قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الطيب زين العابدين : المشير البشير لا يستحق فترة رئاسية سابعة
نشر في حريات يوم 22 - 01 - 2018


المشير البشير لا يستحق فترة رئاسية سابعة
أ. د. الطيب زين العابدين
كثر الحديث هذه الأيام من بعض منسوبي الحزب الحاكم وردفائهم من المشاركين في حظوظ السلطة والثروة، عن تعديل الدستور حتى يسمح للبشير أن يترشح مرة (ثالثة) في انتخابات 2020. وصوالين المدينة ومنتدياتها تقول همساً وجهراً أن البشير نفسه وبعض اللاصقين به هم الذين يوحون لبعض حلفائهم وأوليائهم من الحكام والهيئات الهلامية والشخصيات الطامحة التي تريد أن تعود إلى كرسي السلطة مرة أخرى، بنشر تلك الأحاديث المروّجة بعناية في غرب البلاد وشرقها ووسطها، على لسان النازحين والمؤتمرات الحزبية المؤدلجة ومبادرة الشباب المصطنعة.
ولا أدري كيف يخطئ هؤلاء القوم في حساب السنوات المعلومة والمؤكدة في سجل المعاناة السودانية إبان سلطة الإنقاذ؟ لقد تولى البشير رئاسة المجلس العسكري لقيادة الثورة منذ قيامها في 1989 إلى أن حُل ذلك المجلس في سنة 1993، وقام المجلس التشريعي المُعين في 1992 (ترأسه محمد الأمين خليفة) بتنصيب البشير رئيساً للجمهورية دون انتخابات حتى عام 1996 حيث جرت أول انتخابات تشريعية ورئاسية فاز فيها البشير ضد السباح كيجاب، ولم يكن ذلك نصر مؤزر يتفاخر به. وتوالت الانتخابات الرئاسية دون تنافس يُذكر في عام 2000 و 2010 و 2015، واستفاد البشير من اتفاقية نيفاشا التي أعطته شرعية دون انتخابات في الفترة الانتقالية من 2005 إلى 2010. وفي كل هذه الانتخابات كانت مقاطعة الأحزاب السياسية لها سيدة الموقف، ولم يخضع الرئيس البشير لأدنى منافسة حقيقية اللهم إلا في انتخابات 2010 حين ترشح ياسر عرمان لرئاسة الجمهورية كأول مرشح جاد ضد البشير يمثل حزبا معتبرا في الساحة السياسية هو الحركة الشعبية لتحرير السودان. لكن المؤتمر الوطني استعمل أحابيله فأبرم صفقة سرية مع الرئيس سلفاكير الذي فرض على ياسر عرمان الانسحاب من حملة انتخابية ناجحة قبل أن تصل إلى نهايتها (ليته لم يفعل!). إذن فقد بقي البشير في رئاسة الدولة السودانية حتى الآن 28 سنة بالتمام والكمال دون أدنى منافسة انتخابية. وإذا استمر رئيساً للبلاد، كما هو متوقع، حتى أبريل 2020 يكون البشير قد أكمل في رئاسة الدولة السودانية 30 عاما بالتمام والكمال بلا شرعية سياسية معتمدة شعبياُ. وهذه المدة الطويلة جداً في رئاسة الدول هي من سمات الأنظمة الشمولية والعسكرية التي تجير كل أجهزة الدولة وسلطاتها ومواردها لبقاء الرئيس "الملهم" في موقعه وابعاد المنافسين الجادين له بكل الوسائل! مثل ما فعل القذافي في ليبيا وزين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر وعلي عبد الله صالح في اليمن وروبرت موقابي في زيمبابوي الذي بلغ الثالثة والتسعين من العمر دون أن يشبع من طعم السلطة. ويروى أن زوجة ماوتسي تونغ التي أرادت الاستيلاء على السلطة في الصين بعد وفاة زوجها قالت: إن غريزة السلطة أقوى من الغريزة الجنسية لأن للثانية عمراً لا تتجاوزه أما الأولى فلا عمر لها! ويبدو أنها محقة فيما قالت، خاصة في دول العالم الثالث التي تحاول أن تحاكي الديمقراطية التعددية شكلاً وتخالفها مضموناً وقيماً وسلوكاً! كيف تقولون بعد هذه الأعوام الثلاثين أنكم تريدون دورة ثالثة للبشير؟ أنتم في الحقيقة تطلبون له دورة سابعة فقد أكمل المشير ست دورات رئاسية بمعدل خمس سنوات لكل دورة. ولا يجوز لكم بأي حال تصفير العداد بعد كل دستور وآخر أو بعد كل مرحلة وأخرى. وهناك دستور قادم بعد الانتقالي الحالي وسيتضمن أيضا دورتين لرئيس الجمهورية، فهل ستبدأون الحساب مرة أخرى من أول جديد؟ أم أنكم ستفتحون هذه المرة فترات الترشح دون سقف محدد! وإذا تركنا جانباً عدد السنوات الطوال، فما هي الإنجازات الضخمة التي حققها البشير طيلة هذه السنوات حتى يستحق زيادة عليها في تولي السلطة على هذا الشعب الطيب المسكين؟ أنا لا أظن أن أداءه كان يستحق فترتين رئاسيتين فما بالكم بسبع فترات عجاف! والحساب ولد.
سأذكر في هذا المقال الأخطاء الجسام والكوارث الفاجعة التي حاقت بأهل السودان منذ أن استولى الرئيس البشير وأعوانه الميامين على السلطة بانقلاب عسكري في يونيو 1989، وأترك لحاشيته وعشيرته الأقربين أن يعددوا لنا ما أنجزه من جلائل الأعمال حتى يستحق أن يحكم أكثر من كل الحكومات السابقة منذ استقلال البلاد: ثلاث فترات ديمقراطية تعددية قصيرة كانت متعثرة لكنها مسنودة بتفويض شعبي حر وحافظت فيها على حريات الناس وكرامتهم وكانت لديها الفرصة لتطوير نفسها لولا الانقلابات العسكرية المشؤومة، وفترتين عسكريتين كانتا وبالاً لكنهما أقل قسوة وفسادا من سلطة الإنقاذ وأكثر كفاءة منها في إدارة الدولة. أحسب أن حكومة الإنقاذ هي الأسوأ في تاريخ الحكومات السودانية، والبشير هو المسؤول الأول عن كل اخفاقاتها بحكم توليه رئاسة الدولة دستوريا (كانت سلطته رمزية في عهد تحكم الترابي في السنوات الأولى من الانقلاب ثم أصبحت تشاركية مع المتنفذين في الحزب الحاكم لفترة قصيرة ثم انقلبت فردية خالصة له منذ المفاصلة إلى يوم الناس هذا). فما هي هذه الإخفاقات التي نسجلها له في دفتر المحاسبة؟
سنذكر فيما يلي ما تيسر منها.
شهدت فترة حكومة البشير أكبر كارثة في تاريخ السودان وهي انفصال جنوب السودان، وهو ما لم يحدث في أي بلد إفريقي رغم أنها جميعا تعاني من التعدد العرقي والثقافي الذي تسبب في انفصال الجنوب، ولا قياس بارتريا التي كانت دولة مستقلة قبل أن تضمها أثيوبيا قسراً دون رضى مواطنيها. وسياسة حكومة المؤتمر الوطني الخرقاء والاستقصائية هي التي أدت إلى تلك النهاية الكارثية. عقد المؤتمر الوطني اتفاقاً ثنائياً بينه وبين الحركة الشعبية دون مشاورة أو مشاركة مع القوى السياسية الأخرى، وكان هو الأضعف في جولات التفاوض لأن أمريكا وأوربا كانتا تدعمان مواقف الحركة وقدمتا لها الخبراء والمستشارين في حين اتصف وفد المؤتمر الوطني بقلة الخبرة وضعف السند المهني والقانوني. كانت حصيلة الاتفاق قسمة السلطة بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية سيطر كل طرف بصورة تامة على الإقليم الذي ينتمي إليه، ولم يتبقى للحكومة الاتحادية أي دور تقوم في الجنوب فقد سحبت جيشها وجهاز أمنها وحكامها وخدمتها المدنية كلية من الإقليم، بل تنازلت حتى عن السلطات الفدرالية التي منحتها لها الاتفاقية (الطيران المدني والجمارك نموذجاً). ولم تكن العلاقة بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية أثناء الفترة الانتقالية جاذبة للوحدة بحال من الأحوال، فقد اتسمت بالتوتر والمشاكسة مما كانت نهايته الطبيعية هي الانفصال بأغلبية ساحقة في استفتاء تقرير المصير. وحل موعد الانفصال دون اتفاق على الحدود، ودون حسم لمشكلة أبيي ومعالجة موقف أبناء جنوب كردفان والنيل الأزرق في جيش الحركة الشعبية، ودون تفاهم على تكلفة عبور نفط الجنوب إلى ميناء التصدير. وبقيت معظم هذه المشكلات تراوح مكانها حتى اليوم تهدد الأمن والسلام في البلدين بفضل قصر نظر الحكومة ووفدها المفاوض وتعجلها للسيطرة على حكم الشمال، كما يتعجل الرئيس اليوم دورة جديدة قبل حلول موعد الانتخابات!
تعامل الحكومة السيئ والمتقلب مع مشكلة الحركات الاحتجاجية المسلحة في دارفور، فقد سارعت باتهامها أنها عصابات نهب مسلح لا قضية لها وتعاملت معها بقسوة دموية، وجندت عليها مليشيات قبلية من الجنجويد لا تعرف الرحمة ولا الانضباط العسكري، وأهدرت لهم الحكومة على لسان رئيسها ومبعوثيه الخاصّين دماء المتمردين وأسرهم وعشائرهم وحرق قراهم وسلب أراضيهم وممتلكاتهم مما دفع أولئك المواطنين المسالمين للجوء إلى تشاد والنزوح بمئات الألوف إلى المدن القريبة. وجلب ذلك المسلك المتوحش العار والشنار على الحكومة وعلى السودان مما جرّ عليه أكثر من عشرين قراراً عقابياً من مجلس الأمن تحت البند السابع، واضطرت الحكومة رغم أنفها أن تقبل بقوات افريقية وأممية زاد عددها عن عشرين ألفاً من الجنود والشرطة لحماية المدنيين في دارفور بقى بعضهم حتى اليوم شاهداً على نقصان سيادة الدولة في أراضيها. وعندما عقدت الحكومة اتفاقيات مع بعض الحركات المسلحة في دارفور عجزت عن تمام الوفاء بها مما دفع الحركات غير المسالمة لتقول أن لا فائدة من الاتفاق مع هذه الحكومة لأنها لا تلتزم بما تعد به ولا خيار لطالبي العدالة والمساواة إلا بإسقاط هذا النظام العنصري المستبد. وما زال الاشتباك قائماً بين الحكومة ومتمردي الحركة الشعبية في جنوب كردفان والنيل الأزرق، ورغم سريان وقف العدائيات من الطرفين لشهور عديدة إلا أن احتمال اندلاع العمليات العسكرية لا زال وارداً إذا رأى أي طرف أن ذلك في مصلحته. ولم يكتمل بعد تنفيذ اتفاقية نيفاشا على المنطقتين إذ يتطلب ذلك تنظيم إجراءات "المشورة الشعبية" المنصوص عليها في الاتفاقية، ورفع توصياتها للجهات المعنية ثم البت فيها بتثبيت الوضع الإداري الحالي أو تعديله بناء على رغبة المواطنين في المنطقتين.
هناك اختلال كبير في وضع وتنفيذ السياسات الاقتصادية والالتزام بالقوانين واللوائح المتعلقة بها، فالعملية الاقتصادية برمتها تتسم بالعشوائية وعدم التنسيق بين الأجهزة المختصة وعدم الشفافية والاضطراب في تحديد أولويات صرف الإيرادات، بل وعدم تنفيذ الموازنة كما أجيزت من المجلس الوطني. وخير مثال لذلك موازنة 2018 (173 مليار جنيه) والتي اعتمدت أساساً على الإيرادات الضريبية (117 مليار جنيه)، بلغت غير المباشرة منها نسبة 68% مما يعني أنها عبء ثقيل يقع على كافة المستهلكين من الفقراء والأغنياء، لذلك تعتبر ضريبة غير عادلة في حق الفقراء خاصة بعد أن رفعت الحكومة الدعم عن سلع أساسية مثل الوقود والقمح والسكر. وأغدقت الحكومة الصرف على الأمن والدفاع والجهاز الدستوري المتضخم بنسبة بلغت حوالي 65% من الموازنة في حين لا تحظى التنمية على المستوى الاتحادي والولائي بأكثر من 19% ويبلغ الصرف على الصحة والتعليم معاً نسبة 13,8% (وهي من أقل النسب في معظم الدول الافريقية)، وبلغ عجز الموازنة 28,4% (أي 16% من الموازنة وهي نسبة عالية جداً) وستعتمد الحكومة في تغطيتها كالعادة على طباعة العملة الورقية دون رصيد حقيقي مما يؤدي إلى زيادة التضخم ورفع الأسعار. لذلك وصف بروفسير حسن بشير المتخصص في سياسات الاقتصاد الكلية الموازنة بأنها الأسوأ في تاريخ السودان (إيلاف 17 يناير). وقال رئيس القطاع الاقتصادي في المؤتمر الوطني الدكتور حسن أحمد طه بعضمة لسانه أن السبب الرئيسي وراء ارتفاع سعر الدولار هو عدم خفض الانفاق الحكومي والاستدانة من النظام المصرفي وحجم السيولة الزائدة التي ضُخت في العام الماضي بنسبة 55% (أي أن السبب لا صلة له بالمضاربة في العملات الأجنبية ولا بجشع التجار الذي تلوكه صحف الحكومة الكاسدة!). كما أن انتشار الفساد في كل أجهزة الدولة صار من الأحاديث المكرورة في المدينة لا يثير انتباه أحد، وتصر الحكومة على حماية المعتدين على المال العام والمجنبين للإيرادات المالية الذين يرصدهم في كل سنة تقرير المراجع العام بأدلة موثقة يقدمها لرئيس الجمهورية وللمجلس الوطني دون أن يجرؤ الرئيس أو المجلس على محاسبة أحدٍ منهم. وكأني بالحزب الحاكم يشجع الفساد في أوساط النخبة السياسية كافة حتى لا يقال أنه ينفرد بذلك! وقد رفض الرئيس التوقيع على قانون مكافحة الفساد الذي أجازه المجلس الوطني قبل أكثر من سنتين إلا إذا نصّ القانون على حصانة الدستوريين (ومن غيرهم يعتدي على المال العام؟)، وبعد مناقشة مع الرئيس قبل المجلس أن يمنح حصانة موقوتة لذوي المناصب الدستورية ومع ذلك امتنع الرئيس عن تشكيل مفوضية مكافحة الفساد التي يناط بها اتخاذ الإجراءات القانونية ضد المفسدين إلى يومنا هذا. إذن من يحمي الفساد في هذا البلد المنكوب؟ وفي ظل هذه الأحوال الاقتصادية البائسة لا غرو أن اتسعت دائرة الفقر والبطالة والاحتيال بصورة غير مسبوقة في تاريخ البلاد، وامتلأت جنبات سجن (الهدى) بالألاف من المحبوسين إلى حين السداد، ولا يخلو كثير منهم من حسن نية وسوء تقدير.
وعرف السودان في فترة الإنقاذ عزلة دولية غير مسبوقة في محيطه العربي والافريقي والدولي، بدأتها الحكومة بسياسة خرقاء للعب دور إقليمي فوق طاقتها وقدراتها، وبتهمة لصقت بها للمساعدة في محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك الفاشلة في أديس أببا، وبانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وبتصعيد لأزمة دارفور حتى أصبحت الأسوأ في العالم وصلت بقيادة البلد إلى عتبة محكمة الجنايات الدولية التي لم يجرؤا المتهمون للمثول أمامها حتى يفتدوا البلد من عقوبات قاسية ما زال يعاني منها. ومن المشين أن يخرج رئيس الجمهورية متخفياً من بعض المؤتمرات الدولية حتى لا يقبض عليه، وأن يتحاشى لقاءه المبعوثون الدوليون في عاصمة بلاده لأنه مطلوب لدى محكمة الجنايات الدولية. واتضح أن إدارة الشؤون الخارجية تحتاج إلى علم وحكمة ومنهجية لم تتمتع بها حكومة الإنقاذ أبداً، وإلا كيف يمثل مدير مكتب الرئيس السودان في قمة يحضرها الرؤساء والملوك من العالم العربي والإسلامي مع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية؟ وكيف تشقق مسؤولية وزارة الخارجية مع أفراد لا صلة لهم بها يتولون الإشراف على دول كبيرة مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل وجنوب افريقيا؟ ولماذا لا يعين الرجل المعجزة وزيراً للخارجية وكفى الله المؤمنين القتال؟ وكيف يجوز للرئيس أن يفسد كل المجهود الذي بُذل لتحسين العلاقات مع أمريكا بتصريحات لا فائدة منها مع الرئيس الروسي في منتجع سوتشي يعده فيها دون طلب منه بقاعدة عسكرية على البحر الأحمر؟ وحق للوزير المعني أن يستقيل من منصبه حفظاً لكرامته واحتجاجاً على مثل هذا السلوك غير المسؤول.
وعملت الإنقاذ بهمة في نشر جرثومة العصبية القبلية بصورة لم يعرفها السودان من قبل حتى أصبحت المعيار الأول للاستوزار والتعيينات في الوظائف العليا والترقيات بل وفي إنشاء الولايات والمحليات جبراً لخاطر هذه أو تلك من القبائل. وبعد أن عم الشر القرى والحضر صارت الحكومة أول من يشكي من تداعيات ما صنعته بيديها!
وعلى يد حكومة الإنقاذ تدهورت وتهالكت كثير من مؤسسات ومشروعات الدولة التي بنيت على مدى سنوات طويلة منذ الاستعمار مثل: الخطوط الجوية السودانية، السكة الحديد، مشروع الجزيرة، الخطوط البحرية، الخدمة المدنية، نظام التعليم العام والعالي، نظام الصحة والعلاج، الزراعة والصناعة، تشويه نظام الأجور والمعاشات، إفساد عدالة المنافسة الاقتصادية بتأسيس شركات حكومية (مع بعض منسوبي الحزب الحاكم) ومنحها امتيازات تفضيلية وإرساء العطاءات والمشتريات على هذه الشركات المدللة دون منافسة ودون إلزامها بمواصفات الأداء المطلوبة بل تصنع الشركات أحيانا بين يوم وليلة من أجل أن يدفع لها بعطاء ثمين. وقد غاب حكم القانون في السوق كما غاب في الدولة والمجتمع تحت نظر الحكومة وسمعها.
وانتهى الأمر بحكومة الحركة الإسلامية التي جاءت عنوة في 1989 أن تسلم أمرها (صرة في خيط) للرئيس المفرد دون مساءلة أو محاسبة حتى أصبح كبار قادتها مجرد موظفين في سلطانه لا حول لهم ولا قوة يعين من يشاء ويقيل من يشاء متى ما شاء. بل لا يسألونه عن مصير الشريعة الإسلامية التي صدعوا بها كثيرا وخاضوا من أجلها المعارك وقتل في سبيلها ألاف الشباب الواعد (سنبلة) في أحراش الجنوب. ولا عجب في ذلك فالرئيس هو صاحب المنصب التنفيذي الوحيد المنتخب من قبل المؤتمر العام للحزب أو من مجلس الشورى، وكل القيادات التنفيذية الأخرى في الحزب والدولة تأتي صاغرة بتعيين من الرئيس بما فيهم رؤساء التنظيم في كل الولايات وعلى مستوى القطر.
وأظن أن ست فترات رئاسية على رأس هذا الشعب السوداني المسكين هي أكثر من كفاية للرئيس البشير مع كل هذه الإخفاقات التي اتسم بها عهده الميمون، فهلا ترجّل عنا!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.