رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    القوات المسلحة رصد وتدمير عدد من المسيرات المعادية ومنظوماتها بدقة عالية    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    سودانير تعلن استئناف رحلاتها من مطار الخرطوم    الهلال ينتزع صدارة الدوري الرواندي من الجيش    شاهد بالفيديو.. بعد أداء العمرة.. شيخ الأمين يعفو عن كل من أساء إليه ويدافع عن الفنانين: (أحد الصحابة كان عنده "عود" يعزف ويغني عليه)    جامعة الخرطوم تمنع لبس البنطال للطالبات والتدخين وتعاطي التمباك داخل الحرم    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    رافعًا شعار الفوز فقط... الأهلي يواجه النيل في ديربي مدينة شندي    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الطيب صالح بين الاخوان المسلمين والشيوعيين .. بقلم : عبد المنعم عجب الفيا
نشر في سودانيل يوم 02 - 02 - 2010

يؤكد الطيب صالح دائما في أحاديثه وحواراته انه لم ينتم إلى حزب سياسي في حياته:" فمنذ المرحلة الثانوية ابتعدت عن التحزب رغم ان ذلك لم يكن امرا سهلا في ذلك الوقت ".
ولكن درجت بعض كتابات الاخوان المسلمين في التأريخ للحركة الاسلامية على (تعميد) الطيب صالح كاخ مسلم ومن المؤسسين الاوائل للحركة الاسلامية بجامعة الخرطوم. الا ان هذه الكتابات لا تستند على حقائق تاريخية وأدلة وثائقية بقدر ما تعتمد على استنتاجات شخصية وتاويلات لبعض الافادات الفردية التي تستصحب التزام الطيب صالح باداء الشعائر الدينية في تلك الفترة وعلاقاته مع بعض الافراد الذين صاروا فيما بعد اعضاء في الحركة الاسلامية(الاخوان المسلمين) .
من الجانب الاخر لا نجد في كتابات الشيوعيين ما يشير الى وجود اي علاقة تنظيمية او فكرية أو ادبية ، للطيب صالح مع الشيوعيين او اليسار الماركسى والاشتراكي بصفة عامة. بل يمكن القول ان قطاع عريض من اليسار الماركسي ظل غير متحمس ان لم نقل ذو موقف سلبي من الطيب صالح وأدبه. رغم انه يوجد ما يكفي من الادلة الموثقة في ادب الطيب صالح وفي سيرة حياته ، على ميوله الاشتراكية وتعاطفه السياسي والفكري مع الشيوعيين واليسار العريض.
اول ملاحظة يجب تسجيلها على امر انتماء الطيب للحركة الاسلامية ، ان الطيب صالح غادر السودان الى لندن قبل ميلاد الحركة الاسلامية . فقد تاسس تنظيم الاخوان المسلمين نواة الحركة الاسلامية ، اول مرة بالسودان سنة 1954 . وكان الطيب صالح قد ترك الجامعة او بالاحرى كلية الخرطوم الجامعية سنة 1951 حيث قطع دراسته بكلية العلوم من السنة الثانية وذهب للعمل بالتدريس برفاعة لمدة السنة والنصف ثم بخت الرضا لمدة ستة اشهر ومنها الى لندن التي وصلها فبراير سنة 1953 .
الملاحظة الثانية ان ادب الطيب صالح خلا تماما من اي نزعة (اسلاموية) ومن التاثر بفكر الحركات الاسلامية السلفية ولم تشتمل اعماله في اي مستوى من مستوياتها او أي مرحلة من مراحل تجربته مع الكتابة بانواعها على تبنى افكار الاخوان المسلمين والحركات الاسلامية او مناصرتها. بل ان أعمال الطيب صالح ، كما في دومة ود حامد، وعرس الزين وموسم الهجرة ، وضو البيت ، تتصادم مع الفهم السلفي للاسلام كما هو في طرح الحركات الاسلامية وتنحاز الى الاسلام الشعبي والصوفية التقليدية والكونية والميل يسارا.
فاول قصة كتبها الطيب صالح على الاطلاق وهي قصة ( نخلة على الجدول) جاءت متاثرة بالمدرسة الواقعية الاشتراكية التي كانت تسيطر على المزاج الادبي في ذلك الوقت. فالقصة تعالج عوز المزارعيين وتعرضهم للاستغلال من قبل التجار وتنتهي نهاية سعيدة تقوم على المصادفة. وقد كتب الطيب هذه القصة في ذات السنة التي وصل فيها الى لندن سنة 1953
وعلى ذات المنوال ، ولكن على نحو اكثر احكاما ورمزية ، جاءت قصته الثانية ( حفنة تمر ) التي لا تخفى حبكتها الاشتراكية الرافضة للاستغلال والانتهازية. فالراوي وهو طفل صغير ، يحس فجاة بكراهية شديدة لجده الى حد تقيؤ التمرات التي اكلها من محصول جارهم مسعود الذي استولى عليه كله يوم حصاده ، جده ، وبعض الدائنين. وكان الطيب صالح قد كتب هذه القصة بعد سبع سنوات من القصة الاولي اي سنة 1960.
ثم جاءت من بعد ، دومة ود حامد ، وعرس الزين ، بنزعتهما الصوفية الواضحة . حيث نجد الكاتب ينحاز الى الاسلام الشعبي، ممثلا في الحنين والزين وشلة محجوب ، على حساب رؤية الحركة الاسلامية والسلفية ممثلة في امام جامع القرية. وكانت الحركة الاسلامية تنظر في ذلك الوقت الى الصوفية بوصفها من الخرافات التي اقعدت بالامة الاسلامية وينبغي محاربتها بالاسلام الصحيح والقويم. وذلك قبل ان تملي موازنات السياسة ، الحركة الاسلامية (الجبهة الاسلامية والانقاذ ) الى اقامة تحالفات مع بعض البيوتات الصوفية في سبيل الكسب السياسي.
وفي رواية ضو البيت، يبرز اكثر انحياز الكاتب للاسلام الشعبي ونقده لمفاهيم الاسلام السياسي وفكرة الدولة الدينية. مثلا نجد محيميد ( قناع الكاتب ) باعتراف الطيب صالح ، يحال الى المعاش من قبل حكومة متدينة لانه لا يصلي الفجر في الجامع . ويقول فيما يشبه النبوة ، اخشى ان تاتينا حكومة يحيلونك للمعاش سواء كنت تصلي في بيتك او في الجامع.
أما موسم الهجرة الى الشمال التي نشرت سنة 1966 وبدا كتابتها سنة 1962 فابعد ما تكون عن تمثيل رؤية الحركة الاسلامية للادب الاسلامي. ويكفي أن بطل الرواية يساري اشتراكي. وهذه حقيقة غابت على الكثيرين ولم يتوقف عندها احد من النقاد قبل ان يلمح اليها الطيب صالح في حوار نشر سنة 1976 بكتاب عبقري الرواية العربية. ففي اجابة على سؤال لخلدون الشمعة عن سبب تقبل المجتمع الانجليزي لمصطفى سعيد يقول الطيب صالح ان سبب ذلك تنامي الحركة الفابية الاشتراكية في ذلك الوقت :" الحركة الفابية مهما قلنا فيها – حركة مخلصة – كان فيها محاولة لاحتضان شخص اشتراكي من عالم مستعمر ."
وقد اضفى الطيب صالح ميوله الاشتراكية الفابيانية على بطل رواية مصطفى سعيد . وكنت قد نوهت إلى ذلك لاول مرة في مقالة بعنوان أصداء السيرة الذاتية في أدب الطيب صالح نشر بجريدة الخرطوم سنة 1999 . يقول الطيب صالح في ملامح من سيرة ذاتية : " .. بعد الاطلاع على مجريات الحياة السياسية في انجلترا وجدت نفسي أميل للاشتراكية العمالية . وقرأت كثيرا عن الفابيين. وكانت مدرسة لندن للاقتصاد التي أنشأها حزب العمال توجد قرب مقر هيئة الاذاعة البريطانية وتابعت محاضرات في تلك المدرسة ، الجامعة ، التي كانت تمثل الفكر الاشتراكي. ودرست هنالك العلوم السياسية . وكان يحاضر في المدرسة أساتذة مرموقون من مفكري حزب العمال . "
وعن أسباب ميله الى الفكر الاشتراكي الانجليزي يقول الطيب صالح :"حين جئت لندن تولى المحافظون الحكم بعد حكومة العمال التي انتخبت عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية والتي قامت بادخال تغييرات كبيرة. فقد أنشأ العمال دولة شبه اشتراكية أطلق عليها الانجليز دولة الرفاهية "
وقد قوبلت رواية موسم الهجرة عند صدورها لاول مرة سنة 1966 بمعارضة الاسلاميين والشيوعيين على السواء . يقول الطيب صالح : " لم تصادف موسم الهجرة الى الشمال هوى لدي كل من المجموعتين بل كانت ردة فعلهما تجريميتين. الا ان لكل أسبابه المختلفة جدا عن الاخر. أدان الشيوعيون الرواية لانها صدرت في مجلة حوار البيروتية والتي كانت تتلقى دعما من منبر الحرية الثقافية وقد اتضح لاحقا ان ذلك المنبر ذراع من أذرع المخابرات الاميريكية سي آي إيه. ,امر آخر أنني كنت أعمل في هيئة الاذاعة البريطانية التي مثلت صوت الكولونيالية البريطانية في نظر اليسار العربي وهكذا لم يشفع لي عندهم، لكل ما ذكر . "
اضافة الى ما ذكره الطيب صالح فقد توقف بعض اهل اليسار الماركسي عند الجانب البوهيمي في شخصية مصطفى سعيد الذي لم يكن مقصودا في ذاته ، فاستراتيجية الطيب صالح كانت تقوم اولا على توظيف الوهم الاوربي عن الانسان الشرقي والافريقي من خلال مجاراته ثم فضح وكشف هذا الوهم في النهاية. وقد سبق الطيب صالح بذلك ادوارد سعيد في مناهضة الخطاب الاستشراقي الكولونيالي . ولكن الكثيرين لم يفطنوا الى هذه الاستراتيجية في كتابة موسم الهجرة. واغفلوا سبر البعد الاخر المهم في شخصية بطل الرواية ،كيساري اشتراكي ومفكرعضوي ذو رسالة ثورية ، يرأس جمعية الكفاح لتحرير افريقيا ويألف الكتب ضد الاستعمار والتبشير بدعوته الانسانية للاقتصاد القائم على المساواة والعدالة والاشتراكية. اما اسباب غضب الاسلاميين على الرواية حال صدورها ، فليس في حاجة الى شرح او بيان .
أغلب الظن ان تاثر الطيب صالح بالفكر الاشتراكي يرجع الى المرحلة الثانوية بمدرسة وادي سيدنا. ولعل صداقته مع ابن خاله القيادي الشيوعي ، ابراهيم عبد الله زكريا ، الذي صار امينا عاما لاتحاد نقابات العمال العالمي ، كان لها دورا في اعجابه بالاشتراكية. يقول الطيب صالح " وبالنسبة لعلاقتي مع الشيوعيين فقد كان المرحوم ابراهيم عبد الله زكريا ابن خالي وهو شيوعي بل سيصبح من قادة الحزب الشيوعي السوداني ومن أقطاب الحركة الشيوعية العالمية. كنت ازور ابراهيم زكريا بحكم القرابة ويبدو ان المخابرات الانجليزية كانت تراقب نشاطه."
وبحكم هذه العلاقة مع القيادي الشيوعي ابراهيم زكريا يتعرض الطيب صالح لاستجواب من ناظر المدرسة بتوجيهات من المخابرات البريطانية عن انتمائه الشيوعي." في تلك الفترة جاءنا مدرس رياضيات يدعى مستر سميث وكان شيوعيا. وفي أحد الايام كان مطلوبا مني تقديمه لالقاء محاضرة في الداخلية ويبدو اني اطنبت في مدحه فاستدعاني مستر لانغ ناظر المدرسة وقد كان معجبا بي وسالني بادب شديد حول ما اذا كنت مقتنعا بالكلام الذي وصفت به مستر سميث واستغربت السؤال. وأبلغني أن مستر سميث شيوعي.وقال لي ان المخابرات طلبت منه استفساري حول ما اذا كنت شيوعيا ! تعجبت جدا لهذه الحكاية وبالطبع نفيت ان اكون شيوعيا "
ثم يضيف:"والواقع انني كنت معجبا جدا بعبد الخالق محجوب كسوداني نابغة وبفاطمة احمد ابراهيم كانسانة لكني لم اكن شيوعيا في يوم من الايام . "
ويرسم لنا الطيب صالح علاقته بكل من الشيوعيين والاسلاميين في المرحلة الثانوية، في ملامح من سيرة ذاتية ، بالقول: " في المرحلة الثانوية بمدرسة وادي سيدنا كان الصراع على أشده بين الشيوعيين والاسلاميين كنت انذاك اقوم باداء الفرائض واحافظ على الدين لكن لست متدينا بالمعنى السياسي والايدلوجي للكلمة كنت احضر اجتماعات الاسلاميين والشيوعين واميل الى الحديث في الجمعيات الادبية والانطباع السائد لدي اقراني من الطلاب أنني طالب شاطر له اهتمامات ادبية. كان صديقي محمود احمد وهو من كورتي ينضم الى الاسلاميين وتارة للشيوعين في اطار حب الاستطلاع فقط لانه بطبعه لم يكن يميل الى الانضباط وكان كثيرا ما يحدثني عن افكار المجموعتيتن ورغم ذلك لم انضم الى جهة ، فقد وقفت على الحياد . "
لكن يبدو ان نفوره من التحزب وميله الى الاعتدال منعه من الانضمام للشيوعيين في تلك الفترة . لذلك عند وصوله الى لندن لم يتردد في اعتناق الاشتراكية الفابية حتى انه قرر ان يواصل تعليمه الجامعي في مدرسة لندن للاقتصاد التي كانت تمثل الفكر الاشتراكي في ذلك الوقت.
في كتاب ملامح من سيرة ذاتية – وفي سياق حديثه عن الطريقة المتسامحة التي كانت تمارس بها السياسة في السودان من قبل الرعيل الاول في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي يسوق الطيب صالح مثالين للدلالة على الاسلوب المتحضر والاخلاقي على حد وصفه - في التعامل مع الخصوم السياسيين، والمثاليين اللذين يوردهما متعلقين بالحزب الشيوعي:
" ومن نبل السيد عبد الرحمن المهدي انه كان يحترم كثيرا عبد الخالق محجوب السكرتير العام للحزب الشيوعي ويعامله كابنه. فقد حدث ان جاء وفد شيوعي سوفياتي لزيارة السودان للمرة والاولى بدعوة من الحزب الشيوعي السوداني. فاستدعى السيد عبد الرحمن، عبد الخالق وساله عن الكيفية التي سيكرمون بها ضيوفهم. فاجابه عبد الخالق بانهم لم يفكروا في موضوع الضيافة ولكن على الارجح سوف يقيمون لهم حفل شاي. فكان رد السيد عبد الرحمن المهدي نحن كسودانيين يهمنا ان يقول عنا الشيوعيين السوفيت ان الشيوعيين السودانيين أناس كرماء وافاضل لذلك قررت ان أوجه لكم ولضيوفكم الدعوة لتناول العشاء في منزلي".
ثم يورد مثال اخر في ذات السياق : " واتذكر ان محمد احمد محجوب حين كان رئيسا للوزراء وكان البرلمان يعتزم اصدار قراره بحظر الحزب الشيوعي السوداني دعا بعض اصدقائه من قادة الحزب الشيوعي السوداني امثال عبد الخالق محجوب، وحسن الطاهر زورق ، وعز الدين علي عامر وعبد الرحمن الوسلية واحمد سليمان ، وابلغهم ان الموضوع تمت مناقشته على صعيد مجلس الوزراء وانه سيعرض على البرلمان واقترح عليهم تغيير اسم الحزب والاستمرار في نشاطهم كالمعتاد."
ولكن ما هي القرائن التي يستند عليها الاسلاميين في امر انتماء الطيب صالح الى الحركة الاسلامية ؟
لعل الدكتور حسن مكي في كتابه "الحركة الاسلامية في السودان" اول من اشار الي علاقة الطيب صالح بالحركة الاسلامية. ففي افادة منسوبة الى ميرغني النصري يقول حسن مكي : " ان بابكر كرار ومحمد يوسف اتصلا بيوسف حسن سعيد والطيب صالح الاديب المعروف ، وآخرين ، تمت دعوتهم للافكار الاسلامية واشتراكية الاسلام ."
تفيد هذه الشهادة ان هنالك دعوة ( محاولة تجنيد ) وجهت الى الطيب صالح للافكار الاسلامية واشتراكية الاسلام .ولكن لم تحدثنا هذه الافادة عن نتيجة هذه الدعوة وعما اذا كانت قد نجحت في كسب الطيب صالح الى جانب الاسلاميين. الا ان الدعوة الى " اشتراكية الاسلام " المعطوفة على الدعوى إلى " الافكار الاسلامية " في حديث حسن مكي تنطوي على دلالة ذات مغزى. فهي تفيد ان هؤلاء كانوا ذوي ميول وخلفيات اشتراكية ويسارية ولهذا السبب جاءت دعوتهم إلى اشتراكية غير الاشتراكية الماركسية، هي اشتراكية الاسلام !
ومعلوم في تلك الفترة التي راجت فيها الافكار الماركسية برزت دعوات مضادة من بعض الدعاة الاسلاميين الى تخريج اشتراكية من الاسلام ، ومن هؤلاء مصطفي السباعي. وكان الحديث يدور عن نماذج اشتراكية في الاسلام مثل ابو ذر وعمر وعمر عبد العزيز و لمواجهة سحر الماركسية التي انتشرت وسط المتعلمين في تلك الفترة .
وتعد افادة حسن مكي المنقولة عن ميرغني النصري ، ادق رواية عن العلاقة المفترضة للطيب صالح بالحركة الاسلامية حيث تلتقي في نقاط وتتقاطع في نقاط اخرى مع ما ادلى به الطيب صالح في ملامح من سيرة ذاتية - عن علاقاته خلال السنتين اللتين قضاهما بجامعة الخرطوم :" في جامعة الخرطوم كنت قد دأبت على التسامر مع مجموعة كانت تضم محمود احمد محمود ، ومحمد خير عبد القادر ، ويوسف حسن سعيد ، وفتح الرحمن البشير ، والرشيد الطاهر بكر ، ومحمد يوسف محمد ، والذي كان في تفكيره اقرب الى الاسلاميين وقد انضم اليهم فيما بعد في وقت لاحق لانه في تلك الفترة لم يكن لديهم تنظيم داخل الجامعة، رغم انه لم يكن متطرفا في تفكيره لذلك لم استوعب تاييده لنظام الجبهة الاسلامية ولا اعرف كيف استطاع مجاراة هؤلاء الناس . "
ومن الواضح ان الدكتور حسن مكي او من نقل عنه تلك الافادة ، قصد باشارته دعوة الطيب صالح الى اشتراكية الاسلام ، لقاءات هذه المجموعة للتسامر والتفاكر ومن المؤكد انه درات بينهم كثير من النقاشات حول الاسلام والشيوعية والاشتراكية. يضيف الطيب صالح "كنا نلتقي بعد المحاضرات خاصة في الامسيات وكنا نفترش الارض نتذاكر حول اشياء عديدة ونتبادل الرؤى والافكار وبعدة فترة لم اعد اجالسهم فقد تركتهم ومضيت الى حال سبيلي . "
وبالرغم ان هذه المجموعة تضم الرشيد الطاهر بكر الذي سيصبح فيما بعد اول مرشد للاخوان المسلمين ومحمد يوسف محمد ، الا ان عبارة الطيب صالح الواردة في الاقتباس اعلاه : " ومحمد يوسف محمد ، والذي كان في تفكيره اقرب الى الاسلاميين". تنفي ان يكون افراد تلك المجموعة ينتمون الى اتجاه فكري او تنظيمي محدد وتؤكد في ذات الوقت ان هدف تلك اللقاءات من منظور الاسلاميين هو كسب تلك المجموعة الى صفوفهم وان محمد يوسف محمد هو المكلف بتجنيد تلك المجموعة. ولكن يبدو ان هذه اللقاءات لم تفلح في ضم الطيب صالح الى الاسلاميين اذ يقول : "وبعدة فترة لم أعد أجالسهم فقد تركتهم ومضيت الى حال سبيلي. "
مصادر :
(1) الطيب صالح :عبقري الرواية العربية – نخبة من النقاد العرب – دار العودة – بيروت 1976
(2) الطيب صالح - على الدرب .. ملامح من سيرة ذاتية – اعداد طلحة جبريل – مركز الدراسات السودانية – القاهرة 1997
(3) حسن مكي – حركة الاخوان المسلمين في السودان ( نقلا عن دكتور احمد محمد البدوي – الطيب صالح سيرة كاتب ونص – الدار الثفافية- القاهرة - 2000 )
(4) الطيب صالح – شهرة بلا ثمن – ترجمة احمد الصادق – مجلة الدوحة – عدد مايو 2009
(5) عبد المنعم عجب الفيا – اصداء السيرة الذاتية في ادب الطيب صالح – جريدة الخرطوم – اغسطس 1999 .
abdou alfaya [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.