تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    جاهزية فنية متكاملة تسبق انطلاق "عربية القوى" في تونس    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الكُونفِدراليَّةُ .. هِيَ الحَل! .. بقلم/ كمال الجزولي
نشر في سودانيل يوم 18 - 10 - 2012

بالخميس السَّابع والعشرين من سبتمبر المنصرم، ومع نهاية الجَّولة السَّابعة لقمَّة البشير سلفاكير بالعاصمة الأثيوبيَّة، والتي كان مقرَّراً لها يوماً واحداً، فإذا هي تستغرق أربعة أيَّام، تمَّ توقيع اتِّفاق بين جمهوريَّة السُّودان ودولة جنوب السُّودان يقضي باستئناف تصدير نفط الجَّنوب عبر أراضي الشَّمال، وبإقامة منطقة منزوعة السِّلاح في الحدود بينهما، والتي هي أطول حدود بين دولتين في القارَّة، إذ تبلغ 1800 كيلومتراً، بحيث تتراجع قوَّات كلٍّ منهما عشرة كيلومترات من الجَّانب الذي يليها. أمَّا في ما عدا ذلك فلم يشمل الاتِّفاق سوى بضع قضايا أخرى يكاد يجمع المراقبون على ثانويَّتها، إذ هي، بكل المقاييس، أقلُّ أهمِّيَّة ممَّا لم يشمل من أمَّهات القضايا المتنازع عليها، كوضع منطقة أبيي، وترسيم الحدود بين الدَّولتين، دَعْ أن الاتِّفاق لم يتطرَّق، أصلاً، لجانب جوهريٍّ من قرار مجلس الأمن الدَّولي الصَّادر بموجبه بالرَّقم/2046، وهو الجَّانب المتعلق بالتفاوض مع الحركة الشَّعبية بالشَّمال لاجتراح المعالجات المطلوبة للأوضاع الإنسانيَّة والسِّياسيَّة في منطقتي جنوب كردفان والنِّيل الأزرق، حيث لم يستطع القرار أن يتجاهل حقيقة أن 40% من الحدود بين الدَّولتين، والتي يراد إرساء ترتيبات أمنيَّة بشأنها، إنَّما تقع، في الوقت الرَّاهن، تحت سيطرة هذه الحركة، ومن ثمَّ فليس من الحكمة عدم اصطحابها في المفاوضات الجَّارية.
(1)
والآن، على الرغم من التَّرحيب الواجب بهذا الاتِّفاق، كونه يشكل، على نحو أو آخر، خطوة ولو قصيرة باتِّجاه تسوية ما، فإنَّه ليس من غير المتوقَّع، في الوقت ذاته، وبالنَّظر لجملة وقائع أعقبته، وظروف أحاطت، وما تزال تحيط به، ألا يخلف قنابل موقوتة مرشَّحة للانفجار في أيَّة لحظة، حالة كونه متَّسِماً بمثل هذه التَّجزيئيَّة المعيبة، ومبرماً تحت ضغوط أجنبيَّة معلومة، بناءً على قرار مجلس الأمن، وتوصية الاتِّحاد الأفريقي، وإسناد الجَّامعة العربيَّة، وبمنأى عن غالب القوى الوطنيَّة، ومنظمات المجتمع المدني! وإذا كان الجَّواب من عنوانه، كما في بعض مجازات مستعربي السُّودان البلاغيَّة، فثمَّة شواهد كثر تدعم، على أيَّة حال، هذا التَّخوُّف، مثلما أن ثمَّة بدائل كثر، أيضاً، تنتظر توفُّر الإرادة السِّياسيَّة الكافية والكافلة لهذه البدائل، في مستوى السُّلطتين الحاكمتين في كلٍّ من الخرطوم وجوبا.
نماذج هذه القنابل ليست عصيَّة على الرَّصد، فلئن كان منتظراً من اتِّفاق كهذا أن يرطب غلظة الأكباد، ويليِّن المشاعر المتبادلة، فما من مراقب يمكنه، مثلاً، أن يغفل اللهجة غير الودودة التي قطع بها باقان اموم، كبير مفاوضي الجَّنوب، في أمسية نفس الخميس 27 سبتمبر، وحبر التوقيع لم يجفَّ، ومصابيح قاعة حفله لم تطفأ بعد، الجَّدل حول مطالبة السُّودان بمبلغ 1.8 مليار دولار مقابل أصول سودابت، قائلاً بجفاء لا يخفى: "لن ندفع هذا المبلغ!" (رويترز، 29 سبتمبر 2012م).
لا نبغي من إيراد هذا النَّموذج أيَّ إيماء خاطئ، بطبيعة الحال، إلى أن هذه المسألة مشمولة بالاتِّفاق، وإنما مقصدنا هو، فقط، إضاءة جانب مما يُتوقَّع أن يكون عليه روح التَّفاوض القادم، ومزاجه، حال الجُّلوس الذي لا مناص منه، مستقبلاً، لمعالجة الأمور العالقة الأكثر أهميَّة!
وما من مراقب، كذلك، يمكنه ألا يلحظ خراقة السَّلاسة التي سمح الطرفان بأن تنسرب بها قضيَّة أبيي من بين فرجات أصابعهما، بإرجائهما مناقشتها، لتقع سائغة بين أذرع طواحين القرارات الدَّوليَّة والإقليميَّة؛ مع ذلك وصف الدِّرديري محمد أحمد، أحد أبرز أركان الحزب الحاكم، ما جرى على هذا الصَّعيد بأنه "فأل حسن!" (الصَّحافة؛ الثامن من أكتوبر 2012م). وكنا حذَّرنا، في مقالتنا السَّابقة تحت عنوان "الفورة ألف" بهذا المنبر، من أن أيَّة مشكلة لا يشملها اتَّفاق الطرفين بإرادتهما، سيتدخل مجلس الأمن الدَّولي، بتوصية من مجلس الأمن والسِّلم الأفريقي، وبالاستناد إلى تقرير الوسيط الأفريقي السَّامي، ثابومبيكي، ليفرض على الطرفين حلاً لها تحت الفصل السَّابع، بصرف النظر عن رضائهما أو عدم رضائهما بهذا الحل، وبصرف النظر، أصلاً، عما إن كان يوفِّر علاجاً جذرياً لأسباب المشكلة، أم يتركها عرضة لمعاودة الاشتعال، لاحقاً، في أيِّ وقت! لكن، بدلاً من إيلاء الاعتبار اللازم لهذه النَّاحية، وتقدير أفضليَّة القرار الوطني على القرار الأجنبي، انشغل كلا الطرفين، للأسف، بالبحث لرأسه عن "وسادة دوليَّة" مريحة! فأهمُّ ما أهمَّ الخرطوم هو مناورتها الخطرة بمقترح تقسيم أبيي الذي تعوِّل على أن يحظى بدعم المجتمع الدَّولي لجهة قدرته التي تتصوَّرها على سدِّ ذرائع الحرب، والذي ما لبث أن تولى كبره المبعوث الرُّوسي ميخائيل مارغيلوف، عقب لقاءه البشير، بالجمعة الثَّامن والعشرين من سبتمبر 2012م، بينما أهمُّ ما أهمَّ جوبا، من الجَّانب المقابل، هو اطمئنانها لصدور القرار لصالحها من مجلس الأمن الدَّولي، فلا خوف حتى من مقترح التَّقسيم الذي ترفضه هي وتتبنَّاه روسيا، حيث لا سبيل لطرحه، في نهاية المطاف، إلا عبر آليَّة هذا المجلس (المصدر نفسه).
من الشَّواهد، كذلك، على أن نظام الخرطوم ما زال يفضِّل وضع الأمور برمَّتها في أيدي القوى الدَّولية والإقليميَّة على إشراك القوى الوطنيَّة فيها، التَّحفظ الذي ساقه المجلس الاستشاري للقطاع السِّياسي بالحزب الحاكم على عرض الاتِّفاقيَّة على الأحزاب، بزعم أنها "ليست اتِّفاقية حزب، وإنما اتفاقيَّة دولة!" (الرأي العام؛ 30 سبتمبر 2012م).
ولعلَّ ممَّا يزيد طين هذا التَّغليب للقوى الخارجيَّة على القوى الدَّاخليَّة بلة، الارتباك والتَّناقض غير الخافيين في مواقف مؤسَّسات السُّلطة نفسها، ما يشي بعدم الاتِّساق تجاه هذه المسألة، وبصراع يدور حولها في جبهة الحكم، أو حول تكتيكاتها على الأقل، وذاك، في حدِّ ذاته، مسرب آخر للقنابل الموقوتة! فعلى سبيل المثال، ما كاد مجلس حزب النِّظام الاستشاري يصدر التَّصريح المشار إليه، حتَّى اتَّخذ البشير، في اليوم التالي مباشرة، موقفاً نقيضاً له، طرداً على عكس، بقوله: "سألتقي بقادة المعارضة وممثليها لإطلاعهم على نتائج مفاوضات أديس أبابا، وتمليكهم الوثائق كافَّة التي تمخَّضت عنها"، وذلك، على حدِّ تعبيره، "لتحقيق أكبر قدر من الإجماع القومي حول هذه الاتِّفاقيَّات" (السُّوداني؛ 1 أكتوبر 2012م). غير أن البشير نفسه ما لبث أن أردف، في التوِّ والحين، قائلاً: "لا نعرف شيئا اسمه قطاع الشَّمال، وملتزمون ببحث قضايا .. النِّيل الأزرق وجنوب كردفان مع ممثِّلي المنطقتين"، ثمَّ أضاف: "لا فيتو لنا على عبد العزيز الحلو أو مالك عقار إن كانا يمثِّلان منطقتيهما ونالا تفويضا بذلك" (المصدر نفسه)؛ هذا، فضلاً عمَّا كان صرَّح به نائب رئيس الجُّمهوريَّة، مؤخَّراً، حول اضِّطرار حكومته، تحت الضَّغط الدَّولي، للتَّفاوض مع الحركة الشَّعبيَّة بالشَّمال، حيث أشار إلى أن "واقع الحال" هو ما جعل هذه الحركة هي الطرف الآخر الذي "لا بُدَّ من التَّفاوض معه" (قناة الخرطوم؛ 2 سبتمبر 2012م).
مهما يكن من أمر، فمن الواضح، رغم تناقض التَّصريحات، أن ياسر عرمان هو "ثالث الثَّلاثة" الذي قصد رئيس الجُّمهوريَّة، بتصريحه الإقصائي المذكور، أن يدقَّ إسفيناً بينه وبين رفيقيه، وأن يعزل هذين الأخيرين، في نفس الوقت، عن "قطاع الشَّمال"، من جهة، وعن أيِّ تقارب محتمل بينهما وبين القوى السِّياسيَّة الوطنيَّة، من جهة أخرى، دون أن يعطيهما أكثر من "حبال بلا أبقار"، كما في بعض أمثالنا الشَّعبيَّة، باشتراطه أن يحصلا، قبل كلِّ شئ، على تفويض بتمثيل منطقتيهما!
هكذا نستطيع أن ندرك، بيسر، ما وراء سخاء الرَّئيس حين "يتكرَّم" على أحزاب المعارضة "بإطلاعها" على "نتائج المفاوضات"، و"تمليكها وثائقها" كافَّة، وتأكيده على أن ذلك كله ليس إلا "لتحقيق أكبر قدر من الإجماع القومي حولها"، أو كما قال!
(2)
في الأول من أغسطس، قبل شهرين من اتفاق البشير سلفاكير، قدم برنستون ليمان، المبعوث الأمريكي الخاص إلى السُّودان وجنوب السُّودان، محاضرة عن العلاقات الأمريكيَّة السُّودانيَّة، شدَّد فيها على الاتِّجاه الرَّاهن للإدارة الأمريكيَّة نحو إصلاح علاقاتها مع الخرطوم، برغم كلِّ خلافاتهما، كما حدَّد الخطوات الكفيلة بإنجاز هذا الهدف (موقع الواشنطن تايمز على الشَّبكة). لكن سيكون ضرباً من الغفلة، بالقطع، تفسير هذه "الإيماءة اللطيفة" كدليل على أيِّ انعطاف أمريكي نحو الاهتمام بالمصالح "الوطنية" للسودان. فلأمريكا مصالحها، مثلما لها ألف طريقة وطريقة تخدم بها هذه المصالح، حتى لو بدا في الأمر مراعاة لمصالح الآخرين!
وعندما طرحنا، خلال اجتماعات الكونسورتيوم الأفريقي للسُّودان بنيروبي (أغسطس 2012م)، مبادرتنا التي سنأتي على ذكرها أدناه، لتأسيس اتِّحاد كونفدرالي بين دولتي السُّودان، فوجئنا بأحد نشطاء أقصى غرب القارة يتصدَّى، بضراوة مدهشة، للفكرة من أساسها، ويستبسل في تيئيس الكونسورتيوم من جدوى أي جهد يُبذل لخلق أيِّ نوع من التَّقارب بين البلدين، أو لاستعادة أيِّ قدر من علاقات شعوبهما القديمة! وكان من أهمِّ ما قال، في السِّياق، لا فضَّ فوه، إن الإنسان الجَّنوبي العادي لم يعد يرغب في شئ من ذلك التقارب، أو تلك العلاقات، فلقد حسم أمره، نهائياً، ويمَّم، بكلِّ مشاعره، شطر جيرانه الجَّنوبيين، حيث يحسُّ بأواصر قربى أوثق معهم، خصوصاً اليوغنديين والكينيين! لكن ذلك النَّاشط الكاره لأطروحتنا ما لبث أن ألقم حجراً، فلاذ بصمت القبور، عندما ذكَّرناه بالتقارير المصوَّرة التي ظلت فضائيَّة "إبوني Ebony" الجَّنوبيَّة تنقلها، على مدى أشهر طوال، من شوارع جوبا، وبالأخصِّ من سوق "كونيو كونيو" الشَّهير، حيث لم يكفَّ صغار الباعة، الطالعين، رجالاً ونساءً، من بين "الجنوبيين العاديين"، عن بثِّ مُرِّ شكواهم من المضايقات التي أضحوا يجدونها من اليوغنديين والكينيين، بالذات، ومزاحمتهم لهم في الرِّزق والخدمات وسائر المعايش، بينما لم يجيئوا على ذكر الشَّماليين الذين ما زالوا يعيشون هناك بكلمة سوء واحدة!
لن يهتم بنا أحد إن لم نهتم نحن بأنفسنا. وسيتعيَّن على أي نظام حكم متصالح مع شعبه، وبالتالي مع نفسه، في الخرطوم كما في جوبا، أن يعي جيِّداً أن أيَّ قدر من المعرفة بحقائق بلادنا على جانبي الحدود المشتركة، شمالاً وجنوباً، والأكثر شبهاً بشعوبنا، تاريخها، وحاضرها، ومستقبلها، لا بد أن يصبَّ في أحد أهمِّ الاستخلاصات التي تؤكد أصالة العمق "الوحدوي" في علاقاتنا ببعضنا البعض، حتف أنف قشرة الجَّفاء المظهريَّة السَّميكة التي يكاد "الإنتلجينسيا الانفصاليُّون"، بالذَّات، يجعلون منها "أيديولوجيا" يمتاز بها "الوطني" عن "غير الوطني"، بل وبرغم نتيجة استفتاء يناير 2011م، والتي جاءت لصالح "الانفصال"، إثر الدفع العنيف من فيالق هؤلاء "الانفصاليين"، في مناخات التراخي المقيت من قوى "الوحدويين" على كلا الجانبين. فلقد تقاعست "الحركة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان"، للأسف، طوال السّنوات الحاسمة التي أعقبت رحيل د. جون قرنق، عن الترويج لمزايا وحدة النِّضال التَّحرُّري، على الصَّعيد الاجتماعي، لكل شعوب السُّودان، رغم تفاوت مظالمها التَّاريخيَّة. أما الوطنيُّون الدِّيموقراطيُّون في الشَّمال فقد أصابت فكرهم متلازمة syndrome الخلط المريع بين الموقف النِّضالي المتمثِّل في مؤازرة حقِّ الجَّنوبيين في تقرير مصيرهم، وبين الاستسلام المستكين لواقع "الانفصال" الذي أفرزه الاستفتاء نتيجة ما سبقه من مقدِّمات معطوبة، وما أحاط به من ظرف غير موات! ولعل من أبرز تمظهرات هذا الخلط ما يتبدى، معظم الأحيان، من عجز هؤلاء "المناضلين" عن الجهر ولو بكلمة حقٍّ واحدة في باب الدفاع عن "الوحدة"، توهُّماً من عند أنفسهم بأن ذلك إنما يتقاطع مع الموقف المؤازر لحق تقرير المصير!
(3)
مقاربة الإشكاليَّة على هذا النحو، أخذاً في الاعتبار بالأشواق (الوحدوية) الغالبة، والتي لا تكاد تخفى، في كلا البلدين، كان هو موضوع مبادرتنا المار ذكرها، والتي سبق أن طرحناها، بدعم ومعاونة مجموعة من الوطنيين الديموقراطيين، شماليين وجنوبيين، رجالاً ونساءً، وفي مقدِّمتهم مفكرون، وأدباء، وكتَّاب، وفنَّانون، وصحفيون، وناشطون، وقادة مجتمع مدني، باتِّجاه "توأمة الدَّولتين"، كمعالجة محدَّدة تتجاوز حالة اليأس من وضعيَّة ما بعد (الانفصال)، وقد جرى، مؤخَّراً، تبنِّي هذه المبادرة من جانب اتحاد الكتَّاب السُّودانيين، مثلما جرى اعتمادها ضمن برامج الكونسورتيوم الأفريقي لأجل السُّودان.
وإذا كنا نغلب سداد الالتفات إلى بدائل أخرى معقولة لواقع (الانفصال) البائس، وما يستتبع من (اتِّفاقات) تنطوي على قنابل موقوتة، بأكثر مما تقدِّم من حلول للمشاكل بين البلدين، فإننا ما نزال نعوِّل على مبادرتنا المشار إليها، والتي كنا أسميناها (آدم)، اختصاراً لعبارة (اتِّحاد الدَّولتين المستقلتين)، والتي ظللنا نطرحها، ونعيد طرحها، المرة تلو المرة، منذ ما قبل الاستفتاء، في "مؤتمر جوبا لكلّ أحزاب السودان: 26 30 سبتمبر 2009م"، بل منذ ما قبل ذلك المؤتمر، مثلما لن نكلَّ ولن نملَّ من ترديدها في كل مناسبة، وحيثما دار الحديث عن مستقبل دولتي السُّودان، رغم أننا ندرك، تماماً، أن الشَّرط الأساسي لتحققها هو أن تتولاها، كما سبق أن أشرنا، سلطتان، في الخرطوم وجوبا، يتوفَّر لديهما القدر اللازم من الإرادة السِّياسيَّة، الأمر الذي يجعل الفكرة تبدو "مجنونة" شيئاً، كما وصفها البعض! لكن، ألم يجر التَّصويت على الانفصال نفسه في لحظة تاريخيَّة "مجنونة"؟! ربما يجدر، في حضرة كل هذا "الجُّنون"، أن نستعير العبارة الطريفة التي استخدمها زعيم الحزب الشِّيوعي الرَّاحل محمد إبراهيم نقد، في حوار له، قبل زهاء العقد من الزَّمان، مع صحيفة "البيان" الإماراتيَّة، حول بعض تعقيدات القضايا السُّودانيَّة، حيث قال: "ينبغي للعقل أن يسود، في نهاية المطاف، حتى في .. مستشفى المجانين"!
ولعل مما يحثُّ على عدم اليأس من إمكانية حدوث ذلك، طال الزَّمن أو قصر، اللغة المتقاربة التي بدأت تنتثر، منذ حين، في بعض التَّفاهمات والخطابات السِّياسيَّة لأطراف معنيَّة بالأمر:
خذ عندك، مثلاً، البروتوكول الذي وقَّعته الدَّولتان بأديس أبابا، في الثَّالث عشر من مارس 2012م، حيث شمل، بالتَّطابق مع ما سبق أن طرحت المبادرة، ضرورة أن يتمتَّع مواطنو كلٍّ من الدَّولتين في الدَّولة الأخرى بالحرِّيَّات الأربع (التَّنقُّل الإقامة العمل التَّملك)، تأكيداً، كما ورد في البروتوكول، على "رغبة الشَّعبين في التَّعايش السِّلمي وبناء علاقات متناغمة بينهما". ورغم الخلاف الذي نشب، لاحقاً، حول ذلك البروتوكول داخل النُّخبة الإسلامويَّة الحاكمة، فأودى به، إلا أن عودة سريعة ما لبثت أن جرت باتِّجاهه، عندما وقَّع الطرفان اتفاقيَّة السَّابع والعشرين من أغسطس التي تتضمَّن، أيضاً، موضوعة "الحرِّيَّات الأربع"؛
وخذ عندك دفاع مفاوضي الحكومة عن الاتِّفاقيَّة، حيث تمنَّى كبيرهم، إدريس عبد القادر، مثلاً، "أن ترتفع الحرِّيَّات مع الجَّنوب إلى 40 وليس مجرد 4"، واصفاً رافضيها بأنهم "خارج التَّاريخ" (الصَّحافة؛ 3 أكتوبر 2012م)؛ كما صرَّح سيِّد الخطيب، عضو الوفد الحكومي المفاوض، بأن "الجَّنوبيين إخواننا، والعجرفة كلفتنا كثيراً"، واصفاً رافضي "الحرِّيَّات الأربع" ب "الافتقار للثِّقة بالنَّفس" (الجَّريدة؛ 4 أكتوبر 2012م)؛
وخذ عندك، كذلك، دعوة حزب الأمَّة القومي التي تقاربت مع طرح تلك المبادرة في ما يتعلق بإبرام ما أسمته الدعوة المشار إليها ب "اتفاقيَّة التَّوأمة" بين الدَّولتين، حيث يقوم هذا المشروع، بنحو أو بآخر، على نفس أسس المبادرة، وأهمِّها الجِّنسيَّة المزدوجة، والحرِّيَّات الأربع، وآليَّات التَّعاون والتَّنسيق المشتركة (كتيِّب الحزب بعنوان "مؤتمر السَّلام السُّوداني"، 11 يوليو 2012م، ص 14 16). وخذ عندك، كذلك، طرق مالك عقار، رئيس الحركة الشَّعبية بالشَّمال، مسمار فكرة المبادرة ذاتها، بشكل مباشر، على أمِّ رأسه، وذلك لدى مخاطبته اجتماع المجلس القيادي للحركة، أواخر أغسطس الماضي، بجبال النوبا، حيث شدَّد على ضرورة "الوحدة الكونفدراليَّة بين السُّودان وجنوب السُّودان" (البيان؛ 29 أغسطس 2012م).
(4)
تتطلب المبادرة حزمة إجراءات في مستويين، رسمي وشعبي:
ففي المستوى الرَّسمي: لا بُدَّ من اتِّفاق الدَّولتين على (اتِّحاد) بينهما، أساسه سوق مشتركة، وعملة موحَّدة، وجنسيَّة مزدوجة، ولو جزئيَّاً، بحيث:
(1) تكون للاتِّحاد أجهزة تخدم قضايا مشتركة يُتَّفق عليها؛
(2) تشرف على عمل هذه الأجهزة مفوضيَّة يُتَّفق على تكوينها؛
(3) تكون لهذه المفوضيَّة رئاسة وأمانة عامة تداوليَّتان يُتَّفق عليهما؛
(4) تكون (أبيي) منطقة تمازج، وعاصمة إداريَّة للاتِّحاد، وينبغي أن تتمتَّع، بعد مشورة أهلها، بشكل من الحكم الذَاتي يُتَّفق عليه، سواء أتبعت إلى الشَّمال أو إلى الجَّنوب؛
(5) يتَّفق الطرفان على تعميم الحُرِّيَّات الأربع (التَّنقُّل الإقامة العمل التَّملك) داخل الاتِّحاد؛
(6) يتِّفق الطرفان، بالنِّسبة لمن لن تشملهم الجِّنسيَّة المزدوجة، على أن تمتنع (الدَّولة السَّلف Predecessor State) عن إسقاط جنسيَّتها عمَّن اكتسبوها أو استحقوها بالميلاد أو التَّجنُّس، قبل حصولهم، بالاختيار، على جنسيَّة (الدَّولة الخلف Successor State)، تفادياً لخلق أيَّة حالة (بدون Statelessness)؛
(7) يتَّفق الطرفان، بالنِّسبة لمن ستشملهم الجِّنسيَّة المزدوجة، على مراعاة أولويَّة منحها لمجموعتين:
أ/ الشَّماليين الذين ارتبطت حياتهم، عميقاً، بالجَّنوب، والجَّنوبيين الذين ارتبطت حياتهم، عميقاً، بالشَّمال؛
ب/ القبائل الحدوديَّة من أقصى الغرب إلى أقصى الشَّرق. فإذا علمنا، مثلاً، أن قبيلة المسيريَّة الشَّماليَّة وحدها، والموزَّعة على 9 أفرع، ويبلغ عدد أفرادها زهاء ال 135 ألف شخص يمارسون الرَّعي، بالأساس، ويمتلكون 10 ملايين رأس من الأبقار التي ترتبط حياتها بالتوغَّل وراء الماء والكلأ، في موسم الجَّفاف، إلى الجَّنوب من بحر العرب، وصولاً إلى بانتيو، لأكثر من 6 أشهر في السَّنة، وفي مناطق تتبع لقبيلة دينكا نقوك الموزَّعة على 9 أفرع، أيضاً، والبالغ عدد أفرادها زهاء ال 75 ألف شخص يمارسون الرَّعي، أيضاً، إلى جانب الزِّراعة والتِّجارة في مدينة أبيي، بالأساس، لاستطعنا أن ندرك حجم الخطر الذي يمكن أن ينجم، غداً، عن مجابهة هؤلاء الرُّعاة لإجراءات حظر حركتهم هم وقطعانهم!
أما في المستوى الشَّعبي، فلا بُدَّ:
(1) أن يجري دفع واسع، تتولاه، بالتَّنسيق في ما بينها، منظمات المجتمع المدني في دولتي الشَّمال والجَّنوب، لتوحيد الطموحات الشَّعبيَّة، وتوجيهها نحو غايات واحدة، واستنهاض حركة جماهيريَّة واسعة باتِّجاه تحجيم (الانفصال)، ومحاصرته في مستوى (قمَّة الهرم الرَّسمي) فقط، بحيث لا تتأثَّر به (قاعدته الشَّعبيَّة) إلا في أدنى الحدود.
(2) أن يجري، في هذا الإطار، بقدر الإمكان، وبحسب الحال، ولأجل الدَّعم النَّفسي باتِّجاه هذا الهدف، توحيد أو تنسيق جهود الاتِّحادات والرَّوابط وسائر التَّنظيمات الدِّيموقراطيَّة لعمَّال البلدين، ومهنييهما، ونسائهما، وطلابهما، ورياضييهما، وما إلى ذلك، وبالأخص ما يتصل من هذه الجهود بالدِّبلوماسيَّة الشَّعبيَّة خارج البلدين .. الخ.
***
Kamal Elgizouli [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.