شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    جلوس أكثر من 3500 طالب وطالبة لامتحانات الشهادة المتوسطة بمحلية الخرطوم    جوجل توسّع الترجمة الحية إلى آيفون وآيباد    الدولار يرتفع وسط توترات الشرق الأوسط    إندونيسيا تصبح أول دولة في جنوب شرق آسيا تقيد وصول الأطفال لمواقع التواصل    كل ما تريد معرفته عن نزاعات الزمالك فى الفيفا وخطة النادى لحل الأزمة    تأجيل حفل شاكيرا فى الأهرامات من إبريل إلى نوفمبر 2026    ماجد المصرى: الخلاف فى أولاد الراعى تجاوز المال إلى جوهر العلاقات الأسرية    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    الإعيسر .. حين يفعلها رئيس أكبر دولة يسقط عذر الآخرين.. الإعلام الصادق أمانة ومسؤولية وطنية    شاهد بالصورة والفيديو.. رئيس المريخ السابق يفجر مفاجأة كبيرة بخصوص المحترف الجزائري المنضم للمنتخب السوداني ويعد بضم محترفين أفارقة لصقور الجديان    شاهد بالصورة.. تيكتوكر مغربية حسناء ترد على تعليقات الجمهور بشأن علاقتها العاطفية وارتباطها بصديقها اليوتيوبر السوداني    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    هل من أمل في الكرة السودانية؟    إيطاليا تقترب من المونديال    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    تقارير تكشف عن تحرّكات كبيرة للجيش السوداني    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    توضيح لجنة المنشآت بنادي المريخ : دورنا فني فى ملف المنشآت واللجنة القانونية تتولى اجراءات الاخلاء    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الفساد في التعيينات في الخارجية عام 1990.. فتش عن البنطلون!! .. بقلم: حليمة عبد الرحمن
نشر في سودانيل يوم 27 - 12 - 2011


(الجزء الأخير)
حليمة عبد الرحمن
[email protected]
فتش عن البنطلون..!!
توثيق الفساد في ظل الإنقاذ
حكمة المقال: مِكِنوا ولم يتمكنوا..واسقطوا حرف الألف عن لامه في عبارة
"لا لدنيا قد عملنا"، فاستقام الوضع!!
15) تعازي الحارة للشعب السوداني في نصير المهمشين د. خليل ابراهيم محمد زعيم حركة العدل والمساواة. عاش زاهدا في نعيم الدنيا، ومات واقفا كما النخلة.. خالص اعتذاري لتأخري عن نشر ما تبقى من حلقة "هدم الخدمة المدنية ب"التمكين"، نسبة للجو العام، ولأسباب خارجة عن إرادتي. عميق شكري وامتناني لكل من اطلع على الموضوع ورفده ببعض تفاصيل مظلمته ، فأضاف إليه معلومات قيمة، عززت مصداقيته.
نواصل اليوم ما انقطع من مشوارنا التوثيقي.
قَلَبوها..!
16) لم يكن اختفاء اسمي من قائمة الاحتياطي و "الطَّيَشة" مبلوعا ، خاصة وأن كل الشواهد رشحت باجتيازي جميع مراحل الامتحان بجدارة، فكيف يتقدم عليَّ من كان معروفا عنه انه لم (يعتب قط باب) شعبة اللغات الأوروبية يوما وهي اللغات التي تم اختبارنا فيها؟ شعور بالإحباط والضعف، والهوان وقلة الحيلة، والعجز تملكني ولكنني لم أكن أريد الاستسلام والتسليم، حتى بأضعف الإيمان، فقررت التحري والوقوف على حقيقة الأمر عسى أن يشفي ذلك بعض غليلي..
17) لعلكم تذكرون قريبي الذي ذكرته في الحلقة السابقة، والذي بشرني بالنتيجة قبل ظهورها بعدة أيام.. ذهبت إليه وأخبرته ما حدث. اندهش الرجل، وطلب إمهاله يومين. حينما قابلته بعد ذلك، أكد لي صحة معلومة تصدري القائمة، وزاد أن ترتيبي كان في المركز الثاني، في الامتحان التحريري، ثم تقدمت إلى الأول بعد المعاينة الشفهية. واخبرني أن مصدره أنبه قائلاً : " ياخي مالك داير تضيعنا ؟ آآى قريبتك كانت الأولى زي ما قلت ليك
لكن ،النتيجة قلبوها كده". وقبض كفه الأيمن وقلبه محاكيا حركة القَلْب.
18) استعدت بعض ثقتي بنفسي بعد هذه الإفادة، التي تطابقت مع إفادة أخرى جاءت لاحقا من شخصية نافذة بديوان شئون الخدمة العامة.
في ذلك الزمان " 1990-1991"، كنت اعمل مؤقتا ، بولاية الخرطوم، في تفريع بيانات دراسة خاصة بالنقل الجماعي، كانت بإشراف مجلس الوزراء. تعرفت هناك على شخصية كبيرة بالولاية، وحينما علم ذات يوم أنني احمل تخصصا في اللغة الفرنسية، سألني لماذا لم أتقدم للعمل ببعض المرافق الهامة كالخارجية.. فأخبرته بالأمر، وأبديت الرغبة في معرفة سبب إقصائي، فأرسلني الرجل مشكوراً، إلى شخصية نافذة من معارفه بالديوان، والذي كرر بدوره نفس رواية قريبي..لخص الموضوع في كلمتين فقط: "النتيجة قلبوها".
"قلبوها"؟ للأسف، فإن أسئلة من شاكلة من فعل ذلك؟ ولم؟ لا يُرْجَى من ورائها نفعا في مثل ذلك الوضع. فالحكومة اجتهدت منذ صبيحة 30 يونيو 1989، في إفراغ وكنس كل دروب التي أمامها لتضع بنيانها الخاص كيفما اتفق.
تعرسيني؟
19) لكن بالرغم من ما حاق بي من ضيم وإجحاف، وإقصاء، إلا أنه يبدو أن تحركاتي أو ردود أفعالي الأخيرة لم ترق ل"بعضهم"، فقرروا إسكاتي بشتى السبل، ترهيبا وترغيبا. وكما يقال في المثل "رضينا بالهم ولكن الهم ما راضي بينا".
حدثان وقعا في وقتين متقاربين. في احد الأيام وبينما كنت في انتظار "بص الموظفين" الذي يقلني مع زملائي من جبل أولياء والى الخرطوم وبالعكس، والذي كان يتخذ من الجهة الغربية لمكتب العمل بشارع عبد المنعم، موقفا.. اقترب منى احد أقاربي ، معروف عنه ميوله "الاسلاموية" و سألني فجأة، ودون مقدمات:
- ناس الجهاز جوك؟
فسألت بدوري بكل سذاجة:
- جهاز شنو؟
- جهاز الأمن..!
-الأمن؟ أعوذ بالله..!! وديل دايرين مني شنو كمان ؟ ده أنا أخاف من البوليس، يقوم يطلع لي الأمن كمان؟.!!
سألت وقد اختلطت مشاعري بين التوجس والخوف والقلق.
نقل لي الرجل، رغبة من أسماه (ي. أ. ا.)، برتبة رائد – آنذاك- في مقابلتي، وحدد يوما لذلك.
20) بالكاد التقطت إذني كلمات الرجل الذي اخبرني أن "ناس الجهاز" – كما كان يطلق عليهم طيلة حديثه معي- على علم بتحركاتي، وأن الكلام الدائر في المنطقة من أنه تم استبعادي ظلما ، كلام تنقصه الدقة ، وأن استبعادي تم "فعلا"- مع التشديد على فعلاً - لأنني غير محجبة – (تهذيبا لكلمة غير محتشمة) . و بينما أنا بين التصديق والتكذيب والذهول والحيرة ،تابع قريبي "أنهم (ناس الجهاز) كان بإمكانهم الحضور إلى مكان عملك وتهزئتك أمام العاملين، ولكنهم راعوا ذلك إكراما لي" - أي إكراما لقريبي (المُرْسال)، والذي – كلي ثقة – أن الله لم يفتح عليه بكلمة واحدة سوى نقل الرسالة الشفاهية.
21) دار بيننا لغط حول الاحتشام وتعريفه، ثم أشار على الرجل بإحضار البوم الصور خاصتي، والذي وثقت بين دفتيه ذكريات رحلتي إلى فرنسا...وافقت على إحضار "دليل الاتهام" ، شريطة أن يريني صديقه "الامنجي" الصور الخليعة. ولفت انتباهه إلى أنني ربما أقوم بسحب الصور المعنية واستبدالها بأخرى أكثر احتشاما، لذا عليه أن يكون "مذاكرا" جيدا لما يحويه الدليل قيد الاتهام. ثم فاجأته بسؤال مباغت "بعدين صاحبك ده شاف صوري البتكلم عنها دي وين؟ "
رد باقتضاب بان "الرجل عرف بطريقته الخاصة وخلاص"..!
22) بعد يومين من هذا الحوار، والذي لم يزل تأثيره مسيطرا عليَّ، اقترب منى احد المحسوبين على التيار المتأسلم أيضا، وأعرفه جيدا، فاخبرني انه يريدني في أمر خاص.. انتحى بي جانبا ، بالقرب من موقف البص، ثم ، لدهشتي الشديدة، أبدى رغبته في الزواج بي..
- زواج؟ من منو؟ إنت؟
- ايوة؟ مالو؟ واتبع السؤال بنظرة استنكارية لم تخلُ من الحرج.
- إنت موش متزوج وعندك أطفال؟
- ايوة مالو؟ عايز زيادتهم..وكمان عايز أجيب ليَّ أطفال فصيحين زيك كده..!!.
- ياخي أنا مرتبطة؟ ( من سخرية الأقدار أنني وزوجي الحالي)، خطيبي آنذاك، كنا – تحت اصراري - قد ربطنا حضور أهله إلى أسرتي لإكمال إجراءات الخطوبة رسميا، بتوظيفي، وقررنا أن يكون ذلك مباشرة بعد استلامي أول مرتب.)
- يعني ما مخطوبة؟ خلاص زولك ده طارح نفسو، وأنا طارح نفسي.
- هَيْ يا الطَرِح ويا القسمة ويا الضرب..ياخي يطرحك من رحمته.. قوم لِف كده ولا كده..!
- آأأه؟ قلتي شنو؟
- ياخي قلت ما عايزة عرس.. شنو هو بالعافية؟ مكنة تفريخ أنا عشان أعرسك و أفرخ ليك أطفال حسب طلبك؟ بالله عليك الله ما بتبالغ؟ ياخي ما بتستحي تجي تقول لي عايز أتزوجك عشان ألد لي منك أطفال.. وُ توووش كده كمان؟ وانطلقت أزبد وأرغي.. لا أدري فقد تملكني شعور قوي بأن هؤلاء القوم يظنون أنهم بهذه السلطة التي اغتصبوها ،يمكنهم تسيير مخلوقات الله كما يشاءون.
23) حضرت في الموعد المضروب للقاء رجل الأمن، حسب طلبه، وظللت في انتظاره، دون جدوى، حتى نهاية الدوام . حضر قريبي قبل أن يتحرك البص بقليل، ونقل إليَّ اعتذار الرجل عن الحضور نسبة لمشاركته في مسيرة نصرة القدس التي اعتدى عليها الإسرائيليون آنذاك (أكتوبر 1990)، وانه سيحدد موعداً لاحقاً لمقابلتي. أخبرته برفضي، وطلبت منه أن يخبر صديقه، أنه إن أراد مقابلتي، فعليه الحضور إلى حيث يجدني، خاصة انه يعلم أين اعمل. كنت وقتها اعمل صحفية متعاونة بالدار السودانية للطباعة والنشر، و التي تطبع مجلة "سوداناو"، وصحيفة "نيوهورايزون" وبعض المطبوعات الأخرى. تلك قصة ساتعرض لها لاحقا باختصار شديد.
الرقيب الذاتي والقوائم ..!
24) لم يحضر أحد لاستجوابي أو "تهزئتي" كما كنت اتوقع، لكن الرسالة كانت قد وصلت.. فلفترة طويلة تنامى لدي الإحساس الداخلي الرقابة الذاتية، فكنت أعمد، لا شعوريا، إلى تشفير الكثير من كتاباتي، فضلا عن اكتشافي أن يدا خفية تمتد بين الفينة والأخرى، لتعبث بأوراقي ودرج طاولتي.. فقد اختفى من طاولة مكتبي أهم بحثين خاصتي، أحدهما عن القطار السريع الفرنسي (Le TGV)، وكان الفائز بالمركز الأول في مجموعتنا التي قضت العام الدراسي بجامعة ليون الثانية، وبحث آخر فاز بالمركز الثاني، تناول تعدد الزوجات في المجتمعات الإفريقية المسلمة، كنت قد أعددته في سنتي الدراسية الخامسة بالكلية..
25) واحدة من تداعيات هذه القصة أن ظل اسمي لفترة من الزمن في القوائم " المحظورة عن السفر، مما يستدعى بأن يتشرف المسجلين بها، زيارة وزارة الداخلية لفك الحظر عنهم، في كل مرة ينوون فيها السفر إلى الخارج، ليعود الحظر مجددا وبأرقام تختلف عن سابقتها بعد نهاية كل سفرية. مازالت ذكرى المرة الأولى طازجة في مخيلتي. كنت بصدد السفر إلى السعودية، وحينما سمعت اسمي يُنَادَى عليه، فرحت أيما فرح، لتنقلب الفرحة بعد قليل إلى غمين: غم المشوار من منطقة نمرة 2، إلى وزارة الداخلية لفك الحظر ثم انتظار المجهول.
26) 23 عاما مرت يا سادتي وما زلت على رصيف البحث عن عمل ثابت، يسري فيه عليَّ ، ما يسري على مخلوقات الله من ترقي وظيفي، وزيادة راتب، ومعاش تقاعدي يعينني في مقبل ايامي المدبرة..الخ، عمل يشعرني بأنني سأسدد للشعب السوداني الكريم بعض من جمايله عليَّ، اقله إدخال البهجة والسرور على نفوس والديَّ، لكن شاءت إرادة الله أن لا يتم ذلك، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.
البنطلون والألبوم..!
27) تلك حكايتي باختصار وبكل شفافية مع العمل في وزارة الخارجية، علماً بأن الوزارة لم تكن المرفق الحكومي الوحيد الذي رجعت منه بخفي حنين. لعل أكثر ما يزعجني إلى يومنا هذا، "أنهم" – قَدَّسْ الله سِرَهم - لم يكتفوا بإبعادي فقط وإنما طفقوا يبحثون عن مبررات خبيثة لتمرير، وتبرير فعلتهم. فكان البنطلون الهدية التي هبطت عليهم من السماء.. لفترة طويلة كنت محتارة في امري وأتساءل عما اذا كان ذلك الذي كنت ارتديه بنطلونا أم مايوهاً؟ قد لا يصدق بعضكم هذه الواقعة، لكنها حدثت، كما رويتها بحذافيرها دون زيادة أو نقصان..
28) يبدو ان البوم صوري هو المتهم الأساسي في حكايتي هذه. ف(إتْلَوَّمْت) أنا في مسعاي الاحتفاظ ببعض ذكرياتي في صور، مثلي مثل اي شخص من الله عليه فجأة بسفر إلى بلاد النور، لم يكن في الحسبان. ولم أكُ اعلم انه كان مطلوب مني أن أكون استثناءَ، و أنا التي لولا جامعة الخرطوم، لربما لم يكن بمقدوري امتلاك وثيقة سفر، إلي يومنا هذا؟ فإن كانوا يرون في الذهاب إلى فرنسا أمرا عاديا، مثلما افعل في رحلتي اليومية من الجبل إلى الخرطوم، فأنا لا أرى ذلك.
للمعلومية، كان الألبوم –الذي ما زلت أحتفظ به - أول شيء اقتنيته بستين فرنكا فرنسيا، من بائع متجول سنغالي في زيارتي الاولى لساحة المونمارتر، مساء وصولي إلى باريس ، ومذاك طفقت اوثق فيه لكل المناشط الثقافية والسياحية والاجتماعية التي شاركت فيها بدءا ببرنامج رحلاتنا الشهرية، والتي تعد جزءا أصيلاُ من البرنامج الدراسي، مرورا بجلسات المسرح ، وانتهاء بأيامي الأخيرة في مدينتي ليون وباريس .
هذا كوم. والكوم الثاني ما دخل بنطلوني الذي كنت ارتديه قبل ثلاثة سنوات من جلوسي لامتحان الخارجية بالخارجية؟ يبدو أن البنطلون – للدقة بنطلونان - الذي أرسله لي شقيقي الأكبر من مدينة جدة قبيل مغادرتي السودان، يعادل ، لدى هؤلاء السادة، التسكع "ميطي".. فبالنسبة لهم : الحياء كل الحياء في لبس العباءة، والفسق والفجور في لبس البنطال ولو كان في بلاد الغال.
على ذكر العباءة لا يفوتني ان اذكر كيف امتلأت بها الأسواق في تسعينيات القرن الماضي، حتى فاضت، وكانت تباع لجميع شرائح المجتمع بالجملة والقطاعي، في الاسواق ،كما في اماكن العمل، دون مراعاة لخصوصية المجتمع السوداني. لعل هذا التجاهل المتعمد لهذه الخصوصية، يعد واحدا من الاسباب التي اودت بثلث مساحة السودان. فقد تناسى القوم أن هناك بيئات في السودان (القديم) تلزم حالة الطقس أهلها، من بين عوامل كثيرة، بالتخفف- إن لم يكن التحلل التام – من المحيط والمخيط.
29) خلاصة الأمر يا سادتي الكرام، أننا ابتلينا بحكومة لا تعرف الخجل، وتعوزها المصداقية والشرعية و"الشخصية".. "تأشر يمين وتلف شمال"، ترفع شعار الدين وتعمل عكسه..فعبارة "هي لله" يجب أن يعيدوا النظر فيها خاصة في ضوء المحسوبية، والتزوير، والفساد الذي عم "القرى والحضر"، والذي بدأ بالتوظيف، لينتهي ب(خج) الانتخابات الرئاسية.
ضياع الشباب..!
30) القراء الأعزاء....صحيح أن حكايتي تنطلق من تجربة شخصية، لكنها قد تعكس حكاوي مئات الألوف ممن قُذِف بهم إلى الشارع العريض قبل أن "تتوهط أقدام الإنقاذيين مضارب الخدمة المدنية"، وذلك بدعاوى إنهاء الخدمة للصالح العام أو- الأسوأ منه - فائض العمالة. وحينما خرجت النساء إلى العمل كبائعات في الطرقات الأسواق والمصالح العامة، حوربن في أرزاقهن وتم تنميطهن، و دمغهن بألقاب ما انزل الله بها من سلطان.
31) ابنة شقيقي التي أعطتني جدتها "سرتها" لأدفنها في الجامعة تيمنا بي، و لتصبح "أفندية وتركب العربية"، كما كانت تحلم المرأة، تخرجت قبل أربع سنوات من إحدى الجامعات المرموقة، ووجدت كل أبواب موصدة أمامها، وحينما حالفها الحظ، وجدت عملا في القطاع الخاص براتب زهيد دوامه اليومي أكثر من 13 ساعة .. وضع بما هي باكية منه، محسودة. فوجئت ذات يوم أنها تعاني في بعض الأحايين من ارتفاع ضغط الدم، فسألت الصديقة د. ناهد محمد الحسن، أخصائية الصحة النفسية بمستشفى التجاني الماحي، عن مسببات هذه الظاهر في هذه السن اليافعة، وكنت أظن أن الوضع خاص بابنة أخي، فأخبرتني أن معظم الشباب الذين يعودون عيادتها ، هم من نفس فئتها العمرية، يشكون من أعراض مماثلة..!
32) 23 سنة إنقاذية عجفاء ، شهدت تخريج 23 دفعة ، من أكثر 88 جامعة، وما زالت مكنسة الإنقاذ "مُدَوِّرة"..إن الجيل الذي أقصته عن وظائفه، بلغ اليوم أبناؤه وبناته ، من كانوا رضعا أو نطفاً في الأرحام، مبلغ الرجال والنساء، ولحقوا بهم في صفوف البطالة والفقر والافقار ، بينما لا زال الدرب إلى الخدمة معبدا حصريا "بزفت إنقاذي" ..!!
قوى بشرية مهدرة وطاقات شابة محنطة. اختلال وظيفي، يتبعه اعتلال صحي في طريقه إليهم. ليت الأمر اقتصر على ذلك. الزواج العرفي و الانفلات الاجتماعي والجامعات والمخدرات.. عناوين كنا نقرأها على الاغلفة الخارجية لمطبوعات قادمة الى الخرطوم من بعض دول الجوار، لتحتل اليوم مكانها الثابت في مطبوعاتنا السيارة والتقنية. أجيال من العاطلين عن العمل تضاف الى الارقام المتكدسة ، تخرجها تروس الجامعات ال(مُدَوِّرة)، و أخرى قيد الإنشاء، لتقف شاهدا على فشل السياسات الحكومية. فقر يورث الفقر كابراً عن كابر..ولا عزاء لجيوش المرافيت من الآباء والأمهات..!
عطالة .. جميع الأصناف..!
33) من بين المعلقين على المقالة السابقة، ومن راسلني في ايميلي الخاص، نماذج لأساتذة جامعيين، ومترجمين ، وخريجي هندسة عاطلين عن العمل، وضع يقول إن الروح بلغت الحلق(وم). حدثني زوجي الذي يعمل مهندسا، أنه في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، كان رجل الأعمال الشيخ مصطفى الأمين، عليه الرحمة، يحضر بنفسه إلى كلية الهندسة بجامعة الخرطوم، عقب ظهور النتيجة النهائية للخريجين الجدد مباشرة، ويقوم باختيار المهندسين من الخريجين للعمل بمصانعه، (مع ايلاء أولوية خاصة لتشغيل الخريجين من غرب السودان) . تذكرت إفادته هذه بينما ابني البكر على أعتاب الجامعة ، وواقع الحال يقول انه لن يكون محظوظا كوالده ليجد له موطئ قدم ،مؤقت، في خدمة "السجم والرماد" تلك، وانما نصيب والدته هو ال"مُحَمِدُه".
33) من عجب حكومة ترتكب كل هذه المظالم تحت مظلة إقامة شرع الله على أرضه السودانية وإعادة صياغة إنسانه، بينما لسان حال الأخير يخبر أن الإنقاذ "إنقاذها لحسة كوع". فعن أي صياغة تتحدث وأي شرع تشترع؟ الشريعة التي تم تفصيلها عباءة إنقاذية عند "ترزية الفتاوى بينما يفور من تحتها تنور التهميش والتسريح والتشريد والإقصاء والتقتيل. ظلمات بعضها فوق بعض، إن مددت يدك لم تكد تراها.. أي تمكين هذا، وأول ما فعله أن "تَكََا" الخدمة العامة وذبحها من الدرجة الرابعة عشرة إلى الأولى؟ فصرنا الطَّيَشة" في كل المحافل الدولية من الرياضة الى النزاهة. أي شرع هذا الذي يجعل صاحبه يعترف بدم بارد بقتل عشرة ألاف نسمة، وكأنما يتحدث عن نحر غنم زَهَرة..!! أي دين هذا الذي احل لهم التطاول في البنايات، وركوب فارِه السيارات والعلاج في أفضل المستشفيات، بينما "فقيرات المدن" يضعن أحمالهن في الطرقات العامة، على مرمى حجر من حيث يستشفون. أي دين هذا الذي أباح لهم الإشباع المتخم لشهوتي البطن والفرج فأثنوا وثَلَّثوا ورَبَّعوا، بينما كَرْكَرة الأمعاء الخاوية لليفع من قاطني بيت المايقوما تهزم سكون الليل، و تستصرخ الضمير الإنساني.!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.