وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    سودانير تعلن استئناف رحلاتها من مطار الخرطوم    الهلال ينتزع صدارة الدوري الرواندي من الجيش    شاهد بالفيديو.. بعد أداء العمرة.. شيخ الأمين يعفو عن كل من أساء إليه ويدافع عن الفنانين: (أحد الصحابة كان عنده "عود" يعزف ويغني عليه)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    رافعًا شعار الفوز فقط... الأهلي يواجه النيل في ديربي مدينة شندي    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في مناسبة افتتاح مركز الفيتوري الثقافي في "الجنينة": الفيتوري: قيثارة تجاوزت الجغرافيا ... بقلم: جمال محمد ابراهيم
نشر في سودانيل يوم 21 - 09 - 2017


أنا الشقيّ بأحبَابي ، وإن يبسوْا
كمثلِ مَا تيْبس الأيّامُ أو أفلوْا
ففيمَ أزْهو اغتراباً عنهمُ .. وأنا
كل الذين عَلوْا في الأرضِ أوْ سَفلوْا
وفيمَ استنهض الأمواتَ مُعتذراً
ما دامَ تاريخ أجدادي هوَ البَطلُ
غفوتُ.. لم أغفُ :مثل النهر سابحة
أسماكهُ .. وهوَ في استغراقهِ ثمِلُ
نأيتُ.. لمْ أنأ :كأنّ الموتُ يلبسني
حياً .. ويلصقُ في عُمري وينفصِلُ
بكيتُ .. لم أبكِ: مرت غيمةٌ فسَقَتْ
غصناً من الوردِ يدنو ثم لا يَصِلُ
( 1 )
تذكروا شاعراً نبضه من نبضكم ، سمرته المذهبة مجلوّة بمحبتكم ، هذا الشقيّ بأحبابه. هو محمد مفتاح الفيتوري . في عام 2008 كتب الأستاذ أحمد سعيد محمدية كتاباً عن الفيتوري ، يفيض وفاءاً لشاعر كبير تمدّدت تجربته الشعرية على مساحة شاسعة من الوطن العربي . لو كانت الجغرافيا تمثل ذلك التحدي الذي فشلنا في تجاوزه ، لسبب قد يتصل مباشرة بضعف قدراتنا على اكتشاف تراثنا الحضاري، وقيم الرقي التي أنتجت حضارة عربية، عبرت إلى أطراف أوروبا ، وبثت أضواءً كانت تحتاجها عصور الظلام هناك، فإنّ التاريخ لكفيل بأن ينشط الذاكرة الكسلى ، وأن يستدعي فينا تلك القدرات الكامنة في ذواتنا ، لنواجه مصائرنا الجغرافية ، ونحقق لأنفسنا مرتبةً نستحقها في خارطة الحضارات الإنسانية . من التاريخ ، جاء شاعرنا الفيتوري ومشى بعكس الجغرافيا ، بل ضدها تماماً .
( 2 )
أهداني قبل سنوات الأستاذ الكاتب اللبناني والناشر الكبير صاحب "دار العودة"، أحمد سعيد محمدية، كتابه عن الشاعر الفيتوري ، وظننته لأول وهلة تمريناً عادياً في الوفاء من صديقٍ محب لشاعر يستحق ، ولكني وجدت في الكتاب سيرة الشاعر الفيتوري على خلفية العثرات العربية المبكية، وقد صيغت بمعرفة وبمحبّة وبإعجاب . إذاً هي كتابة عن محبة وليست نقداً أواستعراضاً تعريفياً بشعر الفيتوري الكبير . هذا شاعر يكتب منذ الخمسينات ، وكانت كتابته الشعرية وفية لواقعه . في أواسط الخمسينات من القرن الماضي، أدرجت المناهج المدرسية المصرية، قصيدة له تضمنت صوراً انسانية بالغة الجدة ، هي قصيدته عن الحوذي . في ذلك الزمان ، لم يكن يسيراً لشاعر سوداني أن يقتحم حصون المناهج العربية المصرية . قليل من شعر شعراء المهجر وجد طريقه إلى مناهج الشعر العربي في مصر، كما في السودان وفي عدد من البلدان العربية الأخرى. تمكن الشاعر الأسمر القادم من السودان، أن يجد موقعاً في منهج مدرسي ضمّ قصائد عربية تدرّس في المدارس الثانوية المصرية . وقتها لم يتجاوز الفيتوري عشريناته، والقاهرة حافلة بكبار المفكرين والكتاب والشعراء، مثل العقاد وطه حسين وابراهيم ناجي وصالح جودت وعبد الرحمن شكري ومحمود حسن اسماعيل وكامل الشناوي. رؤوس كبيرة يصعب أن تجارى ، لكنه كان ذلك الشاعر الفتيّ الذي شقّ دربه بموهبته فكسب مكانة ونبوغاً شعرياً باكرا .
(4)
وإن نظرنا في شعر الفيتوري في السنوات الوسيطة من القرن العشرين ، نجده قد سكن بكامله في هموم القارة الافريقية ، فكانت جلّ انشغالاته بقضايا مواجهة الاستعمار والنظرة الظالمة للقارة السوداء ، يرونها أدنى درجة في مقام الثقافات ، فيما لا يرى شاعرنا في قارته السوداء غير كبرياءٍ مظلوم، وتوقٍ لنهوضٍ قعدتْ به إرادة مستعمرٍ متغطرسٍ ، رأى السواد سبّة منفّرة ، والبياض نعمة مرغوبة . ولقد رأيت أن تجربة الشاعر قد تشربت من معايشته لواقع ظالم استغرقه زمانا ، وتجلّى في تجاربه الشعرية الأولى ، ولكنه كان أكبر من هذا الواقع، فتجاوز بحذقٍ سلبية الدوران في فلك الظلم اللوني ، إلى مجابهة الظلم السياسي والاجتماعي والثقافي . إن تماهت تجربة الشاعر في الالتفات للقارة السوداء مع تجارب شعراء الزنوجة الذين استغرقوا في اشتقاق صوت شعري يعبر عن ثقافة سوداء أهملت، جراء هجمة كولونيالية ظالمة، لم ترَ في ثقافات القارة الأفريقية، وفي ثقافات جزر "المارتينيك" ما يقارب الثقافة الناطقة بصوت الكولونيالية وحده. أشار جمال م.أحمد في كتابه "مطالعات في الشئون الأفريقية" (القاهرة، 1969) إلى شعر الزنوجة الذي رآه باذخاً عند الأفارقة الذين نظموه بالفرنسية وأقل شأناً عند الأفارقة الذين نظموا بالانجليزية. عجب جمال أن لا يصدر شعراً نيجيرياً بالإنجليزية إلا بعد عام 1949. لعلّ مرجع الأمر يكمن في الثقافة الفرنسية، فيما يقول جمال إذ : "يسرت باريس للمهاجرين من أبناء الأقاليم كلّ سبيل للنشر، كما يسّرت لهم ذلك المناخ الفكري الذي لا تستطيعه غير باريس..". طبيعة التجربة الاستعمارية الفرنسية هي جنوحها لوضع بصمتها على الفكري قبل المادي.
غير أني عجبتُ أكثر لإهمال أستاذنا الراحل جمال الإشارة إلى شاعر كتب عن القارة السوداء، وأصدر ديواناً كاملاً عنها، عنوانه "أغاني أفريقيا" (القاهرة ، 1955م)، إلا أن يكون قد أنجز مقاله ذاك عن الشعر في أفريقيا، قبل صدور مجموعة الفيتوري عن أفريقيا ، فما عاد جمال لمراجعة كتابته عند نشر مطالعاته في الشئون الأفريقية عام 1969 من القاهرة . إن محمد الفيتوري لجدير بإبراز ريادته في الشعر الأفريقي المنظوم باللغة العربية إلى جانب ايميه سيزار وليوبولد سنغور وبقية شعراء القارة الأفريقية، الذين نظموا لها بالانجليزية والفرنسية وأيضا بالسواحيلي. .
(5)
كانت إقامة الشاعر في موطنه السودان، في أوائل ستينات القرن الماضي ، إقامة تمناها أن تكون دائمة ، إذ برغم احتفاء القاهرة بمحمد الفيتوري في تلك السن الباكرة، فهي لم تنكر موهبته، ولا استدبرت عن بذله ، غير أن الخرطوم فتحت له قلبها وعقلها ، فرأس تحرير مجلة "هنا أم درمان" السودانية، فصيرها مجلة للإذاعة والتلفزيون ، وقد خرجت موشاة بأجود قصائده آنذاك. وإن شهدتْ سنواته في الخرطوم استقرارا نسبياً ، لكن الفيتوري، ذلك الفراش القلق، لن ينسلخ عن طبيعته وتكوينه .
صدق الأستاذ محمدية إذ رأى في الفيتوري بطلاً من أبطال التراجيديا العربية. (( عاش حياته بين عالمي الأسى والحبور ، والفرادة والعادية، متقارب مع الناس ، متباعد عنهم ، شديد الإلتصاق بالأهل ، متنافر معهم.. متسكعاً في الأزقة والحواري ، أو في الفنادق والمطاعم والقصور ، وأيضاً في المساجد والمناسك ،أو مع خفافيش الليل في علب الليل.. مع المقاتلين الصادقين . . ومع المدلّسين المزوّرين، وقد رأى وعايش وعاشر زعماء ومناضلين وخائبين ، وباعة أحلام ، وشعراء ومتشاعرين ، وكان عليه – وسط ذلك – أن يصون رهافة حسّه وشاعرية عبارته ، والامساك – بقدر المستطاع – بالقيم التي رآها تتدحرج على عتبات الحياة العربية.)) ص 10 من مقدمته لكتابه محمد الفيتوري : ملامح من سيرة مجهولة ، دار العودة ، بيروت 2008.
(6)
وإنك إن نظرت في الكتاب ، فكأن المؤلف يأخذك في صفحاته ، ويحثك حثاً لأن تلهث معه وراء شاعرٍ يقفز من أرض إلى فضاء ، ومن فضاء إلى أرض ، لا يكاد يستقر في بيئة أو في مكان ، كما لم تستقر قصائده على قافية ، أو يهدأ موجه على بحرٍ من بحور الخليل. لم يكن الفيتوري مستقراً في مكان واحد ، بل هو الساكن في أمكنة كثيرة ، المقيم في القمر كما في الشمس ، المستدير كما المربع . . في جينات الشاعر أثر من "جنينة" "المساليت" ، لا يغيب عن العين الفاحصة . ونعرف أن "الجنينة" وهي عاصمة دارفورية يفخر الفيتوري بانتماء جدته إليها، هي في عامية السودان الحديقة الغناء الغنية بأنواع الزهر والثمر ، فإن الشاعر الفيتوري قد جعل من ذاته القلقة ، ومن تعدّد مكوناتها ، حديقة ضمّت أزهار هويته الملوّنة ، بربيعٍ بكر وخريفٍ واعد وشتاءٍ بعيد . فأنت تراه كفراشة شعرية تتقافز بأجنحتها الملوّنة من الاسكندرية ، إلى القاهرة ، إلى الخرطوم ، إلى طرابلس ، إلى روما ، إلى بيروت ، ثم آخر المطاف إلى الرباط ، ولكلّ مدينة من هذه المدن قصص طويلة مع الفيتوري ، ومنها ما ترك أثره في الفراشة، ومنها ما تخلق رحيقه منها ، ومنها ما خصم من طمأنينة الشاعر ، فأصابه من شوكها وحصرمها ما أصابه . لكنه بقي فتياً في ذلك اللهب الصوفي الذي سكن جوانحه ، فكأنه من قبيل الفراش القلق توقاً لاحتراقٍ مستحيل ، المتنقل وكأن لا حاجة به إلى جوازات أو سمات دخولٍ أوعبور، بين بلدان فشلت في أن تلغي الحدود الوهمية ، فأرهقت ذلك الفراش الراحل بين عواصمها ، حتى كادتْ أجنحته الرقيقة أن تنكسر ، وهو الذي كسب الصلابة عودا ، وكاد أن يحتويه ظلام الغياب ، وهو الذي أحبته الشموس وعشقته الأقمار .
لم يكن غريباً على الفراش الدارفوري ، أن لا يعترف بجغرافيا المكان الأفريقي والعربي ، وأن لا يرى في الحدود حواجز مانعة . يقول محمدية في كتابه عنه ، إنه لم يكن غريباً على شعر الفيتوري، أن يعبر إلى غرب السودان وإلى شمال العراق ، ومن وهران إلى البصرة ، ومن الإسكندرية إلى عدن ، ويخاطب الشاعر : ((. . إنك صديقٌ للفقراء والملونين والآملين ، وأنك خليل العقول المستنيرة والمنيرة التي ما زالت ترى في الأمة أملاً ووعدا.)) (ص 144 ، من كتاب محمدية : الفيتوري :ملامح من سيرة مجهولة).
وتستفسر الأديبة اللبنانية غريد الشيخ ، في كتابها عن الشاعر في سلسلة "أيام معهم" : الفيتوري – دار الكنوز الأدبية ، بيروت 2001، عن تنقل الشاعر بين العواصم العربية، فيقول لها الفيتوري : ((. . لعلني محظوظ تماماً إذ أجدني إنسانا آخر منتمياً بكل جوارحي إلى هذه المواقع .. لا، إنها منابع ذكرياتي ومواقع طفولتي ومسارح أحلامي ، وأنا لا أستطيع أن أقول إن انتمائي إلى هذه يفوق انتمائي إلى تلك ، إنني قطعة لحم بشري تحمل من هذا وذاك . .))
( 7 )
لقد استوقفتني في مسيرة الشاعر رحلته إلى بيروت ، فقد لامس نبضها نبضه العاشق . غير أن السياسة التي لن تكون أبداً على تصالح مع الفراش الراحل القلق ، لم تكن رحيمة مع عاشق الحرف العربي المحروق بشموس القارة الأفريقية، مثل قهوةٍ استوائيةٍ غنية المذاق . لم يكن الفيتوري غريباً على بيروت – فيما يحكي محمدية – إذ كان ضيفاً على مهرجان شعري، أقيم ذات عامٍ في ذكرى الشاعر اللبناني بشارة الخوري (الأخطل الصغير)، فكان رصينا حزيناُ رقيقاً، وهو يجزل عطاء شعره في الرّاحل "الأخطل الصغير" ، فتهتز قاعة "الأونسكو" الشهيرة في بيروت ، ولقد سمعت الكثيرين يردّدون أبياتا من قصيدته تلك على أيامي في بيروت، برغم مضي سنوات طوال على تلك المناسبة . أنشدني منها وزير الثقافة السابق الأستاذ الصديق الياس حنا ، وقد احتشدت القصيدة بمشاعر فيّاضة بمحبة عارمة لبيروت ، بيروت "الأخطل الصغير" ، بيروت الشعر والكلمة الحرّة والغناء والجمال ، فيما الفجيعة تحاصر الجميع والشر المستطير مقيم. أنشد الفيتوري :
قفْ خشوعاً واخفض الرأسَ
فقد أشعلَ الموتى القناديلَ وقاموا
. . . . . .
عادتْ المعجزةُ الكبرَى
فللموت رغم الموت بدءٌ وختامُ
فتعلم كيفَ تُحيّ أمةً
نسيتْ أنّ البطولات اقتحامُ
أن أرضَ الحرّ مهما اغتربتْ
أرضهُ فهيَ على الغيرِ حَرامُ
أن تاريخاً مشتْ في ظله
قدمُ الطغيان تاريخٌ مُضَامُ
يا أميرَ الشعر أغضبها فقد
تُخصِبُ الرّوح وتخضرّ العظامُ
(8)
على أن لبنان لا يستقرّ على حال، والفيتوري هناك ينازل الشعراء والعشاق والساسة ، فلا تلين عريكته ، ولا هو قابل لانكسار . لكن تنشب الحرب الأهلية أظفارها الجارحة في لبنان ، وينجرح الشاعر في "مارونية" أحبها وتقطعت إليها السبل ، وسياسة قربت بينه وزعيم لبناني شاب هو بشير الجميل الذي لم يعمر رئيساً طويلاً فاغتيل ، ولكن أثارت هذه العلاقات مع رموز من حزب "الكتائب" ، شكوك التيار العروبي المقاوم نحو الشاعر المرهف القلق بعروبيته وافريقيته . أنشد الفراش القلق بكائية على فراق بيروت الجريحة :
يسألونك عن لبنان كيفَ صَحا
الفينيق والنارُ في التابوت تسْتعرُ
. . . .
لبنان والشعرُ موسيقَى الإلهِ وبعض
الشعرِ مِن كرْمةٍ في الغيبِ تُعتصَرُ
لوْ كانَ لي لغفرت الإثمَ مُعتذرا
عمَن أسأوا ومَن هانوا ومَن غدروا
ولانكفأتُ على ذاتي كما انكفأوا
ولانكسرتُ على ضُعفي كمَا انكسَروا
لكنّ تلكَ العذاباتُ التي ارتسمت
على وجوهِ الضحَايا .. كيف تُغتفَرُ ؟!
آخر المطاف ، رحل الشاعر عن بيروت ، مثلما رحل الكثيرون قبله وبعده . بعض الراحلين اختاروا نهايات مأساوية ، مثل الشاعر خليل حاوي الذي أنهى حياته منتحراً، عشية اجتياح الاسرائيليين لبيروت. ولعلّ حسرة الفيتوري تتجلى في قصيدة "لا ليس لبنان" ، وظني أنها من بين أروع ما كُتب عن ما جرى في بيروت :
لا .. لا تقل دخلوا في الموت أو رحلوا
هناك من أمر الأبطال فانتقلوا
هناكَ لبنان والأرضُ التي غضِبتْ
لوقعِ أقدامِ من خانوك يا جبَلُ
.....
ماضيّ مجدٌ قديمِ النقشِ أحملهُ
على ذراعي مَيْتاً حيثُ ارتحلُ
ودارتي قطعة من صخرةٍ سقطتْ
من نجمةٍ لم تزل في الأفق تشتعلُ
وبي مِن الهمّ ما بالكونِ من عربٍ
ضاقت بهم صحراءُ التيهِ فاقتتلوا
(9)
حسرات أفريقية أخذته في شبابه ، وحسرات عربية أخذت بعناقه في كهولة الشعر وعنفوانه . بين تلك الأيام كتب بكائياته في الزعيم الرّاحل عبد الناصر ، كما في عبد الخالق محجوب زعيم الحزب الشيوعي الذي أعدم في الخرطوم . بين هنا وهناك ، ظلت "صوفية" حرفه تراوح بين الانتمائين ، وفي حراكه وتنقله من حديقة إلى أخرى ، ولكن تفاقم الألم واعتصر قلبه ، وتلاقت خساراته الوطنية والقومية بخسارات شخصية وأسرية . عاش الفيتوري آخر أيامه في المغرب بقرب زوجة المغربية ، التي رعت انكسار جسده الواهن . هي هناك رفيقة مشوار بديع ، رعت ذكرياته وشعره العظيم ، حتى توفاه الله في عام 2015..
(10)
بقي علينا أن نستذكر ، هذا الطائر الفريد الذي أمضى عمره، متنقلا بين "جنينة" سودانية و"خيمة" ليبية و"حديقة" بيروتية . كان في الرباط ، مقيما في عيون المغرب ، وفي حمى الحرف العربي هناك . ووري ثر اقتراحا لاتحاد الكتابى المغرب فكأنه ووري في مقابر البكري.
يسأل السودانيون عن معلم نخلد به ذكرى الشاعر الفحل. إن مدينة الجنينة الجنيلة بادرت بمعلم يحفظ إسم الشاعر الفيتوري في الذاكرة : مركز ثقافي يحمل إسمه. .
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.