"العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    يكررون الأخطاء.. وينتظرون نتيجة مختلفة..!!    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مذكرات السفير عطاء الله: منصور خالد يعترف بأولاده .. بقلم: خالد موسي دفع الله
نشر في سودانيل يوم 15 - 08 - 2017

استقبلت المكتبة السودانية مؤخرا صدور كتابين من أمتع ما صدر في مجال المذكرات الدبلوماسية واليوميات الحربية.
فقد صدر كتاب السفير الدكتور عطا الله حمد البشير في ثوب قشيب من السرد عن مذكراته وتجاربه الدبلوماسية، كما صدر ايضا كتاب الامريكي جورج انجليش عن يوميات رحلته للسودان في حملة اسماعيل باشا عام 1820 بترجمة رشيقة ورصينة للاستاذ عبد الله حميدة الذي سبق وان ترجم مذكرات حسن دفع الله عن ترحيل النوبيين عند تشييد السد العالي، وسنتعرض لذلك في مقال قادم.
تكتسب مذكرات السفير عطا الله اهمية خاصة لمكانة كاتبها المهنية الذي أرتقي اعلي درجات السلم الدبلوماسي سفيرا لبلاده في عدد من الدول وسكرتيرا تنفيذيا لمنظمة الإيقاد وبإعتباره شاهد عصر. وقد شرفني الكاتب بإهداء جميل يشكر عليه في رفقة الدرب العجول. ويضيق التصنيف الأكاديمي والأدبي لهذا الكتاب هل هي مذكرات سيرة ذاتية autobiography ام مذكرات شاهد عصر ؟ لانه اصدر احكاما قيمية وسياسية علي احداث عاصرها لكن لم يشارك في صنعها. ولعل هذا التخليط في المنهج هو ما دفع الكاتب للتردد في نشر مذكراته التي تكاد تختلف عن كل المذكرات التي اصدرها السفراء من قبله. فهو يعترف انها خليط من السيرة الذاتية وسجل لتجاربه في الحياة العامة واستعراض لأحداث عاصرها في حياته العملية.
و يحمد للسفير عطا الله في مذكراته انه اعتمد مبدأ الشفافية نهجا لكتابه موردا الحقائق والمزاعم لا يهمه رضي أصدقاءه او حنق خصومه، واضفي تقديم الدكتور منصور خالد للكتاب اهمية ادبية وتوثيقية، سيما وان تجربة منصور خالد وزيرا للخارجية جعلته في قفص الاتهام مواليا ومحابيا بعض أصفيائه ممن انتقاهم وأطلق عليهم ( اولاد منصور) بوزارة الخارجية. ويعترف منصور انه اصطفي زمرة من الدبلوماسيين قال عنهم: " وأولاد منصور هؤلاء لم تنمهم الي منصور اواصر قربي او تربطهم به اواصر عشيرة او مصاهرة ، بل جاء بهم اليه منهج في الادارة هو اختيار الرجل الاصلح للمكان الاصلح". و رغم أني لم أتشرف بالعمل مع السفير عطاء الله وهو صاحب سيرة باذخة في هذا المضمار الا ان شخصيته تطالعك من اول الكتاب لرجل متصالح مع بيئته ومجتمعه، خاصة وهو يرسم بفرشاة الطفولة معالم قريته وحياتها الاجتماعية ومرتقي تعليمه، وقد وثق الكتاب لتجربة شخص أتي من عمق الريف وبلغ ذري المناصب والعمل ، وقد تحدث عن طفولته وبيئته الاجتماعية وأسرته بصدق دون تطفيف او تزويق. وهذا ما اعجب منصور خالد في الكتاب لأنه لم يزيف واقعه بعنتريات ونسب وتفاخر خاليا من عقدتي النقص والاستعلاء. ولم ينسب نفسه لتاريخ قديم من لدن لطسم وجديس ليكتسب مكانة اجتماعية افتراضية.
وتعتبر الفصول الأولي هي زبدة الكتاب لما تضمنته من مذكرات حقيقية عن الطفولة والصبا والتعليم حتي الإلتحاق بجامعة الخرطوم وبداية الحياة العملية بوزارة الخارجية. واعجبني احساس الكاتب المبكر بالفصام الذي بدأ يشكل عليه مع مجتمعه كلما أرتقي سلم التعليم الجامعي، ونسج علي ذلك مفارقات طريفة منها عندما تم قبوله لمرتبة الشرف ودراسة سنة إضافية بالجامعة اذ اعتبر أهله ذلك رسوبا اكاديميا لأن دفعته تخرجت وهو ما يزال بالجامعة، او موقف من سأله عن عمله الدبلوماسي فلما اجاب شارحا مهامه قال له مختصرا مواجع الشرح ماشي مرسال للحكومة يعني. هذه المواقف والمفارقات تعكس تصالح الكاتب مع نفسه ومجتمعه المحلي رغم الفوارق الثقافية التي اصبحت تقف حاجزا بينه وبين أهله.
لا شك ان الكتاب قدم سياحة قلمية رشيقة في ديوان العمل الدبلوماسي مستعرضا الاحداث والدول التي عمل بها ووصف جنوح الفوضي وتعدد الوزراء في فترة الديمقراطية الثالثة وملابسات اغتيال الحكيم والخلاف بين الحزبين الكبيرين في توجهات السياسة الخارجية حتي قيام انقلاب الإنقاذ عام 1989.
ولعل المفارقة تكمن في ان السفير عطاء الله قد تمت الاستعانة به من قبل قادة الانقلاب وشارك في صياغة توجهات السياسة الخارجية وتقدم بمقترحات وترشيحات لمن يتولي حقيبة وزارة الخارجية ، ورغم تأكيده انه تمت الاستعانة به كسفير محترف نتيجة لتوصية الضباط الذين حاضرهم في كلية القادة والأركان الا انه شارك فعليا في تقديم بعض الاستشارات من موقعه مديرا للمكتب التنفيذي والإدارة السياسية.
يمثل الفصل الذي تحدث فيه عن المهمة المستحيلة سفيرا للسودان في الرياض أحد أهم و أثري فصول الكتاب لأنه قدم وصفا لمحاولات تطبيع العلاقات السودانية السعودية في توقيت بالغ الدقة والصعوبة. وسرد المواجهات والاستداعاءات والوثائق التي قدمت له في الوقت الذي كان ينشط فيه بن لادن اقتصاديا في السودان. فكما أفاض الكاتب في إيضاح صورة الاتهامات والمزاعم من طرف الدولة المضيفة فهو لم يختط منهجا وسطا في ايراد مواقف وحجج الطرفين. وكذلك تبيان موقف السودان من الاتهامات في ذلك الوقت و عرض ادلة السودان التي كان يستند عليها في وصول دعم من بعض الدول العربية لحركة التمرد في جنوب السودان. كانت الموضوعية تقتضي عرض وجهتي النظر خاصة وان السفير منوط به تقديم وشرح موقف الدولة تجاه هذه القضايا وكانت تصله المعلومات والتوجيهات والاحتجاجات التي كان يتوجب عليه ابلاغها للجانب المضيف، لكنه اكتفي فقط بإيراد وجهة نظر الدولة المضيفة دون عرض ردود وموقف الجانب السوداني وذلك من اجل سجل وتوثيق التاريخ فقط لأن ملابسات هذه الفترة قد تم تجاوزها وطواها النسيان.
لا شك عندي ان الفصل السابع عن الدبلوماسية الرسالية سيستحوذ علي اهتمام المراقبين والناقمين والساخطين والقراء ورفقاء الدرب في المهنة الدبلوماسية، لأنه فارق نهج المذكرات المعهود ليس فقط بالاستعراض الموضوعي للمعلومات والحقائق ولكن بتوجيه ادانة سياسية لمجمل نهج السياسة الخارجية و الدبلوماسية في عهد الإنقاذ وكذلك تفرد هذا الكتاب بإيراد وثائق وقوائم كشف التعيين والإحالة للصالح العام، وهو نهج غير مطروق ومعهود في كتابة المذكرات. بل هو غاية كتب التأريخ ومطلب المؤرخيين السياسيين لا كتّاب المذكرات من المهنيين.
قرظ الدكتور منصور خالد في تقديمه نهج تعرية دبلوماسية الإنقاذ كما استعرضه الدكتور عطاء الله في الفصل الخامس عن الدبلوماسية الرسالية، وذلك نهج سبقه فيه الدكتور السفير حسن عابدين شفاه الله وأَسْبَغ عليه نعمة العافية.
وشهدت الدكتور حسن عابدين وهو وكيل لوزارة الخارجية يقول امام الاستاذ علي عثمان وكان وزيرا للخارجية وقتها ان ازمة الإنقاذ انها أدمنت الشعاراتية علي حساب المصلحة القومية.
لقد قضي الدكتور عطاء الله اكثر من نصف عمره المهني في عهد الإنقاذ، بل ان إسهامه وتمثيله للسودان في درجة السفير وتقلده لمنصب إقليمي تم ايضا في هذه الفترة السياسية، ولم اطلع في كتاب عطاء الله وهو يشاهد هذا التخبط والتردي في اداء الدبلوماسية كما وصفه في الكتاب تقديمه لاي مقترح او نقد لاصلاح هذه الأخطاء ، وكان يتقلد وقتها منصبا رفيعا في الخارجية، و لم يتصدي للشيخ الراحل حسن الترابي وهو يودعه ويعلمه بصلات تجري في الخفاء قبل مغادرته لمكان عمله في الرياض. بل تقبل حديثه صامتا مطيعا.
لم اجد في الكتاب سوي موقف واحد تصدي فيه الدكتور عطاء الله لوزير الخارجية د. مصطفي عثمان عن تقييم السفراء وأداء البعثات وهذا عمل ديواني روتيني، لكن لم يسجل الدكتور عطاء الله وهو يعمل اكثر من عشرين عاما سفيرا في الإنقاذ اعتراضا واحدا او نقدا جهيرا لتوجهات في السياسية الخارجية رأي فيها الخطأ والخطل وتتعارض مع مصلحة الدولة والشعب السوداني. أورد ان السفير محمد المكي ابراهيم قال لوزير الدولة وقتها غازي صلاح الدين وهو يحتج علي ضعف اداء بعض الكوادر الدبلوماسية انها كوادركم التي دخلت بفعل الولاء لا الكفاءة. وتوسع عطاء الله في نقد تجربة الاستيعاب للكادر الدبلوماسي الجديد مستدلا بالوصف الساخر ( الكارير والكرور). وهو وصف يكثر الطعن ويشفي غليل السخرية لكنه لا يقدم موقفا معرفيا او نقدا موضوعيا لتجربة اثبت الزمان انها احد اهم معالم تجربة الدبلوماسية السودانية لأنها واجهت وصمدت امام اعتي هجوم وحرب مادية وسياسية ومعنوية يمكن ان تواجهها دولة في العالم الثالث.
قدم السفير عطاء الله في فصل الدبلوماسية الرسالية توثيقا لسجل الادانات الصادرة ضد السودان من المنظمات الدولية و الدول، لكن مجرد الرصد لا يكفي دون استبانة الملابسات السياسية التي أدت الي العزلة الدولية وتشويه صورة السودان. لا شك ان هناك اخطاء أساسية ارتكبها مُتَّخِذ القرار في حينها لكن في المقابل كانت هناك تخطيطا دوليا واقليميا حشدت له الحشود وجيشت له الجيوش لدعم حركة التمرد في جنوب السودان من اجل إسقاط النظام شاركت فيه دول الجوار، وكان نصيب المجتمع الدولي هو التضييق واحكام العزلة الدولية. لذا فإن ايراد سجل الادانات الدولية دون ربطه بالسياق الموضوعي للأحداث يجعل الحقيقة مبتورة ومضللة. ولعل الكاتب قد استكثر ان يقرظ اداء الدبلوماسية السودانية لأنها هي الاداة التي ساعدت في ابطال مفعول هذا التآمر وكسر حاجز العزلة الدولية. كيف تخلص السودان من سجل هذه الادانات؟ وكيف اسقط العقوبات الاممية، وكيف حاصر دبلوماسيا الولايات المتحدة في ضرب مصنع الشفاء؟
ان فصل الدبلوماسية الرسالية هو قصيدة هجاء علي بحر الطويل، شارك في تحريرها ورصد أحداثها وجمع وثائقها قلة تعبر عن الغبن الجماعي لرهط قاسي ويلات الظلم والفصل التعسفي من منسوبي الخدمة الدبلوماسية ، اضافة لجماعة أضرها الموقف السياسي المعارض لتوجهات الإنقاذ او ساءها نجاح دبلوماسية المسغبة في التصدي لهذا الحصار. . وما ازال عند موقفي بان يتم أنصاف من وقع عليهم الظلم من اهل الدبلوماسية وظيفيا وماديا ومعنويا لأنهم خيرة ابناء الوطن. ويقارن البعض بدبلوماسية كانت تجري عليها الريح سخاءً رخاءً وأخري أمضّ ليلها طول السهر ليس من اجل مغازلة الشوق في العيون الجميلة ولكن لحراسة الثغور وكفكفة الاذي.
ان الدبلوماسية السودانية الموسومة بالرسالية هي التي تصدت لهذه الحروب وحملة التشويش والتهديد والقطيعة والعزلة وصمدت في وجه هذا السيل الجارف من العداء،
وهي دبلوماسية عانت المسغبة والحصار وقلة التدريب لكنها صمدت وتجاوزت الصعاب وكانت خط الدفاع الاول عن الامن القومي السوداني. لا شك ان السودان خسر الكثير في الساحة الدولية لكن كسب استقلال القرار السياسي لأول مرة منذ امد بعيد في تاريخه الحديث.
لا ينكر احد ان الإنقاذ كانت لأول عهدها كانت منفعلة بمواقفها الاصولية وانها ستكون مركزا لنصرة المستضعفين وبنت خياراتها السياسية علي قيام نظام عالمي متعدد الأقطاب تكون فيه الولايات المتحدة قطب متساوي مع الجميع، وخاب الظن بانهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة ولم تدرك الحكومة في حينها تحولات ميزان القوي. وقد اخطأت بعض التقدير في خيارات سياستها الخارجية ومواقفها الدبلوماسية لكنها في المقابل فقد ربحت خياراتها الوطنية و استقلال قرارها السياسي وانتهي عصر الرؤوساء والسفراء الذين يملون قراراتهم عبر الهاتف علي السودان.
و أورد الكاتب معلومات وحيثيات موثقة لكن مسها لُغُوب من تطفيف في التحليل و ندّ منه في بعض صفحات الكتاب احساس المرارات شخصية منها تلكوء السودان في اعادة ترشيحه في منصب المدير التنفيذي للايقاد، وهو الامر الذي ينكره الدكتور مصطفي عثمان وزير الخارجية الأسبق، وربما يرد عليه لاحقا.
وقدم عطا الله نقدا موضوعيا ورصينا لاتفاقية نيفاشا ،من حيث الشكل والمضمون. لكنه في تقديري أجحف في تقدير دور المفاوضين في الجانب السوداني، وسار علي خطي هيلدا جونسون التي منحت الفضل لعبقرية جون قرنق، وحاول عطا الله ان يظهر ان المفاوض السوداني كأن لم يكن له حول ولا قوة بل استجاب لعوامل التفوق والقوة والدعم الدولي للحركة الشعبية. وتجاهل ان الحكومة لم تكن في حالة هزيمة عسكرية اثناء المفاوضات بل انسحبت عند الهجوم علي توريت حتي استردتها كما رفضت ناكورو عندما حاول سيمبويا ان يستأسد و وصف الوفد الحكومي بأنهم مجموعة آبقين thugs
رغم ذلك قدم نقدا موضوعيا لتقويم نيفاشا وأنصف د. غازي صلاح الدين عندما رفض ادخال المناطق الثلاث شمال حدود 56 وكشف ان الرئيس الكيني تحدث للرئيس البشير بايحاء من سيمبويا بان غازي يعتبر عقبة للتوصل لسلام مما ادي الي تغيير قيادة الوفد.
من النقاط الهامة والتي تذكر لأول مرة قوله ان علي عثمان لم يكن يملك تفويضا كاملا لذا كان كثير الذهاب للخرطوم للتشاور بينما كان قرنق يملك التفويض ويقرر لوحده مما أعطاه ميزة تفضيلية في التفاوض
انتصر عطا الله في هذا الكتاب لغبائن جيله ضد الإنقاذ من لدن المثقفين والسفراء والدبلوماسيين، ولا أقول انتصر لأولاد منصور لأن في الكتاب أنصاف لمن تجاوزهم منصور ايضا.
وأورد قائمة بأسماء من تم فصلهم تعسفيا من الخدمة وقد اخطا في بعضهم ( أورد اسماء لبعض من تَرَكُوا الخدمة طوعا دون فصل ) كما أورد اسماء الذين تم تعيينهم سياسيا، منهم دبلوماسيين دخلوا الخدمة عن طريق امتحانات لجنة الاختيار . وقد اخطأ في بعضهم ايضا
لكنها اخطاء لا تؤثر في قيمة الكتاب.
رغم اختلافي معه في بعض الحيثيات ومنهج التحليل الا ان هذا الكتاب يعتبر افضل كتاب مذكرات ينشر مؤخرا لانتقاله بين الذاتي والموضوعي مبحرا في تلاطم الاحداث والفواصل التاريخية وان خالطته بعض الأحكام الشخصية وجنح لتقديم الادانة السياسية في بعض فصول الكتاب دون التحليل الموضوعي ، وقد كدّ مجتهدافي تحري الصدق والموضوعية لكن ربما غلب عليه ما يطلبه المستمعون.
يوفر هذا الكتاب معلومة قيمة للباحثين والدارسين والمهتمين بعمل الدبلوماسية السودانية، ويقدم مادة تاريخية لإعمال النقد والنظر لمراجعة تجربة وأداء الدبلوماسية السودانية علي هدي وبصيرة خالطها لُغُوب من الحكم الشخصي، متسلحا بمعرفته وخبرته وتجاربه التي اكتسبها في سوح العمل الدبلوماسي الممتد.
ربما سيكون الكتاب دون فصل الدبلوماسية الرسالية الذي يبدو كأنه اقحم اقحاما اكثر تصالحا مع رهط عزيز من القرّاء، لكن هذا الفصل رغم الاختلاف حوله زاد من حيوية الجدل وموضوعية النقاش وفتح أبواب النقد وتقييم التجربة في سياقها التاريخي. ويكفي الكاتب شرفا ان يشتجر الناس حول مرمي قوسه والتماع فكرته و هو يحرك الجدل الموضوعي في قضية حيوية تمس عمل الدولة والدبلوماسية السودانية.
لقد وضع عطاء الله فصلا جديدا في كتابة المذكرات الدبلوماسية والاحداث السياسية يصعب تجاوزه. جعلنا هذا الكتاب ننظر لتجربته الدبلوماسية بالمودة والإعجاب وان اختلفنا معه حول التقييم والنقد الموضوعي والادانة السياسية لتجربة العمل الدبلوماسي خلال العقديين الماضيين. ليته أغلق الباب دون الاستماع لموجة ما يطلبه المستمعون لكان اوفي الكيل دون اي استدراكات.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.