مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





هل نحن في حاجة لتعديلات دستورية لبسط الحريات ..ضجة كبرى حول لا شئ
نشر في حريات يوم 31 - 01 - 2017

لا يوجد مبدأ أكثر وضوحا من أن كل فعل تقوم به سلطة مفوَّضة، بالمخالفة للتفويض الذي بموجبه تمت ممارسة السلطة، هو فعل باطل. ولذلك لا يمكن لأي عمل تشريعي، مخالف للدستور، أن يكون صحيحا ". الكسندر هاملتون
ظهر في صحف منتصف الأسبوع الماضي خبراً عن إيداع تعديلات دستورية حول الحريات العامة منضده المجلس الوطني، وهي تعديلات لن يتم نقاشها والتصويت عليها في المجلس حتى تنقضي فترة الشهرين المطلوبة دستورياً وفق احكام المادة 224 من الدستور. لم يكن الأمر مفاجأة لأحد، فقد كان معلوماً أن هذا هو الثمن الذي يتوجب على المؤتمر الوطني أن يدفعه، إذا رغب في أن يضم المؤتمر الشعبي لحكومة الوفاق الوطني، المراد تكوينها لتنفيذ مخرجات الحوار الوطني.
لايخفى على أحد أن المؤتمر الشعبي لم يكن على قلب رجل واحد بالنسبة للإنضمام لحكومة الوفاق، لذلك فقد إستمر الإجتماع الذي قرر في المسألة من ظهر اليوم الذي إنعقد فيه الإجتماع، حتى صباح اليوم التالي. وهذا يعني أن القرار لم يتم الوصول إليه بسلاسة، وأنه إحتاج لكثير من المفاوضات، والمناقشات، والتنازلات، ليتم الوصول إليه. وقد إنتهى الأمر بالشعبيين إلى الموافقة على دخول حكومة الوفاق الوطني المكونة من الأحزاب المشاركة في الحوار، فقط بعد إتخاذ الإجراءات اللازمة لإجازة التعديلات الدستورية المتعلقة بالحريات العامة. ويبدو من ذلك أن الشعبي الذي عانى في مطلع القرن الحالي ماعانى، جراء التضييق على الحريات العامة، لم ينس تجربته، وهو حريص على إشاعة الحريات العامة، حتى يكمل مشوار الصلح مع المؤتمر الوطني .
وفي إعتقادي أن مطلب الشعبي لم يكن في الأساس موفقاً، ولايؤدي إلى مايصبو إليه، وهو ما يذكرني بقول ابى انواس عن الشعراء الذين كانوا يبدأون قصائدهم بالبكاء على الأطلال
قل لمن يبكي علي رسم درس واقفاً ماكان ضر لو جلس
فكما أن البكاء على رسم درس واقفاً أو جالساً لن يغير شيئاً، كذلك فإن التعديلات الدستورية بغض النظر في مبناها ومحتواها لن تغير من الأمر شيئاً ، لأن إنتهاك الحريات العامة الذي شاهدناه منذ دخول دستور 2005م في حيز العمل ومازلنا نشاهده حتى الآن، لاصلة له بأي نقص في الأحكام الدستورية، حتى تتم معالجته بتعديل في الدستور.
القانون الدولي لحقوق الإنسان
معلوم أن المستوى الدولي المقبول للحقوق والحريات العامة، تم التعبير عنه فيما يُعرف بالقانون الدولي لحقوق الإنسان. وهو إصطلاح يُطلق على مجموع ثلاث وثائق دولية، هي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهو الإعلان الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحده في 10 ديسمبر 1948م، والذي ضم الحقوق العامة السياسية التي إستقرت في وجدان الضمير العالمي للمجتمع الدولي. والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي إعتمد وعٌرِض للتوقيع وللإنضمام، بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1966م، والذي دخل في حيز النفاذ في مارس 1976م. والعهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية واللثقافية وهي المعاهدة المتعددة الأطراف التي إعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1966م ودخلت حيز النفاذ في يناير 1976م.
وجميع الحقوق والحريات المضمنة في العهود الثلاث موجودة في وثيقة الحقوق المضمنة في دستور 2005م إما بما تضمنته مباشرة من أحكام، وإما بما إعتبرته مضمناً فيها بموجب الفقرة الثالثة من الماده 27 من الدستور والتي نصت على أنه تعتبر كل الحقوق والحريات المضمنة في الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان والمصادق عليها من قبل جمهورية السودان جزءً لا يتجزأ من هذه الوثيقة. وذلك بالطبع مع الأخذ في الإعتبار بأن العهد الدولى الخاص بالحقوق الإقتصادية والثقافية تتعهد فيه الدول أن تتخذ مايلزم من خطوات لضمان التمتع الفعلي التدريجي بالحقوق المعترف بها في ذلك العهد، بأقصى ماتسمح به مواردها المتاحة. عموماً فنحن مازلنا نشكو بعد من عدم التمتع بالحقوق السياسية الواردة في وثيقه الحقوق الملحقه بالدستور، وفي الوثيقتين المتعلقتين بالحقوق السياسية، وهي الحقوق التي إصطلح على إطلاق إسم الجيل الاول من حقوق الإنسان عليها. وهو ماعناها الشعبي حين سهر الليالي في طلبها، أو إذا أردنا الدقة سهر في طلبها تلك الليلة الوحيدة من شتاء هذا العام.
معركة في غير معترك
حسناً، لقد طالب الشعب بإنفاذ الحريات الأساسية، وجادله الوطني أول الأمر في ذلك قائلاً: الحريات موجودة ومعترف بها، ولكن هنالك فرق بين الحرية والفوضى. وسرعان ما فطن الوطني لأن ما يقوله يستحيل الدفاع عنه بشكل جدي، فالجميع يعلم أن حريات التعبير والتنظيم والصحافة تخضع لقيود ثقيلة، تجعل التمتع بها متاح فقط لأنصار الحكومة ومن والاهم. لا أحد يمكنه في محفل جاد، أن يتحدث عن حرية الصحافة في زمن تتم مصادرة الصحف فيه بشكل يومي. ولا عن حرية التجمع السلمي، حين تُمنع المسيرات ما لم تكن مؤيدة للحكومة أو مستقبلة لأعضائها. دعك من إغلاق منظمات المجتمع المدني، وتقييد نشاط الأحزاب، وأخيراً إعتقال المعارضين. لم يشأ المؤتمر الوطني أن يستمر في جدال يعلم أنه لن ينتهي بالإنضمام الطوعي للشعبي إلى حكومة الوفاق، والإنضمام الطوعي هو ما يطلبه. أو لعله فطن لأن ما يطلبه الشعبي لن يغير من الأمر شيئاً. على أي حال سواء كان هذا أم ذاك، فقد سارع الوطني بوضع تعديلات دستورية حول الحريات العامة على طاولة البرلمان، وهي تعديلات لم نطلع عليها بعد، ولم نسمع رأي الشعبي حولها، وإن كنا لا نرى في ذلك ما يقعدنا عن القول بعدم جدواها، لأننا كما أسلفنا لا نجد في وثيقة الحقوق الموجودة بالفعل، ما يدعو للتعديل، ولا نعتقد أن إنتهاك الحقوق والحريات العامة، الذي نعاني منه الآن، يعود إلى قصور في الحقوق ولا في النصوص الدستورية الأخرى.
ماذا يمكن أن يضيف بند الحريات في مخرجات الحوار إلى الدستور؟
أ الوثيقة الوطنية
حتى نجيب على ذلك دعونا نراجع بند الحريات والحقوق الأساسية في الوثيقة الوطنية وهي كالتالي
(أ) تُؤسس وحدة السودان على الإرادة الحُرة لشعبه وسيادة حكم القانون والحكم الديمقراطي اللامركزي والمساءلة والمساواة والاحترام والعدالة،
(ب) الأديان والمعتقدات والتقاليد والأعراف هي مصدر القوة المعنوية والإلهام للشعب السوداني،
(ج) التنوع الثقافي والاجتماعي للشعب السوداني هو أساس التماسك القومي، ولا يجوز استغلاله لإحداث الفرقة،
(د) تُستمد سلطة الحكم وصلاحياته من سيادة الشعب وإرادته التي تُمارس عن طريق الاستفتاء والانتخابات الحُرة المباشرة والدورية التي تُجرى في اقتراع سري عام لمن بلغ السن التي يحددها القانون.
ب مخرجات الحوار
وقد جاء عدد من المبادئ في مخرجات الحوار وهي أيضاً إما واردة في الدستور أو مكانها القانون كالفقرات التالية:
أو بين البينين كالفقرة 23
وما جاء في البند 24 ونصه كالتالي
"إلا إذا قبض عليه بشبهة ارتكاب ما يجرم القانون ويعاقب عليه السجن".
" وينبغي أن يبلغ بالشبهة فوراً عند القبض عليه دون مضي يوم واحد".
"وإذا تولت سلطة الإدعاء أمر التحري في شبهته قد يمضي حبسه لثلاثة أيام ويجوز الرجوع بأمره للقضاء إذا استدعى التحري مدّاً في حبسه ويجوز للقاضي حفظه محبوساً تحت التحري لشهر واحد".
" في حالة الشبهة بجريمة قد تؤدي عند ثبات البينة على المتهم عند القضاء الحكم بالإعدام أو بالسجن لسنة أو أكثر أو الحبس حتى يؤدي ديناً عليه عندئذ يجوز بالضمان ولكن يحق عليه الحضور متى دعي لقدوم تالٍ لاستئناف ذات التحري".
"إذا تطاولت المحكمة لأكثر من سنة قبل القضاء الحاسم وكان المتهم محبوساً أو مطلقاً تحت الضمان يجوز له الاستئناف لقطع إجراءات المحاكمة ومدة التحري بعد انطلاقه ويستدرك رده للحبس أو الضمان ولكن قد يستكمل أو المحاكمة".
فحكمه وارد في حق المحاكمة العادلة الدستوري في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ولكنه غير مفعل
أما الفقرة 25. الحرمة من الرِّق والسخرة: و26. حرمة الخصوصية: و27. حرية الاعتقاد والعبادة والمذاهب: فأحكامها واردة في الدستور ولكنها غير مفعلة.
أين يكمن العيب؟
إذا كان ذلك كذلك فأين يكمن العيب؟ وكيف يُمكن معالجته. في نظرى العيب يكمن في الإرادة السياسية التي ترفض قبول الواقع الدستوري دعك من الإمتثال له. ولكن كيف امكن للسلطة التفيذية تحدي النصوص الدستورية المحكمة، التي تقرر الحريات والحقوق العامة؟
في رأيي أن ذلك تم عن طريق قوانين قمعية صدرت في الفترة السابقة لدخول الدستور في حيز النفاذ، ورفضت أغلبية الهيئة التشريعية أن تقوم بواجبها الدستوري المنصوص عليه في المادة (3) بأن تقوم بمواءمة القوانين السارية مع أحكام الدستور، فتلغي النصوص المتعارضة مع أحكام الدستور، أو تعدلها بشكل يجعلها متوائمة مع تلك الأحكام. وقد ساعد السلطة التنفيذية في ذلك ضعف الآليات التي أقامها الدستور لحماية أحكامه.
إذا كان المقصود هو تفعيل الحريات حسبما ماجا في مقررات الحوار الوطني فإن إضافة مزيد من النصوص الدستورية غير المفعلة، لايعني شيئاً ولكن المطلوب هو إجراء تعديلات في القوانيين تُفعِّل المادة 27 من الدستور التي تمنع القانون من مصادرة الحريات العامة او الإنتقاص منها .
لذلك فقد كان الأوفق أن يطالب الشعبي بالإتفاق على تعديل القوانين التي ساعدت على خرق الحقوق الدستورية حتى تقف تلك الإنتهاكات. ونعالج فيما يلي في خطوط عريضة، حيث يضيق المجال عن التفاصيل، للحلول القانونية لتفعيل تلك الحقوق إذا توفرت الإرادة السياسية.
حق الطلاقة
لتحويل ما جاء في مخرجات الحوار إلى واقع معاش فإن ذلك يتطلب تعديل قانون الأمن الوطني لعام 2010 بحيث يقتصر تفويض الأمن على رصد المهددات الخارجية، أو النشاط الذي يهدف إلى تقويض السلطة عن طريق العمل الممسلح. وأن لا تكون له في سبيل تنفيذ مهامه سلطات التفتيش والقبض، إلا بعد الحصول على أمر قضائي وذلك بعد تقديم بينة مبدئية تفيد وجود سبب معقول للإشتباه، وأن تكون مدة الإحتجاز قابلة للمراجعة القضائية بشكل اسبوعي على ان لا تتجاوز فترة شهرين يتم بعدها توجيه الإتهام أو إطلاق سراح المتهم. كذلك يمكن أن يتضمن القانون سلطة المراقبة والتفتيش على بعد وفق الضوابط الدستورية وأهمها وجود السبب المعقول للإشتباه، وأن يكون التفتيش بأمر مكتوب يحدد الشئ المراد ضبطه.
ومن المتطلب بشكل عاجل تعديل مادة إطلاق السراح habeas corpus في قانون المحكمة الدستورية بحيث توكل سلطة الفصل في الطلبات المقدمة لقاضي فرد في المحكمة، على أن يعقد جلسة مناقشة الطلب فيما لا يزيد عن 48 ساعة من تقديمه، وتكون الجلسة في حضور المعتقل ويجوز عقدها في مكان إعتقاله.
كذلك فلا بد أن يتم تعديل قانون الإجراءات الجنائية لضمان حصول المتهمين على حقهم في المحاكمة العادلة بالنسبة للإجراءات السابقة للمحاكمة. ويشمل ذلك، ولا يقتصر على، وجوب توجيه التحذير القانوني للمشتبه فيه قبل التحري، وحق المتهم في الإستعانة بمحامي في جميع الإجراءات السابقة للمحاكمة. وحقه في معرفة جميع البينات التي تم الحصول عليها في مواجهته. وحقه في إطلاق سراحه بالضمان ما لم يثبت الإتهام وجود تخوف معقول من هروبه أو عبثه بالأدلة. كما ويتطلب ذلك إلغاء الفصل المتعلق بالمحاكمة الإيجازية.
حق التجمع السلمي
لقد درجت السلطات على تطلب الحصول مسبقاً على تصديق بالنسبة للتجمعات بنوعيها سواء أكانت المتحركة ( المظاهرات أو المسيرات) أو الثابتة ( الإجتماعات العامة). وهي سلطة إكتسبتها لجنة الأمن في الولاية، ولجانها الفرعية إستناداً على السلطات الواردة في المادة 127 إجراءات جنائية والتي تنص على أنه يجوز لأى والي ، حاكم ، معتمد او محافظ فى حدود دائرة اختصاصه وبالتنسيق مع وكيل النيابة او القاضي المختص أن يصدر أمراً بحظر أو تقييد أو تنظيم أى اجتماع أو تجمهر أو موكب فى الطرق أو الأماكن العامة مما يحتمل أن يؤدى إلى الإخلال بالسلام والطمانينه العامة. ورغم أن المادة لا تتطلب تصديق مسبق بشكل مباشر إلا أن العمل سار على تتطلبه وعلى تفريق المسيرة التي لا تحصل عليه رغم مخالفة ذلك للدستور، وهذا ما قررته مفوضية حقوق الإنسان الأفريقية في الدعاوي المرفوعة ضد حكومة السودان من قبل منظمة العفو الدولية وآخرين عندما تعرضت المفوضية للمرسوم الدستورى الثانى لسنة 1989 والذي كان في المادة 6 (3) (د) يحظر القيام بدون إذن خاص بأي تجمع لغرض سياسي في مكان عام أو خاص. ذكرت المفوضية أن ذلك الحظر العام لا يتناسب مع الإجراءات المتطلبة من الحكومة للحفاظ على النظام العام، والأمن، والسلامة العامة، وقد رأت اللجنة في ذلك خرق للمادة 10 (1) من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب. يجدر بنا أن نذكر أن الميثاق لأفريقي قد أصبح بعد ذلك جزءاً لا يتجزأ من الدستور بموجب حكم المادة 27 (3) منه.
وهو أيضاً رأى محكمة القضاء الإداري المصرية في القضية رقم 1507 ق مجموعة السنة السابعة حين ذكرت ( وإنه وإن كان الدستور قد أباح تنظيم إستعمال هذين الحقين بقانون فإنه لم يقصد إلى الإنتقاص منهما، ومن ثم يكون كل قانون يصدر من السلطة التشريعية المختصة مقيداً لهذين الحقين غير دستوري. ولا حجة في القول بأن قانون الإجتماع قد صدر قبل الدستور ونصت مواده على إعطاء السلطة التنفيذية سلطة تقدير الظروف والملابسات مما يسمح لها بتقرير منع الإجتماع أو التظاهر، ولا حجة في ذلك لأنه بصدور الدستور وإعلان الحريات يسقط كل ما يناقضها من قوانين) .
((جلسة 9/3/1953 ق مجموعة السنة السابعة القاعدة 369 ص 627 ))
وجوب صدور قانون يحمي حق التجمع السلمي
لذلك فإن المطلوب هو الغاء المادة 127 من قانون الإجراءات الجنائية على أن يتم تنظيم حرية التجمع السلمي بقانون يتسم بوضوح الأحكام، فيعرف الإجتماعات العامة والمواكب تعريفاً جامعاً مانعاً يهدف إلى حماية الحق ومنع إنتهاكه، بحيث يتضمن نصوصاً تمنع السلطات من منع الإجتمعات والمواكب العامة أو فضها طالما أنها سلمية، ولا تهدف لمخالفة القانون أو الأداب العامه. ويجب أن يكون القانون واضحاً في عدم تطلب أي تصديق لعقد الإجتماعات والمواكب العامة، وتنظيم الإخطار بشكل يساعد السلطات على تنظيم الطرق والميادين التي تكون في في طريق الموكب، أو على مقربه من الإجتماع، حتى يخفف مايمكن أن يحدثه الموكب أو الإجتماع من عرقلة سير المرور دون أن يشكل الإخطار عائقاً يحول والتعبير عن الرأي في الحالات التي تتطلب سرعة التفاعل معها ويضع على السلطات واجب توفير الحماية للمواكب التي تخرج تلقائيا نتيجة لتفاعل مع أحداث طارئة من شأنها أن تخلق ردود أفعال شعبية.
حرية التعبير
أول ما يتطلب الإلغاء هو المادة (50) تم إستحداث حكمها في قانون العقوبات لعام 1983 حين سعى النميري لإحكام قبضته على السلطة، و الذي ورثه القانون الجنائي عن ذلك القانون في المادة 50 منه. تنص المادة (50) على ما يلي من يرتكب أى فعل بقصد تقويض النظام الدستوري للبلاد، أو بقصد تعريض استقلالها أو وحدتها للخطر، يعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد أو السجن لمدة أقل مع جواز مصادرة جميع أمواله. في مفارقة واضحة للسياسة العقابية لا يتطلب القانون وقوع النتيجة الإجرامية للجريمة المعاقب عليها بواسطة المادة 50 من القانون الجنائي، ولا الشروع في تحقيقها. المادة تعاقب على القيام بفعل بغرض تقويض النظام الدستوري. وذلك يلحق بهاعواراً يلزم المشرع بالتدخل لمعالجتها، لأنه لا عقاب على النوايا ما لم تصاحبها أفعال تكشف بصورة أكيدة عنها. كذلك يجب تحديد الفعل المكون للجريمة بحيث يتحدد بإستخدام القوة الجنائية ، لأن جملة "من يرتكب أى فعل" هي جملة متسعة تشمل نقد السلطة وإيداء الرأي سلباً في أحكام الدستور مما يصادر حرية الأفراد الدستورية وقد نجم عن ذلك إستغلال ذلك الغموض بإستخدام المادة لتوجيه الإتهام للمعارضين بسبب قيامهم بأفعال مشروعة. ويضيق المجال عن باقي المواد التي تصادر حرية التعبير والمنثورة نثراُ في القانون الجنائي.
بالنسبة لحرية الصحافة يجب صدور تعديل لقانون الصحافة والمطبوعات يمنع إيقاف الصحف لأى سبب من الأسباب، ويمنع الحظر المسبق للنشر إلا بأمرقضائي، وأن يكون ذلك بسبب خطر حال وماثل على الأمن القومي، أو على سمعة الأفراد، دون أن يكون للرأي العام الحق في تلقي المعلومة التي يحملها النشر الصحفي
لا نزعم أن هذه التعديلات الواردة هنا، ستحل مشكلة الحريات العامة، فهذا مجرد غيض من فيض، ولكنها تثبت إبتداء وجود إرداة سياسية تهدف للخضوع لاحكام الدستور، وهي خطوة تضعنا في الطريق الصحيح.
نبيل أديب عبدالله
المحامي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.