب حياته كلها، وبرحيله كذلك، موحداً وحراً . أعطي مثالا ًعز نظيره في تطابق القول والممارسة .
سمعته يقول “سيأتي نموذج الإنسان الذي يهزم تجربة الموت ويمشي الي الله مشياً..” وكان قوله فعله…. مشى في لجج الموت نازعاً حتي غريزة البقاء، وليس أقوى منها غريزة ، مشى هادئاً مطمئناً، بل وباسماً – إبتسامة الرضا برؤية إكتمال المسير خلف غبار الجزئي والمؤقت والعابر والشرير.
مسير تحقق الحرية المطلقة والخير المطلق والجمال المطلق . وهو مسير كان منذ البدء، “حتماً مقضياً”، وعلي عكس ما يفهم الطغاة والأشرار ومروجو القبح فإن أفعالهم ذاتها بعض من ضرورات إكتمال المسير!!! ولذلك كان أيضاً يبتسم ساخراً من جهل الأشرار: يظنون ذواتهم وأفعالهم ومؤسساتهم تدوم الي قيام الساعة ولا يعرفون بأنهم عابرون ككلام عابر! إبتسامة التوحيد والرضا والمعرفة والجسارة كانت أيضاً إيذان ميلاد فجر جديد ، وكما إبتسامة الموناليزا عنوان نهضة أوروبا فإن إبتسامة الأستاذ/ محمود ستظل عنواناً لنهضة إهل السودان.
عنوان إستحقاق العطاء: فلا حرية بلا فداء، والتاريخ لا يرقى في مدارج التقدم إلا علي مهاد التضحيات ، وقتها دفع المهر مع سخاء الإبتسام، وكان المهر العريس نفسه .. هلّل “الرجرجة” في سوق الموت، ولكن لأن الموت كان إعلان حياة جديدة، فإن هتافات الشماتة والهوس كانت بعضاً من إكتمال النشيد، ولم يقو حتى زعيقه الناشز علي إخراس زغاريد التاريخ بالزفاف!
أثمرت الحروب الدينية في أوروبا فكرة التعايش مع الإختلاف، وأفضي إستبداد الحق الإلهي المدّعى وإصطياد الأفكار الجديدة وتفتيش الضمائر الى الأزمنة الحديثة – أزمنة الحرية.
والكنيسة التي حّرقت العلماء وجرّمت الأفكار وصادرت الكتب … كرّت عليها سنان المقاصل لترشد وتتواضع وتستعيد المشروعية.
ودفعت البشرية أثماناً باهظة في الارواح في حروب الاستعمار وحربين عالميتين وما تزال لتكتشف قداسة الحياة الانسانية وضرورة السلام…. وهكذا دوماً نعاني ونبذل فنتعلم، ونصعد …. و18 يناير رغم شرور القتلة أذن بإلحاح لأهمية حرية الإعتقاد والضمير، وبهذا سيظل معلماً لا يزول في مسيرة أهل السودان والمسيرة الإنسانية قاطبة.
ولأن حرية الضمير – بمعني حرية أن تعتقد ما تشاء – هي بداية كل حرية، وانتقاصها هو انتقاص كل حرية ، فإن 18 يناير جدير بالتوقير و الإحتفاء.
وفي سبيل ذلك، وحتي يأخذ 18 يناير قيمته الإنسانية والتربوية فإنني أقترح أن تتضافر جهود جميع منظمات حقوق الإنسان محلياً وإقليمياً ودولياً لتأسيس جائزة دولية سنوية باسم : (جائزة الأستاذ/ محمود محمد طه لحرية الضمير) تمنح سنوياً للاشخاص والموسسات التي تقدم لمبدأ حرية الإعتقاد.
أتمنى وأعشم في تبني المجموعة السودانية لحقوق الإنسان ورئيسها الاستاذ/ غازي سليمان لذلك.
قتل المرتد الجريمة التي حرمها الاسلام : – الحاج وراق
الحلقة الاولى(1)
* حرية الضمير، أي حرية الاعتقاد، مقدمة كل حرية أخرى، ولأننا لم نزل في العالم الإسلامي نغمط هذه الحرية، بفتاوى من فقهاء الظلامية وبدعوى (قتل المرتدين)، فليس غريباً ان الاستبداد الشامل مازال يفشو في عالمنا، وعلى رأسه بالطبع الاستبداد السياسي.
* فهل يتفق الاسلام وماذهب اليه فقهاء الظلامية؟
لقد توفر أحد الباحثين المخضرمين على دراسة هذه القضية، وهو الاستاذ محمد منير أدلبي – من سوريا، ونشر دراسة تحليلية موثقة تثبت بطلان الزعم بمشروعية قتل المرتد في الاسلام، تحت عنوان (قتل المرتد: الجريمة التي حرمها الاسلام) وصدرت عن (دار الاوائل) 2002م.
* ويورد الاستاذ محمد منير اهمية المشكلة قائلاً:
الحق اقول لكم فانتبهوا وتفكروا:
من خلال الاعتقاد بشرعية (قتل المرتد)،
حرض المفسدون من حرضوا،
وقتلوا ظلماً من قتلوا،
وسفكوا اغتيالاً دم من سفكوا،
فعلوا كل هذا،
من غير تردد في العقل،
ولا وجل في القلب،
ولا وخذ في الضمير،
لماذا؟
لانهم يؤمنون انهم ينفذون حكم الله فيمن يعتبرونه هم كافراً مرتدًا حلال الدم.
والحقيقة ان الله ، ورسوله والاسلام براء من هذا الافتراء، ولكن اين من يخطئ هؤلاء في اعتقادهم والكل تعلم ويتعلم منهم الدين والأحكام؟
أين من يعلم اجيالنا، التي تتلمذت على ايدي هؤلاء الناس، حقيقة حكم الاسلام العظيم الذي هو رحمة وامل وسلام على العالمين، ويبين لهم البيان الحق للقرآن المبين، ويفهمهم ان (قتل المرتد) جريمة حرمها الاسلام وشرعها المشايخ في عصورالظلام، وانها افساد في الارض يغضب الله تعالى، وان الذي يُقتل اثناء قيامه بهذه الممارسات لا يموت شهيداً وانما يموت مجرماً قاتلاً لنفسه وللبريئين من عباد الله تعالى).
* ولاثبات قضيته يلجأ الباحث الى القرآن الكريم و الحديث النبوي، والى السيرة، والى مناقشة مايسمى بالاجماع في فصول متتابعة.
ويبدأ الكاتب بالقرآن الكريم فهو الاساس، مورداً في ذلك الاية : (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق، فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون)
ومن ثم يورد العديد من الآيات القرآنية، والتي تنص بصورة واضحة لا لبس فيها على حرية الاعتقاد:
* (لا اكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي) البقرة 256
* (وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر) الكهف 29
* (وقل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم، فمن إهتدى فانما يهتدي لنفسه، ومن ضل فانما يضل عليها، وما أنا عليكم بوكيل) يونس 108
* ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) يونس 99
* (فذكر إنما انت مذكر. لست عليهم بمسيطر) الغاشية21- 22
* (...وما أنت عليهم بجبار، فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) سورة ق 45
*(ولو شاء ربك ما أشركوا، وما جعلناك عليهم حفيظاً، وما أنت عليهم بوكيل) الانعام 107
* (قد جاءتكم بصائر من ربكم، فمن أبصر فلنفسه، ومن عمى فعليها، وما أنا عليكم بحفيظ) الانعام 104
* (ربكم أعلم بكم ان يشأ يرحمكم، أو ان يشأ يعذبكم، وما أرسلناك عليهم وكيلاً) الاسراء 54
* (وكذب به قومك وهو الحق، قل لست عليكم بوكيل) الانعام 66
* ليصل الكاتب من هذه النصوص القرآنية الى(هذا هو الإسلام وهذا هو القرآن.، فمن العلم بهذه الآيات الكريمة، من الاستنارة بهذا الفيض من النور الالهي تشرق شمس الحق ساطعة علينا: يقول الله رب العالمين كما جاء في القرآن الكريم انه هو الذي شاء فأعطى حرية الضمير وحرية العقيدة للناس، وهو وحده الذي يجازي الناس على هذه الحرية، وهو وحده السلام المؤمن المهيمن فلاهيمنة لأحد على احد من الناس فيفرض عليهم عقيدة او يمنعه من الايمان بعقيدة..
وهو العزيز الجبار المتكبر فلا يتجبرن احد على احد فيكرهه على ما يعتقد.
ولا يتكبرن احد على عباد الله فالكبرياء والجبروت لله وحده. يا أيها الناس ان الله عز وجل لم يجعل سيدنا محمد صلي الله علىه وسلم على عباده وكيلا، أفتجعلون من أنفسكم وكلاء عن الله على عباده؟!)
* ثم يورد الكاتب الآيات القرآنية التي تحدثت عن الردة ليخلص منها الى أنها لم تنص ابداً على قتل المرتد وانما تركت عقوبته على الله سبحانه وتعالى:
- (...ولايزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم ان استطاعوا، ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فاولئك حبطت اعمالهم في الدنيا والاخرة واولئك اصحاب النار هم فيها خالدون) البقرة 217
- (ان الذين آمنوا، ثم كفروا، ثم آمنوا، ثم كفروا، ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا) النساء 137
(لاحظ : تكرار الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا، فلو كانت عقوبة الفعل القتل فهل ترى تتوفر لهم امكانية تكرار ذات الفعل مرة أخري؟!)
- (ان الذين ارتدوا على ادبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى، الشيطان سول لهم وأملى لهم) محمد 25
- (من كفر بالله بعد إيمانه، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) النحل 106
-((يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم) المائدة 54
الحلقه الثانية (2)
* نواصل مع الأستاذ/ محمد منير ادلبي في مؤلفه: (قتل المرتد: الجريمة التي حرمها الإسلام)
وقد أورد – كما سبق- العديد من الآيات القرآنية التي تتناول الردة، دون أن تنص على عقوبة دينوية عليها ونضيف إليها:
- (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أ فأن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم. ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين). آل عمران 144
- ( إن الذين كفروا بعد ايمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون). آل عمران 90
* ولتأكيد الاستنتاج بأنه لا عقوبة دنيوية للمرتد، يورد الكاتب مؤامرة احبار اليهود في زمن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. والتي يرويها القرآن الكريم في سورة آل عمران آية 72:
(وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أُنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون)
ويورد تفسير الحسن البصري لهذه الآية: (انهم طائفة من أهل الكتاب ارادوا ان يشككوا اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يظهرون الايمان بحضرتهم، ثم يقولون عرضت لنا شبهة اخرى فيكفرون ويستمرون على الكفر حتى الموت..)
ليخلص الكاتب إلى (فإذا كان قتل المرتد هو الحكم الذي كان يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطبقه، فكيف كان يمكن لليهود الذين هم (أحرص الناس على حياة) أن يجرأوا على التفكير في اعلان اسلامهم أول النهار، ثم اعلان كفرهم آخره، اذا كانت حياتهم هي الثمن الذي يدفعونه بسبب ارتدادهم؟!).
* ثم يناقش الباحث خطأ الذين يستشهدون بالآية: (... فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا ايمان لهم..) ليصلوا منها إلى حكم بقتل المرتد.
ويدرج الباحث الآية المذكورة في سياقها من سورة التوبة الآيات من 3-14 ليتضح معناها:
( واذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برئ من المشركين ورسوله، فإن تبتم فهو خير لكم. وان توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم) (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فاتموا اليهم عهدهم إلى مدتهم ان الله يحب المتقين) (فاذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ان الله غفور رحيم) (وان أحد من المشركين استجارك فآجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه، ذلك بأنهم قوم لايعلمون) (كيف يكون للمشركين عهد عند الله ورسوله الا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ان الله يحب المتقين) (كيف وان يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون) (اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً فصدوا عن سبيله انه ساء ما كانوا يعملون) (لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، وأولئك هم المعتدون) (فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فاخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون) (وان نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر انهم لا ايمان لهم لعلهم ينتهون) (ألا تقاتلون قوماً نكثوا ايمانهم وهموا باخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة أتخشونهم، فالله أحق أن تخشوه ان كنتم مؤمنين) (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين). التوبة 3-14
ليصل من ثم إلى أن هذه الآيات تشير إلى المشركين الذين نكثوا عهودهم واستهزأوا بالدين وليس فيها أي ذكر لأناس ارتدوا عن الإسلام.
وتخاطب هذه الآيات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، بأن الذين صاروا اعداء لدينك هم أول من سيبادر بالاعتداء عليك وتعطيه الاذن بقتالهم وزعمائهم الذين عهودهم زائفة وغير جديرة بالتصديق.. وان الاذن قد اعطى من اجل صدهم عن القيام بأعمال عدوانية سيبادرون بها للقضاء عليك.
ونجد في موضع آخر من القرآن الكريم توجيهاً بالتعامل مع الكفار الآخرين الذين لم يتجاوزوا حدوداً معينة:
(عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم) (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلونكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ان الله يحب المقسطين) (انما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين واخرجوكم من دياركم وظاهروا على اخراجكم ان تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون)
فنجد ان الله تعالى يأمر المسلمين بأن يكونوا بارين بالكفرة والمشركين الذين لم يقاتلوا المسلمين ولم يخرجوهم من ديارهم، كما يأمرهم أن يتعاملوا معهم بالقسط، فكيف يمكن للبر والقسط أن يتفقا او ينسجما مع الإكراه والعدوان؟!
ومن ثم يخلص الكاتب إلى أن الآيات المشار اليها في سورة التوبة، تتحدث عن المشركين المقاتلين والذين تجاوزوا حدوداً معينة.
ولا علاقة لها من قريب او بعيد بالمرتد عن الإسلام. وإلا فإن القائلين بذلك لا يمكنهم تقديم اى شرح لهذه الآيات. ولا تقديم تبرير لتناقض مفهومهم مع العديد من الآيات القرآنية الأخرى.
*وبعد أن يؤسس الكاتب لموقفه من القرآن الكريم لا ينسى تأكيد حقيقة حجية القرآن المجيد. وهيمنته على مصادر التشريع الآخرى، فيورد قول التفتازاني: (وقد اتفق اهل الحق على ان كتاب الله مقدم على كل قول... وقد حفظه الله وعصمه وما مسته أيدي الناس. وما اختلط فيه شئ من اقوال المخلوقين)... كما يورد موقف الامام الشافعي وعنده في مقابل آية من القرآن المجيد فإن الحديث المتواتر كلا شئ...
* ثم يورد الكاتب من بعد ذلك الأحاديث النبوية الدالة على أن المرتد لا يقتل بارتداده....
نواصل غداً..
* حاشية مختلفة:
كتب سعد الدين جلال بصحيفة «الحياة» أمس انه اعطاني تعقيباً على عمودي. وأني لم انشره لانه لا يتفق مع وجهة نظري!
وأشهد الاستاذ حيدر المكاشفي – مدير تحرير «الصحافة» – بأني سلمته ذلك التعقيب بعد استلامه مباشرة، قبل أكثر من اسبوع – مع التعليق للاستاذ حيدر بأني اختلف مع الآراء الواردة فيه ولكنها طرحت وفق المعايير المقبولة للحوار.
إذن فعدم النشر ليس مسؤوليتي. وانما مسؤولية إدارة التحرير وترتيب أولوياتها للنشر، خصوصاً انها تردها عشرات التعقيبات في اليوم الواحد.
وعليه فكل ما ورد في مقال صاحبنا عن حجر الرأي الآخر لا ينهض على ساقين!.. انني اختلف معه ومع الكثيرين غيره، ولكنني لا أملُّ من تكرار أني على استعداد أن أبذل روحي لأجل ان يعبر كل شخص عن آرائه.. هذا من حيث المبدأ.
ثم من الناحية العملية أقول له، ان بضاعتكم لا تزعجنا، فهي البضاعة المزجاة في السوق. ونحن لم نتخذ ما اتخذنا من آراء إلا وقد سبق وأدرنا الفكر مرات ومرات حولها. والبضاعة القديمة المزجاة ليس فيها جديد يفاجيء أو يزعج من يريد الرد عليها!.
هذا ما لزم توضيحه.
الحلقه الثالثه (3)
* نواصل استعراض مؤلف الأستاذ/ محمد منير أدلبي، وهو دراسة تحليلية موثقة تثبت بطلان الزعم القائل بمشروعية قتل المرتد في الإسلام.
وقد تابعنا في السابق دلائله من آيات القرآن الكريم، ونواصل اليوم في استعراض الاحاديث النبوية الدالة على أن المرتد لا يقتل بارتداده:
* (عن جابر رضي الله عنه أن إعرابياً بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام فأصاب الاعرابي وعك بالمدينة، فجاء الإعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أقلني بيعتي فأبى، فخرج الإعرابي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما المدينة كالكير تنفي خبثها، وتنصع طيبها). البخاري
ويستنتج الكاتب من هذا الحديث:
1/ أن القتل لم يكن حداً ينفذ في المرتد، اذ لو كان القتل عقوبة المرتد لما جرؤ ذلك الاعرابي على المجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلن ارتداده فيلقى القبض عليه وتقطع عنقه تنفيذاً للحكم المزعوم.
2/ نجد من الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ترك الإعرابي ينصرف دون أن يأمر الصحابة رضي الله عنهم بإقامة أي حد عليه.
* وفي حديث آخر ورد في صحيح البخاري أيضا ما يلي:
(صالح النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية على ثلاثة أشياء – منها – من أتاه من المشركين رده إليهم .. ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه...). البخاري
فلو كان قتل المرتد حكماً فرضه الله تعالى على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم لما قبل أن يساوم أو يعاهد المشركين عليه، بل لكان أصر على إبقاء من إرتد من المسلمين لإقامة الحد عليه.
* ومن ثم يرى الكاتب أن الذين ارتدوا وامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلهم، فلأنهم انضموا بعد ارتدادهم إلى صفوف المقاتلين من المشركين، أو لأن بعضهم كان قد ارتكب جرائم قتل وتنكيل بحق المسلمين:
- ولربما تاه التائهون بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابن خطل بالقتل بعد أن ارتد، ولكنهم لو تبينوا لوجدوا أن ذلك الحكم لم يكن بسبب إرتداده بل بسبب ارتكابه جريمة قتل في حق مسلم بريء، جاء في المواهب اللدنية ذكر الحادثة كما يلي:
(إنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم – بقتل ابن خطل لأنه كان مسلماً فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقاًً، وبعث معه رجلاً من الأنصار، وكان معه مولى يخدمه وكان مسلماً، فنزل منزلاً، فأمر المولى أن يذبح له تيساً ويصنع له طعاماً، ونام واستيقظ فلم يصنع له شيئاً فعدا عليه فقتله ثم إرتد مشركاً، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ..).
- ومن الذين حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلهم كان مقيس بن صبابة، جاء في الزرقاني خبره كما يلي:
(كان -اي مقيس- اسلم ثم أتى على انصاري فقتله، وكان الانصاري قتل أخاه هشاماً خطأ في غزوة ذي قرد، ظنه من العدو، فجاء مقيس فأخذ الدية ثم قتل الانصاري، ثم ارتد ورجع الى قريش).
* ثم يقرر الكاتب أنه من منشأ الخطأ في الأخذ بالحديث النبوي هو أخذ بعضها على إطلاقها، دون الانتباه الى ما ورد في نفس الحكم مقيداً، وسبب الخطأ هنا هو عدم حمل مطلقها على مقيدها:
ويورد قول العلامة ابن حجر العسقلاني في فتح الباري:
(جاءت عن ابن عباس اخبار مطلقة وأخرى مقيدة فيجب حمل مطلقها على مقيدها).
ولو انتبه القاضون بقتل المرتد إلى هذه القاعدة الفقهية لما وقعوا في خطأ الإفتاء بقتل المرتد، ولما أخطأوا في فهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فأقتلوه).
وذلك لأن هذا الحديث يجب أن يكون مقيداً بالمحاربة كما هو مذكور في فتح القدير الجزء الثاني:
(... وكذا قوله عليه السلام من بدَّل دينه فاقتلوه) لأنه كافر حربي بلغته الدعوة فيقتل في الحال من غير استمهال).
فسبب قتله هنا هو لأنه حربي لا لمحض ارتداده، كما هو واضح.
* ثم يناقش الكاتب ما سمي بحروب الردة على عهد الخليفة الراشد سيدنا ابوبكر رضي الله عنه، فيثبت بعديد من الوقائع والشواهد التاريخية أن سبب قتال سيدنا ابي بكر للمرتدين ليس العقيدة وإنما خروجهم المسلح على دولة الخلافة:
- فسيدنا ابي بكر رضي الله يبين سبب قتالهم قائلا:
(... والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه...)
- ويورد عمدة القاري على شرح صحيح البخاري: (وانما قاتل الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة لأنهم امتنعوا بالسيف ونصبوا الحرب للأمة).
- ويورد تاريخ الطبري أن القبائل الباغية حاصرت المدينة:
(...وان أول من صادم المسلمين، عبس وذبيان عاجلوه -اي الصديق- فقاتلهم قبل رجوع اسامة).
- ويورد الطبري أيضا:
(فوثب بنو ذبيان وعبس على من فيهم من المسلمين وقتلوهم كل قتلة، وفعل ذلك من ورائهم).
- وكذلك أورد بشاعة أفعال المرتدين بمن لم يرتد معهم من المسلمين: (... ولم يقبل خالد -بعد هزيمتهم- من احد من اسد وغطفان ولا هوازن ولا سليم ولا طيء)، إلا أن يأتوه بالذين حرّقوا ومثّلوا وعدوا على اهل الاسلام في حال ردتهم..).
- ويورد ابن خلدون: (جاء الخبر بإرتداد العرب عامة وخاصة إلا قريشاً وثقيفاً واستغلظ امر مسيلمة.. وقدمت رسل النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن واليمامة وبني اسد ومن كل مكان بانتفاض العرب عامة وخاصة، وحاربهم أبوبكر بالكتب والرسل، وانتظر بمصادمتهم قدوم أسامة فعاجلته عبس وذبيان، ونزلوا في الأبرق، ونزل آخرون في ذي القصة) .. فأغاروا على من كان بأنقاب المدينة.. وظن القوم بالمسلمين الوهن... ثم خرج ابوبكر في البقية وطلع عليهم مع الفجر، واقتتلوا .. فما ذر قرن الشمس إلا وقد هزموهم.. وحلف ابوبكر ليقتلن من المشركين مثل من قتلوهم من المسلمين وزيادة).
- والدليل على طبيعة حروب (الردة) أن سيدنا ابي بكر الصديق كما يورد تاريخ ابن خلدون والطبري:
(ان ابا بكر رضي الله عنه عندما انتصر على هؤلاء المرتدين أخذ بعضهم أسرى).
فإذا كانوا مرتدين، وكانت عقوبة المرتد القتل، فكيف أخذ سيدنا ابي بكر رضي الله عنه أسرى منهم ولم يأمر بقتلهم..؟!
الحلقة الرابعة والأخيره
* يورد الأستاذ محمد منير ادلبي في مؤلفه ( قتل المرتد الجريمة التي حرمها الاسلام) ان (العلماء المجددين واولياء الله) كانوا على الدوام اول من عانى من الاضطهاد والتعذيب باسم الدين. وظل السيف المسلط على رقابهم دعوى ارتدادهم عن الدين! ولذا فان الإفتاء (بقتل المرتد) خلاف تناقضه البين مع نصوص القرآن الكريم والحديث النبوي، فإنه كذلك وبشهادة التاريخ يجعل طاحونة اراقة الدم تدور بلا نهاية. واليكم بيان ذلك من التاريخ الاسلامي كما يورده الأستاذ محمد منير:
* في القرن الاول الهجري: كانت هناك فئة كهنوتية في طور النشوء. وكان لها اتباع خضعوا لفكرها وممارساتها، اتهمت هذه الفئة الخليفة الثالث عثمان، والخليفة الرابع علي. والامام الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم اجمعين اتهمتهم بالكفر، ثم عملت على اغتيالهم!
* في القرن الثاني الهجري وصم الخاطئون من الناطقين باسم الدين الجنيد ومحمد الفقيه والامام مالك بن انس والامام الشافعي بالكفر والارتداد. ومن المعروف ان جميع هؤلاء من اهل التقوى والعلم والورع!
وكذلك الامام ابو حنيفة مؤسس مدرسة الفقه الحنفي التي يقوم على اساسها والى اليوم المذهب الحنفي احد المذاهب الاسلامية الكبرى رُمى ايضاً في زمانه بالكفر والارتداد، فاعتقلوه وحبسوه وعذبوه وسمموه ومات في سجوده بالسجن..! وبعد ان مات حفروا قبره ونبشوا جثته واحرقوها ودفنوا كلباً في قبره! وجعلوه مرحاضاً في بغداد! واعلن الكهنوت الجاهل ان كل الاحناف كفار وخارجون عن ملة الاسلام!!
* في القرن الثالث الهجري رُمى الامام البخاري صاحب كتاب صحيح البخاري بالكفر وشهد على كفره (!) ثلاثة آلاف من (العلماء) الجهلة! ونفوه من بخاري الى خارتانج. وحتى هناك لم يدعوه في سلام. ويذكر انه في كربه الشديد هناك دعا الله تعالى فاراحه بالموت العاجل!!
وعالم آخر هو الامام احمد بن حنبل، يروي التاريخ ان خصومه في الدين سجنوه وقيدوه بالسلاسل الثقيلة. واكرهوه على السير في الاصفاد وهو يجر قيوده من طرسوس الى بغداد. وتحت لفح الشمس المحرقة ضربوه بالسياط وهو صائم في رمضان وفي العشر الأواخر من الشهر!!
أما علماء الصوفية ذو النون وسهل التستري واحمد بن يحيى وابو سعيد الخزار وابن الحنات وابو العباس بن عطاء وابو المحسن النوري والامام النسائي، فقد اتهموا جميعاً بالكفر والارتداد او الفسوق او التشجيع على الالحاد، او ما شابه ذلك من التهم الدينية، ثم حبسوهم وغللوهم وعذبوهم ونصحوا الملك باعدامهم حتى لا يشيعوا الكفر في الارض!.
وعندما اوقفوا امام السياف لقطع رؤوسهم بادر النوري قائلاً: (أنا أؤمن بتضحية النفس..لذلك فإنني التمس من الملك ان يضرب عنقي اولاً كي ينال رفاقي لحظات اطول من هذه الدنيا..) عندئذٍ اوقف الملك تنفيذ الاعدام وامر القاضي ان يعيد النظر في قضاياهم.
* وفي القرن الخامس الهجري لم ينج حجة الاسلام الامام الغزالي من الاضطهاد باسم الدين ايضاً.
فقد وصفه (العلماء) بانه ملحد مرتد. وان كتبه مخالفة للسلف وانها غير اسلامية. ولذلك امروا بحرقها ونهوا المسلمين عن قراءتها! وامروا بقطع اعناق مريديه ان ظهر له مريدون! ومن المعلوم ان كتب الامام الغزالي اصبحت بعد قرون اكثر الكتب رواجاً في عالم الاسلام!
وعانى كذلك الامام ابن حزم- العلامة الكبير الذي تستند كتاباته وادلته على القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، عانى من الاضطهاد على ايدي (علماء) زمانه الذين كشف اخطاءهم وبينها فتألبوا عليه حتى نُفي ليموت في احراش (لا بالا) في اسبانيا.
* وفي القرن السادس الهجري كان حضرة الشيخ عبد القادر الجيلاني من علماء الشريعة الواسعي الشهرة.
وصار في زمانه سلطان الصوفية. وامتد اثره الروحي زهاء ثمانمائة عام والى وقتنا هذا.. ومع ذلك اتهموه بالخروج عن الاسلام والردة.
وتعرض للاضطهاد والايذاء.
وكذلك الصوفي الاندلسي الامام الشيخ محيي الدين بن عربي، الذي لقب بسلطان العارفين لما حوته كتبه الشهيرة من المعارف والعلوم، فقد أعلن (علماء) عصره بانه كافر فاسق مرتد! بل واطلقوا عليه اسم (المرتد الأعظم)!!.
وكذلك اتهم الصوفي الشهير شهاب الدين السهروردي بالكفر والارتداد، ثم سجن ثم خنقوه حتى الموت!.. كما تعرض الصوفيان فريد الدين العطار وشهيب حسن المغربي للاضطهاد الشديد على ايدي (علماء) زمانهما في ذلك القرن!
* وفي القرن السابع الهجري اتهم الشيخ ابو الحسن الشاذلي والشيخ عز بن عبد السلام وهما من اقطاب الصوفية، بالتجديف!
وكذلك لاقى ابن تيمية الكثير من الاضطهاد، فقد سُجن في مصر زمناً طويلاً وعذب حتى مات في السجن!.
اما شمس التبريزي- وكان من اولياء عصره معلماً ومربياً- فلأنه قال بان التغني بالتسابيح ليس حراماً، فقد سلخوا جلده حياً!!
كما تم تكفير جلال الدين الرومي الصوفي والشاعر المشهور وكفر كل اتباعه!
* وفي القرن الثامن الهجري اتهم (علماء) هذا القرن شخصيتين بارزتين في العالم الاسلامي بالهرطقة الاول: الامام ابن القيِّم الذي سجنوه وحقروه وعذبوه. والثاني الشيخ الصوفي تاج الدين السبكي الذي اضطهدوه واعنتوه.
* وفي القرن التاسع الهجري اتهم الشيخ عبد الرحمن جامي الولي المعروف بالكفر. وكذلك اتهم محمد الجوبنوري مؤسس الصوفية المهدوية بالكفر والالحاد.
وفي البنغال اعلن (العلماء) كفر الشيخ علائي شيخ الحركة المهدية. وطالبوا بوجوب عقابه بضرب عنقه!
* وفي القرن العاشر الهجري قتلوا الشيخ احمد البيهاري بتهمة ان كتاباته تجديفية!
وكذلك اتهموا الصوفي ابا يزيد البسطامي بالخروج والفسق!!
* وفي القرن الحادي عشر ... والقرن الرابع عشر.....
واستمر الكاتب يعدد ويعدد. ولكنني اختم تعداده بالصوفي الأرمني سرمد، فقد افتى (العلماء) بردته وحكموا بضرب عنقه. وحين تقدم الجلاد نحوه شاهراً سيفه وكان ذلك امام المسجد الجامع انشد ابياتاً من الشعر:
(أيقظتنا ضجةٌ من سبات العدمِ
ففتحنا العيون
وإذا بليل المحن لم ينجلِ بعدُ
فعدنا إلى النومِ )
وما نزال في العالم الاسلامي نتخبط في ليل المحن!!
الدكتور القراي يكتب في ذكرى الاستاذ محمود
رجل فقير، نزيه، عف اللسان، حاضر الجنان، مستقيم الخلق، ينضح إباء وشمم، مثقف يدمن الاطلاع، ويطرب للحوار، في عينيه حزن دفين، تراه فلا تخطئ في ملامحه هموم الوطن ومعاناته، إذا حدثك وددت لو انه لا يصمت، وإذا انصت إليك تمنيت لو انه ينطق بكلمة!! كان جل وقته مقسم بين الجلوس، في كرسي قديم، داخل كشك ملئ بالكتب والمجلات والصحف، في وسط سوق مدينة كوستي في الستينات وأوائل السبعينات، وقد كتب عليه بطلاء باهت " مكتبة الفكر".. وبين المعتقل الذي ما يكاد يخرج منه، حتى يدخله من جديد، باعتباره من أهم قادة الحزب الشيوعي السوداني، في المدينة، بل وعلى نطاق السودان.. ثم الوقت الذي يقضيه في المحاضرات، والندوات، وجلسات الحوار، بمنزل صديقه الأستاذ محمود محمد طه، بحي المرابيع.. تلك باختصار كانت الحياة الثرة، التي عاشها العم يونس الدسوقي، والتي لم يمل تكرار الحديث عنها، حتى آخر أيامه..
لقد كان يونس الدسوقي مثقفاً عتيداً، تخرج من مدرسة الكادر، يناقش في الديالكتيك، والمادية التاريخية، والصراع الطبقي، ونظرية فائض القيمة، ويقرأ بنهم لكافة المدارس الفكرية والأدبية، ويحفظ نهج البلاغة، والمتنبئ، وابوتمام والبحتري، ومقاطع من الأدب العالمي، عن ظهر قلب!! ويحاور زبائن مكتبته في ما يشترون من كتب ومجلات وصحف..
أول مرة سمعت عن عم يونس الدسوقي، كانت من الاستاذ محمود.. قال (لما كنا في كوستي كان من ضمن الناس البزورونا، شيخ فلان “ذكر الاستاذ الاسم ولكني لا اذكره الآن".. وكان القاضي الشرعي، وامام الجامع الكبير، وبرضو اظنو المأذون.. يقعد معاي مرات ساعة أو ساعتين، ما يتكلم الا عن تأخر العلاوة، وكيف انو جماعتو في الشئون الدينية، منعوا عنو الترقية.. بعدين تلقاه يتكلم عن الغلاء، وزيادة سعر اللحم، والسكر وكدا.. بعد شوية يجي صاحبنا يونس الدسوقي، راجل اغبش، و شيوعي معروف، ودائماً يعتقل، أول ما يقعد أسالو عن حالته، طوالي يبدأ يتكلم عن وضع البلد، واخطاء سياسات حكومة ناس عبود.. وكيف الناس تعبانة والوضع في الجنوب متأزم.. وتشعر انو يتحسر على الفقراء، ويتألم لحالة المعدمين) ثم ابتسم الأستاذ وقال (رجل الدين مشغول بي علاوته، والشيوعي مشغول بحال الناس)!!
قبل ان اقابل عم يونس في القاهرة، حيث استقر حين هجر السودان، حدثني الأخ د. صلاح الزين بان عم يونس، قابل مجموعة من المثقفين السودانيين، فنقد لهم، موقف المثقفين من محاكمة الاستاذ محمود واغتياله.. وحدثهم كيف ان الأستاذ حين واجه المحكمة، كان يعبر عن ضمير الشعب السوداني، ولم يكن يعبر عن فكرته، التي يختلفون معه حولها.. ولهذا لم يكن يستحق منهم هذا الخزلان.. ثم أخذ يحدثهم عن سيرة الاستاذ محمود حتى بكوا جميعاً!!
عندما زرت عم يونس الدسوقي، في الفندق الصغير، الذي كان يقيم فيه بالقرب من ميدان رمسيس، في وسط القاهرة، في منتصف التسعينات، وعرفته بنفسي بادرني قائلاً: وين جمعة حسن؟! أخبرته انه في أمدرمان. فقال: جمعة دا كان طالب في المدرسة الصناعية، في كوستي لما دخل معانا في الحزب الشيوعي.. وكان طاقة عجيبة، يمكن يساوي عشرة من زملاهو.. قام غاب عننا زي سنة كدا، لقيتو شايل كتب الجمهوريين يبيع فيها!! قلت ليهو: ياجمعة الحكاية شنو؟ مالك خليتنا وبقيت مع الجمهوريين؟! قال لي: يا عم يونس انا والله بحترمكم.. لكن اليقين الشفتو في عيون الاستاذ محمود، ما شوفتو في غيرو.. قلت ليهو: والله صدقت ياولدي، صدقت!!
دعوت العم يونس في شقتنا بحي النصر، وحضر عدد من الاصدقاء، وطلبوا منه ان يحدثهم عن حركة النضال الوطني، حين كان ناشطاً فيها، في الخمسينات والستينات.. فتحدث قليلاً عن نشأة مؤتمر الخريجيين، وبدايات الاحزاب السياسية، ومواجهة الحزب الشيوعي لنظام عبود.. ثم آثر ان يتحدث عن الموضوع، الذي يعشقه، ولا يمل الحديث فيه، وهو سيرة الاستاذ محمود فقال (محمود كان شغال في المشاريع، بتاعة النيل الابيض، هو مساح شاطر، لكن اشتهر اكثر، بانو برضو أمين، ودقيق، بصورة ما طبيعية.. الملاك كانو ما بدو غيرو شغل الا ما يلقوه..كان يقضي ثلاثة، اربعة شهور، في المشاريع، وبعدين يجي كوستي، كان يجيب معاه حصيلة عمله حوالي خمسة ألف جنيه!! ودا كان مبلغ خرافي.. اذا كان قاضي المديرية كانت ماهيته ثلاثين جنيه.. في غرفتو بتاعة بيتو الفي المرابيع، كان عندو تربيزة، بتاعة حديد يخت فيها القروش ديك كلها.. ومن الصباح للمسا الناس داخلين وما رقين.. نسوان ورجال ما عندهم شغلة بالندوة وللأ النقاش البكون داير.. كل واحد منهم، يوسوس مع محمود، فيقوم يأشر ليهو على التربيزة، يمشي يشيل المبلغ الطلبو ويمرق!! المسألة دي تستمر لغاية ما القروش تكمل.. لا عندو خزنة ولا جزلان!! الناس ديل، فيهم واحدين بكفرو محمود، ويسبوه في غيابو ولما يجي، يجوا يشيلو منو قروش!! مرة واحد كان حاضر الحكاية دي، خلى الراجل شال الفي النصيب ومرق.. قام قال لي الاستاذ محمود، الزول دا بقول عنك كلام ما كويس.. وكان داير يشرح، محمود قام وقفو طوالي، وقال ليهو: انا ما بهمني رأيو فيني شنو.. لكن بهمني رأيي أنا فيهو شنو.. ورأيي انو بستحق المساعدة!! يقولو ليك في كتب الأدب، فلان كان كالريح المرسلة، علىّ الطلاق محمود محمد طه، أجود من الريح المرسلة.. والمشاكل الكان بحلها لي ناس كوستي، والقرى الحولها، وعمال السكة حديد، يمين وزارة الشئون الاجتماعية ما تحلها!!
لقد كنا نحاول ان يستريح عم يونس من الكلام قليلاً، فنعطيه ماء أو شاي، ولكنه كان يرشف رشفة، ثم يواصل حديثه.. قال: مرة محمود جاني في المكتبة، وطلب مني كتاب ما بذّكر اسمو هسع.. لكن قال وهو دايرو، عشان يعرف منو اسم الفرعون، الكان مع سيدنا موسى.. اتصلت بي سودان بوكشوب في الخرطوم، ما وجدنا الكتاب.. قمت رسلت لي مكتبة في بيروت.. بعد أيام ارسلو الكتاب، عن طريق بنك باركليز، والجماعة اتصلو بي في المكتبة، عشان استلم الكتاب واسدد ثمنه، لكن التكلفة ما كانت عندي.. مر عليّ محمود كلمتو، برضو ما كان عندو.. وهي التكلفة كانت عشرة جنيه!! قلت لمحمود طيب نعمل كيف؟! قال: خلي البنك يرجعو!! بعد ما مشى، جاني القاضي المقيم، وكان الوقت داك عبد العزيز شدّو، حكيت ليهو القصة.. طوالي اتصل من تلفون الكشك بمدير البنك، وقال ليهو من المبلغ العندكم باسم القاضي المقيم، اخصم عشرة جنيه، وارسل الكتاب لمكتبة الفكر.. بكرة لما محمود جا قلت ليهو: بالله دي حالة دي.. لا أنا ولا إنت عندنا عشرة جنيه، والمغفلين ديل عندهم مئات الجنيهات، واشرت الى بعض التجار. فقال: ما كفاية عليهم انهم مغفلين، كمان دايرهم يكونوا فقرا!! مرة كنت مفلس حق قفة الملاح ما عندي، وقاعد في الكشك ما عارف اعمل شنو، قام جا محمود.. قلت ليهو: ياستاذ انا تعبت من الفقر أعمل شنو؟! قال لي: كلم الله. قلت ليهو أكلمو كيف، واقول ليهو شنو؟ قال لي: اطلع برا الكشك وارفع بصرك للسماء وقول " رب اني لما انزلت الي من خير فقير “.. وصمت عم يونس ثم أردف: يا سلام يا محمود!! وعاجل دمعة، طفرت رغماً عنه، من مؤخرة عينه، بمنديل كان يحمله في يده، ثم راح في صمت وقور. صمتنا كلنا لدقائق، حتى خرج عم يونس من حالة الحزن، التي احتلت مشاعره.. فسأله احد الحاضرين: وعملت كدا يا عم يونس؟! قال: والله ياولدي عملتها، أنا ما شيوعي؟ عملتها!! وكان ما محمود ما بعملها.. وفعلاً في نفس اليوم، جاتني بيعة كتب، وكراسات للضهاري، يمكن حصلت قريب الثلاثين جنيه!!
سأله احد الحاضرين: انت ياعم يونس اكتر حاجة عجبتك في الاستاذ محمود شنو؟! صمت للحظة، وكأنه يفكر بعمق، ثم قال: الخلاني موله بحب محمود، مقدرته غير العادية على اشعار كل انسان بي قيمتو الانسانية.. بعاملك على أساس انك حر، ويحترمك، مهما اختلفت معاه!! أنا ما كنت بفوت محاضرة، ولا ندوة، ولا حتى جلسة داخلية للجمهوريين.. وكان محمود يعرّفني، بقولو دا يونس الدسوقي صديقنا، وحتى مرة قالها في محاضرة عامة.. مع دا كلو، ما حصل محمود قال لي انت شيوعي ليه.. ولا حصل قال لي ابقى معانا جمهوري!! مرة واحد مولانا اسمو شيخ عبد الله، كان قاعد معانا، وقال لمحمود: يونس صاحبك دا ما عندو دين.. قام محمود قال لي: انت دينك شنو يا يونس؟! قلت ليهو: انا ديني حب البروليتاريا!! مولانا قال: أعوذ بالله، أعوذ بالله.. فقام محمود قال: الله دينو محبة الاحياء والاشياء.. الله خلق الوجود بالمحبة. مولانا قال: لا يا أستاذ.. الله خلق الوجود بقوله كن فيكون!! محمود قال ليهو: يعني بالإرادة يا مولانا؟!. شيخ عبد الله قال: أيوة. محمود قال ليهو: الشيخ العبيد ودبدر قال الإرادة ريدة، يعني محبة!! فسكت مولانا.
وواصل عم يونس: في واحد من اصحاب المشاريع، بعرف الاستاذ محمود حق المعرفة، وتعامل معاه كتير.. وكان يجي يكلمني عن اخلاقو ومعاملتو باعجاب شديد.. مشى الحج وجا بقى من جماعة الاخوان المسلمين!! يوم جاني في المكتبة قال لي: قالو صاحبك ما بصلي!! قلت ليهو: انت رأيك شنو في اخلاق محمود؟ قال لي: ما فيها كلام.. قلت ليهو: ومعاملتو للناس؟ قال لي: اصلو ما شفنا زول زيو.. قلت ليهو: طيب ياخي اذا كان الزول، ممكن يكون زي محمود دا بدون صلاة، وبدون دين، الدين لزومو شنو؟! قال لي: انت بتقول كدا عشان إنت شيوعي. قلت ليهو خليني أنا، النبي ذاتو ما قال الدين المعاملة؟ فسكت. لما نقلت النقاش دا لي محمود، قال لي: هم الناس ديل ما عندهم حاجة.. لكن انتو المثقفين، انسحبتو من ميدان الدين، وتركتوه ليهم يتحكمو فيهو..
وواصل عم يونس: انا مرة اعتقلت بواسطة البوليس السري، وختوني في سجن كوستي .. ونحنا معروف عندنا، لما واحد يعتقل، ما في زول بسأل عنو ولا يزورو، عشان ما ندي فرصة لأي اخذ معلومات.. يوم الشاويش قال لي عندك زيارة.. قلت يارب المغفل الزارني دا منو، يمكن يكون واحد من أهلنا الشايقية، جا من البلد، وما عارف الحاصل.. لما مشيت مكتب القمندان، لقيتو دا الأستاذ محمود!! قال لي: انا كنت في المشاريع، واول ما جيت كوستي، عرفت انك معتقل، قلت اشوفك. قلت ليهو: يا استاذ نحن ما دايرين زيارات، عشان البوليس السري، ما يقوم يدخلكم في مشكلة. ابتسم وقال: انت الخوف العندك دا، داير تنقلوا لي أنا؟! قلت ليهو: يا استاذ قالو من خاف سلم. ضحك وقال: هي سلم نفسها معناها شنو، غير السلامة من الخوف؟! ولما طلعت من المعتقل، بعد كم شهر، لقيت ناس البيت عاملين كرامة وضابحين، وعازمين الناس.. وانا عارف انهم ما عندهم حاجة.. قلت ليهم محمود محمد طه جاكم هنا؟! قالو: لا.. وانو القروش اداهم ليها واحد اسمو ابراهيم عبيد.. لما قابلتو بعد كم يوم في السوق، وسألتو، قال لي القروش، رسلها معاهو محمود من الرنك، وقال ليهو اديها أسرة يونس الدسوقي، ولما وصل صادف قبل يوم، من خروجي من المعتقل.. محمود ما بدي وبس بيدي في الوقت المناسب زي ما قال المتنبئ:
ليس التعجب من مواهب ماله * بل من سلامتها الى أوقاتها
قال لي عم يونس: ان شاء الله نرجع السودان، عشان اعرفك بي ناس، معرفتهم تطرب.. وذكر اسماء منها الاستاذ عبد الكريم ميرغني.. ورجع عم يونس الى السودان قبلي، وحين رجعت كان همي، ان اعرف مكان اقامته لازوره.. ولم يقدر الله لي لقاءه، فتوفى قبل ان اقابله.. لقد كان سر اعجابنا جميعاً، بالعم يونس الدسوقي، هو مقدرته الفائقة، على تحقيق قولة اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.. لقد كان باذلاً لنفسه من أجل الحزب، ومن أجل البلد، ولم يظفر بكلمة ثناء، أو اعانة على مصائب الدهر من كليهما.. عاش حر الرأي، شجاع الكلمة، شديد الانضباط في سلوكه العام، متعلقاً بالقمم السوامق من مكارم الاخلاق.. لقد كان انموذجاً رائداً للسوداني الأصيل، الذي يملؤه الوفاء شعوراً باقدار الرجال.. فسلام على يونس الدسوقي في العالمين..
يوم إستشهاد الأستاذ محمود يوم لحقوق الإنسان العربي
نشرت جريدة الأيام هذا الخبر بتاريخ 28/5/1985 ((إنعقدت في القاهرة ما بين 17 و 19 مايو ندوة أوضاع حقوق الإنسان في الوطن العربي و التي حضرها لفيف من كبارالمفكرين ورجال القانون و السياسة و الأدب في العالم العربي و قد ذكرت مصادر القاهرة بأن الحشد الذي شهدته الندوة يعد من أكبر التجمعات العربية التي حضرت إلى العاصمة المصرية منذ أوائل السبعينات و قد مثل السودان في هذه الندوة وقد ضم الأستاذين المحاميين طه إبراهيم محمد وكمال الجزولي اللذان شاركا مشاركة فعالة في كل جلسات الندوة ومن أهم التوصيات التي خرجت بها الندوة هي إعتبار يوم إستشهاد المفكر محمود محمد طه ، يوماً لحقوق الإنسان في الوطن العربي)) .
ماذا قال العالم المتحضر عن اغتيال الاستاذ محمود محمد طه
التايمز:-
تناولت الصحيفة الخبر بتاريخ 18/1/1985 و 19/1/1985 وتاريخ 21/1 تحدثت عن السيرة الذاتية للأستاذ محمود وعن نشاطه السياسي خلال الأربعين سنة الماضية، وأوضحت أن تنفيذ حكم الاعدام يعني الملجأ الأخير لكبح جماح الشعب السوداني ولبلد تزداد مآسيه عمقاً يوماً بعد يوم.
صنداي تايمز:-
تحت عنوان: نميري يلجأ إلى المشنقة كتبت عن أن إعدام الأستاذ محمود جاء نتيجة معارضته قانون الشريعة الإسلامية في منشور اعتبره الرئيس انتقاداً لحكمه..
القارديان:-
بتاريخ 19/1 أوردت الصحيفة مقالاً بعنوان “السودان يعدم قائداً مسلماً” جاء فيه أن حركة الجمهوريين بقيادة الأستاذ محمود قد أظهرت تحولاً حاداً ضد نظام نميري الذي يعاني من مشاكل كثيرة.. وذكرت أن المنشور الذي وزعه الجمهوريون بعد أن أطلق سراح زعيمهم وبعض أنصاره من السجن كان يحث النميري على إيجاد حل سياسي للأقليات غير المسلمة في جنوب البلاد بدلاً من تصعيد الحرب ضد جيش تحرير شعب السودان.
وبتاريخ 21/1 أوردت الصحيفة خبراً عن تنفيذ الإعدام وأن بريطانيا والولايات المتحدة طالبتا بالعفو عن الأستاذ محمود .. وبتاريخ 29/1 أوردت احتجاج الخارجية الأمريكية وأن منظمة العفو الدولية قد هاجمت عملية الإعدام والمحاكمة الموجزة وانتقدت تهديدات التوبة أو الموت لأعضاء الحزب باعتبار أنها تثير القلق حول مصير المئات من المعتقلين السياسيين في السودان.
العرب:-
بتاريخ 21/1 كتبت الصحيفة مقالاً بعنوان “طه والجلاد” ذكرت فيه أن كل الهيئات والمنظمات العربية والافريقية والدولية نددت وباستهجان شديد بالجريمة البشعة التي أقدم عليها حاكم الخرطوم حين قام في خضم عزلته وهوسه بإعدام المفكر السوداني الأستاذ محمود.
وأوضحت الصحيفة أن الغرض الأساسي من الاعدام تهديد مباشر لقوى المعارضة السودانية..
واختتمت الصحيفة مقالها بهجوم على جماعة الأخوان المسلمين في السودان لخروجهم في موكب تحرسه أجهزة الأمن يؤيدون فيه قرار الإعدام.
الدستور:-
تحت عنوان: “إعدام محمود محمد طه ينذر بشر مستطير.. خنق الفكر بحبال المشانق” نشرت الصحيفة مقالاً قدمت فيه خلفية مفصلة عن الفكرة الجمهورية ومؤسسها الأستاذ محمود ونشاطه السياسي طوال الأربعين سنة الماضية.. وأوردت ما قاله الأستاذ محمود أمام المحكمة والأسباب التي دعت نظام مايو إلى الاختلاف معه
“الحزن والأسى والتقدير”
جلسة مجلس العموم البريطاني:
وفي عددها الصادر بتاريخ 11 فبراير 1985 أوردت المجلة تقريراً عن الاجتماع الذي نظمته الأحزاب البريطانية في الثلاثين من شهر يناير، وذلك للتنديد بالجريمة البشعة التي ارتكبها النظام السوداني بتنفيذ حكم الإعدام بالشهيد محمود محمد طه.. ترأس الاجتماع السير غراهام توماس أحد كبار الموظفين السابقين بحكومة السودان، وقد لخص أهداف الاجتماع في ثلاث كلمات “الحزن والأسى والتقدير”.. الشعور بالحزن أمام هذه الفاجعة، والشعور بالأسى بالنسبة للذين ارتكبوا هذه الجريمة، والشعور بالإجلال والاحترام أمام محمود وشجاعة الذين ضحوا بالغالي والنفيس لإعلاء كلمة الحق والذين كان المرحوم محمود محمد طه ينتمي إلى صفوفهم”
هذه الجريمة تقلل من قيمة كل إنسان!!
ثم تناول الكلمة السيد سيريل ثاومند نائب البرلمان الممثل لحزب المحافظين ورئيس جمعية عزيز للتفاهم العربي البريطاني فكان مما قال: “والجريمة التي تمثلت في شنق هذا الرجل المسن بهذه الطريقة البشعة ودون أن يحظى بمحاكمة عادلة هي جريمة تقلص من قيمتنا، نحن المجتمعين في هذه القاعة ومن قيمة كل إنسان يوجد على وجه البسيطة”
ثم أعطيت الكلمة إلى ديفيد ألتون، نائب البرلمان الممثل لحزب الأحرار ببريطانيا الذي بدأ حديثه قائلاً ((إنني سعيد لحضور هذا الاجتماع لأعبر عن بالغ قلقي تجاه انتهاكات حقوق الإنسان في السودان التي بلغتني عنها أخبار مؤلمة في الأسبوع الماضي.)) ثم قال ((من واجب نواب مجلس العموم متابعة ما يجري في السودان وإعارة تطورات الوضع فيه اهتماماً جدياً لأن التعبير عن الرأي أصبح جريمة في السودان)).
ثم أخذ الكلمة السيد دونالد أندرسون الناطق الرسمي لحزب العمال البريطاني في الشئون الخارجية، الذي استهل حديثه بقوله: ((إن يوم الجمعة الموافق للثامن عشر من شهر يناير الماضي هو بمثابة يوم أسود في تاريخ السودان.. لقد اهتمت الصحافة البريطانية بمصير الشهيد الأستاذ محمد محمد طه ونحن اليوم إذ نثمن نضاله ونندد بهذه الجريمة البشعة فإننا نندد في الحقيقة بكل وسائل القمع التي مارسها هذا النظام ضد الذين خالفوه الرأي..))..
سجين 1946:-
ختم نائب حزب العمال كلمته بالتذكير بان الأستاذ محمود محمد طه ((الذي سجنه البريطانين في سنة 1946 بتهمة الشغب هو ضحية أخرى في ساحة الشرف، ضحية أخرى تقتالها أيدي هذا النظام الديكتاتوري، مشيرا إلي أنه يساند النداء الذي وجهه زميله في حزب الأحرار باعادة إهتمام أكبر لما يجري من جرائم وإنتهاكات لحقوق الإنسان في السودان))..
ثم استهل اللورد كارادون كلمته بقوله: ((إني سعيد بحضور هذا الإجتماع لأضم صوتي إلي نواب الأحزاب الثلاثة الذين عبروا أفضل تعبير عن مشاعري إزاء هذه الجريمة البشعة التي ارتكبها النظام السوداني في الثامن عشر من شهر يناير الماضى. وإني لأشعر بالأسى والحزن للأوضاع التي آل إليها السودان اليوم، هذا السودان الذي أحببت شعبه ولمست نبله)). وختم كلمته بقوله: ((إنني على يقين من أن هذا السودان سيسترجع أنفاسه وسيدب الأمل في جسده من جديد وإن غدا لناظره قريب)).
ثم أعطيت الكلمة للورد “ماكبيل” ممثلا عن حزب الأحرار، فبدأ حديثه بشكر المسئولين عن تنظيم هذا الإجتماع وذكر بخصال الشهيد محمود محمد طه مشيرا إلي أن هذا الإجتماع هو إعتراف بنضاله وإحياء لذكراه لكنه أساسا تعبير عن مساندتنا ومؤازرتنا لكل المعتقلين الذين يرزحون تحت نير الحكم الدكتاتوري في السودان..
ممثل الجمهوريين:-
ثم أعطيت الكلمة إلى مالك بشير مالك ممثل الأخوان الجمهوريين الذي بدت عليه علامات التأثر عندما أخذ الكلمة وأجهش في البكاء .. وبعد أن أعطى السيد مالك بشير نبذة عن حياة المرحوم الأستاذ محمود محمد طه وظروف إعتقاله في حزيران سنة 1946من قبل الحكم البريطاني تطرق إلى المراحل النضالية التى مر بها والمحاكمات والإعتقالات التى تعرض لها طيلة أشهر دون محاكمة. وبعد إطلاق سراحه باسبوعين أعتقل الأستاذ محمود محمد طه من جديد وحكمت عليه المحكمة بالإعدام الذي نفذ في الثامن عشر من شهر يناير الماضي.
ثم تطرق السيد مالك بشير مالك إلى الحديث لحياة الأستاذ محمود المتواضعة مشيرا إلى أنه لم تكن لديه حياة خاصة لأنه كرس حياته لخدمة الأفكار التى كان يؤمن بها..
خليل عثمان:-
وبعد إنتهاء كلمة السيد مالك بشير أعطيت الفرصة للحاضرين، فبادر الدكتور خليل عثمان والذي كان قبل مدة رهن الإعتقال في السودان وعرف الأستاذ محمود محمد طه في السجن. بادر في الحديث عن خصال هذا الرجل المتواضع فقال (كان يعيش حياة بسيطة. أفكاره كانت واضحة. وقد تعلمت الكثير خلال التسعة أشهر التى قضيناها مع بعض في السجن. كان الأستاذ محمود شجاعًا، متسامحاً مع أعدائه .. وبوفاته فقد السودان أحد أبنائه الأبرار)
وتحدث بعد ذلك السيد ((غردون مورنا)) من أبناء جنوب السودان الذي قال: ((إن هذه الجريمة البشعة التى اقترفها نظام نميري هي مؤشر على مدى وحشية هذا النظام وإنتهاكه لأبسط الحقوق الإنسانية سواء كان ذلك في شمال السودان أو في جنوبه الذي يعيش اضطرابات منذ سنوات من جراء سياسة هذا النظام))..
وتعاقب متحدثون آخرون عبروا عن إستيائهم من الجريمة واهتمامهم بقضايا المعتقلين السياسيين في السودان وكان من هؤلاء المتحدثين: مثل منظمة العفو الدولية، الدكتورة صفية صفوت وهي محامية سودانية، ومواطن بريطاني، ممثل رئيس الأساقفة ببريطانيا، ثم أخيرا سجين سياسي سوداني من أبناء جنوب السودان أطلق سراحه قبل ثلاثة اشهر وتمكن من الهروب من السودان.
قبل أن يعلن الرئيس غرهام توماس عن إنتهاء الإجتماع طلب من الحاضرين الوقوف دقيقة صمت ترحما على روح الشهيد محمود محمد طه وكل الشهداء السودانيين الذين سقطوا في ساحة الشرف دفاعا عن الحرية.
فرنسا
أوردت الصحافة الفرنسية نبأ الإعدام وتفاصيل محاكمة الأستاذ محمود مع أربعة من تلاميذه.
لوموند:-
بتاريخ 21/1 جاء فيها أن إعدام الأستاذ محمود هو الأول من نوعه منذ تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان.
لوماتان:-
نشرت في عددها الصادر بتاريخ 21/1 تحت عنوان (( إعدام غاندي افريقيا العجوز)) مقالاً تناولت فيه المحاكمة والفكر الجمهوري وظروف وملابسات الحكم.
وذهبت تقول أن الرئيس نميري المهدد من قبل جبهة تحرير شعب السودان التى أضعفت نظامه أراد أن يعطي مثالاً بإعدامه للأستاذ محمود. ولكن هذه القضية سوف تضفي هالة كبيرة على فكرة تمكنه من إنتشار أكثر بعد وفاته.. وذكرت الصحيفة أن الأخوان الجمهوريين والذين عرفوا بعدائهم للأخوان المسلمين قد حظوا لفترة طويلة بتسامح النظام. ولكن تطبيق الشريعة الإسلامية هو الذي أدخلهم إلى المعارضة حيث أخذوا على الرئيس إنفراده بالسلطة و فساد نظامه الذى طال الضعفاء ولم ينل من الأقوياء..
مجلة جون آفريك
((إعدامه مسَنا عميقاً))
مجلة ((جون آفريك)) ذات الإنتشار الواسع في الدول الأفريقية الناطقة بالفرنسية، خصصت في عددها بتاريخ 30/1 غلافها الأمامي لخبر الإعدام بعنوان “الجريمة: إعدام محمود محمد طه بسبب أفكاره” ..
قالت المجلة: (( إننا لا نعرف عنه شيئاً كثيراً – ولكن إستشهاده قد مسنا عميقاً..))
قال للطاغية : لا!!
ثم مضت المجلة تقول: ((إن محمود محمد طه، في شجاعة منقطعة النظير، قد واجه نميري، عندما إتجه هذا الأخير لإنقاذ نظامه المهترئ بأن ألقى رهانه على الأخوان المسلمين وتطبيق الشريعة الإسلامية. وكان طاغية الخرطوم قد ذهب حتى أراد أن يعلن نفسه إماما! وفي أثناء ذلك كان يقطع ويجلد بكل ما أوتي من قوة. فكان أن قال محمود طه: لا. فحكم عليه بالردة، ثم أعدم.. وذلك قبل أن يتم حرق كتاباته أيضاً.
إننا، إذن، في قلب محاكم التفتيش وإن إسلاماً يتشرف فيه أي مسلم بهذا الإسم يجب ألا يرتبط بإعادة أشد الممارسات ظلاماً في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية .. ولذلك يجب ألا ننخدع، فإن أفكار محمود طه عن القرآن لم تكن موضوع قضية إلا بالصدفة. وإننا لا نعرف إن كان النبي قد ترك رسالة إلي رسالتين، ويمكن العلماء أن يناقشوا هذا الموضوع كيفما شاءوا. ولكنه قد ترك لنا رسالة في غاية الوضوح.. إن ذلك المهندس السابق قد كان فى قلبه أن يعيد للإسلام وجهه الإنساني.
إبتسامة أمام الموت!!
عندما رفع الجلاد القناع عن وجهه، قبل أن يضع حول عنقه الحبل القاتل، كان محمود محمد طه يبتسم!! وقد نقل أحد الزملاء من وكالة الأنباء الفرنسية أنها ((إبتسامة سخرية)) .. إن هذا الثبات أمام الإمتحان العظيم هو من حظ القديسين .. وهو يذكرنا بتوماس مور، الذي كان في القرن السادس عشر قد عارض بنفس التصميم والثبات طغيان السلطة وتحكمها على الضمائر. فانتهى به الأمر إلى المقصلة ثم بعد أربعة قرون تم تنصيبه قديساً.. إننا نأمل من المسلمين، الذين أساساً، يجهلون عبادة الشهداء، ألا يأخذوا زمناً ليعرفوا في محمود محمد طه رجلاً قديساً.. رجلاً يقبل أن يموت من أجل أن يعيش إخوانه بصورة أفضل..
المستقبل
26 مايو 1985
الحلاج الجديد في الخرطوم – بقلم أحمد بهاء الدين
((وقالت وكالة الأنباء الأجنبية أنه أقتيد إلى المشنقة وهو مغطى الوجه والرأس، وحين أزيح الغطاء لحظات، ليرى الناس وجهه، ويتأكدوا أنه هو الذى صدر عليه الحكم، طبقاً للقانون بدا وجهه مبتسماً.
ذلك هو الشهيد محمود محمد طه رئيس جماعة الأخوان الجمهوريين المسلمين في السودان..
وقلنا إعدامه لن ينفذ وسمعنا عن وساطات إسلامية لإيقاف المهزلة الدامية ولكن حكم الإعدام نفذ بعد أيام شنقا حتى الموت ..
انني هنا لا أناقش دعوة محمود طه ولا كلامه ولكنني أعرف فقط أنه لم يحمل سلاحا ولا حرض على شغب ولكنه مضى كما شاء أن يمضي 40 عام، يدعو الى طريق ربه، كما تصوره، بالحكمة والموعظة الحسنة ..
ونحن نرى الزعماء المتحدثين باسم الإسلام، يرددون علينا، صباح مساء، أن الإسلام عرف حقوق الإنسان قبل العالم بقرون، وأنه دين الحرية والمساواة، وهذا كله صحيح، ولكنه أيضا صحيح في فجر الإسلام وضحاه. وليس صحيحا في الذين سحبوا على هذا الضحى المشرق عبارة الليل والظلام، وما يزالون. صحيح في تعاليم الإسلام، ولكنه ليس صحيحا في أساليب بعض الحاكمين باسم الإسلام. وإن حدثا من هذا النوع لا يرفع راية للإسلام في أي مكان .. لأنه يسيئ إلى روح الإسلام، ويشوهها …
ولعل الحكم في الخرطوم رأى أن كسب معركة صغيرة في ساحة سجن الخرطوم، أسهل من كسب معركة في حرب جنوب السودان!))
أصداف- ولآلي محمود محمد طه:
ونشرت مجلة الوطن العربي قصيدة منثورة لغسان الإمام، فيما يلي أبيات منها:-
كنا نصنف ثوريين أو رجعيين
اليوم نصنف مؤمنين أو ملحدين
كنا نعتبر خونة أو وطنيين
اليوم نعتبر ملائكة أو شياطين
كنا نشنق ونعدم و بتهمة العمالة للإستعمار والإمبريالية
اليوم نشنق ونعدم بتهمة الكفر، والردة، والإلحاد، والزندقة
تعددت الأسباب والموت والقهر واحد في هذا العالم العربي الحزين
* * *
الحرية كل الحرية للرأى الواحد
والشنق حتى الموت للرأى الآخر
أصبح مختلسو الحرية دعاتها
وحماتها لصوصها
القيمون عليها قتلتها ومغتاليها
* * *
محمود محمد طه اجتهد في الدين،
فحاول وصل ماضيه بحاضره،
وتزويج أصالته بعصره
فإن أصاب فله الثواب
وإن أخطأ وبالغ، وجب تقويم إجتهاده
فالرأي يدفع بالرأي
والحجة بالحجة
* * *
الإسلام عدل وليس محاكم تفتيش
الإسلام رحمة وليس إنتقاماً
الإسلام مساواة وأخوة وليس وصاية
الإسلام تسليم لله وليس إستسلام لحكم وخنوع لحاكم
الإسلام دين للحياة وليس سلماً لمشنقة أو سيفاً لمقصلة
أمريكا
نيويورك تايمز
بتاريخ 19/12/85 أوردت تقريراً لمراسلها في الخرطوم قالت فيه إن السودانيين والغربيين المقيمين في الخرطوم ينظرون إلى تنفيذ حكم الإعدام على أنه تحذير وإنذار من الرئيس نميري إلى معارضيه الدينين والسياسيين وأضافت أن الدبلوماسيين والسودانيين دهشوا لتنفيذ حكم الإعدام لمجيئه في وقت يصادف فيه الرئيس نميري تزمراً داخليا متزايداً بسبب حالة المجاعة في البلاد.
لوس أنجلس تايمز
في مقال كتبه ج. ه. جانسون قالت الصحيفة بتاريخ 27/1/85 إن حادثة تنفيذ حكم الإعدام على الأستاذ محمود لا تمثل إجهاضاً للعدالة الإسلامية وحسب وإنما تمثل أيضاً الشعور المتزايد بعدم الإستقرار من جانب المتعصبين المسلمين الموجودين بالسلطة الآن..
وقال كاتب المقال أنه تحدث مع الأستاذ محمود قبل فترة ويعتقد أنه من المؤمنين المخلصين لجوهر الإسلام.. ولذلك فإنه عارض الطريقة القاسية التى طبقت بها قوانين الشريعة الإسلامية..
ويذهب السيد جانسون إلى أن إعدام الأستاذ محمود كان نتيجة لضغوط قوية من الداخل على نميري من جانب مؤيديه من الأخوان المسلمين المتطرفين، ومن مؤيديه في الخارج السعوديين.
الباكستان
صحيفةالمسلم
عبرت عن أسفها العميق لإعدام الأستاذ محمود ولإتهامه بالردة و معارضة القوانين الإسلامية. بينما كان هو في الواقع يعارض الأسلمة الخاصة بالرئيس نميري.. وأضافت أنه من المؤسف إعدام “شيخ” عالم لمجرد خروجه من الخط الرسمي وقالت إن ذلك مخالف لروح الإسلام.. وقالت الصحيفة إن إلتزام محمود بالإسلام لم يكن أمراً مستجداً وأن الرئيس نميري الذى تسلم السلطة كإشتراكي في إنقلاب يدعمه الشيوعيون قد أساء للإسلام بالتخلص من معارضيه بالقوة المجردة.
صحيفة “دون”
أبدت كذلك أسفها قائلة انه يبدو أن إتهام محمود بالردة جاء لإنتقاده أسلوب نميري القاسي في تطبيق القوانين الإسلامية .. وانتقدت الصحيفة تفسير الشريعة واسلوب تطبيقها في السودان وذكرت أنه من المبرر إنتقاد التفسير الرسمي للشريعة كما أن إختلاف الآراء أمر طبيعي.. وليس من المقبول الحكم بإعدام من يفسر الشريعة على خلاف التفسير الرسمى وإتهامه بالزندقة.. وأضافت الصحيفة أن إتجاه العالم الإسلامي لمحو آثار قرون من القهر الإستعماري الغربي وإحياء تراثه المفقود لابد أن يصاحبه إختلاف في الرأى حول التطبيق الإسلامي في عالمنا المعاصر وهذا هو الواقع في السودان حالياً ..
وقالت الصحيفة أن إختيار الرئيس نميري للتطبيق الإسلامي بصورته الصارمة قد لقي انتقاداً من دوائر وفئات إسلامية إلا أنه يبدو أن الحكومة السودانية مثلها مثل الكثير من حكومات العالم الثالث لا تطيق المارقين عليها، غير أنه يلزمها أن تفصل بين أغراض السلطة وتطبيق الإسلام في الحياة المعاصرة.
كندا
صحيفة الديلي نيشن
في عددها الصادر بتاريخ 22 يناير 85 تحت عنوان: الخرطوم تعتقل أربعمائة شخص قبل إعدام محمود محمد طه، ذكرت الصحيفة أن السلطات السودانية قامت بإعتقال أربعمائة شخص..
وذكرت أن الفكر الايدلوجي لهذه الجماعة يرتكز على تحديث تطبيق الشريعة الإسلامية وهم يعارضون التطبيق الحاليى للشريعة الإسلامية الذى أعلن في سبتمبر 1983.
الاكونمست
إن شنق الأستاذ محمود محمد طه زعيم الأخوان الجمهوريين والبالغ من العمر 76 عاماً ليثير هذا التساؤل الهام “هل يمكن أن يكون هناك مجال لفهم جديد للإسلام في الدول الإسلامية الحديثة؟” هذا ويفيد معظم المسلمين أن الإعدام الذي تمَ يوم 18/1/85 بالخرطوم فيه إجهاض للعدالة الإسلامية..
يقول نميري أن الأستاذ قد شنق لأنه عارض السياسة الجديدة في الحدود من قطع وجلد ولكن الأستاذ يقر الحدود ولكنه يعترض على طريقة تطبيقها من محاكم “العدالة الناجزة” ولعل ما حدث في محكمة الأستاذ دليل على ما يقول ..
((وأخيراً إذا حاول الحكام المتسلطين – مدعي الإسلام – كتم أنفاس الأفكار الجديدة قد يتحجر الفكر الإسلامي وهو المحتاج لأمثال الأستاذ محمود من المتفردين الأحرار))
جريدة المواطن: أتاوا
((تمَ في يوم الجمعة 18/1/85 بمدينة الخرطوم المغسولة باشعة الشمس، وببرود تام، الشنق لشيخ كبير ومسالم، وكان الشنق علناً، وجزاء لجرأته على إخبارهم أنهم مخطئون))
((ولد الشيخ عام 1910 ولقد سجنه الإنجليز للمشاكل التى سببها لهم في عام 1946 وأطلق سراحه بعد ثلاثه سنوات وفي فترة السجن تلك فرض على نفسه نظام للإطلاع والتفكير الروحي والصلاة وقد استمر على ذلك الحال لمدة عامين بعد إطلاق سراحه))
((وكان مراده أن يعيد إسلام القرن السابع الميلادي إلى القرن العشرين الحالي بعد السنين الطويلة من النوم عبر العصور الوسطى وعصر إعادة ولادة المعرفة وعصر المنطق وعصر الإلهام وعصر الفردية وعصر العلم، إلى القرن العشرين النووي .. هكذا أكمل حياته وأكمل ما كان يعتقد فيه بنفس الطريقة التى كان ينشر بها تعاليمه المطهرة من النقص البشري أو اي غرض شخصي وتلاميذه لا يملكون الآن شيئاً يحتفظون به أعظم من مثال الحياة الذي جسده لهم- إسمه؟ محمود محمد طه لكن هذا غير مهم .. إنه جزء من آلام المخاض المتأجج لأفريقيا الحديثة!!))


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.