"العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    يكررون الأخطاء.. وينتظرون نتيجة مختلفة..!!    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دفاتر الديمقراطية البرلمانية الثالثة (14 و15 ). بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل
نشر في سودانيل يوم 04 - 07 - 2013


**الحلقة الخامسة عشر ***
نعلم جميعنا، تمام العلم، وقد انداحت كثير من الخفايا والأسرار عبر السنوات الممتدة منذ يونيو 1989 وحتي يوم الناس هذا، أن عدداً من الشخصيات القيادية، والتنظيمات السياسية وغير السياسية، داخل القوات المسلحة كانت تتهيأ للانقضاض على الديمقراطية عن طريق الانقلاب العسكري. ونعلم تمام العلم أيضاً أن التنظيم العسكري للجبهة الاسلامية كان واحداً من تلك التنظيمات، لا أكثر ولا أقل!
الجبهة الاسلامية مُلامة بغير شك، يغطيها العيب من قمة رأسها حتي أخمص قدميها. وتتحمل المسئولية كاملة عن اغتيال التجربة الديمقراطية الثالثة، وقد جاهر زعيمها وباني نهضتها (قبل الانحسار) حسن الترابي، على رؤوس الأشهاد بكلمات من شاكلة "ندمنا" و"تأدبنا". ولكن السؤال الذي ينتصب هنا هو: وماذا بشأن الآخرين؟ الفرق بين هؤلاء واولئك فقط هو ان الاسلامويين كانوا الافضل تنظيماً والاكثر استعداداً والأسرع الى الحركة.
ولكن كثيراً من ضباط القوات المسلحة، بخلاف الاسلامويين، كانوا كما ذكرنا متورطين في محاولات انقلابية، بل ان منهم من أكد بلسانه في حوارات صحفية وجوده على رأس مخططات انقلابية كانت قيد الانتظار. ومن عجب اننا رأينا هؤلاء بعد ذلك على قمة تنظيمات (النضال) لاستعادة الديمقراطية، يتولون مواقع متقدمة في حركة المعارضة لنظام الانقاذ في غضون التسعينات وما بعدها. قد وثق حبيبنا الاستاذ فتحي الضو بعضاً من ذلك في كتابه الشهير (سقوط الأقنعة). كان هناك اهل اليسار ممن والوا البعث العراقي وغيره، والمايويين جماعة النميري، وسواهم من اهل الولاءات السياسية. كما كان هناك كثير من الضباط ممن راودتهم ودغدغت أحلامهم الطموحات الشخصية الى السلطة والحكم.
وقد كانت كثير من انتماءات ومشاركات العسكريين وتقلباتهم داخل الجماعات الانقلابية هوائية تحكمها الرغائب الذاتية السلطوية. وان لم تكن تعلم – أعزك الله - فها أنا أعلمك بأنه كان من بين الثمانية وعشرون شهيداً الذين قتلوا رمياً بالرصاص عقب محاولة الانقلاب اليسارية الفاشلة في 28 ابريل 1990، ضابط شارك في تنفيذ انقلاب العصبة المنقذة في الثلاثين من يونيو 1989، جنباً الى جنب مع المقدم آنذاك بكري حسن صالح والرائد ابراهيم شمس الدين وغيره من منفذي الانقلاب الاسلاموي. أى والله! بل أن ذلك الضابط كان هو الذي تسلم شريط التسجيل المتضمن للبيان الاول الذي سبق ان سجله العميد آنذاك عمر البشير في مقر منظمة الدعوة الاسلامية، ثم حمله، بعد تنفيذ الانقلاب، وطار به الى مقرى الاذاعة والتلفاز في ام درمان واشرف على اذاعته. ولكن ذلك الضابط –غفر الله له وتغمده بالرحمات- فوجئ بعدم ورود اسمه ضمن أعضاء (مجلس قيادة ثورة الانقاذ الوطني) عندما اذيعت الاسماء، فغضب ودخل في مشادة مع قائد الانقلاب الذي فصله لفوره من القوات المسلحة. لا تندهش من قولي يا هداك الله. المدهشات في حياتنا أكثر من الهم على القلب.
على أي أساس شكّل ذلك العدد الكبير من ضباط القوات المسلحة عقائدهم في أن الديمقراطية لا تصلح للسودان، وان الاحزاب والقوى السياسية المشاركة في الحكومة القائمة حتي يونيو 1989 غير قادرة على الحكم، وأن ضباط القوات المسلحة وحدهم هم الذين يصلحون، وهم الأجدر بتولي زمام الامور؟ ولو أن أيا من هؤلاء كان الأسبق الى دار الاذاعة مستولياً على السلطة لكان قد أشجانا في بيانه الاول بالموشحة الخالدة: (تعلمون الحالة التي آلت اليها البلاد ..). وكنا سنسأل: مالها الحالة التي آلت اليها البلاد؟!
الحقيقة تظل أن أداء القوات المسلحة في مواجهة الجيش الشعبي لتحرير السودان في جنوبي السودان، خلال سنوات الديمقراطية الثالثة، كان من البؤس والتردي بحيث تساقط عدد كبير من مدن الجنوب في أيدي الحركة، كما تسقط اوراق الشجر. وذلك على الرغم من بسالة عدد كبير من الجنود وضباط الصف وعديد من الضباط من الرتب الاخرى. والذين عاصروا حرب الجنوب يعرفون ان عدداً كبير من الشاحنات والناقلات العسكرية كانت يتم افراغها من شحناتها الحيوية من امدادات الذخيرة والعتاد، وتشحن بدلا منها الأخشاب الغالية التي تستخدم في صناعة الموبيليات وانواع اخرى من البضائع النفيسة من خيرات الجنوب، وكلها من ممتلكات كبار الضباط الذين كانوا يمارسون التجارة عياناً بياناً وعلى نطاق واسع. ولهذا كانت المدن تتساقط، ويؤخذ الجنود النشامى أسارى وبين ايديهم أسلحة فارغة من الذخيرة.
بدون ارادة، وبدون عقيدة قتالية، لا يمكن ان تشن حربا، سواء كانت دفاعية او هجومية. والذي حدث هو ان قيادة القوات المسلحة وكادراتها العليا لم تكن راغبة في مواصلة القتال. وكيف تخطط للقتال وعدد من اعضاء هيئة أركانها، فضلاً عن صفوف من اللواءات والعمداء على رأس فرقها وكتائبها غارقون حتي الآذان في التدبير للانقلابات يطلبون صولجان الحكم وأرائك السلطة.
وقد اجتمع رئيس الوزراء ذات يوم بقيادة القوات المسلحة واستعرض معهم تسليح الجيش، والاتفاقات والعقود العسكرية المتعلقة بالمعدات المطلوبة لدعم النشاط القتالي، التي عقدت وجري الوفاء بها، والاخرى التي في الطريق وفق جداول زمنية محددة، والتي دفع شعب السودان ثمنها من قوت يومه ومن لحمه الحي. ثم طلب رئيس الوزراء ان تستنهض القيادة همتها، خاصة وان قطاعاً مقدراً من رجال القوات المسلحة كانوا على اتم استعداد، لو توفرت القيادة الجسورة، لتطارد الجيش الشعبي وتحطم عظامه. واقترح الرئيس أن تقوم القوات المسلحة بعلميات عسكرية نوعية، ومن بين ذلك ان تعبر قواتنا الحدود، وتشن هجوماً على مواقع الحركة الشعبية داخل اثيوبيا، مسنودة بالقانون الدولي الذي يعترف بمبدأ "حق التتبع والمطاردة" Right of Hot Pursuit ، ولكن على من تلقي مزاميرك يا داؤد؟!
فضلت قيادة القوات المسلحة وكبار ضباطها التفرغ للسياسة، فتحولت مكاتب القيادة العامة والقيادات الحيوية الى أندية سياسية. وأخذت كل مجموعة توالي اتصالاتها بفريق من السياسيين. وظلت مجموعات اخري تقضي سحابات أيامها في التفاكر والتخطيط لتنفيذ انقلابات عسكرية. كما دخلت الأموال الاجنبية الى معسكرات القوات المسلحة، عندما طمع الطامعون وتوسلت الايدي الخفية من وراء الحدود الى حكم السودان، فظهرت حقائب صدام حسين المتخمة.
وأخيراً جاءت مذكرة الجيش الشهيرة في فبراير 1989 التي عللت الهزائم في جنوبي السودان بضعف الامكانيات والمعينات. وهي تعليلات تم دحضها لفورها عندما تسلمت الحركة الاسلاموية السلطة واعادت حكومتها تنظيم الجيش، وفي ظرف وجيز للغاية لم يتعد أشهراً معدودات وبنفس القوات والمعينات تمكنت من تحرير توريت وكل مدن الجنوب الاخرى التي كانت في يد التمرد، بما فيها مسقط رأس العقيد قرنق.
وفي دفتري الخاص فإن الانذار الذي وجهته قيادة الجيش لرئيس الوزراء لقبول اتفاقية الميرغني/قرنق والموافقة على شروط وإملاءات الحركة الشعبية، يمثل سابقة دستورية خطيرة من حيث خرقها الصريح لمبادئ الديمقراطية حيث ان الاتفاقية كانت قد عرضت على البرلمان فلم يتم التوافق عليها وأسقطها بالأغلبية ممثلو الشعب المنتخبون. وسيظل ذلك الموقف المتهالك عاراً يلطخ جبين أصحاب المذكرة الى أبد الآبدين. جيوش العالم كلها عُرفت عبر التاريخ بأنها ترفض الاستسلام لشروط العدو مهما كانت العقبات، الا قادة جيش فبراير 1989 في السودان التي بدلا من توجيه الانذارات الى المتمردين، وجهت انذارها الى رئيس الحكومة المنتخبة وطالبته بالاستجابة لمطالب العدو، في سابقة لم يسبقهم اليها سابق، ولا أظن ان يلحقهم اليها لاحق. ومن المضحكات المبكيات أن رئيس هيئة اركان القوات المسلحة التي وجهت الانذار عاد، بعد كل ذلك، ليصبح وزيراً في حكومة العصبة المنقذة وكأن شيئاً لم يكن!
هل ما زلت تتساءل – أعزك الله – عن أسباب فشل الديمقراطية البرلمانية الثالثة؟
** الحلقة الرابعة عشر***
تحدثنا في الحلقة الثالثة عشر عن التدبير المنظم لتشويه صورة الديمقراطية والتشكيك في صلاحها وفلاحها، بوسائل شتى في مقدمتها السعى الحثيث لتغذية الشعور العام بالأخبار والروايات المصطنعة، واثارة البلبلة وخلق حالة من الهرج والمرج والتوتر المفتعل، وهي أوضاع ساهمت الصحافة بقدر معلى في تثبيتها وترويجها.
لا بأس من الأمثلة: دأبت القوات المسلحة وادارة الشرطة في السودان على استيعاب خريجين سودانيين من الكليات الحربية وكليات الشرطة الاجنبية في صفوفها. والسياسة المتبعة هي الزام خريجي الكليات الاجنبية بقضاء دورة من ثلاثة اشهر لتزويد الخريج بالعناصر والخصوصيات السودانية في مناهج التدريب، قبل الانخراط في الخدمة النظامية. تصادف ان درس وتخرج السيد/ عبد الرحمن الصادق المهدي نجل رئيس الوزراء في الاكاديمية الحربية الاردنية، وهي من افضل كليات الحرب في العالم. ثم تصادف أيضاً ان تخرجه جاء بعد تولي والده منصب رئيس الوزراء. تقدم الفتى الى قيادة القوات المسلحة السودانية بطلب تعيين، فتم قبول الطب والزم صاحبنا بقضاء الفترة التدريبية الاضافية المقررة، لينخرط بعدها، مثل غيره، ضابطاً برتبة ملازم.
ولكن الأمور لم تسر مسارها الاعتيادي اذ استغل حزب الجبهة الاسلامية الامر استغلالا منظماً. بدأ الأمر بخطبة عصماء لخطيب الجبهة المفوه الاستاذ مهدي ابراهيم، فألقى خطبة عصماء امام الجمعية التأسيسية أذهلت الجميع. موضوع الخطبة الفساد فى اعلى مراتب الدولة. هل هناك فساد اكثر من ان تستوعب القوات المسلحة ابن السيد الصادق المهدي المتخرج من الاكاديمية العسكرية الاردنية ضابطاً في أدني مراتبها؟ هكذا انطلقت الدعاوى وطارت في الهواء. ثم قامت الدنيا ولم تقعد، اذ جعلت الصحافة من ذلك الخبر مضغة في فمها لاشهر متوالية. وتدريجياً وعبر النقر المنظم على الرؤوس تخلقت وتعاظمت في الوجدان العام حالة من اليأس العدمي والاحساس بأن النظام الديمقراطي فاسد من قمة رأسه حتي اخمص قدميه. والنقر المنظم على الرؤوس يمكن ان يفعل ذلك واكثر، وقد فعل!
ثم جاءت الطامة الكبري في قضية تعويضات آل المهدي. كانت سلطة مايو قد صادرت عقب انقلابها المشئوم في نهاية ستينات القرن المنصرم بعض املاك آل الميرغني وآل المهدي. وحدث ان أعيدت املاك الميرغني في وقت لاحق دون ان تعاد املاك آل المهدي. وآل المهدي ليسوا كلهم من اهل السياسة، بل ان جلهم من غمار الناس، يعاظلون في حيواتهم اليومية ما يعاظل غيرهم من ابتلاءات الحياة. وقد ضاق بعض هؤلاء من تطاول الظلم وطالبوا بحقوقهم. ومعلوم انه في حالات الحقوق الواضحة التي لا خلاف عليها فأن الحكومة تلجأ الى الممارسة المعروفة ادارياً وقانونيا باسم (التسوية).
وبالفعل جرت تسويات بين اصحاب الحق والدولة، تم الاتفاق بموجبها على ان تبقي الاراضي موضع النزاع في حوزة الدولة، حيث ان طبيعة استخدامها في تلك المرحلة المتقدمة جعلت من اعادتها الى اصحابها امراً مستحيلا، على ان تصرف للملاك الاصليين تعويضات مالية. وبرغم ان رئيس الوزراء اعلن مسبقاً أنه خارج التسوية وانه لن يتسلم أية تعويضات دفعاً للحرج ومنعاً للهمز واللمز، فإن حزب الجبهة الاسلامية مسنوداً بأرتال من الصحافيين استطاع ان يجعل من قضية تعويضات آل المهدي تلك، التي لم تثبت مخالفتها لاى قانون او لائحة، مسرحية استعراضية وسيركاً هزلياً. ومرة اخرى وعبر الترديد والتكرار والنقر المنظم نجحت في خلق حالة من الغبش والارتباك في الوعي العام، بحيث وقع كثير من عامة الناس، ممن تتقاصر قدراتهم عن النفاذ الى لباب الاشياء لسبرها والتحقق من أصل ما يشاع ويتردد، ويعجزون عن مباشرة التحليل النقدي، فيصدقون بصورة آلية كل ما كثر ترديده من مزاعم ومقولات طالما كانت مطبوعة في وريقات الصحف، وقعوا مرة اخري في الوهم أن النظام الديمقراطي الى زوال، وأنه هالك لا محالة، لان سدنته وحماته فاسدون!
بل ان المخطط الجهنمي الهادف الى تبخيس الديمقراطية ومؤسساتها، وتهيئة البلاد لولوج مشارف العصر الشمولي الاسلاموي، بلغ من النجاح والفلاح مبلغاً تورطت معه شخصية رائدة ورمز من رموز الوعي في بلادنا، وهو المرحوم بشير محمد سعيد، في ترويج الشائعات والروايات التي أحسن ملفقوها تدويرها في مجتمعات العاصمة والمدن الرئيسية بحيث تصيب المستهدفين بها في مقتل. كتب بشير محمد سعيد، ذات يوم من ايام الديمقراطية الثالثة، في زاويته الشهيرة (متنوعات، أخبار وأفكار) بصحيفة (الأيام) مادة ذهل رئيس الوزراء ومعاونوه عندما قرؤوها، اذ استنكر على رئيس الوزراء ان يتزوج وان ينشغل بالزواج في وقت ضربت فيه كوارث الأمطار والسيول المدن وتشردت قطاعات من الأهالي في الشوارع دون مأوى. كما كتب عن الأقاويل المترددة عن تعيين عدد من نساء آل البيت المهدوي في مناصب قيادية في الدولة!
وكانت تلك كلها بطبيعة الحال أباطيل ليس لها من الحق نصيب، اذ لم يكن رئيس الوزراء قد تزوج، ولم تكن هناك نية، بأى وجه من الوجوه، لتعيين نساء آل المهدي في مناصب الدولة القيادية، وانما كان ذلك جزءاً من تدابير الحرب المعنوية المنظمة لضعضعة بنية الديمقراطية عن طريق تلطيخ رموزها وقادتها وتشويه صورهم في أذهان الجماهير. ووقوع شخصيات في مقام الراحل بشير في حبائلها، مؤشر قطعي على فاعلية تلك التوجهات وقوة تأثيرها. وعلى خلفية تلك المخططات والتدابير التي أذهبت ريح الديمقراطية وأضاعت هيبتها في أعين قطاعات واسعة من أبناء السودان، وقد دخل في روعها أن التجربة قد آذنت بانتهاء وان الفشل يحدق بها ويحوطها من كل جانب، على تلك الخلفية جاء الانقلاب الذي خطط له حزب الجبهة الاسلامية القومية بدقة وتصميم وعناية بالغة.
ولذلك كله فقد كان مفهوماً وطبيعيا تماماً أن جهةً واحدة، أو فرداً واحدا، من الموقعين على الميثاق الشهير الذي تواضعت عليه كل القوى والفاعليات السياسية إبان حقبة الديقراطية الثالثة، والذي اشتهر باسم (ميثاق الدفاع عن الديمقراطية)، لم يحرك ساكناً، ناهيك عن أن يخرج الى الشارع ليفي بعهد الدفاع عن الديمقراطية المقهورة المدحورة. ولا لوم ولا تثريب على أحد، فقد كان لسان الحال يردد مع الراحل المغفور له الشريف زين العابدين الهندي، القائل من تحت قبة البرلمان قبل الانقلاب بأيام: " الديمقراطية لو جا كلب شالها ما في زول بقول ليهو جر". وبالفعل لم يقل أحد "جر" للجبهة الاسلامية القومية.
وحاشا لحزب الجبهة ان يكون كلباً!
نقلاً عن صحيفة (الخرطوم)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.