شاهد بالفيديو.. القائد الميداني بالدعم السريع "قجة" يفاجئ "حميدتي": (3 قادة بارزين في طريقهم للإنشقاق واللحاق بالنور قبة)    الأحمر يكثف إعداده للقاء" موكورا " في غياب "داركو"    خبير "الكاف" محمد سيدات يتفقد منشآت القلعة الحمراء ويجري اجتماع غداً لتقديم تقريره    مان سيتي يشعل الدوري الإنجليزي    شاهد بالفيديو.. القائد الميداني بالدعم السريع "قجة" يفاجئ "حميدتي": (3 قادة بارزين في طريقهم للإنشقاق واللحاق بالنور قبة)    انطلاق امتحانات الشهادة الثانوية 2026 غداً بمشاركة 564 ألف طالب وطالبة    شاهد بالفيديو.. الفنانة شهد أزهري تهز جسمها في وصلة رقص فاضحة خلال حفل غنائي خاص    رسالة من البرهان إلى رئيس جيبوتي    رئيس أركان الجيش الأوغندي يطلب من تركيا مليار دولار.. ويعرض على إسرائيل 100 ألف جندي    شاهد بالصورة والفيديو.. أرملة الحرس الشخصي لقائد الدعم السريع تستعرض جمالها بفستان مثير للجدل    شاهد بالفيديو.. مطربون بالدعم السريع يطلقون أغنية يهاحمون فيها القائد "النور قبة" بسبب انسلاخه من المليشيا وانضمامه للجيس    كامل إدريس يؤكد التزام الدولة بدعم الإعلاميين لدورهم المتعاظم في حرب الكرامة    القنصلية السودان بدبي تعلن تعذر قيام امتحانات الشهادة السودانية في موعدها    بنك السودان يقرر استبدال العملة في ثلاث ولايات    سفير السودان بإثيوبيا يجري سلسلة لقاءات دبلوماسية مع عدد من المسؤولين والمبعوثين الدوليين والإقليميين المعنيين بالشأن السوداني    الزمالك يقترب من حل أزمة القيد.. وإبراهيما نداى عقبة فى الطريق    إعلام إيراني: نتنياهو يحاول عرقلة المفاوضات الأمريكية الإيرانية في باكستان    البنك الدولي : حرب إيران ستبطئ النمو وستكون لها تداعيات متسلسلة    تشكيل بيراميدز المتوقع لمواجهة المصري البورسعيدي    قصص حب فى كواليس التصوير.. حين تتحول الكاميرا إلى بداية علاقة حقيقية    تارا عبود عن أصعب مشهد فى صحاب الأرض: نضال شعبنا الفلسطينى منحنى طاقة    كم يحتاج جسمك من السكر يوميًا دون أن يضر صحتك؟    أنشيلوتي يفاجئ نيمار قبل شهرين من المونديال    غرفة المستوردين تنتقد زيادة الدولار الجمركي (9) مرات في أقل من عام    كانتي.. (يا الزارعنك في الصريف)    "كاف" يصدم نادي الهلال السوداني    السودان يبلغ ألمانيا اعتراضه على مؤتمر برلين    شرطة ولاية نهر النيل تضبط (53) جوالًا من النحاس المخبأ تحت شحنة فحم بمدينة شندي وتوقيف متهمين    من الحب للحرب.. شاهد الحلقة قبل الأخيرة من القصة الكاملة لأزمة الفنانة إيمان الشريف واليوتيوبر "البرنس"    الإمارات والبحرين توقعان اتفاقا لمقايضة الدرهم والدينار    حالة طبية صادمة.. عدوى غريبة تجعل امرأة تعطس ديدانا من أنفها!    الإتحاد الأفريقي "كاف" يصدر قراره في شكوى الهلال ضد نهضة بركان ويصدم جمهور الأزرق    ضبط شبكة تزوير مُستندات مركبات في الخرطوم    الموانئ السودانية تتلقى عرضًا من الهند    إيران تؤكد.. سنسيطر على مضيق هرمز بذكاء وسندعم "محور المقاومة"    البرهان يتفقد الشركة السودانية لتوزيع الكهرباء    باحثون يطورون مستشعراً لكشف الالتهاب الرئوي عبر النفس    البرهان يصدر توجيهًا بشأن ملف الكهرباء    السودان.. القبض على 4 ضباط    في عملية نوعية لمكافحة التهريب بالبحر الأحمر ضبط متهمين أجانب بحوزتهما أسلحة وذخائر    ترامب عن إيران: ستموت حضارة بأكملها الليلة ولن تعود أبداً    السودان..ترتيبات لتوفير مبالغ مالية لشراء محصول القمح    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    ضبط شبكة إجرامية خطيرة في الخرطوم    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مؤشرات الفساد (5) – الشركة العربية للنشا والجلكوز (أ) .. بقلم: سعيد محمد عدنان – لندن – المملكة المتحدة
نشر في سودانيل يوم 04 - 12 - 2019

عند إنشاء الشركة العربية السودانية للنشا والجلكوز – التابعة للهيئة العربية للإستثمار والإنماء الزراعي – (قبيل دمجها كوحدة ضمن شركات غذائية أخرى في شركة أكبر وتغيير اسمها إلى "الشركة العربية للإنتاج والتصنيع الزراعي"، كانت قد أُجريت معاينات لوظيفة رئيس قسم الصيانة بواسطة تيم من خبراء شركة "دي سميت" البلجيكية والتي عُهِد لها بإنشاء مصنع النشاء والجلكوز، والتي تقدمت لها ضمن أربعين مهندساً، وكانت المعاينات عبارة عن إمتحان كتابي ومعاينة شخصية بواسطة لجنة من الخبراء والمدير العام.
كنت كما ذكرت في نهاية الجزء السابق قد فصلت تعسفياً من وظيفتي السابقة مع شركة خدمات المكاتب قبل زواجي بأسبوع، وبعد زواجي بأسبوع فوجئتُ بإخطار لمقابلة مدير شركة النشاء والجلكوز ومعه مدير شركة ديسميت حيث تم إخطاري بقبولي للوظيفة بنسبة نجاح 80% (مقابل 40 % للتالي من المتقدمين)، وبدأنا الإجراءات لسفري مع المدير الفني – السيد خضر – بعد أسبوعين (أول سبتمبر 1983) لبلجيكا للتدريب لمدة شهر في مصنع "أميلام" في "آلْسْت". وبإذن شركة "ديسمت" البلجيكية، اصطحبت معي زوجتي، فقد كنا في بداية شهر العسل.
مصنع النشا والجلكوز موقعه في الجديد الثورة بالباقير، وقد قدُمت في وقتٍ متقدم شركة ديسميت (وسيشار إليها هنا بالمقاول) المشرفة على إنشاء المشروع، وتم تعيين شركة "بورجي آند بالدو الإيطالية" (المهندس) لمهمة الإشراف إنابةً عن الشركة العربية السودانية (صاحب العمل وسيشار إليها هنا بالشركة) على تنفيذ المشروع بواسطة شركة ديسميت (المقاول)
كانت ديسميت متعاقدة مع الشركة العربية السودانية للنشا والجلكوز لتكملة المصنع وتسليمه شغالاُ بمستوى 110%، وتعاقدت على تقديم عون فني للإشراف على عمل المصنع وأداء الفنيين السودانيين في تشغيله للعامين الأولين من تشغيله، خلالها تقوم بتدريب الكادر الفني وتسلمه المصنع، ويتم إشراف بورجي آند بالدو (المهندس) على أداء المقاول في الإنشاء بتنفيذ البرنامج الزمني على نظام النقاط التي تحكم كمية المال الذي تحرره الشركة للمقاول عند اكتمال كل مرحلة، من شراء معدات وترحيلها واستلامها في السودان ثم استلامها في الموقع ثم تركيبها، حسب البرنامج الزمني المرسوم، والذي بمخالفته توقع عقوبات مالية تسجل على المقاول (أو إذا سببه الشركة فيسجل على الشركة)، ويتم تقييم أداء المقاول وتقدير ماله وماعليه من هذا البرنامج فيستكمل بها التعاقد لصرف المدفوعات المتبقية له.
قبل بدأ تنفيذ البرنامج (ونظام النقط) كان على المقاول استلام كل الإمتيازات التابعة للمشروع وبها يبدأ برنامج شراء الماكينات وعقودات التسليم والترحيل، وأهم تلك الإمتيازات استلام أرض لإنشاء المعسكر للخبراء الأجانب وتصاديق الإستيراد وإعادة التصدير لمعدات المعسكر.
قُدمت قطعة أرض مجاورة للمصنع للمقاول الذي قام باستئجارها، وبدأ العمل في نظافتها من الأشجار، ثم تعميرها، وفي نفس الوقت قام المقاول بالإتصالات بالشركات الموردة لتوريد المعدات والمواد، واستدعاء الخبراء الذين بدأوا يتوافدون، وبدأت شركات المسح والبناء أعمالها في الموقعين: بمعنى آخر بدأت ساعة الصفر للتنفيذ والمحاسبة
خططتُ لقسم الصيانة الذي أرأسُه ليكون من أربعة أقسام على رأس كلٍ من ثلاثة منها مهندس جامعي (قسم توليد البخار، قسم توليد الكهرباء، قسم صيانة المصنع وورشة الصيانة)، وقسم رابع هو المخازن الميكانيكية ورئيسها مهندس فني.
وقدمت الهيكل الوظيفي للإدارة لاستيعاب العاملين، الذين تم تعيينهم وابتعاث المهندسين الفنيين لمصر للتدريب.
قمت بعدها بإدارة إشراف الشركة على عمليات الإنشاء في المصنع، والتنسيق مع "المهندس" وإدارة جمع أخشاب صناديق المعدات القادمة والتي تم تعيين نجار لجمعها وتنظيمها، وذلك تحت إشراف المدير الفني الذي يجلس في الخرطوم.
أصدرت الشركة مرسوماً بمنح العاملين في الموقع حصص متساوية من حاصل الأخشاب وترحيلها للعاصمة، وكنت أقوم بذلك بتوجيهات المدير الفني. وكانت شركة "سكس (ستة) كونستركت للهندسة المدنية أحياناً ينقص احتياطيها من الخشب الذي يستعملونه في صب الأساس للماكينات فيطلبون منا مدهم بأخشاب قرضاً يرد بعد وصول أخشابهم، وكان ذلك أيضاً يتم تسجيله ومراجعته.
بدأت برامجنا بتشجيع الابتكار والحلول العلمية التي تجنبنا الحاجة للمساعدة الأجنبية، وكذلك تقليل العمالة ماأمكن .... فطلبت من المهندسين والفنيين العاملين في الصيانة بتقديم برنامج يمكننا تنفيذه لغسيل براميل الجلكوز وتعقيمها بعملية ميكانيكية مستمرة، لنلغي العرض المقدم من شركة ديسميت البلجيكية بعمل وحدة غسيل البراميل (والمتفق عليها بمبلغ مئة ألف دولار...) وعكف الجميع على تقديم مقترحاتهم وإمكانية تنفيذها، فجمعتها وعملت لها الحسابات الهندسية لتحديد الأحجام والقوى المطلوبة وبالتالي المواصفات الهندسية، وشرعنا في جمع تلك الإحتياجات وتصنيعها في الورشة وكانت التكلفة النقدية التي تكلفتها الخزينة بعد نهاية التصميم من أجل التنفيذ هي دولاران فقط... ورفعنا المشروع لمجلس الإدارة الذي وافق عليه، وتحرك جميع العاملين من قسم الصيانة بالمشاركة الحماسية في تنفيذ المشروع. وبعد تشغيل المصنع نجح نجاحاً باهراً وأثار إعجاب مهندسي العون الفني.
فتحت تلك التجربة آفاق العاملين بقسم الصيانة وحثتهم للإبتكار والتفنن في الأداء، وفي تلك الحماسة استطعنا تدبير نظام للمخازن الميكانيكية ليفتح فيها جزء يكون تحت إشراف رئيس وردية التشغيل ليفتحه بمرافقة رئيس وردية الأمن لاستلام الجهاز المطلوب وتسليم الجهاز المعطوب بنظام رسم الجهاز بشكله حيث هو موضوع على الأرض أو الحائط، حتى يسهل على رئيس قسم المخازن الميكانيكية عند فتح المخازن صباح اليوم التالي مع مدير قسم الأمن عمل جرد سريع لصرف المخازن للورديات في اليوم السابق، وذلك في بضع دقائق، ويطابقه مع دفتر الوردية، ثم يعمل الإجراءات المكتبية المطلوبة.
واستحدثت تنفيذ فكرة فرقة المهمات وهي فرقة محترفة وغاية في المقدرة الميكانيكية تكون تحت الإستدعاء متى تم احتياج كبير في الصيانة في المصنع. كل ذلك بعث الحماسة والجدية في العاملين وكان تفاعل الأقسام الأخرى متحمساً معهم وكان الأداء مشرفاً جداً
فقط كانت هنالك مشكلة في محطة توليد الكهرباء والتي كانت تفصل الكهرباء أحياناً عندما يكون عمل المصنع في طاقته الكاملة، وفصل الكهرباء يتبعه اتوماتيكياً فتح جميع الصمامات في جميع صوامع النقع، وجميع مواسير التوصيل وجميع خزانات المواد المستخلصة، لتصب كلها في المجاري منعاً لأي فرصة لتصلب مستودعات ومواسير المصنع.
محطة الكهرباء لم يتم حينئذٍ تسليمها لنا رسمياً، ولكن مهندسينا الكهربائيين تقدموا برأيهم بأن أجهزة المواءمة والمزامنة بين ماكينات التوليد الثلاثة غير متوازنة، خاصة عند قدوم حمل ثقيل، غالباً من عبوة هائلة من البخار في محطة القيزانات، ويرون أن يتم تغييرها بجهازٍ واحدٍ مشترك بينهم، ولكن مهندس الشركة الإيطالية – سي إي آي – رفض تلك الحلول، وعزى عدم مواءمة تلك الأجهزة إلى تلاعب المهندسين السودانيين بها لعدم فهمهم لتلك التكنولوجيا... وكان ذلك جارحاً للمهندسين فكتبوا لي مطالبين بلجنة من الخبراء للبت في الموضوع، فكتبت للسيد المدير أقترح عليه استدعاء مهندس من كل واحدة من الشركات الأجنبية التي نتعامل معها في الكهرباء (سي إي آي، جنرال موتورز، ديسمت) لتكوين لجنة برئاسة بورجي آند بالدو (المهندس)، للتحكيم، ولكن لم يفعل شيئاً
كان اتحاد العاملين بالشركة يقوده التجمع الوطني، وكان إثنان من مهندسيّ في قسم الصيانة من الإخوان المسلمين، واحدٌ منهم من المتعنتين والإسلام السياسي، والثاني كان عقلانياً ومن "الدعاة لا قضاة"
وكانت الأقسام الكبرى الثلاث بالمصنع بعد الصيانة هي قسم النشا ورئيسه أخو مسلم يدعى عوض السيد، وقسم الجلكوز ورئيسه يساري واسمه سامي، وقسم ضبط الجودة ورئيسه أخو مسلم واسمه العوض، وكان قسم الأمن وتنقية المياه رئيسه شيوعي واسمه محمد الأمين، وكان الإخوان (رؤساء النشا وضبط الجودة) ومعهم رئيس قسم الجلكوز متكتلين ضدي ولم أدري لماذا، وكنت دائماً أجدهم سوياً في مكتب أحدهم يلوكون سيرتي، حتى أنه في مرة حدث شئ طريف: دخلت مكتبي بعد جولة في المصنع، وكان هنالك باب بين مكتبي ومكتب مدير النشا، ففتحته ودخلت، وكانوا جميعاً متحمسين في الحديث عنى، وعند مفاجأتهم بدخولي تحول الحديث عني باللغة الإنجليزية قبل أن يستدركوا أنني أجيدها أفضل منهم – هاهاها
عندها ثبت لي نواياهم تجاهي
كانت الهيئة العربية قد قررت دمج شركاتها الغذائية في شركة كبرى واحدة بإسم الشركة العربية للإنتاج والتصنيع الزراعي، وتكون الشركات المدموجة فيها وحدات إنتاجية، وتكون شركة النشا والجلكوز هي وحدة النشا والجلكوز. وتقرر بذلك فصل جميع العاملين فصلاً تعسفياً في بداية العام الجديد أي سبتمبر وإعادة تعيين من تراه الإدارة الجديدة مناسباً في الشركة الجديدة.
تبين لاحقاُ أن مؤامرات الإخوان كانت أن يتم فصلي من العمل بدون إعادة تعيين، فاستصدروا بيانٍاً من إتحاد العاملين يدينوني فيه ويطالب الشركة عدم إعادة تعييني، وكذلك الحال مع مهندسي الصيانة المسئولين عن التوليد الكهربائي. في المصنع.
اجتمع بي المهندسون رؤساء ورديات الكهرباء مع رئيسهم وطالبوا بقرار نهائي بلجنة تحكيم، وإلا فتقديم استقالاتهم الفورية، فاتصلت بالمدير لاسلكياً وأخطرته بقرار المهندسين، فاضطرب وطلب مني أن أثنيهم عن ذلك وسيفعل شيئاً فوراً في مسألة لجنة التحكيم
وفعلاً إتصل بشركتين، أحدها خاصة الباشمهندس صلاح عوض الله (إبن المرحوم رئيس القضاء السابق) والثانية خاصة الباشمهندس بابكر محمد بابكر (مدير تشغيل الإدارة المركزية سابقاً) ليكونا لجنة تحكيم ولو مؤقتاً
وجاءنا المهندسان بشخصيهما بالعصر وقابلاني وقابلا المهندس الإيطالي الذي كشف لهم أجهزة المزامنة والمواءمة للمولدات الثلاث، وكيف أنه عمل على كلٍ منها علامةً يؤكد بها أنه كلما توقفت المحطة وجد الأجهزة قد تم التلاعب فيها بدليل إختلال العلامات، وكانت المحطة تعمل والأجهزة ثابتة في مواضعها، وكادت اللجنة أن تقفل التحقيق على ذلك لأن الأمر وضح لها، ولكني أصررت على الإنتظار إلى حين تحميل البخار من القيزانات. وفعلاً فجأة بدأ التحميل وتوقفت محطة الكهرباء، فانصرف المهندس الإيطالي لمواصلة التحقيق في المواضع المتبقية، ولكني أصررت على الرجوع فوراً لأجهزة المواءمة، وبتذمر فتح المهندس الإيطالي أبواب الأجهزة، فإذا هي تدور لوحدها فاقتنعت اللجنة برأينا واقتنع كذلك المهندس الإيطالي وتمت المطالبة بتغيير الأجهزة بالضبط كما أوصى مهندسو تشغيل المحطة من البداية
وبعد التوقّف الذي عنى رشح كل ما في الصوامع والمواسير من ترشيح الذرة، وبالتالي غمر محطة الصرف الصحي والتي تفيض خارج الأحواض، والإنكفاء على جلب فناطيز نقل المياه الراجعة لذرها على الفضاء خارج المصنع، راجعنا ماكينات التوليد الكهربائي، فوجدنا أن إحداها بدأت تولد بعض السخانة في حمالة العمود الرئيسي، وشهدنا شحماً جامداً مرشوشاً على الأرض وعلى البناية، وتم استدعاء شركة يونانية لفك العمود لتغيير حمالات الكرات الفولاذية – وكانت تلك مشكلة أخرى اتهمت فيها الشركة الإيطالية عاملينا بعدم التشحيم الصحيح، ولكني رفعت تقريراً مشفوعاً بصور فوتوغرافية تبين إتجاه نثر الشحم وحالة الشحم غير المستهلك، وفيها بيان أن العمود لم يكن موزوناً عند تركيبه، ورفعت التقارير لشركة جنرال موتورز وأيدوا رأيي في ذلك وتحملت الشركة الإيطالية تكلفة الحادث بما في ذلك التلف الذي نتج في أجهزة التيربو شارجرز (الشاحنات التوربينية)، والتي يحتاج تصنيعها لنا لستة أشهر لأنها ليست قطع غيار
وصل الخبر للجنة الإتحاد، فغضب العاملون وأدانوا رؤساء اقسام النشا والجلكوز وضبط الجودة وطالبوا بعدم إعادة استيعابهم، ورفعوا عني وعن مهندسيّ الإدانة السابقة
ولكن بعد نهاية شهر أغسطس وردت الأسماء الجديدة وأسقطت أسامينا بينما تم تعيين رئيس النشا مديراً للوحدة، فغضب العاملون، إلا أن المدير أخطرهم أنها توصية العون الفني، ولكنهم رفضوها ودخلوا في إضرابٍ هدد بتعطيل التسليم وفقدان الشركة مستحقاتها ضد المقاول، فتراجع المدير وسحب خطابات تعيين الرؤساء الثلاثة واستدعاني ليسألني إن كنت سأستطيع تشغيل المصنع بحاله ذاك وعلاج مشاكله، وماذا أحتاج لذلك الغرض، وأجبت بالإيجاب، وأحتاج للسفر لإيطاليا فوراً للمطالبة بلجنة التحكيم التي طالبت بها سابقاً لمطالبة الشركة الإيطالية سي إي آي مع شركة جنرال موتورز بقبول المسئولية ومدنا بشاحنات توربينية من المصنعة للبيع لأي عميلٍ آخر.
وطلبت إعداد مواد لحام بارد للشاحنات الحالية والتدرب على استعمالها لإعادة تأهيل الشاحنات التوربينية الحالية للعمل مؤقتاً على الأقل لمدة شهر ريثما نستلم الشاحنات البديلة، وحتى لا يتأجل تشغيل المصنع، فوافق وقام بتعييني مديراً للوحدة وبسفري فوراً لأيطاليا، حيث اتصل بوكالة سياحة للحجز لسفري اليوم التالي واستدعى المدير المالي وتم تسليمي ثلاثة آلاف دولار نقداً
أخذت معي 7 ألف دولار تخصنيى وغادرت لإيطاليا، وهناك اجتمت لاسلكياً مع شركة سي إي آي وشركة جنرال موتورز وشركة أخرى متخصصة في اللحام البارد، وذلك في مكاتب بورجي آند بالدو، وتم الإقرار بالمسئولية ومدنا بثلاثة شاحنات توربينية نستلمها في ظرف شهر، وأرسلت إلى نابولي للتدرب لمدة يوم مع الشركة في اللحام البارد، وتم مدي بالكميات اللازمة من المواد وقمت بالدفع نقداً.
قبل رجوعي أرسلت للسودان بأمر للورديات بفك الشاحنات التوربينية وغسلها بالكحول المثيلية، واستدعاء فرقة المهمات وفتح الورشة، وعند وصولي الخرطوم ذهبت رأساً للمصنع وقمت بتدريب العاملين لإستعمال اللحام البارد وشرعت معهم في لحام الشاحنات التوربينية المعطوبة وتركها للجفاف يومين، بعدها تم تجميعها وتشغيل المحطة بنجاح، وتم التدوير التجريبي للمصنع بأيادي السودانيين فقط وجاءني المهندسون الأجانب يهنئون بمستوى أداء كل المصنع وفي مستوى 110% كما كان مطلوباً
وجاء مدير شركة ديسميت (المقاول) ومعه تيم العون الفني لتهنئتي بالوظيفة، ثم طلب مني الإجتماع بهم في مكتبهم بالمعسكر
في الإجتماع صارحني المدير بالرواية التالية:
لما وصلت الشركة للسودان وأعدت برامج التنفيذ، وطلبت من المدير العام وقتها السيد بابكر ميرغني قطعة أرض تؤجرها للمعسكر، تكون مجاورة للمصنع، أتاهم برجلٍ أمي من الأعراب يقول أنه مالك الأرض المطلوبة للمعسكر، وتم التفاهم معه بواسطة مترجم، فوافق بإيجارها لهم بمبلغ خمسمائة جنية سوداني في الشهر، تودع في حسابه في أحد بنوك السودان، وتم التعاقد وبدأ العمل في إعداد الأرض وإزالة الأشجار وحفر الأساسات، وبدأت ساعة الصفر.
جاء صاحب الأرض في زيارةٍ لاحقة وهو في هندام أفرنجي أنيق، ويتحدث اللغة الفرنسية بطلاقة، وواجههم باتهامهم أنهم غير مسموح لهم بقطع الشجيرات وحفر الأرض، وأنه يطالبهم بمغادرة الأرض، أو يكتبون إقراراً بدفع 500 دولار شهرياً فوق ال500 جنيه، وتودع في حسابٍ له في بنك في سويسرا، وإقراراً موثّقاً بأيلولة معسكر دي سميت له بعد انتهاء عملهم في المصنع، والمعسكر يحتوي على مولدات كهرباء، أجهزة تبريد وتهوية، شبكة تلفزيونات ومسجلات وتلفونات، كشافات ضوء، ومباني بريفاب بأثاثات كاملة ومعدات أنشطة متنوعة وصهاريج ماء وطلمبات للصهاريج ولحوض السباحة، وآليات أخرى، بقيمة إجمالية قدرها 2 مليون دولار (معفاة من الجمارك).
ونواصل إن شاء الله في الحلقة القادمة (ب)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.