مفاجآت في ختام مجموعات الممتاز: الأمل عطبرة يهبط بعد 22 عاماً والفلاح يتأهل للنخبة    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    الأمل عطبرة يودع الممتاز رسميا رغم التعادل أمام المريخ    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لا نافع إلا وجه الله ... بقلم: فتحي الضَّو
نشر في سودانيل يوم 29 - 03 - 2010

كان ذلك منذ نحو عشرين عاماً أو يزيد. وتحديداً صبيحة يوم الجمعة 30 يونيو 1989 أي اليوم الأول لإنقلاب العُصبة ذوي البأس، ومن منَّا يا صاحٍ ليست له قصة دراماتيكية في ذلك التاريخ البئيس؟ كنت ثالث ثلاثة سودانيين في أسرة صحيفة الوطن الكويتية، تجمع بيننا روابط الصداقة والزمالة والهم الوطني، نعيش في بلد بعثر استقراره الرئيس الضرورة صدام حسين، فقد صحونا في الثاني من أغسطس عام 1990 ووجدنا أنفسنا في المحافظة العراقية رقم 13 عوضاً عن البلد المستقل والمنتمي للأسرة الدولية. وتبعاً لذلك تبعثرنا نحن أيضاً في كل وادٍ، إذ شرَّق صديقنا محمود عابدين، وغرَّب صديقنا الآخر بدر الدين حسن على، ومثلهم كان لنا في بعض بلدان العالم نصيب. وشأننا جميعاً كشأن سائر السودانيين الذين ظلوا يهيمون على وجوههم في رحلة المنافي السرمدية، وكأنهم يكفرون عن ذنوب لا يعرفون خطاياها. على كلٍ هرعنا في ذلك اليوم (التاريخي) نحو مقر الصحيفة ونحن نمني النفس بأن (يكذب الله الشينة) على حد تعبير المثل السوداني الدارج. تحلَّقنا حول طابعات وكالات الأنباء المختلفة، وهي تضخ بهمة عالية أطناناً من أخبار الإنقلاب الذي رُزيء به السودان وشعبه، ونعلم أنه في مثل هذه الظروف دائماً ما تتضاءل الدقة على حساب السبق الصحفي. لهذا لم يكن غريباً أن يختلط الخطأ بالصواب، ويحاذي الكذب الصدق، ويصبح الواقع صنو الخيال. كانت أصوات (التيكرز) تنهمر على رؤوسنا كليلٍ تهاوت كواكبه. ونحن في غمرة إنهماكنا.. نقرأ ونتأفف، نُعلق ونندهش، نُحلل ونستعجب. ثم جمعنا حصيلة صيدنا الذي كدنا أن نتوارى منه خجلاً أمام زملائنا، لولا أن هاجسنا كان تقديم خدمة إعلامية متميزة للقراء في اليوم التالي. وكنا نعلم أن بينهم من كان أكثر تعطشاً منَّا لمعرفة الحقيقة، لكننا لا ندري إن كانت هي ذات الحقيقة التي غابت يومذاك عن عيون الذين انطلت عليهم خدعة العصبة، والتي لم يُزح النقاب عن سيناريوهاتها السمجة.. إلا عندما اختلف اللصان وظهر المسروق بعد نحو عقد كامل من الزمن!
صحيح أن الكثيرين أنطلت عليهم تلك الحيلة، ولكن ثمة فئة قليلة أدركت مغزاها منذ الساعة صفر. ففي مساء ذلك اليوم طلب مني مدير التحرير الاستاذ الراحل سليمان فليحان أن أقترح له العنوان الرئيس (المانشيت) الذي ستصدر به الصحيفة صباح اليوم التالي. فوضعت أمامه بعد حين ورقة فيها عنوان مقترح (الجبهة الإسلامية تطيح النظام الديمقراطي في السودان) وما أن قرأه حتى جحظت عيناه، ونظر إلي ملياً كأنه يريد أن يتفرس شيئاً لم أدر كنهه، ثم أفتر عن دهشة مخبوءة بين حاجبيه الكَثِيثن، وقال لي بلهجته اللبنانية الجبلية المميزة (شو هيدا يا خيو، إنت عم بترجم بالغيب) فقلت له كأنني كنت أتوقع ما قال: (بالتأكيد لا، وطبعاً ما ذكرته لا وجود له في المادة التي أمامك، ولكنه مبني على وقائع أحداث ما قبل الانقلاب) لم يكن بمقدوره أن يجادلني وهو يعلم إنني من الذين يتابعون هذا الشأن كما يتابع النمل زاده، فأردفت بلغة الواثق من نفسه حتى أُبدِّد الشكّ الذي وجد موقعاً في نفسه.. (الحقيقة قلبي يحدثني يا أستاذ.. بل أنا واثق بمعطيات الواقع) لم ينتظرن أن أسترسل فعقب على الفور جامعاً بين الجد والهزل (شو عم بسوى في ثقتك بعد ما يتخرب بيتي) ومع ذلك صدرت الوطن بذاك العنوان المثير، وزاد عليه فليحان بثلاثة عناوين فرعية لاحتمالات أخرى، تواضعت عليها وكالات الأنباء وكأنها كانت ترياقاً أراد به تبديد استنتاجاتي الواثقة. ومع ذلك لم ينقطع سيل تلفونات القراء في اليوم التالي، بعضهم يريد التأكد، وبعضهم يزيد القصيدة كفراً ببيت شعرٍ لم يرد في احتمالاتنا، وآخرون يخفضون أسهم البورصة بشائعة تناهت إلى مسامعهم ولم يتورعوا في إلباسها ثوب الحكمة، غير أن قلَّة من أزلام العصبة شاءت السخرية والتهكم من ما توصلنا له، وهم يسقطون من ذاكرتهم ممارسات الجماعة إبان فترة الديمقراطية الثالثة. بيد إنني لن أنسى ما حييت أحدهم وهو يرسل لي عبر الهاتف شواظاً من لهب.. كان يحادثني كأنني عزرائيل الذي جاء ليقبض روحه. لعنني الرجل – غفر الله له – مثنى وثلاث ورباع، ثمَّ لعن سنسفيل أجدادي، ولما لم يرو ظمأه ذلك.. لعن القلم الذي ضل طريقه إلى أيادينا غير المتوضئة، غير انه ختم بعبارة لم أستطع أن أتمالك نفسي فيها من الضحك، وما زالت ترن في أذني كأنها قيلت للتو (ما تخلوها تصبح يا أخي)!
لم نكن نحن الذي شئنا أن تصبح قد أن تصبح، فقد أصبح يوم شعب بأكمله. ولا شك أن صاحبنا أدرك بعد حين إننا لم نكن نرجم بالغيب. فقد اتضحت الحقيقة عندما نشرت الشمس أشعتها الباهرة على المليون ميل مربع، واتّضح له مثلما اتضح لسائر الكفار والمؤمنين أن شعباً يرزخ تحت وطأة حمل كاذب.. وما انفك يرسف في سلسلة ذرعها عشرون عاماً أو تزيد قليلاً. شعب استغفله الانقلابيون وحبكوا له مسرحية القصر والسجن استخفافاً بعقولهم. ثم مارسوا كل أنواع الإفك والتضليل ليمسحوا عار أم الكبائر السياسية بلا جدوى. بدأت الأراجيف والهرطقات منذ أن خرج علينا رئيس تحرير صحيفة القوات المسلحة ولعل اسمه اللواء محمود قلندر، بعنوان رئيس (مانشيت) يسأل فيه الشعب المسكين سؤالاً تقريرياً (هل هؤلاء الرجال جبهة؟!) وكأنه لا يعلم أن الجبهة يومئذ كان قد أندى لها الجبين خجلاً! ولهذا لم يطل الانتظار فقد بدأ الصحابة المتعطشون للتسلط على رقاب العباد يسفرون عن وجوههم رويدا رويدا، وبعد أن دالت لهم السلطة بدأوا في ممارسة الترهيب والترعيب وفق نظرية التفويض الإلهي، وتحت وطأة الألم والمعاناة بهت السواد الأعظم من أهل السودان، ووخزات أصحاب الضمائر الحية تنهش في أصحاب الأجسام الميتة، ولم يكن ثمة مناص من ذرف دموع الندم وندب الحظ العاثر الذي أوقع بلداً عظيماً في يد عصبة لم تخش فيه الخلق ولا الخالق. ثم بدأت الروائح النتنة تفوح حتى أزكمت الأنوف. بدأت أعمالها وأفعالها تطفو على السطح، بدءً من قطع الأرزاق والفصل التعسفي، ومروراً بالتعذيب في بيوت سيئة السمعة، وانتهاءً بقطع الأعناق ونصب أعواد المشانق!
لقد مارس الإسلاميون كل أنواع الافك والتضليل من أجل السلطة. مرة على شعب السودان وهم يخفون هوية الإنقلاب ردحاً من الزمن، وثانية على خالق شعب السودان، وهم يفترون عليه كذباً بقولهم (هي لله) وثالثة على أهل السودان تارة أخري، وهي التي نعيش ارهاصاتها هذه الأيام تحت دعاوي الانتخابات. وهم حينما يعودون إلى المربع الطبيعي - أي مربع الانتخابات – هذا، لا يفعلون ذلك من أجل أن تكون حرة كما يقولون، لأنهم هم أنفسهم من سجن الحرية طيلة وجودهم في السلطة، وهم أنفسهم من أذلَّ الإنسان الذي كرمه رب العالمين، وهم أنفسهم من قتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق. ثمَّ إنهم يتحدثون عن الانتخابات ليس من أجل أن تكون نزيهة كما يشيِّعون، لأن النزاهة بمعاييرهم أنتجت فساداً لم يعرف شعب السودان له مثيلاً منذ أن هبط سيدنا آدم من الجنة واختارت بعض سلالته أرضه السودان مستقراً، ولأن النزاهة في عهدهم الميمون أنتجت فساداً أخلاقياً حتى ضاقت (دار أطفال المايقوما) بما رحبت، ولأن النزاهة في ظل دولة الطهر والإيمان التي يدعونها تطاولت في بنيانٍ الناس عليه شهود. ثمَّ إنهم لا يرجعون لصندوق الانتخابات من أجل إنتخابات ديمقراطية كما يدَّعون، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولأن الديمقراطية في عرفهم رجس من عمل الشيطان ينبغي اجتنابه. أيها الناس إن من جاء للسلطة بكذبة بلقاء لا يمكن أن يكون صادقاً، وإن من أدمن الكذب طيلة عشرين عاماً لا يمكن أن يكون أميناً في ثلاثة أيام إنتخابية، وإن من كُتب عند شعب السودان كذاباً لا يمكن أن يثق فيه الناس، حتى ولو نزل من سبع سماوات طباقاً حاملاً كتاب براءته بيمينه!
بعد نحو عام إلا قليلاً، أي مطلع تسعينيات القرن الماضي، وبرغم وضوح الرؤية سألت الأستاذ التيجاني الطيب بغية التوثيق .. كيف يا أستاذ استدليتم على أنهم جبهة؟ فقال لي بطريقته التي تحاول تبسيط الأشياء دائماً.. (ما هو السودان رغم كبره واتساعه، لكن أي زول بعرف الثاني جاي من مربع وين) رغم هذا لم يكونوا يعرفون شعباً عرفهم! كان التيجاني ثاني ثلاثة ممن ضربوا للقاهرة أكباد الأبل بالطريق الذي شقاه جيش محمد على باشا رغم إختلاف المآرب، هذا كان يبحث عن الحرية وذاك كان يبحث عن الذهب والعبيد! كان الدكتور الراحل عز الدين على عامر قد سبق التيجاني بذات الطريق، ثم لحق بهم بعدئذ ثلاثة من الضباط المتقاعدين، العميد عبد العزيز خالد والعميد عبد الرحمن خوجلي والرائد عبد العظيم سرور. لم أكن أعرف الدكتور عز الدين على عامر حينها، ولكن من خلاله عرفت لأول مرة اسم الدكتور نافع على نافع وقد كان نسيا منسياً بين أقرانه. جاء ذلك في أول حوار أجرته صحيفة (الأهالي) المصرية مع دكتور عز الدين، وقال لها إن شخصاً اسمه نافع هو من يشرف على الانتهاكات في معتقلات سرية (لم يكن حينها قد شاع مصطلح بيوت الأشباح) وقال إنه كادر إسلاموي كان أستاذاً في كلية الزراعة بجامعة الخرطوم، وأضاف إنه اختفى من الجامعة لبضع سنوات لم يعرف أحد أين قضاها، واستدرك قائلاً تردد إنه كان في إيران يتلقى تدريباً أمنياً آيدولوجياً، وبناءً على تلك الفرضية، لم أقرأ أو أسمع شخصاً يتحدث عن ظاهرة (بيوت الأشباح) بعدئذٍ، إلا وقرن وزرها بشخصية رجل الأمن الغامض الدكتور نافع على نافع. ومن كثرة ما ظلَّ يتردد ويلصق باسمه من ممارسات فظيعة، ظن البعض إنه محض أسطورة صنعها خيال أحد المعارضين، وإزداد الأمر إبهاماً في أن الدكتور نافع نفسه لم يكن من الذين يظهرون في وسائل الاعلام آنذاك، ولا من الذين يرتادون المناسبات الاجتماعية، حيث درج السودانيون على لقاءات الأفراح والأتراح بغض النظر عن هوياتهم السياسية! على العموم كانت القاهرة التي روجت لأسطورة نافع قد أصبحت معقلاً من معاقل المعارضة فلم يستطع نافع ولا عصبته اختراقها إلا عن طريق أديس أبابا، ويومها سمعت للمرة الثانية باسم الدكتور المبجل، وكان ذلك في يونيو من العام 1995 وهو التاريخ الذي ارتكبت فيه العصبة الإسلاموية إحدى موبقاتها خارج الحدود، يوم أقبل بعضهم على بعض يتلاومون!
يومذاك أجرت العصبة تعديلاً في جهاز الأمن بغير كثير ذكاء، وهو تعديل المريب الذي كاد أن يقول خذوني. فبحسب المحبوب عبد السلام في مقال نشرته المواقع الإسفيرية في أبريل 2005 وصدَّره بعنوان (رسالة مفتوحة إلى الدكتور نافع على نافع) ذكر فيها بالتفصيل تنقلات كوادر العصبة، فقال:(نقل الطبيب مطرف صديق مدير العمليات الخاصة إلى سفارة السودان في نيجيريا، ونائبه المهندس صلاح عبد الله قوش إلى التصنيع الحربي، والمهندس حسب الله عمر مدير المخابرات المضادة إلى سفارة السودان بباريس، ونصر الدين محمد أحمد مدير معهد التدريب إلى سفارة السودان بالقاهرة، وكمال عبد اللطيف مدير إدارة الولايات إلى سفارة السودان بنيروبي) أما نافع فقد ترك أيضاً جهاز الأمن بقضه وقضيضه وذهب إلى وزارة الزراعة، في إيماءة بأنها تتواءم مع تخصصه الزراعي، وكأن الناس لا يعلمون إنه من شاكلة قوم يعملون على عكس ما يتخصصون. والمفارقة أن ذلك التعديل قال عنه دكتور الترابي في حوار مع مجلة المجلة بتاريخ 23/2/1997 وكان وقتئذٍ عراباً للنظام لكنه بريء من الفعلة النكراء التي ارتكبتها عصبته (إذا سألتني عن سلامة الإجراء الذي أدى إلى تغيير القيادات الأمنية، وهل هو سليم ام لا؟ أقول لك كلا، لم يكن سليماً) ثم كافانا نافع نفسه مغبة الاجتهاد، حيث قرأت له لأول مرة مقابلة صريحة أجرتها معه صحيفة البيان الأماراتية أوائل الألفية الثانية (للأسف لم أحصل عليها في الأرشيف واستشهد بها على ذمة الذاكرة على غير ما اعتدت) فيها وجَّه له الصحفي (عمر العمر) أسئلة تتعلق بدوره إبان إدارته لجهاز الأمن في تلك الفترة العصيبة، والغريب في الأمر إنه لم ينفِ ما كان يجري من ممارسات وقال إنه كان ينفذ سياسة دولة (إن أصبت فلي أجران، وإن أخطأت فلي أجر المجتهد) وأكد وإنه لا يتبرأ مما حدث ولن يطلب العفو من أحد، بل أصرَّ على أنه لا يوجد ما يعتذر عنه أصلاً!
في الواقع كنت قد سمعت باسم دكتور نافع على نافع قبل تلك المقابلة بقليل، جاء ذلك في (مذكرة العشرة) الكرام المبشرون بالقصر، وهي المذكرة التي لا تزال تُعتبر كالطفل اللقيط في أجندة الإسلامويين، بمعني وإن كان أبواها معلومين، إلا أنهما مجهولي الهوية، فهي مذكرة لا تريد العصبة أن تميط اللثام عنها حتى الآن، يقولون إن صانعها واحد استقطب الآخرين ونحا بنفسه باسطاً ذراعيه بالوصيد، ويقولون أن بعضهم أقبل عليها بمحض إرادته وآخرون أُلحِقوا بها إلحاقاً وهم لا يعلمون عنها شيئاً، ويقولون إن فيهم من وقع عليها بغضاً وكرهاً للشيخ حتى ولو أنها ناصرت كارل ماركس، ويقولون إن من هؤلاء من لم يرها إلا يوم اختلف الجمعان في لعبة (العسكر والحرامية) أياً كانت التفسيرات، فالمهم أن أي طرف مضى في طريق الأحلام، لكن ثمة فئة واصلت الهرولة بين الصفا والمروة حتى تيقنت من ساكن القصر الذي هجره غردون، وهي ذات الفترة التي تردد فيها اسم نافع على نافع بعد أن خرج من حياة الكواليس إلى رحاب العلانية. ثمَّ هنيهةً وأصبح يشار له باعتباره أحد المتنفذين في النظام، ثمَّ واحداً من صقوره، ثمَّ كائناً خفياً يدير الدولة من وراء حجاب، ثمَّ شخصاً بلسان وشفتين يرفع بهم من يشاء ويذل من يشاء في جهاز السلطة ومعارضيها. قال المحبوب في الرسالة التى ورد ذكرها أعلاه أن نافع يحلو له أن يردد عبارة (على أجسادنا) فإن صحًّ هذا يكون الرجل قد يسر على تلاميذ سيجموند فرويد محصلة إدخرنا لها دهراً للوصول إليها!
وتلك فرضية عضدتها عندي المرة الرابعة التي سمعت فيها اسمه، كان ذلك في مذكرة كشف عنها دكتور فاروق محمد ابراهيم في القاهرة، وكان قد وجهها بتاريخ 13/11/2000 للفريق عمر حسن البشير بواسطة سفير السودان في القاهرة الراحل أحمد عبد الحليم، كبادرة منه لتسوية حالات التعذيب على غرار تجربة جنوب أفريقيا فيما سُمي بمبدأ (الحقيقة والتعافي) استعرض فيها من غير حقد ولا ضغينة ما تعرض له من جلاوزة في تلك البيوت سيئة السمعة (إن ما يميز تجربة التعذيب الذي تعرضت له في الفترة من 30 نوفمبر إلى 12 ديسمبر 1989 ببيت الأشباح رقم واحد الذي أقيم في المقر السابق للجنة الانتخابات، إن الذين قاموا به ليسوا فقط أشخاصاً ملثمين بلا هوية تخفوا بالأقنعة، وإنما كان على رأسهم اللواء بكري حسن صالح وزير الدفاع الراهن ورئيس جهاز الأمن حينئذ، والدكتور نافع على نافع الوزير ورئيس جهاز حزب المؤتمر الوطني الحاكم اليوم ومدير جهاز الأمن حينئذ، وكما ذكرت في الشكوى المرفقة التي تقدمت لكم بها بتاريخ 29 يناير 1990 من داخل السجن العمومي وأرفقت نسخة منها لعناية اللواء بكري، فقد جابهني اللواء بكري شخصياً وأخطرني بالأسباب التي تقرر بمقتضاها تعذيبي، ومن بينها قيامي بتدريس نظرية التطور في كلية العلوم بجامعة الخرطوم، كما قام حارسه بضربي في وجوده، ولم يتجشم الدكتور نافع تلميذي الذي صار فيما بعد زميلي في هيئة التدريس في جامعة الخرطوم، عناء التخفي وإنما طفق يستجوبني عن الأفكار التي سبق وأن طرحتها في الجمعية العمومية للهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم، وعن زمان ومكان انعقاد اللجنة التنفيذية للهيئة، ثم عن أماكن تواجد بعض الأشخاص – كما ورد في مذكرتي – وكل ذلك من خلال الضرب والركل والتهديد الفعلي بالقتل وبأفعال وأقوال أعف عن ذكرها. فعل الدكتور نافع ذلك بدرجة من البرود والهدوء وكأنما كنا نتناول فنجان قهوة في نادي الأساتذة) على أنه بالرغم من كل ذلك لم يطالب فاروق أولى الألباب بالقصاص وفق شريعة الإسلام، ولكنه تمنَّى على معذبيه الحد الأدني وهو الاعتذار كمبدأ لإشاعة ثقافة المصالحة. وصديقنا فاروق كما نعلم رجل مثابر أو إن شئت فقل (حقاني) ولهذا لم يكِل ولم يمِل حتى هذه اللحظة من طرق أي باب يتأمل أن يجد فيه ضالته. ولعل قليل من الناس يعلم أن المحكمة الدستورية سبق وأن قبلت في سبتمبر 2007 طعناً مقدماً منه ضد حكومة السودان والهيئة التشريعية، يقضي بعدم دستورية بعض المواد في القانون الجنائي وقانون الأمن الوطني، وهي المواد المتعلقة باسقاط بعض القضايا بالتقادم، وكذلك منح الحصانة لبعض منسوبي الأجهزة الأمنية. ذلك ما جعل الطريق ممهداً لكل ذي مظلمة أن يأخذ بمظلمته، وأكد في الوقت نفسه أن مثل تلك القوانين لن تعبر إلا على جثث ضحاياها!
ثمَّ أخيراً لم أكن الوحيد الذي ملأ اسم الدكتور نافع على نافع يافوخه أو صك أذنيه، ولكن حدث ذلك مع غالبية أهل السودان، ولم يكن هذا لأنه اخترع نظرية سياسية تهدي الناس سواء السبيل، أو لأنه تبرع بمخصصاته المالية – لا سمح الله - لليتامى والمساكين. ولكن من خلال مخزون ثقافي وفكري هائل، وذخيرة ثرة في اللغة الفصحى وآدابها، والعامية وتراثها، ظلَّ يذرهما شعراً ونثراً على مسامع معارضيهم، حتى أصبح له قاموس فريد في القدح والذم والشتم والانتقاص من قدر الأحياء والأموات، وبرغم أنها أفعال يمكن أن تعصف بأي شخص إلى أسفل سافلين في الغرب اللعين، إلا أنها على العكس في سودان العصبة حفَّزت كاتباً نحريراً لتوثيق سيرة خشى أن تُحرم أجيال لاحقة من نفحاتها. ذلك ما كشف عنه خبراً قرأته في صحيفة (الأحداث) بتاريخ 25/2/2010 (في طبعة فاخرة وأنيقة صدر كتاب "مسيرة الدهاليز" لمؤلفه صديق موسى، الذي يتناول من خلاله مسيرة الدكتور نافع على نافع في الساحة السياسية، ويحوي الكتاب تحليلاً سياسياً مهماً ويغوص في تفاصيل النشأة والبيئة للرجل ومراحل دراسته ورفقاء "الدفعة" والآراء المختلفة حوله) فيا قارئنا الصبور أسألك بالله إلحافاً أن توفر أي مسوغات للدهشة، فقد إندهشت لك بما فيه الكفاية. ولعلك توافقني الرأي في الكتاب - الذي لن تقرأه - أن كاتبه الذي صعد إلى الهاوية.. صدق في عنوانه!
يا من أردت نفعنا بسيرة النافع بالله، لقد صدقناك وهل في ذلك شك لذى حجر؟ تعلمون أيها الكرام المبجلين أن بعض الآباء من مسلمي أهل السودان وغير السودان يتقربون لله زلفى بتسمية أبنائهم باسماء تختلس قبساً من اسمائه الحسنى، آملين أن يطرح المولى عزَّ وجل بركته في الوليد القادم للدنيا. منهم من يستجيب له الله ويأتي ابنه صالحاً فيفيد نفسه والبشرية معاً، ومنهم من يخذل والديه فيخرج للملأ طالحاً يخسر نفسه والبشرية معاً. ونحن نسمع ونقرأ دائماً أن صالحاً وثق لنفسه أو وثق له الناس، ولكن لعمري لم أسمع أو أقرأ طالحاً وثق لنفسه أو وثق له الآخرون، وذلك بالطبع خشية أن يبقى من درنه شيء بعد رحيله تتأذى منه أجيال لا ذنب لها!!
تصويب:
في المقال الأخير (فقه الخصام والوئام في قاموس السيدين) ورد خطأ مني سهواً، في أن السيد محمد أحمد محجوب سبق وأن تقلد منصب أمين عام حزب الأمة، وبالطبع لم يكن ذلك صحيحاً. ويبدو أنني نظراً لحجم الفقيد الذي شغل منصب وزير خارجية ورئيس وزراء وزعيم معارضة تحت راية الحزب، عزَّ على أن اضعه في مرتبه أدنى مما ذكرت. وهكذا قال أيضاً القاريء الكريم (عمر عبد الله فضل المولى) الذي صوبني وله الشكر على حسن صنيعه. وبما أننا من سلالة آدم الخطائين، فلا بد وأن نحمد لله الذي هيأ لنا مثل هؤلاء القراء الذين يصوبوننا حتى نُحشر مع زمرة التوابين!
ينشر بالتزامن مع صحيفة (الأحداث) 29/3/2010


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.