لم يكتفِ حزب الأمّة القومي بزعامة السيد الصادق المهدي بالانشغال بأزمته الخاصة المتعلقة بتوقيعه على ميثاق كمبالا؛ ولو فعل لربما أمكنه أن يتبيّن مدى الشِراك الخداعية المحكمة التى وقع فيها بعد أن نسجتها له ولعدد من الأحزاب المعارضة قوى الثورية المسلحة. ولكن حزب الأمة -لسخريات القدر التى لا تنقضي- صفّق طويلاً وبحرارة لِما قام به الدكتور يوسف الكودة، رئيس حزب الوسط الإسلامي بتوقيعه على الميثاق ومعه بيان مشترك. ما قام به الكودة أثار إعجاب حزب الأمة فلم يتمالك نفسه وسارع بتأييد خطوته والإشادة به. ولعل أكثر ما يستوقف أيّ مراقب حيال هذا التأييد من قبل حزب الأمة للدكتور الكودة واحداً من عدة افتراضات، أو الافتراضات المذكورة جميعها. الافتراض الأول إما أن حزب الأمة أعجبه تورُّط حزب إسلامي وسطيّ يقوده رجل كان وإلى عهدٍ قريب يصطف فى الصف السلفي، ومن ثم انقشعت عن الأمة سحابة الحرج السياسي بالزعم أن هذا (حزب إسلامي آخر) يوقع على الوثيقة وبالتالي (لسنا الوحيدون)!..أو أ ن الحزب يريد تشجيع أحزاب إسلامية أخرى لتفعل ذات الشيء وفى ذلك خروج له تماماً من نقطة الحرج السياسي التى لم يجد ما يحاجج بها. الافتراض الثاني أن حزب الأمة أعجبته الطريقة (المبتكرة) للدكتور الكودة فى إخراج بيان مشترك مع قادة الثورية يرجئ قضايا الدين والدولة وإدارة السودان الى المؤتمر الدستوري! فالإعجاب هنا - بالنسبة للأمة - لا يقف فقط عند عبارة (المؤتمر الدستوري) تلك العبارة الذهبية المحببة الى درجة الوله لدي السيد الصادق المهدي؛ ولكن الإعجاب يتعدّى ذلك الى أن الدكتور الكودة نجح في القيام (بعملية تمويه) بدت مبتكرة ورائعة لحزب الأمة؛ إذ بجانب التوقيع على الميثاق، يتم التوقيع على بيان مشترك، بحيث يبدو للعيان أن ما تم التوقيع عليه هو فقط البيان المشترك وليس الوثيقة، على أن تحتفظ الثورية بالتوقيع على الوثيقة (في سرها) ويُترك للإعلام التعامل مع البيان المشترك! ذكاء السيناريو وذكاء الإخراج والفنيين الذين وقفوا وراء هذا العمل الدرامي الشيِّق استثار خيال الأمة وكأنِّي بلسان حاله يقول – بأثر رجعي – ليتنا كنا قد فعلنا كهذا!.. ولعل المؤلم فى هذا الافتراض أن حزب الأمة ورغم كل (ذكاء زعيمه) لم تتفتق عبقريته السياسية عن هذا السيناريو المحكم، ولهذا خانته أعصابه ولم تستطع التماسك فانبرى مؤيداً للكودة! الافتراض الثالث أن حزب الأمة استشعر (لاعباً) جديداً فى الساحة السياسية من (بذور سلفية) بالإمكان (الاستفادة منها) فى المناورات والمزايدات السياسية فهو (حزب وسط) بمعنى أنه (شبه مغمور)، فالحزب لا وجود له على الساحة ولكن زعيمه ظاهر، وفي الوقت نفسه الحزب ليس مؤثرا،ً لا على المدى القريب ولا الراهن، ولكن زعيمه الكودة قابل للتحرك طالما أنه يتمتع بهذا القدر من القابلية للتنازل وخوض أيّ مياه ساخنة! ولهذا بدا وكأنّ حزب الأمة قد وجد شيئاً يستخدمه فى معاركه السياسية مع الوطني والشعبي ويدفع به غلوائهم، وهو أمر ربما يتضح أكثر فى مقبل الأيام وربما سعى المهدي للتحالف مع الكودة بطريقة أو بأخرى. وعلى ذلك فإن مجمل ما يؤسف له فى القصة كلها، أن حزب الأمة الذى ما يزال يدّعي أنه صاحب أعلى رقم جماهيري فى آخر استحقاق انتخابي قبل 30 يونيو 1989 ارتضى لنفسه أن يمضي باتجاه تنازلي ليبلغ فى مرحلة من المراحل درجة التصفيق لأحزاب لم يُعرَف لها أدنى حراك سياسي فى الساحة السياسية السودانية!