أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الخبير الاقتصادي المرموق د. التيجاني الطيب يكشف اهم منابع الفساد في ميزانية الاجهزة الامنية والعسكرية وقطاع الطاقة
نشر في حريات يوم 28 - 12 - 2013

كشف الخبير الاقتصادي الدكتور التيجاني الطيب عن اهم منابع الفساد المالي المتمثلة في القطاع الامني والعسكري وايرادات قطاع النفط .
والدكتور التيجاني الطيب خبير إقتصادي عمل بصندوق النقد والبنك الدوليين سابقا، وكوزير سابق للمالية والإقتصاد ، ويعمل حالياً مستشارا إقتصاديا وماليا لعدة منظمات عالمية وإقليمية .
واورد الدكتور التيجاني الطيب في مقاله بعنوان (أضواء تحليلية كاشفة علي موازنة 2014 ) : (… علي صعيد مساهمة القطاعات المختلفة في الإيرادات العامة، فمن المدهش ملاحظة عدم توقع أي إيرادات من قطاع الطاقة، والنفط والمعادن الحيوي الهام، بينما تبلغ الجملة الكلية لتقديرات مصروفات القطاع 823 مليون جنيه، ما يدعو للتساؤل البرئ عن أين تذهب إيرادات الكهرباء والمياه وحتي حصة الحكومة في النفط المحلي؟ أما قطاع الدفاع والأمن والشرطة، وهو قطاع من المفترض أن يكون مصدر إيرادات هائلة، فقد قدرت الإيرادات المتوقعة منه بحوالي 11 مليار، منها 10,3 مليار تمثل تقدير إيرادات الجمارك، ما يعني أن 700 مليون جنيه فقط هي المساهمة الفعلية المتوقعة من هذا القطاع …) .
واضاف ( … وإذا إنتقلنا بالنظر إلي توزيع تقديرات الصرف الجاري علي القطاعات، نجد أن قطاعي الدفاع والأمن والشرطة، والمتنوع يستحوذان علي أكثر من 88% من إجمالي تقديرات الإنفاق القطاعي (جدول 2)، مقارنة مع 7% فقط لقطاعات الزراعة (بشقيها النباتي والحيواني)، الصناعة، الصحة والتعليم، …. أيضاً ملاحظة أن 80% (9,2 مليار جنيه) من مصروفات قطاع الدفاع والأمن والشرطة، المقدرة بحوالي 11,5 مليار جنيه، لتعويضات العاملين و 18% (2,2 مليار جنيه) لشراء السلع والخدمات، ما يثير التساؤل حول كيفية تمويل بقية الصرف علي حاجيات هذا القطاع القتالية والأمنية. وفي إعتقادي أن البحث عن التجنيب ومنابع الفساد المالي يجب أن يبدأ من هنا … ) .
( نص المقال ادناه ) :
أضواء تحليلية كاشفة علي موازنة 2014
بقلم: د. التجاني الطيب إبراهيم
تأتي موازنة العام المالي 2014م في وقت يمر فيه الإقتصاد السوداني بمرحلة خطيرة. فقد ألم الضعف بالأداء الكلي والمالي، وحدث مؤخراً هبوط حاد في مستوي الثقة في سياسات الدولة الإقتصادية والنقدية، بينما تنامت مخاطر التطورات السلبية. وعلي خلفية مواطن الهشاشة الهيكلية، التي لاتزال في إنتظار المعالجة، أصيب الإقتصاد بوابل من الصدمات في عام 2013م. فقد ضربت أماكن عدة من البلاد موجة من السيول والفيضانات، وتصاعدت القلاقل في مناطق الصراع المسلح وحديثاً في دولتي جوار هما جنوب السودان وأفريقيا الوسطي. في نفس الوقت، واجهت موازنة 2013م صعوبات مالية كبيرة أدت محاولة معالجتها، ولو جزئياً، إلي إحتجاجات شعبية واسعة النطاق إتضح منها أن المشكلات الهيكلية التي تواجه الإقتصاد السوداني أكثر عصياناً علي الحل مما كان متوقعاً علي الصعيد الرسمي .
وتشير التوقعات لمؤشرات الإقتصاد الكلي الواردة في "تقديرات مشروع موازنة العام المالي 2014م" إلي أن النمو الحقيقي لإجمالي الناتج المحلي سوف يسجل إنخفاضاً ليصل إلي 2,6% حتي نهاية 2014م بعد أن تجاوز 3,6 في عام 2013م صاعداً من 2% في عام 2012م. هذا يعني أن إجمالي الناتج المحلي الحقيقي (بعد خصم معدل التضخم) يزداد بوتيرة واهنة قدرها حوالي 2,7% في المتوسط، أي أقل من معدل النمو السكاني المقدر بأكثر من 3%. أما فيما يتعلق بسعر صرف العملة الوطنية مقابل العملات المتداولة عالمياً، فقد تبنت الموازنة إستعمال "سعر الصرف المرن المدار" (يساوي حالياً 5,7 جنيه للدولار الأمريكي). لهذا ذهب خطاب الموازنة في صفحة 8 للقول بأن، "…… جاءت الموازنة خالية من الضرائب.."، رغم أن هذا التصريح الفضفاض غير دقيق لأن إستعمال سعر الصرف المدار لتنفيذ الموازنة سيرفع حجم الضرائب، خاصة وأن الفجوة بين السعر المدار وسعر السوق الموازي في إتساع مستمر، ما يعني أن السعر المدار ينتظره الكثير من الصعود لردم الفجوة بينه والسوق الموازي. بالإضافة إلي ذلك فإن خلو الموازنة من الضرائب لا يعني بالضرورة عدم إرتفاع الأسعار. فمن ضمن الإصلاحات المالية المستهدفة في الموازنة، والمذكورة في خطاب الموازنة، صفحة 12، "الإستمرار في تنفيذ وإعادة هيكلة الدعم للسلع الأساسية." هذا يعني بكل وضوح ترقب إرتفاع أسعار تلك السلع والأثر غير المباشر لذلك في زيادة أسعار السلع والخدمات المرتبط إنتاجها بالسلع الأساسية كما شهدنا بعد إجراءات سبتمبر 2013م .
من المتوقع أيضاً في 2014م أن يبلغ متوسط معدل التضخم الكلي 21%. المدهش أن موازنة 2013م إستهدفت نفس الرقم تقريباً (22%)، والعام علي وشك أن ينتهي بمعدل تضخم في حدود 42 – 43% أي ضعف المعدل المستهدف! ولنا هنا عدة ملاحظات: أولاً: من الواضح أن إستهداف التضخم يتم بصورة عشوائية بعيداً عن ربطه بسياسات وإستراتيجيات كلية ومالية محددة لإصابة الهدف. ثانياً: يقول خطاب الموازنة في صفحة 6، " لقد نتج عن تنفيذ السياسات المالية والنقدية التي تم إعلانها خلال العام 2013م تحقيق وإستدامة الإستقرار الإقتصادي في البلاد…". هذا كلام لا علمي ولا عملي لأنه من غير المعقول أن نتحدث عن إستقرار إقتصادي، ناهيك عن عامل الإستدامة، في وقت تتسارع فيه وتيرة غلاء الأسعار بمعدلات غير مسبوقة. حسب الإحصاءات الرسمية. ثالثاً: حتي لو نجح صناع القرار في تحقيق معدل التضخم المستهدف (21)%، فإن هذا لا يعد مؤشراً للإستقرار الإقتصادي الذي لا يمكن بلوغه إلا بهبوط معدل التضخم إلي رقم آحادي (3-5% كما هو متعارف عليه عالمياً) وبقائه علي ذلك بصورة مستدامة. رابعاً: النمو المتوقع للكتلة النقدية (16,6%) قد يساعد في تهدئة جنونية الأسعار وبناء المصداقية، لكن في ظل إستمرار السياسة المالية التوسعية وغياب سياسة سعر الفائدة كآلية للتحكم في الكتلة النقدية فلن يكون هذا المعدل أوفر حظاً من سابقاته .
ونظراً لما سبق ذكره، فموازنة 2014م في وضع أكثر صعوبة من سابقاتها للأعوام 2010م – 2013م نتيجة لسوء الإعداد وترتيب الأولويات وعدم القراءة الصحيحة لما وصل إليه حال الإقتصاد المحلي من تردي مقارنة مع الوضع الإقتصادي العالمي والإقليمي. لهذا إستندت موازنة 2014م علي جملة من الفرضيات تتطلع الحكومة إلي تنفيذها، لكن دون تحديد هدف رئيسي للموازنة، وهو الوصول بمؤشرات الإقتصاد الكلي والمالي إلي بر آمن، ودون أي تقييم لعدم فاعلية السياسات والإجراءات الإقتصادية التي جري تنفيذها خلال الأعوام المالية الأخيرة في إحتواء تدهور الأوضاع الإقتصادية. أيضاً، تثير تلك الفرضيات جملة من التساءلات حول جديتها في التعامل مع معطيات الإقتصاد القومي علي أرض الواقع. ففي جانب الإيرادات، بنيت الموازنة علي فرضيات رئيسية يصب جلها في زيادة الضرائب علي النشاط الإقتصادي والمواطنين. فمن المتوقع إرتفاع الإيرادات الضريبية بنسبة 35% لتصل إلي 28 مليار جنيه ، ما يعادل 61% من إجمالي الإيرادات والمنح (جدول 1)، رغم أن هناك تباطؤ واضح في حركة النمو الإقتصادي. هذا سيؤثر سلباً علي أسعار المواد الغذائية، خاصة بالنسبة للشرائح الإجتماعية الضعيفة والتي تمثل اكثر من نصف سكان البلاد حسب الإحصاءات الرسمية، ناهيك عن تداعيات ذلك علي عائد الإنتاج وأسواق العمالة وتشجيع الإستثمار بشقيه المحلي والأجنبي. إن الإفراط في زيادة الضرائب، خاصة علي الواردات، يعمل علي تقليل النشاط والحراك الإقتصادي، مما يقلل بدوره من الإيرادات الضريبية، وبالتالي زيادة الضغط علي عجز الموازنة، وهذا ما يستدعي التحوط لإحتمال عدم تحقيق التقديرات الضريبية، خاصة في غياب تقليص الإنفاق. هذه المخاطرة المحتملة جداً لم تشملها الموازنة لا من بعيد أو قريب .
الإيرادات غير الضريبية هي الأخري قدر لها الإرتفاع وبمعدل 52%، إنعكاساً لبدء إنسياب نفط الجنوب عبر الأراضي السودانية والمتوقع أن يدر علي الخزينة العامة 5,6 مليار جنيه، أي ما يعادل 12% من إجمالي الإيرادات والمنح، في شكل رسوم عبور (2,4 مليار جنيه) وتحويلات مالية إنتقالية (3,2 مليار جنيه). هنا أيضاً تكمن مخاطرة أخري، كما هو الحال مع الإيرادات الضريبية، إذ أنه من المحتمل إستمرارية الإضطرابات المؤسفة في دولة جنوب السودان إلي حين لا يدري أحد مداه، ما يستدعي أيضاً رسم سيناريو لكيفية التعامل مع إحتمال عدم الحصول علي الإيرادات المتوقعة من نفط الجنوب كلياً أو جزئياً في جانبي الإيرادات والمصروفات. أما في مجال المنح الخارجية، فأفتراض أن تبلغ 2,5 مليار جنيه بنسبة إرتفاع 75%، يمثل نوعاً من التفاؤل المفرط، إذ أن أداءها الفعلي لم يتعد 1,5 مليار جنيه من 1,8 مليار جنيه جملة تقديراتها في موازنة 2013م .
علي صعيد مساهمة القطاعات المختلفة في الإيرادات العامة، فمن المدهش ملاحظة عدم توقع أي إيرادات من قطاع الطاقة، والنفط والمعادن الحيوي الهام، بينما تبلغ الجملة الكلية لتقديرات مصروفات القطاع 823 مليون جنيه، ما يدعو للتساؤل البرئ عن أين تذهب إيرادات الكهرباء والمياه وحتي حصة الحكومة في النفط المحلي؟ أما قطاع الدفاع والأمن والشرطة، وهو قطاع من المفترض أن يكون مصدر إيرادات هائلة، فقد قدرت الإيرادات المتوقعة منه بحوالي 11 مليار، منها 10,3 مليار تمثل تقدير إيرادات الجمارك، ما يعني أن 700 مليون جنيه فقط هي المساهمة الفعلية المتوقعة من هذا القطاع .
في جانب الإنفاق الكلي، لم تفترض الموازنة أي إجراءات ذات معني لضبطه، ولا سيما الإنفاق الجاري أو التشغيلي، الذي تقدر الموازنة أن يرتفع من 35 مليار جنيه في عام 2013م إلي ما يقارب 46 مليار جنيه في 2014م بزيادة مقدارها 31%، لترتفع حصته إلي 89% من إجمالي الإنفاق الكلي (التشغيلي+التنموي)، المقدر بحوالي 52 مليار جنيه (جدول 1). بالتالي يكون الإنفاق الجاري قد إزداد بأكثر من 60% خلال العامين 2013م – 2014م، ما يعني الموت الطبيعي لما يسمي "البرنامج الثلاثي" للأعوام 2012م – 2014م، الذي من أهم ركائزه تقليص الإنفاق الجاري بنسبة 45% خلاص العامين 2012م و 2013م. ورغم المغالاة في توقعات الإنفاق، فمن الملاحظ أن الصرف التشغيلي أغفل وضع تقديرات لمواجهة بعض أوجه الإنفاق، كمتأخرات الحكومة للقطاع الخاص، البالغ قدرها حوالي 1,7 مليار جنيه، ما يعني أن الإنفاق الكلي، في نهاية العام، قد يفوق كثير توقعات الموازنة، وهذا بدوره قد يأثر سلباً علي حجم الصرف التنموي المقدر، من أجل المحافظة علي مستوي العجز المتوقع كما درجت دائماً الموازنات المتعاقبة علي ذلك .
ما يثير الإنتباه أيضاً، أن تعويضات العاملين (16مليار جنيه)، والتحويلات الولائية (12,4 مليار جنيه)، تستحوذ علي 62% من جملية الإنفاق الجاري. وإذا أضفنا تقديرات الصرف علي السلع والخدمات (4,9 مليار جنيه)، ودعم السلع الإستراتيجية كالقمح والمحروقات (6,5 مليار جنيه)، إلي بندي الإنفاق السابقين، نجد أن هذه البنود الأربعة وحدها تمثل نسبة 87% من إجمالي الإنفاق الجاري المقدر، مما يطرح سؤالاً مهماً عن الكيفية التي ستواجه بها الحكومة النفقات الأخري، كالمتأخرات الحكومية أو حتي الطوارئ التي قد تنشب في خلال العام 2014م. هذا يدل علي أن تقديرات الإنفاق الجاري ستواجه تحدياً حقيقياً، سيدفع بالحكومة إلي إتخاذ جملة من الإجراءات لخفض العجز المالي المحتمل في جانب هذا الصرف، من أبرزها تقليص الإنفاق التنموي، كما جرت العادة؛ أو زيادة الإنفاق الجاري علي حساب تمدد العجز الكلي الغير مستدام أصلاً، وبالتالي تأجيج جنون غلاء الأسعار .
وإذا إنتقلنا بالنظر إلي توزيع تقديرات الصرف الجاري علي القطاعات، نجد أن قطاعي الدفاع والأمن والشرطة، والمتنوع يستحوذان علي أكثر من 88% من إجمالي تقديرات الإنفاق القطاعي (جدول 2)، مقارنة مع 7% فقط لقطاعات الزراعة (بشقيها النباتي والحيواني)، الصناعة، الصحة والتعليم، مع ملاحظة الإنخفاض الواضح في حصص القطاعات الثلاثة الأولي والتحسن الملحوظ في حصة التعليم بين 2013م و 2014م. هذا الوضع يكشف خطأ فقه الأسبقيات في الموازنة، ما يتطلب إعادة التوازن الحكيم بين دعم الإقتصاد وضبط أوضاع المالية العامة علي المدي المتوسط. من الضروري أيضاً ملاحظة أن 80% (9,2 مليار جنيه) من مصروفات قطاع الدفاع والأمن والشرطة، المقدرة بحوالي 11,5 مليار جنيه، لتعويضات العاملين و 18% (2,2 مليار جنيه) لشراء السلع والخدمات، ما يثير التساؤل حول كيفية تمويل بقية الصرف علي حاجيات هذا القطاع القتالية والأمنية. وفي إعتقادي أن البحث عن التجنيب ومنابع الفساد المالي يجب أن يبدأ من هنا .
أيضاً، أحد الملامح البارزة للموازنة التي تستحق تسليط الضوء عليها، هو توزيع تقديرات التنمية القومية علي القطاعات المختلفة، ، خاصة القطاعات الحيوية والخدمية الهامة. والشئ الذي يدعو للتفاؤل هنا، توقع إرتفاع حصة قطاع الزراعة في جملة تقديرات التنمية من 12% في 2013م إلي 16% في 2014م (جدول3)، مع محافظة قطاعي الصناعة والصحة علي حصصهما، بينما يتوقع للأسف تراجع حصة قطاع التعليم من 7% إلي 5%. أما قطاعات الطرق والجسور والنقل، الطاقة والنفط والمعادن، والسدود فيبلغ إجمالي حصصها 58% من إجمالي تقديرات التنمية القومية، مقارنة مع 26% لقطاعات الزراعة، الصناعة، التعليم، والصحة، بينما هبطت حصة القطاع السيادي من 4% إلي 2%، وهذه خطوة في الإتجاه الصحيح .
أما بخصوص العجز الكلي للموازنة (العجز الجاري زائد تقديرات التنمية القومية)، فمن المقدر أن يصل إلي 5,5 مليار جنيه تتوقع الموازنة تمويله من الإستدانة محلياً (2,5مليار جنيه علي المكشوف من المركزي) وخارجياً. هذا يعكس الخلل الذي ظلت تعاني منه موازنات الحكومة، وهو ضعف الإدخار الحكومي المطلوب للمساهمة في الإنفاق التنموي، لأن الإنفاق الجاري المترهل يستنزف إجمالي إيرادات الدولة ، بما في ذلك المنح الخارجية. بمعني آخر، فالحكومة تنفق كل إيراداتها ومعها أيضاً جزء من موارد الجهاز المصرفي والمواطنين علي حساب تمويل القطاع الخاص. لكن ما يثير الدهشة هو أن مشروع الموازنة (صفحة 50) يتوقع توقيع إتفاقيات خارجية بمبلغ 3,3 مليار (نعم دولار). والسؤال من أين ستأتي قروض بهذا الحجم والإقتصاد شبه راكد ومكبل بديون داخلية تفوق 27 مليار جنيه سوداني، وخارجية في حدود 44 مليار دولار، ناهيك عن الديون الصينية والهندية (7 مليار دولار) معدلة الجدولة حتي 2017م، ومتأخرات شركات النفط الأجنبية (1,1 مليار دولار) … إلي آخر كشف مأتم الديون؟ رغم ذلك نسأل الله أن يصدق الحالمون .
في الختام، ستواجه موازنة 2014م الكثير من الصعاب والتحديات ما يجعل إنفاذها علي أرض الواقع أمراً شبه مستحيل. فهي هشة الفرضيات التي تحفها الكثير من المخاطر التي لم يتم التحوط لها. لهذا تزداد أهمية إحتواء الإختلالات المتزايدة في المالية العامة، والإرتفاع المستمر في الديون، والتضخم، وهروب رؤوس الأموال. وما لم يتم التعجيل بكبح هذه المخاطر المهددة للإستقرار الإقتصادي الكلي، فلا أمل في تعافي. وما زالت هناك فرصة لإعادة تقييم موازنة 2014م لتلافي مجمل الحقائق والمعطيات السالبة بهدف إزالة السلوك الإدماني الرسمي في الإنفاق غير المنتج ووقف السير نحو الهاوية المالية.
ختم خطاب الموازنة بقوله سبحانه وتعالي " فقلت إستغفروا ربكم إنه كان غفارا* يرسل السماء عليكم مدرارا* ويمدكم بأموالٍ وبنين ويجعل لكم جناتٍ ويجعل لكم أنهارا" صدق الله العظيم.
ونختم نحن، وربما معنا غالبية أهل السودان، بقول العزيز الحكيم: " ولنبلونكم بشئٍ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون" صدق الله العظيم
مشروع موازنة 2014
جدول1: تقديرات موازنة العام المالي 2014 .
(مليارات الجنيهات)
مشروع موازنة 2014.
جدول2: تقديرات موازنة الحكومة القومية (قطاعات مختارة)
(ملايين الجنيهات)
مشروع موازنة 2014
جدول3: تقديرات التنمية القومية (قطاعات مختارة )
ملايين الجنيهات
د. التجاني الطيب إبراهيم
خبير إقتصادي بصندوق النقد والبنك الدوليين سابقا، ووزير أسبق للمالية والإقتصاد الوطني ، حالياً مستشار إقتصادي ومالي لعدة منظمات عالمية وإقليمية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.