الإدارة العامة للمرور تدفع بدوريات المرور لتوصيل طلاب الشهادة السودانية    والي الخرطوم يوجه بتسهيل إجراءات الحجاج ويعد بالتواصل مع السلطات الاتحادية للنظر في تكلفة الحج    الدمازين تواجه اضطراباً في النقل العام بعد زيادات جديدة في أسعار الوقود    مبادرة كيكل تفتح باب المصالحة بين الهوسا واللحويين    بشريات جديدة للجالية السودانية بمصر    البنك الدولي : حرب إيران ستبطئ النمو وستكون لها تداعيات متسلسلة    إعلام إيراني: نتنياهو يحاول عرقلة المفاوضات الأمريكية الإيرانية في باكستان    وصول قوة عسكرية باكستانية إلى المملكة    تشكيل بيراميدز المتوقع لمواجهة المصري البورسعيدي    الزمالك يقترب من حل أزمة القيد.. وإبراهيما نداى عقبة فى الطريق    قصص حب فى كواليس التصوير.. حين تتحول الكاميرا إلى بداية علاقة حقيقية    تارا عبود عن أصعب مشهد فى صحاب الأرض: نضال شعبنا الفلسطينى منحنى طاقة    كم يحتاج جسمك من السكر يوميًا دون أن يضر صحتك؟    أنشيلوتي يفاجئ نيمار قبل شهرين من المونديال    الصادق الرزيقي يكتب: هل انسلخ النور قبة ..؟    غرفة المستوردين تنتقد زيادة الدولار الجمركي (9) مرات في أقل من عام    مذكرة رسمية بموقف حكومة السودان الرافض لمؤتمر برلين إلى وزارة الخارجية الألمانية    كانتي.. (يا الزارعنك في الصريف)    "كاف" يصدم نادي الهلال السوداني    نادي النيل يلقن الجميع درساً في الوطنية ويؤكد انهم مؤسسة تتنفس حب الوطن    الريال يفشل في تحقيق الفوز    السلطان في ضيافة القنصل حازم    الجمعية العمومية الطارئة لألعاب القوى تعتمد اللجان العدلية وتستمر ساعات قرارات مهمة وعودة قوية لاتحادات مؤثرة    الإمارات والبحرين توقعان اتفاقا لمقايضة الدرهم والدينار    روضة الحاج: أنا أستحقُّ جمالَ هذا العفوِ أُشبهُه    شرطة ولاية نهر النيل تضبط (53) جوالًا من النحاس المخبأ تحت شحنة فحم بمدينة شندي وتوقيف متهمين    حالة طبية صادمة.. عدوى غريبة تجعل امرأة تعطس ديدانا من أنفها!    من الحب للحرب.. شاهد الحلقة قبل الأخيرة من القصة الكاملة لأزمة الفنانة إيمان الشريف واليوتيوبر "البرنس"    شاهد بالصورة والفيديو.. فنانة "دلوكة" صاعدة تخطف الأضواء وتسحب البساط من كبار المطربات    بالصورة.. في حادثة أليمة.. طالب سوداني بالإسكندرية يغدر بصديقه ويرميه من الطابق السابع    الإتحاد الأفريقي "كاف" يصدر قراره في شكوى الهلال ضد نهضة بركان ويصدم جمهور الأزرق    ضبط شبكة تزوير مُستندات مركبات في الخرطوم    الموانئ السودانية تتلقى عرضًا من الهند    إيران تؤكد.. سنسيطر على مضيق هرمز بذكاء وسندعم "محور المقاومة"    البرهان يتفقد الشركة السودانية لتوزيع الكهرباء    باحثون يطورون مستشعراً لكشف الالتهاب الرئوي عبر النفس    شاهد بالصورة.. ارتفاع جنوني في أسعار "التمباك" بالسودان وساخرون: (السبب إغلاق مضيق هرمز وتأثيره سيكون عالمياً)    البرهان يصدر توجيهًا بشأن ملف الكهرباء    السودان.. القبض على 4 ضباط    في عملية نوعية لمكافحة التهريب بالبحر الأحمر ضبط متهمين أجانب بحوزتهما أسلحة وذخائر    ترامب عن إيران: ستموت حضارة بأكملها الليلة ولن تعود أبداً    السودان..ترتيبات لتوفير مبالغ مالية لشراء محصول القمح    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    ضبط شبكة إجرامية خطيرة في الخرطوم    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ماذا تريد الرياض والقاهرة من الخرطوم
نشر في حريات يوم 26 - 10 - 2014


زين العابدين صالح عبد الرحمن
هل بالفعل إن الرئيس البشير استطاع أن يحدث اختراقا في العلاقات مع كل من القاهرة و الرياض؟ أم هناك دورا مطلوبا أن تلعبه الخرطوم، في الصراع الإستراتيجي الدائر في منطقة الشرق الأوسط؟
هل السودان سوف يصبح جزءا من الدول الحورية في المنطقة؟ أم ما يزال من دول الهامش التي يجب عليها أن تسخر ذاتها و إمكانياتها، من أجل مصالح ما يسمي الدول المحورية في المنطقة؟
السؤال الأخير: أين يقف السودان من صراع الإستراتيجيات في المنطقة؟
إن الإجابة علي كل هذه الأسئلة تحتاج لمجلدات، و لكن أحاول اختصارها دون إخلال بالمقصد، و للإجابة علي هذه الأسئلة، لابد من الرجوع تاريخيا لمعرفة أصل الصراع الإستراتيجي في المنطقة، و كيف تغير ألاعبين في المنطقة و التحالفات، قبل قيام الثورة الإيرانية لم تكن إيران جزءا من صراع النفوذ في المنطقة، بحكم علاقة شاه إيران الإستراتيجية مع إسرائيل، و كان الصراع محصورا بين الرياض و القاهرة، تتكئ السعودية علي الإسلام و دعوة محمد بن عبد الوهاب، و القاهرة علي الفكر القومي العربي، و كانت دمشق تعتقد إنها دولة محورية، و لا يمكن أن تكون هناك ترتيبات في المنطقة تتجاوزها، و بالتالي كان الرئيس حافظ الأسد، يعرف كيف يدير معركته دون دخول في مناوشات، أو صدام مع العواصم الطموحة، و دخل العراق عام 1979 بعد استلام صدام حسين للسلطة من الرئيس احمد حسن البكر حلبة صراع و النفوذ، و يفرض نفسه كدولة محورية.
و وصلت العلاقة بين الرياض و القاهرة إلي مرحلة الحرب غير المباشرة في اليمن، و استقطاب الرياض لحركات الإسلام السياسي، و دعم الأخوان في مصر، كما إن الرياض كانت تتفاخر بعلاقتها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، التي تشكل لها حماية، فجاءت هزيمة 1967 للعرب أمام إسرائيل، و تغيرت المعادلة السياسية، و تراجعت تيارات اليسار و خاصة العروبية و القومية، التي كانت تسيطر علي الفعل السياسي في المنطقة، و برزت التيارات الإسلامية، الأمر الذي خفف من حدة الصراع بين الرياض و القاهرة، و أصبحت العاصمتان تميلان نحو التوافق، و ظلت التطلعات و الطموح السياسي لقيادة المنطقة حبيسة الصدور، ظلت القاهرة تقود اليسار الجريح بشعارات الوحدة العربية، و ظلت السعودية في موقفها المحافظ تستظل بالراية الأمريكية، و تجعل من منظومة دول الخليج قوة إقليمية تستند عليها. بعد حرب أكتوبر 1973 و اتفاقية الصلح بين القاهرة و تل أبيب، أحدثت الاتفاقية حلفا جديدا بين مصر و الولايات المتحدة، و راهنت أمريكا علي القاهرة باعتبارها الدول الأكبر في المنطقة، و صاحبة النفوذ الأقوى، هذا التغيير أحدث واقعا جديدا في المنطقة، و تفاهمات بين الرياض و القاهرة، و تقسيم المنطقة بينهما، أن تكون منطقة الخليج و الدول العربية الأسيوية منطقة نفوذ سعودي، و المنطقة العربية في أفريقيا منطقة نفوذ مصري، هذا التقسيم خفف حدة الصراع بين البلدين، لكن كانت هناك رايات كما ذكرت بدأت ترتفع، هي رايتا بغداد و دمشق.
قبل حرب الخليج الأولي، كان هناك منافسان للنفوذ السعودي في المنطقة، العراق الذي بدأ يزاحم في منطقة الخليج، الأمر الذي جعل الصراع علي القيادة في المنطقة بين أربع دول، مصر و السعودية و العراق و سوريا، و هؤلاء اعتبروا أنفسهم الدول المحورية التي لها القرار و النفوذ علي الآخرين، و البقية دول هامش، يجب أن تسخر نفسها من أجل خدمة الدول المحورية، و اعتبر السودان دولة هامشية، يتعلق أمرها بمصر، بل كل ما يخص السودان، يجب التفاهم حوله مع القاهرة، و هذا الذي جعل الدول الغربية و الولايات المتحدة لا تتعامل مع الخرطوم إلا عبر القاهرة، و قد بدأ ذلك واضحا في عهد الإنقاذ عندما عينت واشنطن مبعوثا خاصا للسودان، كان قبل أن يصل الخرطوم يمر عبر القاهرة و يناقش معهم قضايا السودان، و ذلك كان ناتجا لضعف الحكومات السودانية، و خاصة العسكرية، التي رضيت بهذا السلوك المعوج، و الغريب في الأمر إن القاهرة كانت في حالة عداء مع النظم الديمقراطية التي تأتي بعيد النظم العسكرية.
عام 1979 قامت الثورة الإيرانية، و دخلت إيران بقوة حلبة الصراع عبر طريقين، الأول القضية الفلسطينية، و تقربت للثورة الفلسطينية و القيادات الفلسطينية بعد ما أغلقت السفارة الإسرائيلية في طهران و سلمت مفاتيحها للرئيس ياسر عرفات، الثاني إنها أقدمت علي فتح حوارات مع حركات الإسلام السياسي تحت راية الحوار بين المذاهب، ثم أصبحت داعمة لقوي الممانعة، إلي جانب إنها بدأت تغزل نسيج خارطة تحالفاتها مع دول المنطقة، و تجميع شتات المرجعيات الشيعية في المنطقة، الأمر الذي أرق مضاجع العراق الذي يتكون شعبه من أغلبية شيعية و هو كان السبب المباشر للحرب، و المملكة العربية السعودية التي تعلم إنها محاطة بتكوينات شيعية في منطقة الخليج و اليمن، و أيضا في شرق المملكة. ثم جاء بعد فترة بروز حزب العدالة و التنمية التركي، الذي يمثل رؤية جديدة و تجربة جديدة في الإسلام السياسي، و و بدأ يتمدد نفوذها في المنطقة، من خلال علاقاته مع حركات الإسلام السياسي، . و أخيرا انطلقت الانتفاضات العربية و الثورات العربية، لكي تحدث تغييرا كبيرا في خريطة التحالفات و من ثم ظهرت دولة قطر كقوة مساندة لهذه الثورات و الداعمة لقوي الإسلام السياسي، كل ذلك كان خصما علي النفوذ السعودي و المصري في المنطقة، و لكن ظل السودان بحكم الحروب و عدم الاستقرار دولة هامشية، تتأرجح وفقا للمصالح.
إذن أصبح هناك الإسلام السياسي السني، و الذي تمثله تركيا بمساندة دولة قطر، محور أساسي في المنطقة، ثم النفوذ الإيراني الشيعي، و الذي استطاع أن يشكل حلفا قويا ما يسمي بالهلال الشيعي، و هناك الحلف السعودي الذي تدعمه بعض دول الخليج، و كانت قد خرجت مصر من الصراع الإستراتيجي رغم مكانتها، بحكم الصراع و عدم الاستقرار فيها، الأمر الذي جعل القيادة السعودية و معها القيادة في دول الأمارات و لكويت العمل من أجل التغيير السياسي في مصر، و دعم هذا التغيير، لكي يخلق حلفا قويا في مواجهة الحلفين الآخرين، هذه الخارطة الجديدة في المنطقة، نجد إن السودان غائب كدولة فاعلة، رغم إن السودان يملك مقومات الدولة المحورية في المنطقتين العربية و الإفريقية، و لكن عدم الاستقرار السياسي في السودان، هو الذي يجعل من السودان دولة هامشية في المنطقتين، و تقدمت عليها دول لا تملك أي مقومات في أن تكون دول محورية، و هذا ناتج لطبيعة النظم الديكتاتورية التي مرت علي السودان، و غياب النظرة الإستراتيجية للدولة السودانية، حيث حصرت النخب نفسها في الحفاظ علي مصالحها، دون النظر للمصلحة الوطنية، قصر هذا النظر، هو الذي جعل السودان علي هامش السياسة في المنطقتين العربية و الإفريقية.
في خضم صراع النفوذ الصاعدة، و تحول مركز القوة من الدول العربية إلي خارج الدائرة العربية، وفق الأجندة الإسلامية بعد ما غابت تماما الأجندة العربية، و دعاة القومية و الوحدة العربية، و ذلك بفضل السياسة الأمريكية، و حلفائها في المنطقة، و لكن علاقة السودان الإستراتيجية مع إيران كانت كمحاولة في أن يبرز السودان دولة محورية، و كانت إيران تعتقد هناك ضرورة لبروز دولة محورية جديدة، تبني معها تحالف، الهدف منه، هو تجاوز الدول المحورية القديمة، و التي ترتبط بالولايات المتحدة الأمريكية، هذا التوجه الجديد للسودان بعد ضخ البترول السوداني، و انتعاش الاقتصاد السوداني، أصبح ليس هناك أية ضغوط يمكن أن تمارس علي السودان، لذلك حاولت السلطة الحاكمة في ذلك الوقت، أن تعزز هذه المكانة، من خلال الاتجاه لبناء صناعات إستراتيجية عسكري تسند التوجه الجديد، لكن القيادة السياسية السودانية بدلا إن تجعل هناك تصالحا قوميا داخليا يسند هذا التوجه، جنحت نحو التركيز علي الحركة الشعبية، التي بدأت ترفع رايات الانفصال، الأمر الذي جعل قيادات الإنقاذ تركز علي كيف استمرارها في السلطة، الأمر الذي أفقدها أهم مقومات صعودها كدولة محورية، و تراجع دورها، الأمر الذي جعلها ترجع لدولة هامشية، تبحث عن مساعدات اقتصادية، و تقدم تنازلات من أجل ذلك، و هو المدخل الذي فتح لها أبواب، لكي تقدم مطلوبات لمصالح دول الأخرى.
المملكة العربية السعودية، طوال تاريخها السياسي مع السودان، و تعاملاتها الإقليمية، لم تضع في حساباتها أن تقيم علاقات إستراتيجية مع السودان، في اعتقادها إن السودان دولة هامشية فقيرة، تجري وراء مساعدات اقتصادية، و بالتالي ليس لديها مقومات تؤهلها أن تصبح دولة محورية، و تعقد معها حلفا إستراتيجيا، بل الاعتقاد إن السودان من خلال المساعدات التي تقدم له لا يخالف المملكة أو يكون في حلف أخر. كما إن القيادة السعودية تعلم إن الثقافة السودانية الدينية الصوفية، و هي ثقافة كل الشعب السوداني بجميع مكوناته السياسية، و هي ثقافة تمنع قيادتها أن تكون في أية حلف ضد المملكة، بسبب حب السودانيين للأرض الطاهرة المقدسة، و أيضا تعتقد المملكة السعودية إن السودان منطقة للنفوذ المصري لا تريد أن تنافس فيه مصر، و أيضا المسألة متعلقة بقضية العلاقات السودانية المصرية، حيث إن القيادات المصرية عند حديثهم حول العلاقات بين البلدين، يقولون إن السودان يعتبر عمقا إستراتيجيا لمصر، كما تعتبر مصر عمقا إستراتيجيا للسودان، و لكن هذا يخالف الواقع، حيث إن العلاقات السودانية المصرية إذا قامت علي المصالح المتبادلة، و الخروج من دائرة المصطلحات التاريخية التي ليس لها أثر في الواقع تكون أفضل للدولتين، و العلاقات الإستراتيجية تتطلب الندية، و هي غير متوفرة لا في الماضي و لا في الحاضر، و مصر أخذت من السودان أكثر مأخذ السودان، و بالتالي هي قضية تحتاج لمراجعة حقيقية، ليس في السياسات بل في طريقة التفكير في المصالح الوطنية، و يجب النخبة المصرية في تعاملها مع إية قيادة سودانية، أن تجعل هناك فاصلا بين القضايا الوطنية و قضايا الخلافات السياسية مع السلطة الحاكمة، و كما قال الإعلامي عمر الذي أشار إلي الخريطة التي وضعت خلف الرئيس السوداني، و وضعت عليها حلايب و شلاتين، إلي جانب غياب العلم السوداني رغم وجود الرئيسين، هذه قضايا ليست ضد الرئيس البشير، أو الحزب الحاكم، هذه القضية قضية وطنية تخص كل شعب السودان، و بالتالي يجب علي العقليات المصرية أن تفهم و تفرق بين تعاملاتها مع السلطة الحاكمة و بين السودان كوطن، و من حق الأخوة المصريين أن يدافعوا عن حقوقهم كما من حقنا نحن السودانيين أيضا الدفاع عن حقوقنا، نحن بالفعل نحب شعب مصر و نتطلع أن تكون هناك علاقات وطيدة و فريدة في مصر، و نعتبر مصر بلدنا الثاني إذا رضي المصرين و إذا لم يرضوا، و لكن نحب السودان أكثر، و إذا قلنا غير ذلك سوف نكون منافقين، و عندما أعطينا مصر 150 كيلوا مترا، و خسرنا أهم منطقة و أثار، كان عن طيب خاطر بهدف نصرة الأخوة في مصر، و لكن للن نقبل أن تؤخذ أرضي منا عنوة، و لا اعتقد إن الأخوة في مصر سوف يقبلوا أن تؤخذ أراضيهم عنوة، هذه مسألة تحتاج لحوار حقيقي بين البلدين.
من كل هذه المقدمة الطويلة، أردت من خلالها فهم مجريات العلاقة تاريخيا، و هنا نأتي لسؤال هل عندما سعي رئيس الجمهورية عدة مرات لمقابلة القيادة السعودية، و رفضت المملكة طلبه كان بسبب قناعة المملكة السعودية إن السودان يعد جزءا من الحلف الإيراني في المنطقة؟ نعم كانت المملكة لأول مرة يتبين لها إن السودان يمكن أن يكون في حلف أخر إذا اقتضت الضرورة، و خاصة إن مرجعية الإسلام السياسي تتجاوز البناءات الثقافية الصوفية، كما أن لا يتردد في داعم جماعة الأخوان، باعتبار أنه جزء من مرجعيتهم و تنظيمهم. و لكن للتطورات التي حدثت في المنطقة في اتجاهات مختلفة غيرت الحسابات القائمة، منها سيطرت الحوثيين علي أغلبية اليمن، استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية لجزء من العراق و سوريا، و وصوله إلي الحدود مع المملكة، و أيضا انفجار الوضع الأمني في ليبيا، و تعتقد الرياض و القاهرة للسودان يد فيه، كل هذه الأحداث و تصاعدها جعلت القيادة السعودية تراجع إستراتيجيتها مع بعض دول المنطقة، و بما فيها السودان، هذه التحولات في المنطقة و تصاعد الأحداث، جعلت بعض النخب الإستراتيجية السودانية تشير للرئيس البشير، إن يستفيد من التغييرات التي تحدث في المنطقة، و هناك أيضا بعض أصدقاء للسلطة السودانية أشاروا إليهم بإغلاق المركز الثقافي الإيراني، و فروعه في السودان، كعربون محبة و مدخل للقيادة السعودية، التي يساورها القلق من التمدد الحوثي في جنوب المملكة، و تنظيم الدولة الإسلامية في شمال المملكة، من هنا جاء لقاء ولي العهد السعودي الأمير سلمان بن عبد العزيز للرئيس البشير، و استقبل البشير بحفاوة غير ما تعامل بها في المرات السابقة، و لكن القيادة السعودية أشارت إلي الرئيس البشير يجب أن يتم التفاهم أولا مع القيادة المصرية، و من هنا جاءت زيارة الرئيس البشير للقاهرة، وفق تغييرات تحالف مرجوة، لكي تغير توازنات القوة، كل هذه التحولات، تنسيق يتم بين حزبي المؤتمر الوطني و الشعبي، و هذا ما أشار إليه الدكتور الترابي إن الظروف التي تمر بها المنطقة، و التحديات المفروضة علي الوطن تجعلنا نتمسك بالحوار الوطني.
تعتبر السعودية و مصر أن جماعة الأخوان المسلمين جماعة متطرفة إرهابية، و بالتالي منعت وجودها السياسي في دولتيهما، و لكنهما في ذات الوقت تمد يدها للخرطوم التي تحكم من قبل هذه الجماعة، فكيف تتعامل معها بحكم هذه القرارات، و هنا يرجح المذهب البرجماتي السياسي، في أن تقدم الخرطوم تصورا و حلا للمشكلة، و خاصة إن القاهرة تعاني من الضغط السياسي، و تتخوف من سيطرة الإسلاميين علي السلطة في ليبيا، و هذه لا يمكن حلها إلا بالعمل مع الخرطوم، و هناك أيضا مطلوبات من الخرطوم أن تفعلها لمصلحة دول المحور السعودي المصري، و هي ذات شقين، الأول تخص المملكة العربية السعودية، أن يفك السودان تحالفه الإستراتيجي مع إيران، باعتبار إن منظومة دول الخليج عامة و المملكة السعودية خاصة تعتقد إن منطقة البحر الأحمر منطقة إستراتيجية لها، و يجب أن تكون خالية من أية تواجد لدول في حالة صراع معها، و أن يلعب السودان دورا في إقناع دولة قطر أن ترجع إلي سربها و تلتزم بقراراته، و أخيرا أن تلعب دورا في إقناع الأخوان المسلمين المعتدلين من أجل الوصول إلي توافق يؤدي لمشاركتهم السياسية مرة أخري. و هي ما تراهن عليه القاهرة، و التي تعيش حالة من القلق، فيما يحث علي حدودها مع ليبيا، و التخوف أن تصبح ليبيا مقرا لجماعات إسلامية تهدد الأمن المصري، و ما هو مطلوب من الخرطوم هو تأمين أمني لهذا الحلف، و تنفيذ ما يطلب منها، في مقابل تخفيف الضغط الاقتصادي الذي تمر به، و إبعاد شبح التغيير السياسي.
إن الرياض و القاهرة، تفضلان التعامل مع النظام الحاكم في الخرطوم، باعتباره نظاما سياسيا ضعيفا، سوف ينفذ كل ما هو مطلوب منه، حيث داخليا مهدد بالتغيير في أية لحظة، بسبب الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، و الحالة السيئة التي تعيشها البلاد، في عدم الاستقرار السياسي، رئيس النظام و بعض قياداته، مطلوب القبض عليهم من قبل المحكمة الجنائية الدولية، حركات مسلحة تسعي مع المعارضة لإسقاط النظام، كل هذه الأسباب هي تجل النظام لا يتأخر عن تنفيذ كل المطلوب تنفيذه من قبل هذا الحلف، و ليس من مصلحة هذا الحلف أن يجري في ظل الظروف الراهنة تغيير سياسي في السوداني، لا يضمن توافقه مع هذا الحلف، أو أن تأتي للسلطة قوي وطنية تهتم فقط بمصالح البلاد، دون الدخول في أية تحالفات محورية، و ليس في مصلحة البلدين، و التغيير يضمن فقط تقليل نفوذ الإسلام السياسي، لكن أيضا قضية الديمقراطية و اتساع دائرة الحرية ليست في مصلحة العديد من دول المنطقة، و معروف إن الانقلابات العسكرية التي حدثت في السودان، أما كانت بمؤامرة من دول المنطقة، أو بتسويق عالمي للنظام العسكري الجديد من دول المنطقة، كما إن المملكة العربية السعودية لا تحبذ وجود نظام ديمقراطي حولها يعزز من، أو يدعم القوي الديمقراطية في المملكة، فهي دائما تشجع و تقف مع النظم المحافظة، التي تلعب فيها القوات المسلحة دورا كبيرا، و من خلال هذه الإستراتيجية سيظل السودان يتعامل معه علي أنه دولة هامشية، تقدم خدماتها للدول المحورية و تعزيز نفوذها. و الله أعلم, و الله الموفق.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.