السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    توجيهات بحجز جميع المركبات والشاحنات المخالفة لقرار حظر تداول الحديد الخردة ونقل الحطب بالخرطوم    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    لجنة (الجاز).. المريخ (هوَ اللي بيطلع جاز)..!!    وزير الشباب والرياضة بنهر النيل يؤكد دعمه لتفعيل العمل الشبابي والرياضي بالولاية    المنصوري يتعهد بتقديم الدعم لتنمية الثروة الحيوانية بمحلية الحصاحيصا وجامعة الجزيرة    موعد تجربة سيري 2.0 لأول مرة على آيفون    مان سيتي يسرق الفوز من ليفربول    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    عبلة كامل حديث السوشيال ميديا رغم الغياب    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    انخفاض أسعار النفط والذهب والفضة يواصلان مكاسبهما    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    السودان.. الإعلان عن توفير 40 ألف وظيفة حكومية    السودان..تمديد فترة تسجيل طلاب الشهادة الثانوية للوافدين    ترامب يهاجم مغنيا شهيراً.. "رقصه مقزز وكلامه غير مفهوم"    وزير الشباب والرياضة يخاطب جماهير السَّلَمة الكباشي ويتكفّل برعاية البراعم والناشئين    مدير مستشفى سنار التعليمي يشيد بالمقاومة الشعبية والمنظمات لتطوير المستشفى    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    مشروب من مكونين يخفض وزنك ويحافظ على استقرار سكر الدم    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حسين خوجلي يعد المشانق لرطانة السودان

الحبيب، كما يقول الأنصار، حسين خوجلى ساقت الأقدار قلمي نحو صحيفته (ألوان) في العام 1986 فنشر لي مشكورا أول إنتاجي الأدبي وما كنت من المصدقين، وكان العنوان هو (ولا يزال البحث جاريا)، ثم تواصلت كتاباتي في صحيفته حتى العام 1989 وصولا لعدد ألوان الأخير وهو العدد الشهير الصادر في تاريخ 25/6/1989 والذي جرت الإشارة فيه لقيام ثورة الإنقاذ قبل موعدها بخمسة أيام، وقد نشر لي في ذلك التاريخ مقالا بعنوان (مهيرة بنت عبود.. عطاء نملة ونصيب أسد). وفي العام 2005 ذهبت إليه لزيارته في مكتبه بعمارة الفيحاء ومعي والدي، وتجاذبنا معه أطراف الحديث، وسحرنا الرجل باسلوبه (الحبوب) الجميل في الاحتفاء بالناس.
هذه المقدمة إنما هي رد لبعض جميل منه وتذكير لنفسي به، لكني ورغم ذلك أجد نفسي مضطرا لشن هجوم عليه عملا بمنطق المثل الشعبي (اكلوا اخوان وتحاسبوا تجار) وسبب هذا الهجوم هو ما نشره بصحيفة (ألوان) بتاريخ 11/8/2011 في مقاله ( ولأمسيات رمضان أحرف!!) حيث قال :
(أتمنى أن يأتي اليوم الذى تنقرض فيه رطانات الحلفاويين والدناقلة والمساليت والزغاوة والهدندوة وتسود لغة الضاد الموحدة فلسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين.. هذه معركة ذات نطع وغبار أطلقها في الهواء الطلق لصالح الثقافة المركزية، نعم معركة فلقد سئمنا المقالات المسطحة التي لا تكسب الفكر عدواً ولا صديقاً.
نعم أتمنى سيادة العربية «ولعن الله أقواماً يحسدوننا على عطر الأماني».)
وهذا هو القول المنكر في ملتي واعتقادي الذي دفعني لكتابة هذا المقال، وما زاده نكرا ومن وجهة نظر شخصي الضعيف ليس استمطار كاتبه اللعنات على من لا يشاطره رأيه فحسب، بل ووضعه له في عداد الحاسدين الذين طلب منا المولى عز وجل في محكم تنزيله أن نتعوذ منهم.
سطور بن خوجلي جعلتني (افرمل) عندها وأنا غير مصدق بادئ ذي بدء أن قلم ذلك (الحبوب) حسين خوجلى قد جرى كامل مداده بها ولم يكتبها ببقايا مداد، وبقايا مداد هو اسم لعموده الشهير آنذاك في ألوان. كان إطلاعي لأول مرة لما خطه حسيننا قد جرى في موقع (سودانيز اون لاين) وظننت أن من أورد الحديث اجتزأ منه ما اجتزأ واقتطع منه ما اقتطع وتعسف في النقل كدأب بعض كتاب ذلك الموقع. ولكن عند الوصول إلى أصل المقال اتضح لي أنني قد ظلمت الناقل وبرأت المنقول منه، ثم طارت كل شبهة من رأسي حين وجدت أن صاحب الجلد والرأس قد أعلنها داوية (أن هذه معركة ذات نطع وغبار) وأنها لصالح الثقافة المركزية ويقصد بها العربية، راميا بقفازه في وجوه الجميع.
نحن مع الأستاذ حسين في معركته لصالح الثقافة المركزية، فوجود ثقافة مركزية أمر لا مفر منه لبناء وطن موحد قادر على لم شمل أبنائه ولديه ما يضيفه للحضارة الإنسانية، ولكن أمل السواد الأعظم أن تكون إضافتنا وسيلتها ثقافة موحدة غير أنها مبينة على متعدد، إضافة يستلهمها إنسان السودان من التواصل مع تاريخه وماضيه، ومن تصالحه مع نفسه، وقد يصنف الأستاذ حسين هذه العبارات وحسب نصه نوعا من ( المقالات المسطحة التي لا تكسب الفكر عدواً ولا صديقاً( ) لكن هل من مهام الفكر كسب الأعداء أو خسران الأصدقاء؟ وهل تقاس جودة الفكر بعدد أعدائه المكتسبين؟ أو أصدقائه المحتملين؟
الخلاف مع الأستاذ حسين يجيء حول حدود هذه الثقافة المركزية وما الذي يجب أن تلتزم به تجاه الآخرين في بلد متعدد الأعراق والثقافات، هل تكون تلك الثقافة المركزية (غولا) جائعا يبتلع الآخرين ويبيدهم عن بكرة أبيهم وبكرة جدهم، أم أن تلك الثقافة المركزية ما هي إلا تاجر سمح الخلق يبيع للناس ويشتري منهم في إطار (رحم الله امرئ سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى)؟
طيلة القرون السابقة التزمت الثقافة العربية الخيار الثاني خيار التاجر السمح، وظلت تعيش جنبا إلى جنبا مع لغات الآخرين التي سبقتها في الوجود على أرض السودان وغير السودان، جاء شيوخ المحس على سبيل المثال من الشمال وتوزعوا في مناطق جغرافية متعددة يرطنون ما شاء الله لهم أن يرطنوا وكانوا لا يعلمون الناس القرآن فحسب بل ويعلمون الناس اللغة العربية، مع ملاحظة أنهم - وفي درجة عالية من نكران الذات – كانوا لا يعلمون الناس رطانتهم ولا يشجعونهم على ذلك..أليس هذا السلوك في حد ذاته كاف لجعلنا نردد مع قول الشاعر وتطريب المغني (قف تأمل)؟
هل يحق لنا أن نقول نحن التلاميذ لهؤلاء المعلمين (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين.) في إشارة غامزة لتفاضل بين الألسنة مبني على تفسير غريب للآية الكريمة؟
جاء في تفسير ابن كثير: (وقال ابن جرير : حدثني أحمد بن محمد الطوسي ، حدثنا أبو عامر ، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن مسلم بن عبد الله الملائي ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلم قينا بمكة ، وكان اسمه بلغام ، وكان أعجمي اللسان ، وكان المشركون يرون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخل عليه ويخرج من عنده ، قالوا : إنما يعلمه بلغام ، فأنزل الله هذه الآية) : ( ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين.).
هذا ما فسره بن كثير وعلينا ملاحظة أن الضمير في لفظ (إليه) يعود للغلام بلغام، أي أن لسان بلغام هو الأعجمي، ولم تكن الإشارة أبدا لمطلق لفظ اللسان باعتباره اللغة المتداولة بين قوم ما، ففي تلك الآية جرت المقارنة بين حالين: حال المتحدث بلغته الأم فهو طلق اللسان وحال من يتعلمها حديثا فهو متعثر فيها، وبالتالي فإن الآية تريد تبيان أنه لا يجوز عقلا أن يتعلم صاحب اللسان الأصلي من مستجد فيه، لكن الآية لم تمنع أبدا احتمال تمكن المتعلم الجديد أن يكون معلما لغيره من أصحاب اللسان الأصلي متى ما استقام لسانه وأصبح مجيدا للغته الجديدة وافلت لسانه من أسر لغته القديمة. وقد شهدنا في عصرنا الحديث معلمين من شتى بقاع السودان وفيهم الكثير من (الرطانة) ومن هؤلاء الرطانة من كانت مهمته هي تعليم الطلاب في اليمن والسعودية والخليج اللغة العربية والدين الأسلامي.
إذن لا وجه لجعل هذه الآية الكريمة سلاحا يشهر في وجه أصحاب الألسنة الأخرى بغرض الحط من قدر ألسنتهم، فقد كرم الله أبناء آدم وحملهم في البر وفي البحر ومن كرامة الإنسان احترام لسانه الذي درج عليه وتربى في كنفه. بل أن أسوأ إهانة يمكن أن توجه لإنسان هي السخرية من لسانه. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحترم السنة غير العرب ويستخدمها بكل لطف مداعبا بها من حوله، فقد أورد د. محمد جلال صالح في مقاله، الحبشة والأحباش في الأسلام، ( أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم ببعض المفردات الحبشية من ذلك كلمة (سني) فقال وهو يداعب تلك الجارية التي ولدت في بلاد الحبشة، وجاءت وهي تتكلم لغة الحبشة، عندما رأى عليها ثوبا من ثياب الحبشة الجميلة: ( سنه، سنه) أي جميل، جميل. وهذا التعبير بعينه هو المستخدم في لغة (التجري))
لقد سادت اللغة العربية حقبة من الدهر لأنها لم تحتقر الألسنة الأخرى وأخذت بعض ألفاظها منها، فلم تجد حرجا كلغة وعلى سبيل المثال من استعارة لفظي المصحف والمنبر من الحبشية، وما عرف العرب ماهو السندس ولا الإستبرق ولا الفردوس، وذهب بعض الباحثون النوبة في منابرهم بالشبكة العنكبوتية إلى وجود ألفاظ نوبية في القرآن الكريم أصبحت من الفصيح بحكم ورودها في القرآن، ومن ذلك:
بساً: قال تعالى في سورة الواقعة واصفاً أهوال القيامة ( وبست الجبال بساً) بسِّ : تعني الفعل ينفجر ويتفتت بالنوبية وفي القرآن الكريم تعني التفتيت والانفجار
· تور: قال تعالى في نفس السورة (أفرأيتم النار التي تورون) تور : تطلق على الفعل يشتعل وعلى إسم آلة الكير التي يستخدمها الحداد في نفخ النار وذلك بالنوبية في الشمال والغرب وفي القرآن الكريم نفس المعنى أي: توقدون
· قرِّتي : قال تعالى ( قرة عين لي ولك ) قرتي بالنوبية تعني: الفرحة
· دكاء : هي المنضدة أو المقعد من الطين قال تعالى ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقاً)
ومن السنن الكونية الراتبة أن اللغات مثل البشر تتصارع وتتعاون ويتأثر بعضها ببعض ولا مجال للقول بان هذا لسان شريف والآخر غير ذلك، فالهندوس ينظرون للغة السنسكريتية باعتبارها لغة مقدسة، والإغريق رأوا غيرهم (بربر) متوحشين، واليهود قالوا نحن شعب الله المختار ولساننا لا لسان يدانيه، وهكذا. كما أن غلبة اللغة ليست بالسيف فقد فتح العرب بلاد فارس لكنهم لم يتمكنوا من فتح اللسان الفارسي، فالفرس كانوا أمة عريقة الحضارة والعرب كان معظمهم بدو، لذا أخذت العربية عن الفارسية كثير من ألفاظ الحضارة، كما أخذت الفارسية عن العربية ثلث مفرداتها تقريبا، مع البون الشاسع بين اللغتين من حيث الجذور التاريخية، فالفارسية تصنف ضمن طائفة اللغات الهندو-اوروبية بينما العربية ضمن اللغات السامية وبنت عم للعبرية والحبشية.
وكذا كان الحال عند دخول العرب السودان إذ لم يتمكنوا من محو اللسان النوبي نسبة لأن الغلبة الحضارية كانت للنوبة، وظلت معظم ألفاظ الزراعة نوبية ، مثل التقنت والبوقة والواسوق واللبقة والسندقيق وغيرها، واستمر هذا التعايش السلمي بين اللغات النوبية وغيرها والعربية إلى يومنا هذا ضمن اتفاقية (بقط) لغوية غير مكتوبة، يريد الأستاذ حسين نقضها اليوم والإطاحة برأسها فوق نطعه.
لقد حمل لواء العربية - إضافة للمحس - مئات الشيوخ الرطانة من قبائل شتى دناقلة وهدندوة وزغاوة وفور وغيرهم فإذا بالناس يلحدون إليهم طلبا للسان العربي المبين، فنشروا هذه اللغة في بلادهم وفي بلاد أخرى وكان جهدهم أشبه بجهد الفرس في ترسيخ الأسس المتينة للغة العربية والثقافة الإسلامية التي ننعم بها اليوم، كيف يا ترى ستكون العربية دون سيبويه والفراء والزجاج وبن خالويه وبن فارس والفيروزابادي؟ كيف سيكون حال الحديث دون البخاري وبن ماجة والترمذي والنسائي، وكيف سيكون الشعر العربي دون مساهمة الكثير من الشعراء ذوي الأصول غير العربية أمثال بشار بن برد وابو نواس وغيرهم؟
نفس السؤال يمكن توجيهه للحالة السودانية، كيف سننعم بهذه الثقافة العربية لولا جهد تلاميذ الرواق السناري في الأزهر الشريف وتلاميذ رواق دارفور وبعثات الطلاب المتجهة نحو شيوخ مكة والمدينة؟ ما هو القول في سلاطين دارفور وتقلي وسلاطين الفونج الذين أوقفوا الأموال لهذا البعثات ووطدوا العلاقات مع مصر والحجاز وشمال أفريقيا وأتاحوا الفرص للطرق الصوفية للاستثمار الروحي في نفوس مواطنيهم؟
هل كنا يا شيخنا حسين سننعم بقراءة (ألوان) وبمقالات رئيس تحريرها المكتوبة بعربية فصيحة لولا هذا الجهد المتراكم عبر القرون والذي اشترك فيه كل أهل السودان من الغرب والشمال والشرق كل بما تيسر له في سبيل خدمة تلك الثقافة المركزية التي ندعي اليوم بأننا أبناؤها البررة وغيرنا ما هم إلا متسولين على قارعة طريقها؟ هل يريد الأستاذ حسين أن تكون ثقافتنا المركزية مثل (أم عامر) تلك الضبع التي أكلت أبناء من أحسن إليها وآواها فقيل في ذلك المثل العربي (مجير أم عامر)؟
كانت أجمل فترات الحضارة العربية الإسلامية هي تلك الفترة التي تلاقحت فيها مع الحضارات الأخرى فأنتجت لنا الفارابي والرازي وبن رشد وبن سينا وأبو الريحان البيروني وأبناء الأثير وقاس فيها علماء الخليفة المأمون محيط الأرض قياسا مطابقا لقياسات اليوم إلا من أمتار قليلة. لقد تدهورت تلك الحضارة حين ارتفع صوت إقصاء الآخر بحجج عنصرية، هذا فارسي فاحذروه وهذا بربري فاتركوه، وهذا من الترك فاجتنبوه، وهذا رومي فازدروه فادخل هذا التشاكس الحضارة العربية عصور الانحطاط بجدارة وأصبح هم علمائها الكبار هو ابتكار أسئلة الفتاوى الصعبة والإجابة عليها من نوع هل تجوز صلاة من يحمل على كتفه قربة مملوءة بالفساء؟
وفي سودان العصر الحديث حين نضج أدباؤنا لغويا وفكريا واستووا على سوقهم بفضل انتشار التعليم قطفنا أجمل ثمار هذا التزواج بين ثقافات الرطانة بمختلف مشاربهم والثقافة العربية، فقد جاءنا ذات زمان أبو آمنة حامد، رطانيا عتيدا، وادروبا عبقريا، انجبته رمال هيا فغنينا معه (سال من شعرها الذهب) وبكينا معه حين بكي ودفن وجهه في كفيه وهو يرى يد محبوبته ذات الملمس الحريري ترتعش، بل وغنى العرب معه وانشدوا وطربوا لهذا الشعر كما طرب أوائلهم لابي نواس الضاربة جذوره في صميم الرطانة الفارسية، ولولا التلاقح بين الفنون الراطنة والثقافة العربية لما غنى محمد وردي لصلاح احمد ابراهيم الطير المهاجر فسارت بها الركبان، ولولا التلاقح ما جاشت شاعرية عالم عباس محمد نور ولا استبشر النور عثمان ابكر خيرا بصحو جميل للكلمات المنسية مغنيا بها للعشب والزهر، ولا غنى خليل فرح لمحبوبته عزة متوعدا من يخوض صفاها ويعكره برواجم النبال. ولا غرد زكي عبد الكريم (حلاة بلدي وحلاة نيلها)
عصافير الخريف إبداع اسحق الحلنقي ستشدو في كل أرجاء السودان دون أن تخاف من الرياح أو دون أن تخشى الضياع مقدمة لنا في تنقلها في ربوع الوطن مساهمتها الثرة في توحيد وجدان ساتي و دهب وهارون وابكر وعثمان وادروب ونظم ذلك الشعور (غير المسطح) في عقد وجداني فريد اسمه أمة السودان.
لقد تعلم هؤلاء الرطانة اللغة العربية في المدارس وما رضعوها من ثدي أمهاتهم مثلنا – ولا فخر في ذلك - لكنها سحرتهم وفتنتهم فقدموا بها إبداعا وفنا فاق إبداع من رضعوها حليبا، ولا نملك إلا أن نقف لهم احتراما مرتين، مرة لأنهم تقبلوا هذه الثقافة بصدر رحب ومرة ثانية لأنهم اثروا صادرنا الحضاري بها وبإنتاجهم وعلمهم الغزير ورفعوا رأسنا بين الأمم.
لكل جنس من اجناس السودان الحق في الحفاظ على ثقافته المحلية ولغته وإرثه الحضاري وفنونه الشعبية، وعلينا أن نعتبر ان كل هذه الروافد المتنوعة أنما هي كنوزنا الثمينة وهي ملك لنا جميعا، كل لفظ في حلفا وكل كلمة في دارفور وكل نغم في كسلا.
لقد علمت الشعوب أسس تقسيم استخدام اللغات بين العام والخاص فقررت الصين أن لغة المندرين هي لغة قومية وتركت لمئات القوميات الحق في استخدام لغاتها المحلية، وفي الفلبين تعارفوا على ان تكون التقالوق هي اللغة الرسمية، وفي الجزائر هدأ الصراع اللغوي حين اعترفت الدولة بالأمازيغية كلغة ثانية ومنحت الأمازيغ حقوقهم الثقافية وأصبح لهم قنوات فضائية ناطقة باسمهم.
لن يزعجني أبدا أن استيقظ ذات يوم وأجد قناة فضائية تبتدرني مذيعتها الحلفاوية الجميلة بقول مسكاقني ولن يزعجني ظهور مذيع بجاوي يحيني بدبايوا حتى لو لم افهم بعد ذلك حرفا من نشرتهم العامة أو نشرتهم الجوية، ولن يعني لي ذلك أن هذا هو التشرذم بعينه، يكفي أن لنا قناة عامة تجمعنا جميعا كسودانيين تنطق بلسان موحد ولهم قنواتهم الخاصة التي تخاطب كل مجموعة على حدة ولا ضرر ولا ضرار.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.