إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    البرهان يفاجئ الجميع بشأن استقالة    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    ماساة قحت جنا النديهة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العلاقات الدبلوماسية السودانية الألمانية (3/3) .. بقلم: د. حامد فضل الله/برلين
نشر في سودانيل يوم 05 - 04 - 2020

اتسم تطور العلاقات الدبلوماسية السودانية الألمانية بالشد والجذب، حسب التطورات السياسية في السودان، نتيجة ارتفاع وتيرة الحرب الأهلية في الجنوب، واندلاع الحرب عام 2003 في إقليم دارفور وجبال النوبة. هذا إلى جانب القروض المالية والتبادل السلعي والاستفادة من الخبرة الألمانية في التصنيع، والمساعدات الضخمة التي كانت تقدمها ولاية ساكسونيا السفلى لدارفور من 1982 حتي 1990، بأشراف كلاوس اُتو ناس وبالتنسيق مع أحمد إبراهيم دريج. ونشير هنا الى الثلاثين منحة التي قدمتها مؤسسة فرتز بيرنير للعاملين في مصنع الذخيرة في الخرطوم، للتدريب والتأهيل الفني في المانيا، والى مركز التدريب المهني للتدريب في مجال الصناعات المعدنية والكهربائية، وقد تخرج في المركز 1500 طالب ويعتبر المركز نموذجا، ومن أهم وأنجح المشاريع التي ساهمت فيها المانيا الغربية. غالبية الخريجين ومدربيهم غادروا السودان الى بلاد الخليج الغنية، من بلد طارد لأبنائه. كذلك ساهمت ألمانيا الاتحادية في تكوين مجموعات بحثية، مثل، "مجموعة أبحاث الاقتصاد السوداني" تحت أشراف أستاذ الاقتصاد كارل فولموت في جامعة بريمن، أو استضافة أساتذة من جامعة الخرطوم ومنهم د. بيتر كوك، كباحث لفترة طويلة، في معهد الشرق في هامبورج، الذي كان يشرف عليه سابقا أودو شتاينباخ، بجانب البعثات للدراسات العليا في مجالات الزراعة والجيولوجيا والطب البيطري. وكذلك ساهمت في التنقيب عن الآثار بأشراف ديدرش فيلدينج مدير المتحف المصري في برلين الغربية، تواصلاً مع اكتشافات فرتز هنزا من المانيا الديمقراطية، وكان هنزا ايضاً عضوا في معهد الآثار الألماني في ميونيخ مثالا على عبور العلم للحدود.
تركز العدد الكبير من باحثي الدراسات العليا في الجيولوجيا في جامعة برلين التقنية، وكان يشاركهم في الابحاث استفان كروُبلين عالم الجيولوجيا في جامعة كولون، وكان يسافر كثيرا الى السودان، ومحبا ومعجبا ببلادنا، ولا ازال أذكر مقاله له في صحيفة فرانكفورتا شاو بتاريخ 12 أكتوبر 2004، وبعنوان لافت "تلاعب ذوي السلطان". وفحوى المقال هو التدخلات الخارجية، التي تعوق التنمية في السودان، فقط من أجل مصالحها الخاصة، واختتمه بجملة رائعة " من حق هذا البلد وأهله أن ينالوا الاِنصاف الذي يستحقونه". أدى مقاله الى ردود غاضبة من قبل كتاب ألمان منهم جيرهارد باوم وزير الداخلية الأسبق في حكومة هلموت أشمدت والمبعوث الخاص السابق للأمين العام للأمم المتحدة للسودان بخصوص حقوق الاِنسان، والذي كان قد التقى أكثر من مرة مع الراحل خليل إبراهيم، لقد عابوا عليه تجاهله لدور السلطة الحاكمة، التي تقهر وتضطهد شعبها.
وقلت له في ردى المقتضب: جميل أنك أشرت الى العامل الخارجي. ولكنني أفهم خاتمة مقالك أيضا كنداء موجه لنا نحن السودانيين حكومة ومعارضة ونخبة، أن نكون منصفين ومخلصين لهذا البلد وأهله الطيبين، لأنهم يستحقون ذلك ".
وكتبتُ خاتماً: عندما علمت بأن ابحاثك العلمية امتدت الى وادي هور(يقع في غرب السودان)جال في ذهني مباشرة شاعرنا الأحيائي الكبير محمد سعيد العباسي والذي كان يزور تلك المناطق . ويتغنى بجمال الطبيعة وذكريات حميمة لتاريخ اِندثر التي الهمته رائعته الطويلة ( وادي هور ) و التي جاء من أبياتها:
وسُرى ليالٍ لم تذقْ طعمَ الكرى حتى السَّحَرْ
سبحان ربي أين وادي النيلِ من وادي هَوَرْ
وعواصمُ القومِ الذين بذكرهم تحلو السَيرْ
زرت الربوع فخانني صبري لذكرى من غبرْ
ما كان لي كبدُ السلوِّ ولا فؤادٌ من حَجَرْ
هنا يتجاور العلم مع الفن والثنائيات: العلم والحدس، الواقع والخيال، الحقائق والأوهام وما بينهما من تضاد وتشابه.
كانت تقوم وزارة الخارجية الألمانية، بتقديم دعوات للحكومة السودانية والمعارضة، واحياناً للمعارضة منفردة، لمناقشة قضايانا المزمنة، كما تقدم مؤسسة فريدرش ايبرت دورات تدريبية في مجال الاِعلام والصحافة والنقاش حول قضايا المجتمع المدني والفكر السياسي وتحقيق الديمقراطية.
ما أزال أذكر مخاطبة العقيد جون قرنق للبرلمان الألماني في بون في بداية عام 1989. كان حزب الخضر، هو الذي قدم الطلب للهيئة البرلمانية لدعوة قرنق، كما قُدمت دعوة للحكومة السودانية للمشاركة، وكانت الحكومة وقتها برئاسة السيد الصادق المهدي. حضر وفد الحكومة برئاسة الدكتور بشير عمر وزير الطاقة والتعدين. كانت هناك حراسة شديدة على البرلمان، خوفا أن لا يقتصر الأمر على مشادة كلامية فقط، لقد اصابت البرلمانيين، الدهشة والاستغراب الطريقة التي استقبل بها اعضاء الوفدين بعضهما البعض "بالأحضان والابتسامات وتبادل القفشات". استمرت الجلسة العاصفة من الساعة التاسعة صباحاً حتى الساعة الثامنة مساءً، نتيجة لتعدد المحاور. لقد أشاد شاعرنا الكبير والدبلوماسي الرفيع محمد المكي إبراهيم، الذي كان وقتها ممثلا لوزارة الخارجية، بدور الوفد وخاصة رئيسه. واذكر هنا ما علمته لاحقا، باحتجاج د. عبدالله علي إبراهيم، لدى رئيس البرلمان الألماني، معترضا، مخاطبة قرنق لبرلمان ديمقراطي وهو يعتنق تكتيك حرب العصابات ويرفض الدعوة بترك الحرب والمساهمة في حل ما يرضي أهل السودان مستفيدا من ساحة الديمقراطية الناشئة. كان هناك ايضا تحفظ من بعض النواب الالمان، من وجهة نظر قريبة من وجهة نظر عبد الله.
بعد توحيد المانيا، انتقلت السفارة الى برلين في عام 2000، واحتفينا بأحمد جعفر عبد الكريم وهو السفير الثاني في الخارجية، الذي تخرج في الجامعات الألمانية. وكانت عليه المهمة الصعبة، ألا وهي القيام بإجراءات تصفية العقود والالتزامات واملاك السفارة، لا يهمنا هنا ما كان يدور من لغط حول تجاوزات في هذا الموضوع، ونحن لا نعرف حقيقتها وتفاصيلها، ولكننا نعرف، ما كان يتميز به السفير من طيبة وأمانة وربما ما يعاب عليه ثقته المفطرة، في من لا يمكن الثقة به وانما يهمنا، محاولة الاستقطاب وزرع الفتنة بين السودانيين.، مما دفعني الى كتابة الرسالة ادناه:
سعادة السيد أحمد جعفر عبد الكريم سفير المحترم، جمهورية السودان. برلين / ألمانيا
تحية طيبة وبعد
أود أن اعبر لسيادتكم بهذا الخطاب، عن وجهة نظري فيما يتعلق بعلاقة السفارة بالسودانيين المقيمين في المانيا، سواء أكانوا طلابا أم مبعوثين، أم مغتربين. إننا نلاحظ، بأن هناك اهتماماً وأسبقية وتفضيلاً لاتجاه سياسي معين على حساب الاِتجاهات السياسية والمنظمات الأخرى الموجودة على الساحة البرلينية.
لقد خبرنا هذه التجربة عام 1997 في سفارتنا في بون، بل شارك أحياناً بعض الطلاب ذوي الاِتجاه السياسي المفضل لدى السفارة، في تحرير النشرة الاِعلامية "السودان في نصف شهر"، التي كان يصدرها القسم القنصلي في بون. والآن نلاحظ نفس هذا الاتجاه من جديد، من تفضيل و"فرش البساط" لاِتجاه سياسيي معين وتهميش الآخرين. إن سياسة الحكومة المفترض أن تمثلها وتطبقها سفارتنا في الخارج تدعي انها تدعوا إلى الاِنفتاح على كل الاِتجاهات السياسية والتنظيمات المختلفة.
لقد أشرت عابراً إلى هذا الخلل في خطابي المفتوح بتاريخ 24 يونيو 2002 والموجه إلى اللجنة التنفيذية للجالية السودانية برلين \ براندنبورج، عندما بدأ هؤلاء الطلاب بالاِفتخار بوضعهم المميز، بل والاعتداد بسلطتهم " الوهمية"، المكتسبة، في الجلسات الخاصة، فكان لا بد من الاِشارة لهذا الخلل علناً.
إن أسلوب الاِستقطاب من جانب السفارة وأسلوب الوصاية والوشاية من الجانب الآخر، غير مقبول ويؤدي إلى خلل وتدمير العلاقات الاِجتماعية والاِنسانية بين السودانيين.
إن للسفارة السودانية في برلين مهام كبيرة ومتشعبة لثقل ألمانيا الاِقتصادي ودورها العالمي، مما يتطلب تضافر الجهود مجتمعة والوضوح النظري والفكري والسياسي من أجل مراقبة وتحليل التطورات السياسية الداخلية والخارجية في ألمانيا وانعكاساتها على عالمنا العربي والإفريقي بدلا من الاِنصراف إلى قضايا جانبية لا طائل من وراءها.
إنني أكتب هذا الخطاب مجرداً من أي غرض سوى التنويه والاِشارة إلى هذا الخلل في علاقة السفارة بالسودانيين في الخارج والأمل في إصلاحه.
السيد السفير، أكرر مرة أخرى تحيتي وتقديري لشخصكم.
د. حامد فضل الله
أول نوفمبر 2002 برلين / المانيا
ونتذكر من الطاقم المحلي العم عبد الله كجوك، فعندما تتصل ببون، يصادف أذنك صوته المألوف بنبرته وترحيبه البشوش، و هو العليم بدروب وخبايا السفارة، وخلفه في برلين الحاج سعيد محمود، شريان ودينامو السفارة، وهو خير خلف لخير سلف.
خلف أحمد جعفر السفير المخضرم عمر الصديق، ولم يمكث طويلا، فقد تم نقله الى بريطانيا، بؤرة المشاكل والمتاعب وهو سفير المهمات الصعبة.
جاء د. بهاء الدين حنفي سفيرا الى المانيا، بعد تجربة في تركيا، بعد فترة قصيرة من وصوله، بدأ وكأن هناك مساراً جديداً في السفارة، لا استقطاب أو أفضلية. كان الدبلوماسيان عبد الوهاب حجازي وحسن نقور يمتلكان نباهة مميزة ويمارسان عملهما بحنكة بالغة ويضبطان التوازن بمسؤولية ومقدرة عالية. انصب اهتمام السفير، بتحسين العلاقات مع المانيا، التي كانت مزدهرة عبر السنين لتصل في عهد الانقاذ الى أدنى مستوى لها. ولكنه كان مثل خلفه السفير بدر الدين عبد الله، ينحتان في الصخر. كيف يمكن تحسين علاقة مع دولة فاسدة وتمارس الارهاب ضد شعبها وتُفاقم الحرب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وغير راغبة في سلام عادل، يحقن الدماء. أن عقد مؤتمر اقتصادي، دون مردود، او استقبال ممثل للحكومة مجاملة، أو اقامة معرض للآثار السودانية في مدينة ميونخ، وتسويق كل ذلك كأنه إنجازٌ كبيرٌ للعلاقات مع دولة في حجم المانيا، وانما هو خداع للنفس. حصر د. بهاء الدين نفسه في عمله الدبلوماسي فقط، وكان أميناً مع نفسه، فقد قال علنا ومرارا، بأنه ما كان يحظى بهذا المنصب الرفيع، لولا عضويته في المؤتمر الوطني.
انضم الى الطاقم الدبلوماسي الوزير المفوض خالد موسى دفع الله. لم يحبس خالد نفسه داخل جدران السفارة، فأنطلق باحثا عن مراكز الابحاث الالمانية ومشاركا في الندوات العامة، مناقشا ومجادلا، ومقدماً ومراجعاً للعديد من الكتب، حتى لخصومه السياسيين والفكريين بكثير من الموضوعية والشفافية. وقد اعاد خالد الحياة لجمعيتنا الأدبية، وشارك في ندوة أقمناها وفاءً لذكرى كاتبنا المبدع وأصدرنا كتابا بوقائع الندوة بعنوان "الطيب صالح: جسر بين الشرق والغرب"، شارك خالد في الكتابة والاصدار. وكان خالد زائرا منتظما للمؤتمر السنوي لمنبر السودان في مدينة هيرمانسبورج، ودائم الحضور في كل الجلسات، فهو مخزن من المعلومات وحافظة للتواريخ، يدعم حجته واعتراضاته بصوت هادئ بعيدا عن التشنج والانفعال، فخالد يقدم خدمة جليلة للنظام الحاكم لا يستهان بها ويمثل عبئا ثقيلاً على المعارضة. قال لي دبلوماسي بالخارجية الألمانية، لو صدقَ خمسة في المئة من الحضور كلام خالد، فهذا مكسب كبير للنظام، وهي إشارة الى مدى إفلاس هذا النظام .
هل يدفع خالد ثمناُ باهظاً من قناعاته وقيمه من أجل الولاء. خالد يجادل بعد أن تم فصله من الخارجية، بأنه كان يقوم بواجبه الوظيفي. هل كان مطلوباً منه أن يكون بوقاً وصوتاً صارخاً. لقد انكشف الآن المستور، وما كان مستوراً، فساد وكذب ونفاق النظام. أنني اقول للصديق خالد عليه أولا أن يتصالح مع نفسه، مما يعني الصراحة والوضوح وإزالة التناقض الداخلي، قبل أن يتصالح مع المجتمع، إذا اراد أن يكون لصوته وقلمه وفكره مصداقية. وقد فعلها أخر من قبل، عندما أكتشف في وقت مبكر فساد وظلم النظام، فترك المنصب الرفيع والمعاش المضمون، وصار ناقداً موجعاً للنظام، وأصبح اكاديمياً واستاذاً مرموقا ويشارك بالكتابة في الشأن العام ويجبرك، مهما اختلفت معه فكريا، أن تتمعن في كتاباته وتعاود التفكير فيما تعتبره من الثوابت، وهذا لعمري مهمة الكاتب الأمين والمفكر الرصين.
قامت وزارة الخارجية بفصل 109 دبلوماسي وموظف من وزارة الخارجية. أن شأني مثل الكثيرين، الذين يتابعون باهتمام مسار وقرارات حكومتنا الانتقالية، وتدور في أذهانهم الكثير من الأسئلة، ويتوخون لها الاجابة المطمئنة، واتوجه ببعضها الى الحكومة ولقوى الحرية والتغيير (قحت) و الى الدكتور عمر قمر الدين وزير الدولة بوزارة الخارجية، الذي كان في صحبة السيد رئيس الوزراء د. عبدالله حمدوك، عند زيارته الى المانيا ورده على الذين انتقدوا تقاعس وزارة الخارجية، "فسفراء المؤتمر الوطني لا يزالون يسيطرون على السفارات في الخارج". فجاء رده، الذي لقى ترحيبا شديداً " أنني ايضا من ضمن ضحايا سياسة المؤتمر الوطني، وأننا نعمل في الوزارة بهدوء وشفافية وأمانة، وتحري دقيق، حتى لا نظلم احدا، وهذا هو الفرق بيننا وبين الإنقاذ":
هل صحيح قد تم فصل دبلوماسي، مشهود له بالكافة والأمانة، فقط بسبب قرابته من وزير أو نافذ في المؤتمر الوطني؟
هل صحيح، كانت هناك أسماء دبلوماسيين تتصدر قائمة الفصل وتدخلت سلطة عليا بسحبها من القائمة؟
هل صحيح، أن هناك دبلوماسي، كان يتدنى ويتملق أي وزير أو تنفيذي من المؤتمر الوطني، بصورة يندي له جبين أي شخص يحترم نفسه، يقوم الآن، بمد لجنة الفصل، بأسماء من يجب فصلهم؟
هل لا يوجد ضمن هذه القائمة الطويلة، اسم دبلوماسي واحد، اتسم بالنزاهة والكفاءة، وتم فصله، فقط لأنه ينتمي سياسيا لحزب المؤتمر؟ إننا لم نطالب الدبلوماسيين الذين لم يتم فصلهم من حكومة الإنقاذ، بالاستقالة، وعملوا طيلة هذه الفترة مع حكومة الإنقاذ من أجل او تقليل الضرر، الذي ربما يصيب السياسة الخارجية.
ربما يكون صحيحاً، "من الصعوبة تحقيق العدل بالكامل، فكذلك من الصعوبة أيضاً تجنب الظلم بالإطلاق".
حاشية:
في نقاش مطول مع صديق، ناقداً له، ومشيرا لدفاعه غير العقلاني عن نظام الإنقاذ مع تبريرات فجة تدعو الى الشفقة، ، قال لي أنك طبيب اختصاص ناجح ولكنك لا تفهم في السياسة لم اقل له تأدباً واحتراما للمشاعر الانسانية، فكلنا بشر، "إن فهمك للسياسة التي تتبجح به، هو الذي أدى الى مسح تاريخك ونضالك الطلابي الناصع، المشهود به ومسخ صورتك كأكاديمي واستاذ جامعي ينشر المعرفة في عقول طلابه، وخلق منك شخصاً خادماً ومطيعا ذليلا من أجل حفنة جنيهات إسترلينييه وانما قلت له " الحمد لله، بأنني صفر في السياسة".
جاء في رسالة دكتوراه بعنوان "الدولتان الألمانيتان والسودان الصراعات الخاصة في أعالي النيل (لم تنشر بعد) لباحث الماني، استشهد بمقولة لسوداني مجهول الهُوية، وثبتها بنصها الانجليزي:
We will need another 100 years to enjoy justice, peace and stability. So it will only be our grand – grand – children to benefit. But it will definitely come as it came to Europe – and we will lay the foundation with everything we do today.
وترجمتي لها:
سوف نحتاج الى مئة عام أخرى، لنستمتع بالعدالة والسلام والاستقرار. لذا لن يكون سوى أحفاد أحفادنا، الذين يجنون ثمار ذلك. وسوف يحدث هذا بالتأكيد كما حدث في أوروبا وكل ما نقوم به اليوم، هو وضع الأساس لذلك.
هذه كلمات شخص متشائم وصدق أكذوبة الإنقاذيين وحكمهم العضوض، فجاءت الثورة الشبابية، فأطاحت بهم، ولا نحتاج الى مئة عام أخري لتحقيق العدالة والسلام والاستقرار.
برلين في 1 أبريل 2020
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.