مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    الجزيرة تكثف التحضيرات للاستحقاقات القادمة في دوري الدامر    السودان..مصدر حكومي يرد على تفاهم مثير مع الميليشيا    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    كل ما تريد معرفته عن نزاعات الزمالك فى الفيفا وخطة النادى لحل الأزمة    تأجيل حفل شاكيرا فى الأهرامات من إبريل إلى نوفمبر 2026    إندونيسيا تصبح أول دولة في جنوب شرق آسيا تقيد وصول الأطفال لمواقع التواصل    شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    ماجد المصرى: الخلاف فى أولاد الراعى تجاوز المال إلى جوهر العلاقات الأسرية    جوجل توسّع الترجمة الحية إلى آيفون وآيباد    الدولار يرتفع وسط توترات الشرق الأوسط    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. رئيس المريخ السابق يفجر مفاجأة كبيرة بخصوص المحترف الجزائري المنضم للمنتخب السوداني ويعد بضم محترفين أفارقة لصقور الجديان    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السودان ومبادرة حوض النيل: تعقيب على المهندس كمال علي .. بقلم: د. سلمان محمد أحمد سلمان
نشر في سودانيل يوم 25 - 09 - 2012

نشر المهندس كمال علي محمد وزير الري والموارد المائية السابق مقالاً بصحيفة سودانايل يوم السبت 22 سبتمبر 2012، وصحيفة الايام يوم الأحد 23 سبتمبر 2012، بعنوان "حول مقالات د. سلمان: السودان ومبادرة حوض النيل والاتفاقية الإطارية." وقد تضمّن المقال عنواناً جانبياً آخر هو "السياسات والإستراتيجيات المائية والأخطاء الجسيمة التي اشتملت عليها كل مقالات د. سلمان محمد أحمد سلمان حول السودان ومبادرة حوض النيل والإتفاقية الإطارية."
ورغم أن المقال قد أشار إلى ما أسماه الأخطاء الجسيمة االتي اشتملت عليها كل مقالاتي الا أن المقال تطرّق فقط إلى اجتماع كنشاسا وإلى تجميد أو انسحاب السودان من مبادرة حوض النيل، وإلى ما اسماه اعتراف السودان بحقوق دول النيل الأخرى والتعاون معها، واتفاقية عنتبي. وسنعقّب على كلٍ من هذه النقاط في هذا المقال.
2
غير أنه قبل البدء في التعقيب على هذه النقاط لا بد من التوقّف قليلاً في مقدمة مقال المهندس كمال علي، وهي مقدمةٌ غير موفقّةٍ البتّة. فقد ذكر بالحرف الواحد في الأسطر الأولى من مقالته والتي أسماها مقدمة هامة "لقد برزت في الآونة الأخيرة أشياء غريبة غير مألوفة منها أن حديثي العهد بالقوانين الدولية جعلوا من أنفسهم خبراء عالميين وكل حصيلة إنجازهم أنهم يقومون بنقل القوانين والإتفاقيات القائمة نقل مسطرة ويملأون بها الصفحات."
وهذه الجمل واضحةٌ ولاتحتاج إلى شرحٍ. ورغم أني لا أحب الحديث عن نفسي وعن إنجازاتي الا أن هذه الجمل تحتاج إلى الرد عليها وبوضوحٍ وحسم، واستميح القارئ عذراً في ذلك.
أولاً: لقد ألّفتُ أو حررتُ عشرة (10) كتب باللغة الانجليزية عن قوانين المياه الدولية والوطنية حتى الآن، تم نشرها بواسطة البنك الدولي وبواسطة دور نشرٍ عالمية في أوروبا وأمريكا. وقد تمّتْ ترجمة ونشر عددٍ من هذه الكتب باللغات الفرنسية والروسية والعربية والصينية.
ثانياً: ألّفتُ ونشرتُ أكثر من ستين (60) مقالاً في دوريات أكاديمية عالمية وفصولاً في كتب عن قوانين المياه الدولية والوطنية. ولقد فازت احدى مقالاتي بجائزةٍ دولية عام 2004. ويتمّ استخدام مجموعةٍ من كتبي ومقالاتي كمراجع لقوانين المياه في عددٍ من الجامعات في عدّة دولٍ في العالم.
ثالثاً: تمّ تعييني مستشاراً لقوانين المياه بالبنك الدولي بعد فحصٍ دقيقٍ لكتاباتي وعملي في هذا المجال بواسطة لجان من داخل وخارج البنك. وصرتُ أولَ قانونيٍ في تاريخ البنك الدولي منذ إنشائه في أربعينيات القرن الماضي يتمّ تعيينه مستشاراً لقوانين المياه بالبنك. وقد أصبحت بمقتضى هذا التعيين المسؤول الأول في البنك عن تفسير وتطبيق سياسات البنك الدولي الخاصة بالمشاريع المقامة على المجاري المائية الدولية. وقد ظللت أؤدي هذه المهام من عام 1993 وحتى تقاعدي عام 2009.
رابعاً: كتبتُ كتاباً فصّلتُ وناقشت فيه كيف طبّق البنك الدولي السياسات الخاصة بالمشاريع المقامة على المجاري المائية الدولية منذ أن تمّ إنشاء البنك الدولي في أواخر أربعينيات القرن الماضي وحتى عام 2009 (عام تقاعدي). وهذا هو الكتاب الوحيد الذي كُتِب عن هذه السياسات، وقد تمّت طباعته بواسطة أكثر من دار نشر.
خامساً: تمّ اختياري عام 2001 مديراً للدورة الصيفية لأكاديمية لاهاي للقانون الدولي بهولندا. وقد كان موضوع الدورة "مصادر المياه والقانون الدولي." وقد قمت مع زميلتي البروفيسيرة الفرنسية لورانس بواسون دي شازورن بتدريس والإشراف على 24 طالباً وطالبة معظمهم يحضّر لدرجة الدكتوراه في قوانين المياه الدولية.
سادساً: لقد قمت بالتدريس في عشرات الجامعات في أوروبا وأمريكا, وقد عدت يوم السبت 22 سبتمبر 2012 (وهواليوم الذي نشر فيه السيد كمال علي مقاله) من سويسرا التي ذهبتُ اليها بدعوةٍ من شعبة مصادر المياه بالمعهد السويسري الفيدرالي للتكنولوجيا بمدينة زيورخ. وكان الغرض من الدعوة التشاور حول بعض برامج ومقررات الشعبة، وتقديم عددٍ من المحاضرات.
انني أعتذر للقاري عن هذا العرض عن نفسي والذي أملته مقدمة المهندس كمال علي والتي وصفها بالهامة. وأضيف هنا أن المعلومات التي أشرت إليها أعلاه، وغيرها من جوانب سيرتي الذاتية، متاحةٌ وبسهولةٍ في الشبكة العنكبوتية.
ليسامحك الله يا سيد كمال علي على وصفي بأني من "حديثي العهد بالقوانين الدولية" الذين " يقومون بنقل القوانين والإتفاقيات القائمة نقل مسطرة ويملأون بها الصفحات."
وقبل أن أختم هذا الجزء من تعقيبي لا بد من إثارة السؤال الآتي: السيد كمال علي مهندسٌ وليس قانوني، فكيف يتسنّى له أن يعرف من هم حديثو العهد بالقوانين الدولية من غيرهم يا تُرى؟
3
تضمّن معظم مقال المهندس كمال علي شرحاً مطولاً لما دار في اجتماع كنشاسا وحاول أن يبرز ما أسماها الأخطاء الجسيمة في مقالاتي. ونحن لا نحتاج إلى أكثر من الاطلاع على وقائع اجتماع كنشاسا لنعرف حقيقة ما دار في ذلك الاجتماع، فماذا تقول وقائع ذلك الاجتماع؟.
أولاً: توضّح الوقائع أنه تمّ عقد الاجتماع الاستثنائي لوزراء مياه دول حوض النيل في مدينة كنشاسا عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية يوم 22 مايو عام 2009. وقد ترأس الاجتماع وزير البنية التحتية الكونغولي. وقد أوضح الوزير في كلمته الافتتاحية أن الغرض من الاجتماع هو وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية الإطار التعاوني، وليس مناقشة بحث العمل في مشروعات حوض النيل الاستوائي كما أدعى السيد كمال علي. وفي حقيقة الأمر فإن وقائع الاجتماع لم تتطرق إلى أي موضوعٍ سوى اتفاقية الإطار التعاوني. كما أنه لا يعقل أن يُعقد اجتماعٌ استثنائي لمناقشة موضوعٍ عاديٍ مثل مشروعات حوض النيل الاستوائي والتي يمكن ببساطة أن تنتظر الاجتماع السنوي العادي الذي كان سيعقد في ظرف ستة أسابيع (يوليو عام 2009).
ثانياً: تذكر الوقائع في الصفحة الثالثة تحت بند "تقرير رئيس المجلس الوزاري" أن الوزير السوداني ذكر أن البند الذي لم يتم الاتفاق عليه في اتفاقية الإطار التعاوني (المادة 14) قد تمّت إحالته إلى رؤساء الدول حسب قرار المجلس الوزاري لحوض النيل الخامس عشر. وأوضح الوزير السوداني أنه من الناحية الإجرائية يجب إكمال متطلبات الإحالة قبل مناقشة الموضوع. وقد ذكرت الوقائع أيضاً في نفس الصفحة أن الوزراء ناقشوا هذه المسألة وقرروا أن لديهم الصلاحيات لمناقشة المواضيع العالقة والخاصة بالمادة 14 من اتفاقية الإطار التعاوني. عليه فلم تتم الموافقة على طلب الوزير السوداني بعدم مناقشة الموضوع.
ثالثاً: توضّح وقائع الاجتماع ان النقاش تواصل في اتفاقية الإطار التعاوني وأن الوزير التنزاني قدم مقترحاً بالمضي قدماً في الاتفاقية بينما اعترض الوزير المصري وقدّم تحفّظاً على المقترح. وقد ذكرت وقائع الاجتماع في السطرين الأخيرين من الصفحة الرابعة أن الوفد السوداني لم يكن موجوداً عندما تمّ اتخاذ القرار والتحفّظ. ويقرأ النص الانجليزي لهذه الفقرة من الوقائع كالآتي:
“The delegation of Sudan was not present when the decision and reservation were made."
السؤال إذن: أين كان وفد السودان وقت اتخاذ القرار والتحفظ إن لم يكن قد انسحب من الجلسة؟
رابعاً: تمّ التوقيع على وقائع اجتماع كنشاسا من كل الوزراء عدا الوزير السوداني الذي برز اسمه في صفحة التوقيعات (الصفحة الخامسة من الوقائع) بدون توقيع. كيف يمكن أن يُفسّر عدم توقيع السودان إن لم يكن السودان قد انسحب من الجلسة؟
لم ينسحب الوفد المصري من الجلسة رغم الاعتقاد العام أن مصر ستتضرّر من اتفاقية الإطار التعاوني أكثر من السودان. وقد ضمّن الوفد المصري تحفظاته على قرارات الاجتماع ووقّع على وقائع الاجتماع رغم عدم وجود السودان، ورغم عدم توقيع السودان.
أن وقائع اجتماع كنشاسا تتحدّث عن نفسها وتكشف بوضوحٍ كل ما جرى هناك من انسحابٍ وارتباك.
4
لم يفلح السيد كمال علي في توضيح موقف السودان من مبادرة حوض النيل: هل انسحب السودان من مبادرة حوض النيل؟ أم هل جمّد السودان عضويته في المبادرة؟ أم هل جمّد السودان مشاركته في مشاريع مبادرة حوض النيل؟ ولم يوضح للقارئ ما هي تبعات ونتائج أيٍ من هذه القرارات الثلاث المختلفة من الناحية العملية.
لنقرأ ما كتبه السيد كمال علي في مقاله في صحيفتي سودانايل والايام، فقد ذكر:"الخطأ الثالث أن السودان لم يجمد أو ينسحب من مبادرة حوض النيل مباشرة بعد إجتماع مايو 2009م بل بعد يونيو 2010م." ثم يواصل السيد كمال علي فيقول:"وان موقفنا بالتفصيل هو أننا سنظل نجمد نشاطنا طالما أن هنالك إصرار علي عدم الوصول إلي إجماع حول الإتفاقية الإطارية."
هاتان الجملتان تقولان أن السودان قد جمّد ثم تقولان أن السودان قد انسحب من مبادرة حوض النيل في يونيو عام 2010 (وليس في 2009 كما ذكرت أنا). ويواصل السيد كمال علي فيتحدث هذه المرة عن تجميد النشاط (وليس تجميد العضوية أو الانسحاب). هل هناك ارتباكٌ أكثر من هذا في هذه المسألة؟ وهل هناك أي معنى للتاريخ الذي اتخذ فيه السودان قراره طالما أنه لا أحد يدري حتى الآن ما هو القرار نفسه وما هي تبعاته؟
ثم ما معنى أن يكون السودان قد جمّد أو انسحب من المبادرة أو جمّد نشاطه وتظل وفوده تحضر كل الاجتماعات الوزارية والفنية، ويظل الموظفون السودانيون العاملون في مؤسسات مبادرة حوض النيل مواصلين لأعمالهم بهذه المؤسسات، ,ويظل السودان مشاركاً في مشاريع مبادرة حوض النيل كما كان قبل الانسحاب أو التجميد؟ أليس هناك تبعاتٌ لهذا القرار، أياً كان؟
بل أكثر من هذا. فقد تحدث السيد كمال علي عن مبادرات السودان لحل المشاكل العالقة في اتفاقية الإطار التعاوني. كيف يتواصل الحديث عن هذه المبادرات إذا كان السودان قد جمّد عضويته أو نشاطه أو انسحب من المبادرة؟.
هذه التصريحات والأفعال دليلٌ واضحٌ على الارتباك في موقف السودان من مبادرة حوض النيل، وعن عدم الإدراك لتبعات ذلك الموقف.
5
أكد السيد كمال علي تعاون السودان مع دول حوض النيل الأخرى وأوضح أن ذلك قد تمّ من خلال موافقة السودان ومصر على مجموعة من المشاريع التي موّلها البنك الدولي في هذه الدول.
كما ذكرت من قبل فقد كنتُ من خلال عملي كمستشارٍ لقوانين المياه بالبنك الدولي على مدى ستة عشر عام المسؤولَ الأول عن تفسير وتطبيق سياسات البنك الدولي الخاصة بالمشاريع المقامة على المجاري المائية الدولية. ومن ذاك الموقع أحب أن أوضح الآتي:
البنك الدولي لايمول أية مشروعات على مجاري مائية مشتركة قد تُسبّب أضراراً لدولةٍ مشاطئة أخرى. وتتطلّب سياسات البنك الدولي إخطار كل الدول المشاطئة بالمشروع وإعطاءها وقتاً للرد على الإخطار. لكن هذ الإخطار (وهذا هو المهم) لا يُعطي الدول المُخْطَرة حق النقض. وفي حالة اعتراض أية دولة على مثل هذه المشاريع (وهذه حالاتٌ نادرة) فإن البنك سينظر في الاعتراض ويقرّر كيفية التعامل معه. ولم يحدث في تاريخ البنك الدولي إطلاقاً أن توقّف البنك عن تمويل مشروع بسبب اعتراض احدى الدول التي تمّ إخطارها.
وكما تمّ إخطار السودان بالمشاريع المقامة على نهر النيل في البلدان الأخرى، كذلك تمّ إخطار الدول النيلية الأخرى بالمشاريع المقامة على نهر النيل في مصر والسودان ولم تعترض أية دولةٍ من هذه الدول على أيٍ من مشاريع مصر والسودان.
إذن فإن مسألة الموافقة على المشاريع المقامة على حوض النيل في الدول المشاطئة الأخرى مسألة إجرائية شملت كل دول حوض النيل، وليست مقياساً يُعتدُّ به للتعاون.
6
ذكر السيد كمال علي في مقاله مراراً أن سياسة السودان تقوم على أقصى درجات التعاون مع دول حوض النيل.
إن الخلاف الأساسي والرئيسي بين دول حوض النيل في الوقت الحاضر يدور حول اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل (اتفاقية عنتبي.) وقد قامت ست دولٍ هي اثيوبيا وتنزانيا وكينيا ويوغندا ورواندا وبوروندي بالتوقيع على الاتفاقية. وتحتاج الاتفاقية إلى مصادقة ست دولٍ لتدخل حيّز التنفيذ. عليه فإذا صادقت هذه الدول الست التي وقّعت حتى الآن فستدخل الاتفاقية حيّز التنفيذ.
من الجانب الآخر تعترض مصر والسودان اعتراضاً تاماً على الاتفاقية، وتصران على أن استعمالاتهما وحقوقهما القائمة والمشار إليها في اتفاقية مياه النيل لعام 1959 (55,5 مليار متر مكعب لمصر و18,5 للسودان) خطٌّاً أحمر لا يمكن عبوره وغير قابلة للتفاوض، بينما تُصِرُّ الدول الأخرى على أنّ لها حقوقاً في مياه النيل تحت نظرية الانتفاع المنصف والمعقول وأنه يجب على مصر والسودان الاعتراف بهذه الحقوق كما هو واردٌ في اتفاقية عنتبي.
إن مجمل مياه النيل البالغة 84 مليار متر مكعب مقاسةً عند أسوان قد تمّ توزيعها كلها بين مصر والسودان بموجب اتفاقية مياه النيل لعام 1959. ولم تترك هذه الاتفاقية أي قدرٍ من المياه للدول النيلية الأخرى. وحالياً يستخدم السودان، كما ذكر السيد كمال علي نفسه، 12 مليار فقط (نعم 12 مليار فقط!!!) من جملة نصيبه البالغ 18.5 مليار، بينما تستخدم مصر جلّ ما تبقى من مياه النيل من نصيبها ومن نصيب السودان.
بل إن اتفاقية عام 1959 تذهب أبعد من هذا عندما تشير الاتفاقية إلى أن الدول النيلية الأخرى عليها أن تتقدم بطلبٍ لمصر والسودان للسماح لها باستعمال أي قدرٍ من المياه، وتعطي الاتفاقية مصر والسودان حق تحديد ذلك المقدار أو رفض الطلب. وإذا وافقت مصر والسودان على أية كمية لدولةٍ نيليةٍ أخرى (والتي ستُخصم مناصفةً بين مصر والسودان)، فستقوم الهئية الفنية المشتركة التي أنشأتها مصر والسودان بمراقبة عدم تجاوز هذا الحد.
هل هذا هو التعاون الذي يتحدث عنه السيد كمال علي؟
وهل تتوقع مصر والسودان أن تتقدم اثيوبيا وهي المصدر لحوالي 86% من مياه النيل بطلبٍ إلى مصر والسودان للسماح لها باستعمال أي قدرٍ من مياه النيل وتلتزم بقرار مصر والسودان (حتى لوكان الرفض) وبالقدر الذي يوافقان عليه، وتسمح اثيوبيا للهيئة الفنية المشتركة بمراقبة استعمال القدر الذي وافقت عليه مصر والسودان؟
إن مثل هذه النصوص في اتفاقية مياه النيل لعام 1959 وتمسّك مصر والسودان بها قد خلق قدراً كبيراً من الغُبن بين دول حوض النيل الأخرى. كما أن الإصرار على عكس مثل هذه التصورات بصورةٍ أو أخرى في اتفاقية عنتبي قد وسّع شقة الخلاف وجعل الدول الأخرى متمسّكةً بمواقفها تجاه مصر والسودان، وسيؤدي هذا الوضع إلى عزلةٍ كاملة لمصر والسودان (كما ذكر د. أحمد المفتي نفسه)، خصوصاً مع التعاطف الدولي مع دول حوض النيل الأخرى.
عليه فإن الكرة الآن في ملعب مصر والسودان ليُبديا قدراً من المرونة ويُحيلا الحديث عن التعاون إلى حقيقةٍ واقعة وليس مجرد شعاراتٍ فارغةٍ من المحتوى.
7
من الواضح أن السودان يواجه وضعاً صعباً وحرجاً في مبادرة حوض النيل واتفاقية الإطار التعاوني، وأن مواقفه وسياساته المرتبكة لم ولن تساعد اطلاقاً في الخروج من هذا النفق. فالخلافات في القضايا الأساسية في اتفاقية الإطار التعاوني ظلّت تزداد تعقيداً وتأزماً. ولم يأت الوفد السوداني بجديد رغم زعمه المتواصل منذ عام 2009 أن القضايا العالقة بسيطة وسوف تُحل في ظرف شهور. وهو زعمٌ أوضحنا منذ ذلك الوقت (في ندوة قناة الشروق عام 2010 وكتاباتنا قبل وبعد الندوة) أنه ساذجٌ وخاطئ ونبّهنا إلى خطورة الموقف وتعقيداته، وأنه لن يُحل بالحديث المكرّر والممجوج عن التعاون، والذي قلنا أنه حديثٌ بلا مضمون، وأنه مصدر غبنٍ وتهكمٍ من دول حوض النيل الأخرى. وقد كرّرنا أن هذا الارتباك وعدم وضوح الرؤيا والحديث الأجوف عن التعاون، وبدون إدراكٍ وفهم لما خلّفته اتفاقية عام 1959 من غبنٍ وظلم لن تزيد السودان الا عزلةً على عزلته الحالية، والتي بدأ د.المفتي نفسه يحسّها ويتحدث عنها خوفاً على ما يبدو من المسؤولية التاريخية.
وها هي ست دولٍ تقف في جانبٍ، ويقف السودان ومصر وحديهما في الجانب الآخر. وها هي دولة جنوب السودان قد أصبحت عضواً في مبادرة حوض النيل في يوليو الماضي، والكل يعرف إلى أية مجموعةٍ ستنضمّ هذه الدولة. ولا بد من توضيح أن جمهورية الكونغو الديمقراطية ما زالت مشغولةً بحروبها ومشاكلها الداخلية، ولم تذكر جمهورية الكونغو إطلاقاً أنها لن توقّع على اتفاقية الإطار التعاوني وأنها تقف مع مصر والسودان كما ذكر السيد كمال علي. بل على العكس، فالمراقبون يتوقعون أن تنضمَّ الكونغو إلى دول البحيرات الاستوائية في أية لحظة وتوقّع على اتفاقية عنتبي تأكيدا لأخُوّتِها وتضامنها معهم، كما فعلت دولة بوروندي التي انضمت إلى الاتفاقية بعد تسعة أشهر من توقيع الدول الخمس الأخرى. وعلى كلٍ فإن اتفاقية عنتبي يمكن أن تدخل حيز التنفيذ بدون جمهورية الكونغو وجمهورية جنوب السودان. وهذا بدوره سيكون سبباً وحافزاً لهاتين الدولتين للانضمام للاتفاقية.
إزاء هذا الوضع لا بد من مراجعةٍ سريعةٍ وجذريةٍ لمواقف وسياسات السودان تجاه مبادرة حوض النيل واتفاقية الإطار التعاوني التي أدّت إلى هذه الأزمة الحادة. ولا بد من إشراك أكبر عددٍ من الخبراء والأكاديميين السودانيين المتخصصين في شؤون حوض النيل في التفاكر في هذا الوضع الحرج وكيفية الخروج منه.
عليه أكرّر اقتراحي لوزارة الكهرباء والمياه (والذي طرحته في شهر يناير من هذا العام 2012) بعقد ورشة عمل حول مبادرة حوض النيل واتفاقية الإطار التعاوني ودعوة الخبراء السودانيين لهذه الورشة لمناقشة المواقف والسياسات السودانية المرتبكة التي أدّت إلى هذا الوضع الحرج.
لنسرع بعقد هذه الورشة، فالوقت ليس في مصلحة السودان والوضع يزداد تعقيداً، والعزلة بين دول حوض النيل تحكم قبضتها على السودان مع كل يومٍ يمر.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.