تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    جاهزية فنية متكاملة تسبق انطلاق "عربية القوى" في تونس    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حول فهمنا ودراستنا لدخول الاسلام في السودان (7) .. بقلم: أحمد الياس حسين
نشر في سودانيل يوم 08 - 10 - 2018

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
المحور الشرقي: ودوره في انتشار الاسلام في السودان؟
تناوانا في الموضوع السابق المحور الغربي (محور تشاد) وسنتناول في هذه الحلقة المحور الشرقي. والمقصود بالمحور الشرقي مناطق القرن الافريقي وجنوب البحر الأحمر المطلة على شبه الجزرة العربية. فعلاقة العرب بهذه المناطق علاقات قديمة ارتبط خلالها سكان ساحلي البحر الأحمر الشرقي والغربي بصلات قوية عبر المواني والممالك التي تأسست على الساحلين. وسنبدأ بإلقاء بعض الضوء على اوضاع الموانئ والممالك التي قامت على ساحل البحر الأحمر الافريقية قبل ظهور الإسلام للتعرف على دورها في تعزيز العلاقات والصلات بين العرب وافريقيا بعد ظهور الإسلام.
أوضاع الساحل قبل ظهور الإسلام
شهدت القرون الأخيرة السابقة للميلاد ازدهارتجارة البحر الأحمر، فقد أهتم البطالمة الذين أقاموا دولتهم في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد بتجارة البحر الأحمر. وسار الرومان الذين خلفوهم على حكم مصر في نهاية القرن الأخير قبل الميلاد على نهج البطالمة فتطورت وازدهرت تجارة البحر الأحمر والمحيط الهندي.
وأنشأ البطالمة عدد كبير من الموانئ على ساحل البحر الأحمر الشرقي بعكس سياسة المصريين في عصر الفراعنة الذين لم يكن لديهم اهتمام بالبحر الأحمر كما وضحنا ذلك في المقالتين السابقتين. وذكرت المصادر اليونانية أكثر عددا من الموانئ على السواحل الحالية لدولتي السودان وارتريا. فقد تناول سترابو (ص 121 - 122) في القرن الأخير قبل الميلاد أسماء عدد من الجزروأسماء السكان ومناطقهم على ساحل البحر وفي الداخل. وتبين من وصفه أن سواحل السودان الحالية ومناطق الداخل كانت مأهولة بالسكان، وبها عدد من القلاع التي أقامها الرومان، ونشطت ممارسة صيد الأفيال.
والموانئ التي ورد ذكرها من الجنوب إلى الشمال هي: ميناء إيلايا وميناء سابا وميناء ميلينوس وميناء انتفليوس وميناء أخدود المشوهين ثم ميناء برينيس (برينيق). كما ذكر مؤلف كتاب الطواف حول البحر الأرتري أن البطالمة أسسوا موانئ أخرى مثل ميناء بطلميوس ثيرونالتي وضعها في منطقة بورتسودان الحالية. وذكرأن البطامة أسسوها لصيد الأفيال. وكان البطالمة يتحصلون على الفيال من بلاد التُرُوجلُودايت (بلاد البجة الحالية) ومن بلاد المرويين (مناطق ما بين النيل الأزرق ونهر عطبرة). (91،171،538 Periplus, p.). ورغم أن نشاط صيد الأفيال قد توقف لعدم صلاحيتها للقتال (33Paul, p.) إلا أن نشاط الميناء التجاري لم يتوقف كما لاحظ ذلك مؤلف كتاب الكواف حول البحر الأحمر. كما أسس البطالمة ميناء ليمون إفنجلس ذكرالشامي بأنها ربما كانت في مكان سواكن الحالية. وإلى الجنوب من هذه المناطق تناولت المصادر اليونانية والرومانية ميناء أدولس Adulis.
وكانت حركة التجارة العالمية في ذلك الوقت قد تركزت في حوض البحر المتوسط، ثم دخل البحر الأحمر دائرة التجارة العالمية وارتبط بالبحر المتوسط منذ العصر البطلمي في القرن الثالث قبل الميلاد، وأمتد النشاط التجاري حتي المحيط الهندي الذي انتعشت تجارته في العصر الروماني، وأدى ذلك إلى إزدهار موانئ البحر الأحمر. ولم ترد في المصادر اليونانية والرومانة معلومات عن كل تلك الموانئ، وسنتعرف فيما يلي على ميناء برينيس في منطقة حلائب الحالية، ونسلط الضوء على سكانها ونشاطها التجاري الذي امتد إلى ما يقرب من ألف سنة قبل ظهور الاسلام، ثم نتعرف بإيجاز على ميناء أدولس .في دولة ارتريا الحالية.
ميناء برينيس Berenice
يقع ميناء برينيس (برينيق) على خط عرض 23 درجة و55 دقيقة شمالا في منطقة مدينة حلائب الحالية أسسها بطلميوس الثاني (245 - 286 ق م) وأطلق عليها اسم والدتهBerenike . وقدارتبط اسم برينيس بسكانها الأصليين الذين عرفوا في المصادر اليونانية والرومانية بإسم آكلي السمك. وآكلي السمك هو الإسم الذي أطلقته المصادر اليونانية والرومانية على السكان الأصليين في هذه المناطق من البحر الأحمر.(Meredith, p. 57) وقد اوضحت آثار الثقافة المادية لهؤلاء السكان أنهم جماعات متميزة، يختلفون عن الإثنيات المصرية. وكما لاحظ علماء الآثار أن أدوات صيدهم قبل العصر البطلمي تختلف عن أدوات الصيد التي استخدمها المصريون.(Thomas, p. 171, Meredith)
وكان آكلوا السمك ينتشرون في مساحات واسعة على ساحل البحر الأحمر شمال وجنوب ميناء برينيس (Thomas, p.171) وقال عنهم مؤلف كتاب الطواف حول البحر الأرتري (Periplus, p. 91) "آكلي السمك منتشرين في منطقة حنوب برينيس بين الجبال والبحر، وامتد انتشارهم شمالاً حتى خليج السويس. فقد عثر في غربي موقع ميناء ميوسهرمز التي تقع في الطرف الجنوبي لخليج السويس في القرن الثاني الميلادي على طلب من أحد آكلي السمك للاذن له بتحريك قارب الصيد الخاص به إلى ميناء فلوتراس شمال ميوس هرمز. ((Thomas, p. 174 كما كان التُرُوجلُودايت يتواجدون في الصحراء الشرقية القريبة من النيل. (Edia, Vol. 3 p. 968) وهكذا فإن امتداد إنتشار آكلي السمك التُرُوجلُودايت قد شمل مساحات واسعة من الصحراء الشرقية وساحل البحر الأحمر، حتى أن بليني(Pliny, p. 11) اطلق على ساحل البحر الأحمر "ساحل التُرُوجلُودايت".
وازدهرت ميناء برينيس وتوسع نشاطها التجاري في العصر الروماني، وذكر بليني إنهم كانوا نشطين في تجارة اللبان في مواني البحر الأحمر، وأطلقت عليها المؤلفات الرومانية مرة ميناء الحبش ومرة أخرى ميناء الهند. وتدل الآثار التي عثر عليها في أنقاض المدينة أنه بيرينيس أصبحت ميناءً عالمياً ربطت تجارة المحيط الهندي بالبحر الأبيض. وقد أدى نشاطها الكبير إلى شهرتها العالية التي لم تقتصر على خدمتها للتجارة والسلع فقط بل جذبت المدينة أعداداً كبيرة من مواطني مختلف الشعوب التي ساهمت في خدمة التجارة العالمية في ذلك الوقت.
فقد عثر في آثار برينيس على كتابات باللغات الهيرغلوفية والقبطية واليونانية واللاتينية والأرامية والعبرية والاثيوبية والتاميل والسنسكريتية، كما وجد في آثار المدينة أسماء تنتمي إلى جنسيات متعددة. فقد تم رصد عدد 70 اسم مصري و52 اسم يوناني و 15 اسم يوناني مصري و 31 اسم روماني 8 اسم نبطي 2 جرماني 1 تاميل. مما يشير إلى ثرائها و شهرتها الواسعة التي جلبت إليها هذا العدد الكبير من الإثنيات (Thomas, p 171173) Communities
فقد ذكر مؤلف كتاب الطواف حول البحر الأرتري (Periplus, p. 86) أنه في ظرف ست أو سبع سنوات أبحرت منها 120سفينة إلى الهند أي ما بين 17 إلى 20 سفينة في العام. وقد يبدو هذا الرقم صغيراً بمقاييس الحاضر، لكنه لم يكن كذلك في الماضي. فرغم ان الملاحة قد بدأت في المحيط الهندي منذ وقت طويل قبل عصر البطالمة إلا أن ارتباط المحيط الهندي بالبحر الأحمر قد بدأ في عصر البطالمة. وكانت السفن تقوم برحلة واحدة في العام إلى الهند في العام وفقاً للرياح الموسمية التي تهب مرتين في العام. تهب من الغرب إلى الشرق فتدفع السفن نحو الهند، ثم ينقلب إتجاه الرياح من الشرق إلى الغرب فتدفع السفن في رحلة العودة.
ويجاور سكان ميناء برينيس آكلي السمك في المناطق الداخلية للساحل عدد كبير من القبائل مثل الأكريدوفالي والموشهوفاجي آكلي الجراد. وكانت هذه القبائل منتظمة تحت انظمتها الملكية الدائمة" (91Periplus, p.) وكان لآكلي السمك مملكة ممتدة على ساحل البحر الأحمر، ذكرها إبيفانيوس السلاميسي في نهاية القرن الرابع الميلادي ضمن الممالك الثمانية على طريق الهند على ساحلي البحر الأحمر مثل ممالك الحميريين والاكسوميين والعدوليين نسبة لميناء أدولس والبجة (عُرِّفوا بالبليميين) والسرندا (سرلانكا) .(Eide, Vol. 3 p. 1117 – 1118)
وقد عرف آكلو السمك باسم التُرُوجلُودايت كما ذكر مؤلف كتاب الطواف حول البحر الأرتري (91Periplus, p.) وكان التُرُوجلُودايت قبائل كثيرة لكل قبيلة حاكمها. (سترابو ص 124)، و قال عنهم بليني " التُرُوجلُودايت قبائل متعددة تحت حكم رؤسائهم). وأضاف أن الوثائق تسير إلى أن للتُرُجلُدايت علاقاتهم المباشرة مع دولة البطالمة بمصر، فان الملكة كليوباترة السابعة لم تكن تحتاج إلى مترجمين عندما يخاطبها مناديب الشعوب المجاورة لمملكتها مثل مناديب الاثيوبيين والتُرُوجلُودايت واليهود والسوريين والميديين. "فالتُرُوجلُودايت آكلو السمك – أسلاف قبائل البجة الحالية – كانوا من العناصر النشطة والمساهمة في التجارة العالمية حتى إن لغتهم كانت سائدة في المنطقة لدرجة ان الملكة البطلمية كليوبترة كانت تتحدثها.
وإلى جانب اسمي التُرُوجلُودايت وآكلي السمك كان هنالك اسم آخر لمجموعة سكانية كبيرة وقوية على الساحل والداخل وفرضت سيطرتها أخيراً على ميناء برينيس. وقد عرف أولئك السكان بالبلميين. وكان نفوذ البليميين ممتدا على مناطق كبيرة على النيل جنوب أسوان، وذكر استرابو (Strabo, Book xvii, p. 7) في القرن الأخير قبل الميلاد أنهم كانوا تابعين لمملكة مروي. ثم أسس البليميين مملكتهم المستقلة بعد نهاية مملكة مروي في القرن الرابع الميلادي، وبعد هزيممتهم أمام مملكة نوباديا (مملكة مريس في المصادر العربية) في القرن السادس الميلادي توطد نقوذهم في مناطق شمال أسوان، وكان نفوذهم قد تأسس في صعيد مصر قبل القرن السادس الميلادي حتى أصبح البليميون المولودون في مصر يتمتعون بنفس حقوق اليونانيين المولودين في مصر.(Butler, p. 41)
وكانت مملكة البليميين قد دخلت في صراع مع الرومان، وتحالفوا ضدهم مع زنوبيا (الزباء) ملكة تدمرعندما هاجمت الرومان في مصر. وتحرك الرومان سريعا فهزموا قوات زنوبيا والبليميين، غير أن البليميين عاودوا واحتلوا بين مدينتيةCoptos في منطقة مدينة قنا الحالية على النيل، كما احتلوا وميناء Theron Ptolemais على ساحل البحر الأحمر في الطرف الجنوبي لخليج السويس. (Bates p. 336; Bowan Vol. XXII p. 230) و نحو عام 373 م أغار البليميون على ديرفي سينا. وتوضح إحدي الوثائق الرومانية عام 378م أن بعض القواعد الرومانية على البحر الأحمر قد تعرضت لغارة من سفن البليميين (Mac Michael, Vol. 1 p. 37; Mederith, Vol,39, p. 105) (وقد تناولت بشئ من التفصيل في الفصل الخامس من الجزء الأول من كتاب السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية).
وقد شهد النصف الأول من القرن السادس الميلادي تحركات نشطة من جانب البيزنطيين، حيث كان الامبراطور جستنيان يخوض حرباً مع الفرس في شمال غربي آسيا، وكان لا يسعى فقط لاستتباب الأمن على حدوده مع البليميين بل كان يهدف إلى تسخير تجارة البحر الأحمر والصحراء لدعم جهوده الحربية. فقد ذكر مصطفى محمد مسعد (ص 53) أنه من بين الوسائل التي لجأ إليها البيزنطيون للتقرب من البليميين ترغيبهم في المسيحية، و"أنهم أقطعوهم اقطاعاً بمنطقة طيبة" ويرى مسعد أن سياسة البيزنطيين التي تسعى إلى السيطرة على تجاة البحر الأحمر اعتمدت على كسب ود القوى البحرية المحلية في المنطقة وهما مملكتي اكسوم والبليميين.
وقد أطلق الرومان إسم البليميين على التُرُوجلُودايت عندما توسع نفوذ البليميين على ساحل البحر الأحمر، ويؤيد ذلك ما تردد في المصادر عن ترادف استخدام أسماء المِجا والبيليميين والتُرُوجلُودايت. (Mac Michael, Vol. 1 p.37) ويبدو أن اسم التُرُوجلُودايت قد بدأ ينحسر أمام اسم البليميين مبكراً، فأن اسم التُرُوجلُودايت لم يعد يظهر في الايصالات الخاصة بالتجارة في مدينة Coptos(قنا الحالية) منذ القرن الأول الميلادي. (Mederith, Vol,39, p. 56)
فمملكة البليميين عشية الفتح الاسلامي لمصر كانت مملكة قوية فرضت قوتها على الرومان والبيزنطيين في مصر، كما فرضوا سيادتهم على سواحل البحر الأحمر جنوب خليج السويس واحتلوا منذ القرن الرابع ميناء برينيس ومنطقة معدن الزمرد الي الشمال منها. (Edie,Vol. 3, p. 1119)
ويبدو أن مملكة البليميين قد عرفت بمملكة البجة. فقد ذكر إبيفانيوس السلاميسي في نهاية القرن الرابع الميلادي مملكة البجة ضمن الممالك على طريق الهند، وقد عٍرفت مملكة البجة بمملكة البليميين (Edie, Vol. 3, p. 1118)، وإذا صدق هذا فإن مملكة البجة التي طلب البيزنطيون مساعدتها عند الفتح الاسلامي لمصر تكون هي مملكة البليميين. وكنت في مكان آخر قد رجحت أن تكون مملكة البجة التي استعان بها البيزنطيون هي مملكة الزنافجة. وذكرت المصادر العربية ان مملكة الزنافجة حكمت المنطقة قبل مملكة الحداربة التي اسست ثوتها في القرن التاسع الميلادي. فالزنافجة قد يكونون فرعا من البليميين خاصة وأنهم كانوا ايضا على النيل فعرفت المملكة باسمهم في المصادر العربية، فالأمر يحتاج إلى جهود الباحثيين.
ميناء أدولس
إلى جانب الموانئ التي مر ذكرها، اشتهر في منطقة جنوب البحر الأحمر ميناء أدولس Adulis وربما هو الاسم "عدولي" الذي ورد في معلقة الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد:
عدولية أو من سفين ابن يامن .... يجور بها الملاح طوراً ويهتدي
ويرى سلاسي (ٍSellassie p 132) أن بعض المؤرخين الغربيين يرون أن سفن عدولية الواردة في معلقة طرفة مقصود بها سفن ميناء أدولس، غير أنني لم أجد فيما اطلعت عليه من المصادر العربية أن عدولية في معلقة طرفة ترجع إلى ميناء أدولس. فقد أشارت المصادر العربية إلى أن عدولى اسم موضع لكنها لم تحدد مكانه. ولعل إخواننا المهتمين بالأدب الجاهلي يلقون المزيد من الضوء على المقصود بعدولي في معلقة طرفة.
تقول إحدى الروايات أن ميناء أدولس أسسه الجنود المصريين الذين فروا في عصر الملك المصري بسماتك الأول في القرن السابع ق م. (Edie, Vol. 3, p 869 و الشامي ص 51) وذكر مؤلف كتاب الطواف حول البحر الأرتري (Periplus, p 105-106) أن أدولس في المنطقة الداخلية لخليج يحتوي على عدد من الجزر، فقد كان المرسى قريباً من الشاطئ ويمكن الوصول إليه مخاضة، وكان الأهالي يهاجمون السفن الأمر الذي أدى بالتجار إلى تفضيل الرسو في جزيرة أخرى في الداخل.
وقد جاء في نقش ميناء أدولس الذي نقله كوسماس في القرن السادس الميلادي أن اليونانيين في عصر بطلميوس الثاني في القرن الثالث قبل الميلاد احتلوا ميناء أدولس، وتوغلوا في الداخل حتى مدينة آكسوم. وعبروا نهر تكازى (عطبرة) جنوبا فدخلوا اقليم قوجام حيث منابع النيل الأزرق. (Periplus, p 111) ودخلت ميناء أدولس منذ ذلك الوقت في الحركة التجارية في البحرالأحمر.
إصبحت أدولس الميناء الرئيس لمملكة اكسوم منذ قيامها، وذكر مؤلف كتاب الطواف حول البحر الأرتري في القرن الأول الميلادي ( (Periplus, p. 107أن أدولس ومنطقة الساحل شمالها كانت تحت حكم زوسكالس Zoskales. وذكر أنه كان يختلف عن الأمراء في المنطقة، ووصفه بأنه "متحضر في أخلاقه ومحترم في سلوكه ومتحرر ونزيه في معاملاته، يتحدث اللغة اليونانية بحكم اختلاطه بالتجار القادمين من مصر." لكن سلاسي ( Sellassie, p. 72) يرى أن زوسكالس هو ملك اكسوم Za-Haqile الذي حكم في الفترة 67 - 89 م، وأن اسم زوسكالس لقب للأسرة المالكة وليس إسماً للملك.
ويبدو أن نفوذ حكام الساحل الأفريقي للبحر الأحمر قد امتد منذ القرون الميلادية المبكرة على السواحل العربية للبحر الأحمر، فقد وجد نقش يوضح أن حاكم منطقة الحجاز وعسير يختلف عن سكان المنطقة، فلونه أسود ويقول إنه كوشي. (Sellassie, p. 75) وقد اذدهرت ميناء أدولس وأصبحت من المراكز المهمة على ساحل البحر الأحمر الشرقية وبخاصة في الفترة التي سبقت ظهور الاسلام حيت نشطت تجارة المحيط الهندي بالأساطيل التجارية لدول الهند والصين الفرس والبيزنطيين وممالك جنوب شبه الجزيرة العربية واكسوم والبجة.
وهكذا يتضح ان نفوذ الحكام المحليين لساحل البحر الأحمر الغربي قد امتد منذ القرن الثالث قبل الميلاد عندمت حرمهم البطالمة في أدولس، وتواصل في ميناء برينيس في عهد حكامها التُرُوجلُودايت الذين كانوا على علاقات تجارية مع البطالمة واستمر في عهد حكامها البيلميين الذين حاربوا وهادنوا الرومان والبيزنطميين في مصر. وقد تواصل تاريخ البجة السياسي –كما سنرى- في ميناء عيداب والذي امتد حتى قيام مملكة الفونج.
المراجع
1. سترابو، كتاب الجغرافيا، في سامية بشير دفع الله، السودان في كتب اليونان والرومان، الخرطوم: جامعة السودان المفتوحة 2008.
2. صلاح الدين الشامي، الموانئ السودانية, سلسلة الألف كتاب 378، القاهرة: مكتبة مصر 1961.
3. كتاب الطواف حول البحر الأرتري (أو دليل البحر الأرتري ) مؤلفه مجهول، تم تأليفه في القرن الأول الميلادي.
4. مصطفى محمد مسعد، الاسلام والنوبة في العصور الوسطى، القاهرة: مكتبة الانجلو المصرية 1960.
5. Bates, Oric, The Eastern Libyans. First edition 1914, new impression London: Frank Cass & Co. Ltd, 1970.
6. Bowan, Alan K. et. al. (eds) The Cambridge Ancient History.
7. Butler, Alfred J "The Treaty of Misr in Tabari" in his book The Arab Conquest of Egypt Oxford University Press 2nd ed. 1978.
8. Eide, Tormond et al, Fontes Historiae Nuburum Textual Sources for the History of the Middle Nile Region between the Eighth Century BC and the Six Century AD. Bergen: University of Bergin 1994.
9. Mac Michael, A History of the Arabs in the Sudan. London; Frank Cass & Co. Ltd. 1967.
10. Meredith, David, Berenice Troglodytica" Journal of Egyptian Archaeology, 1957, Vol. 43.
11. Paul, A, The Beja Tribes of the Sudan, London: Frank Cass & com. Ltd, 1971.
12. Pliny the elder, The Natural History, Book xi, Chapter 33, 34. Online
13. Sellessie, Sergew Habel, Ancient and Medieval Ethiopian History to 1270, Addis Abba: 1972.
14. Strabo, Geography. Book xvii (online)
15. The Periplus of the Erythrean Sea, published in William Vencent, The Commerce and Navigation of the Ancients in the Indian Ocean, London: 1908.
16. Thomas, Ross I, "Port Communities of the Early Sea Trade" British Museum Studies in Ancient Egypt and Sudan, 18 (2012).
17. http://www.btiishmuseum.org.research/online_journals/bmsaes/issue_18/thomas.aspx


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.