مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    عقار يلتقي مديرة برنامج السودان بمنظمة أطباء بلا حدود ببلجيكا    ماسك: بناء مدينة ذاتية النمو على القمر خلال 10 سنوات    الهلال يعود للدوري الرواندي ويواجه الجيش اليوم    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    افراد (القطيع) والشماتة في الهلال..!!    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    توجيهات بحجز جميع المركبات والشاحنات المخالفة لقرار حظر تداول الحديد الخردة ونقل الحطب بالخرطوم    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    انخفاض أسعار النفط والذهب والفضة يواصلان مكاسبهما    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    وزير الشباب والرياضة يلتقي وكيل جامعة الدلنج ويبحث أوضاع كلية التربية الرياضية    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    مشروب من مكونين يخفض وزنك ويحافظ على استقرار سكر الدم    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تعقيب على ورقة الدكتور الطيب زين العابدين حول الديمقراطية التوافقية

طالعت ورقة للدكتور الطيب زين العابدين، أستاذ العلوم السياسية والكاتب والمحلل السياسى المعروف بعنوان «الديمقراطية التوافقية طريقنا للاستقرار السياسى» أكثر من مرة، حيث استهوتنى فكرة البحث عن طريق سلمى تحل به مشكلات البلاد سيما والبلاد مثخنة بالجراح ولم تزل تنزف دماءً طاهرة زكية فى أطرافها الجنوبية الغربية والشرقية وفى غربها ايضاً، بعد بتر ربع أو ثلث مساحتها الجنوبية التماساً لعافية لم تتحقق.
والحرص على التماس الحلول السلمية واجب مقدس ومسؤولية تأريخية فى تجنب الطرق والوسائل العنيفة لحل المشكلات التى تدل كافة التجارب البعيدة والقريبة على أنها على الدوام ذات نتائج كارثية على البلاد والعباد، خاصة إذا غلب عليها البعد الجهوى والعرقى بمراراته وضغائنه، فالمؤكد أنها بتلك الصفات تثير مخاوف العرقيات والجهات ومكونات الشعب الأخرى. وذلك لأن تغيير النظام السياسى وهو هدف قد يلتقى عليه جمع غفير من الناس بغض النظر عن جهاتهم وأعراقهم ومعتقداتهم بسبب المسغبة والضيم وضيق العيش وهو هدف مشروع وحق يملكه الشعب متى أراد يتحتم لتحقيقه الإبقاء على مؤسسات الدولة مهما اكتنفتها النواقص وإلا فإنها الفوضى العارمة والحرب الأهلية الشاملة، خاصة أن حملة السلاح قد أعلنوا بصريح القول أن أهدافهم الحقيقية ترمى إلى إعادة تكوين الدولة من جديد بهدم البناء القائم حالياً للدولة بمؤسساته المدنية والعسكرية وإعادة بنائها على أسس جديدة تمثل رؤاهم هم فى السياسة وبسط العدل والمساواة. وتلك وصفة للاحتراب العرقى والجهوى، فالذى ينتصر بحد السيف بهدف الهدم ثم البناء سيتولى إن بلغ هدفه ومراده عملية الهدم ثم البناء على مقاسه وبمواصفاته هو، وإنْ عقد الاتفاقيات قبل ذلك وأغلظ الايمان برعاية المواثيق مع حلفاء له لا يحملون السلاح، إذ لا يمكن للمجموعات الأخرى الرهان على صدقيته فى احترام ما عقد الايمان عليه والمجازفة ببقاء الوطن والأرواح والأعراض والممتلكات ثمناً لشعارات مهما بلغت من النبل والجاذبية.
وشواهد التأريخ والسياسة شاخصة لا تحتاج إلى تبيان. ومناخ الفتنة لا يقدر على التنبؤ بمآلاته أحد، وآلات القتل والدمار الحديثة لا تحتاج إلى شجاعة الشجعان إنما تنطلق بالموت حتى بالضغط عليها من أنامل الأطفال. والمسنون أمثالنا يذكرون جيداً كيف جرفت الفتنة الهوجاء أبناء الذوات والأكابر المنعمين من أبناء لبنان المقبلين على الحياة فى عنفوان فى الشوف وزغرتا والجبل فى سبعينيات القرن الماضى، فامتشقوا الحسام فهجروا الشواطئ الحالمة والصالات المكيفة العبقة بالطيب والعنبر وعانقوا رهج السنابك وغبار البارود يطلبون الموت كأنهم فصائل من الجن لم يعرفوا نعمة ولم يتمرغوا يوماً فى نعيم، يذبون عن دورهم وأهليهم يدفعون عنهم غائلة العداء من بنى جلدتهم! ثم إن الصنيع العنيف يستبدل الرؤية الأحادية المتهمة بإلغاء الآخر بأخرى من ذات الشاكلة أى «هرقل بهرقل»، كما أن فاقد الشيء لا يعطيه.
وأحسب أن الدكتور الطيب قد تناول بموضوعية أسباب فشل النظم المدنية والعسكرية الشمولية على حد سواء فى إقامة نظام سياسى مستقر يقوم على دولة المواطنة التى يتساوى الناس فيها فى الواجبات والحقوق. وأحسب أنه أيضاً قد أصاب فى التماس نظام ديمقراطى مدنى يعالج التفاوت فى حظوظ الأقاليم المختلفة من التنمية بإشراك الناس جميعاً فى السلطة والثروة بتدابير اتحادية تتيح فرصاً متساوية وقدراً معلوماً يتفق عليه وفق معايير موضوعية تضع فى الاعتبار مستوى التفاوت وحجم السكان ونحو ذلك فى إدارة شؤونها الداخلية والتعبير عن خصائصها الثقافية بما لا يفت فى عضد الانتماء للمكونات الجامعة للوطن، مع تمكينها من المشاركة بقدر معلوم فى السلطة على المستوى الوطنى الاتحادى أيضاً.
وقد رأى الدكتور الطيب فى الديمقراطية التوافقية سبيلاً لتحقيق ما ظلت بلادنا تصبو إليه من الاستقرار السياسى منذ أن نالت استقلالها من المستعمر. ولقد حفزنى هذا الطرح إلى مزيد من القراءة فى«الديمقراطية التوافقية». وقد تمنيت كما تمنى هو فى نداء أطلقه أن يتناول الناس طرحه بالنقاش. وهأنذا أحاول في ما يلى من سطور:
كما اشار الدكتور فإن الديمقراطية التوافقية جاءت ترياقاً لما سمى بطغيان الأغلبية فى النظم الديمقراطية البرلمانية فى البلاد النامية المتعددة العرقيات والديانات بما يتيح للمجموعات المختلفة التى تضم تلك العرقيات والديانات التى تعيش فى وطن واحد، المشاركة فى السلطة ونيل نصيبها من الثروات أيضاً، وتنتفى بالتالى دواعى الاحتراب الداخلى والشعور بالغبن والتهميش فيتحقق الاستقرار.
وقد حدد البروفيسور الأمريكى «لجيبهارت» الذى نظّر وروج لهذا النوع من الديمقراطية متأثراً بتجربة هولندا وبلجيكا وسويسرا، خصائص هذه الديمقراطية التوافقية فى: 1 قيام حكومة تحالف عريض فى سياق الديمقراطية البرلمانية. 2 أن يكون للأقلية حق الاعتراض على السياسات «الفيتو» على القرارات. «بالطبع التى تخصها» أو أن تتخذ القرارات بالتراضى. 3 يقوم الحكم على قاعدة التمثيل النسبى. 3 تتمتع الأقاليم بحكم ذاتى.
ويشير إلى ظروف إن توفرت تضمن نجاحاً أكبر لهذا النوع من الديمقراطية هى: 1 توفر توازن للقوى بين المجموعات المختلفة. 2 إنبثاث أفراد المجموعات المختلفة وجوداً على كافة مستويات السلم الاجتماعى والاقتصادى للمجتمع «أى فى الخدمة العامة والعسكرية وكافة مستويات الحكم والإدارة». 3 توفر ولاء تام وقوى للدولة «أى يفوق الولاءات الجزئية للقبيلة أو الجهة أو المجموعة». 4 أن يكون البلد غنياً صغير الحجم والمساحة.
وقد تعرضت النظرية للكثير من النقد، فعلى مستوى النظر عيب عليها افتراض سيطرة النخب التامة على المجموعات المختلفة، وهو افتراض نظرى، حيث كثيراً ما يحتدم الخلاف على أرض الواقع فى داخل المجموعة الدينية أو العرقية بما قد يفضى إلى التشرذم والانشقاقات، ورأى آخرون أنها تقدح فى أصل الديمقراطية القائم على رأى الأغلبية، كما رأى طرف ثالث أنها تكرس وتقنن الانقسامات العرقية أو الدينية داخل البلد الواحد وتعيق الانصهار المطلوب بين مكوناته، وعاب عليها آخرون إغفال الطبقة الاقتصادية والاجتماعية بوصفها وحدة، بينما حصرت الوحدة فى الانتماءات العرقية. ومن الانتقادات ايضاً أن النظرية قد أغفلت العوامل الخارجية الإقليمية والدولية وأثرها على نجاح وفشل التجربة.
وعلى مستوى الانتقادات للتجربة العملية فسأشير لأكثر من دراسة هنا. أولاها ورقة الباحث «داركو أنجلوف» التى أعدها عام 2004م تحت عنوان «مشكلات التوافقية من لدن هولندا إلى مقدونيا».
وأشار فى البداية الى نجاح التوافقية فى هولندا ونجاحها الجزئى فى بلجيكا وفشلها الذريع فى قبرص وتعثرها حالياً فى مقدونيا، حيث تبدو الأقلية الألبانية وكأنها ترنو ببصرها تلقاء كسوفو «ذات الأغلبية الألبانية»، وتبدو زاهدة أصلاً فى انصهار فى موطنها مقدونيا. ويشير فى هذا الموضع إلى أن التوافقية قد أغفلت هذا الاحتمال، احتمال أن تكون إحدى المجموعات العرقية أو الدينية ليست راغبة أصلاً فى الاندماج أو التعاطى مع المجموعات الأخرى.
ويبتدر التحليل بهولندا التى يقول إن التوافقية التى اعتمدت فيها فى خمسينيات القرن الماضى قد نجحت نجاحاً لا نظير له «وهو ما دفع لجيبهارت للبلورة والتنظير لها». ويعزو ذلك النجاح إلى أن هولندا متجانسة من الناحية العرقية ما عدا منطقة صغيرة فى شمال غرب البلاد تعرف تاريخياً ب «فريزلاند» ولها لغة خاصة بها. لكن التنوع الذى استوجب اعتماد التوافقية حتى عام 1960 كان فى الدين، إذ أنها تضم كاثوليك وبروتستانت. ويقول: واليوم لم يعد للفوارق الدينية بين المذهبين المسيحيين وبينهما وبين العلمانيين أى أهمية، وغدا المجتمع متجانساً ولم يعد منذ الثمانينيات ضرورة للاستمرار فى الديمقراطية التوافقية. ويرى أن من اسباب النجاح أيضاً أن هولندا من دول الرعاية الاجتماعية بالإضافة إلى ثرائها. أما فى حالة بلجيكا فالتوافقية مازالت صامدة لكنها تواجه صعاباً جمة، حيث تتقاسم أرض المملكة إلى مجموعتين يجمعهما دين واحد هو الكاثوليكية وتفرقهما اللغة والثقافة. هما الفلمش وأقلية المالون التى تتحدث الفرنسية. ويقول إن التوافق على القضايا وتمرير القرارات ظل أمراً فى غاية الصعوبة. ويعزو تلك الصعوبات لحداثة الدولة فى بلجيكا مقارنة بالإرث الهولندى الطويل ولوجود مجموعتين فى بلجيكا لا تتحدثان ذات اللغة ولا تتساكنان. ثم تناول بعد ذلك تجربة التوافقية الفاشلة فى قبرص نظراً لانتماء المجموعتين اليونانية والتركية لبلدين اتسم تاريخهما بالعنف والدماء هما تركيا واليونان، بالإضافة لاختلاف الثقافة والدين. أما فى مقدونيا يقول فمنذ اعتماد التوافقية فى عام 1990م فإن مبدأ منح الأقليات حق النقض قد عطل التداول داخل أروقة الحكم حول القضايا واصاب فاعلية الحكومة فى مقتل، وعوضاً عن أن يحقق مبدأ التمثيل النسبى العدالة فى حظوظ جميع الأقليات من حيث مشاركتها على مستوى التمثيل السياسى وحظوظها فى الخدمة المدنية وفى المخصصات المالية والتنموية، فإن التمثيل النسبى فى مقدونيا كما هو الحال فى سواها فى المجتمعات المتعددة الثقافات والديانات قد جعل هذه الأقليات هى التى تحدد السياسات لا على مستوى مناطقها وحسب وهو غاية اعتماد التوافقية بل على المستوى الاتحادى أيضاً، كما تحول مفهوم الأنصبة المتساوية إلى نظام «كوتات» أفضى إلى زيادة وتيرة وتكثيف التمايز العرقى والإثني. وخلص إلى أن التوافقية لن تكون وصفة صالحة ما لم تتحل قيادات النخب فى المجموعات العرقية والدينية فى الدول المتعددة العرقيات والديانات بالعزيمة والإخلاص فى انتهاج التوافقية كتجربة ديمقراطية هدفها توحيد الدولة وجعلها أكثر تجانساً فى نهاية المطاف.
وحول تجربة التوافقية فى لبنان كتب الأستاذان بالجامعة الأمريكية فى بيروت: سمير مقدسى وماركوس ماركتانر ورقة أكاديمية بعنوان «فى مصيدة الديمقراطية التوافقية لبنان مثالاً». وخلصا إلى أن التوافقية التى اعتمدت فى لبنان منذ الخمسينيات لإشراك ثماني عشرة طائفة دينية فى إدارة البلاد قد كرَّست ما جاءت للقضاء عليه، وهو الطائفية السياسية، وفشلت فى منع الحرب الأهلية التى استمرت «16» عاماً. ورغم التعديلات التى طرأت على الصيغة الأولى للتوافقية عام 1989م، فقد ظلت الدولة ضعيفة وعاجزة عن تطبيق برامج سياسية وإدارية فعالة. واعترفا بفضيلة للتوافقية فى لبنان، هى نجاحها فى قسمة السلطة الطائفية التى خلقت مناخاً من حرية التعبير والتعددية الإعلامية والمداومة على إجراء الانتخابات البرلمانية بنجاح. وخلصا إلى أن التوافقية تصلح بوصفها تدابير انتقالية فى دول متعددة الثقافات تفضى فى النهاية إلى كيانات أكثر تجانساً.
وفى إفريقيا أشارت الدراسة إلى فشل هذا الأنموذج فى منطقة البحيرات العظمى، وإلى عثرات صاحبت تطبيقه فى البداية فى جنوب إفريقيا حيث استعر الجدل بين شعب الزولو فى الشرق الذى تمثله حركة إنكاتا وبين المؤتمر الإفريقى من جهة وبين أقلية الأفريكانا البيضاء.
وأنوِّه هنا بأنى لم أشر بالقدر الكافى إلى العوامل الخارجية والإقليمية التى أدت لفشل التوافقية فى بعض البلدان، مثل وجود لبنان فى منطقة ملتهبة فى الشرق الأوسط، ووجود مقدونيا فى منطقة البلقان التى ظلت لقرون ساحة اقتتال، وكذلك منطقة البحيرات فى إفريقيا. والشاهد أن الجيوبولتيك تساهم سلباً وإيجاباً فى نجاح هذه الوصفة وهو عامل لا ينبغى إغفاله.
رغم هذه الملاحظات فإنى أرى أن المرحلة القادمة من تاريخ السودان هى كذلك مرحلة انتقال.. صحيح أنه أمر مؤسف أن نظل فى حمى التجريب بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال.. نعم إنها مرحلة انتقال بحكم حقائق جديدة على الأرض تتمثل فى أن شطراً مقدراً من مساحة البلاد قد ذهب وذهب معه ربع سكان البلاد هو جنوبها. ومع ذلك لم يتحقق السلام وبقيت أطراف أخرى تشتعل. ونحن بحاجة إذن إلى مرحلة انتقال قد تحقق فيها التوافقية قدراً من الاستقرار يضع البلاد على سكة الانصهار الذى قد يتحقق بعد أجيال. وذلك خير بلا جدال من أن يضيع الوطن كله. وعليه فإن فى التوافقية التى طرحها الدكتور الطيب زين العابدين تحتوى على عناصر مهمة يمكن أن تنهى حالة الاحتقان الحالية وتدخل الأطراف التى تشكو التهميش إلى دائرة الفعل السياسى السلمى والاستجابة لأشواق تتمثل فى خصوصيات ثقافية ولغوية هناك.
لذلك فإنى أدعو الأطراف كافة للنظر فى تحويل ورقة الدكتور إلى أرضية يجرى التداول حولها للخروج بصيغ مرضية تحقق هدف الجميع فى انتقال سلس إلى نظام مدنى ديمقراطى يحقق أشواق الجميع. لقد طرحت جهات عديدة نداءات عديدة للحوار الوطنى، لكن من العجيب أنه لم تبلور أية جهة من تلك الجهات ورقة للحوار ولم تقترح اقتراحات عملية لآليات لإدارة الحوار. وبإمكان أى حزب من الأحزاب المسجلة وغير المسجلة أو الجامعات أو مراكز البحوث أن تنظم لقاءات للتحاور حول الورقة والخروج بصيغة تشبه أوضاع السودان تقوم على مبادئ التوافقية فى التمثيل النسبى وحقوق النقض للأقليات والحكم الاتحادى الحقيقى واقتسام السلطة والثروة. وإذا تحقق هدف الوصول إلى اتفاق يجب بلورة ميثاق ملزم للفرقاء ومؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والمدنية يحدد بمدى زمنى يمتد لعقدين من الزمان تقوم الحياة السياسية خلاله على الميثاق المتفق عليه أو على مبادئ دستورية مؤقتة، وأن ئؤجل النظر فى وضع دستور دائم إلى ما بعد فترة الانتقال، حيث يكون القدر المتحقق من التجانس قد أتاح بالفعل الاحتكام إلى دستور يرضى به الجميع أو غالبيتهم الساحقة، فقد علمتنا التجارب السابقة أن العجلة فى وضع الدساتير تزيد الشقاق بين مكونات المجتمع، وتجعل الدستور دائماً وأحياناً ديمومة على الورق فقط لسنوات قلائل ريثما يتم الانقضاض عليه وإبطال العمل به. والظروف الاستثنائية التى يمر بها الوطن تحتم بذل الجهد لتقوية البناء الوطنى وحشد طاقات ابنائه للحفاظ على حدوده الحالية، وذلك أوجب عقلاً وديناً من تبديد تلك الطاقات فى الاختلاف على النهج الذى يحكم به.
والحالة السودانية ليست حالة مستعصية على الحل إلى هذا الحد الذى يتصوره البعض. فالإنقسام فى الحالة السودانية جهوى أكثر منه عرقي، ولا يوجد انقسام دينى، حيث تبلغ نسبة غير المسلمين اقل من ثلاثة فى المائة. والانقسام الجهوى ليس عرقياً، فسكان السودان جميعاً إن كانوا عرباً أو غير ذلك تجرى فى عروقهم دماء إفريقية، فهم بهذه الصفة أولو قربى بالدم لا بالجوار ولا بالثقافة، ووشائج الدم مظنة التراحم والمودة والتمازج على المدى البعيد. والحروب الدائرة فى أطراف الوطن حالياً تغرس الأحقاد، وعوضاً عن أن تشد الدماء المشتركة ابناء الوطن الواحد توشك أن تصبح دماءً تطالب بالثأرات وتورث الضغائن والأحقاد وتجعل تقسيم البلاد وراء الأعراق والجهات هو المصير المحتوم. والسودانيون عرباً كانوا أو غير عرب يتحدثون العربية بنسبة قد تصل إلى تسعين بالمائة بما يجعلها لغة جامعة كأمر واقع لا سبيل إلى الالتفاف عليه، لكن ذلك لا يمنع فى إطار التدابير الاتحادية رعاية اللغات والثقافات الأخرى الموجودة فهى ميراث يثرى الثقافة المشتركة. أما الانقسام الجهوى فقد تغذى من التفاوت فى الحظوظ فى التنمية والوظائف وهو مقدور على معالجته بالتدابير الواردة آنفاً. أما الذى يراهن على الثورة عبر العنف فعليه أن يجيل الطرف فى الجوار العربى والإفريقى ليرى مآلات ذلك الخيار القتّال الهدام.
صحيح هناك إشكالية كبيرة فى تحديد المجموعات والمكونات التى ستقوم عليها التوافقية؟ هل ستكون على أساس عرقى؟ وقناعتى أن العرق لا يشكل مشكلة كما ذكرت آنفاً، ولا يعتد بالتحامل الجهوى اللفظى الموجود على امتداد المعمورة وفى كافة المجتمعات البشرية نامية كانت أم متقدمة.. كما أنه لا يوجد تباين دينى لكن يمكن للأقلية المسيحية أن تمثل فى إطار التمثيل الولائى، ذلك لأن قناعتى أن أس البلاْء هو التفاوت فى التنمية بين الولايات وفى المشاركة فى السلطة، لذلك لزم أن تكون التقسيمات ولائية. توجد إشكالية أخرى هنا وهى أن الولايات تضم قبائل وبطون قبائل مختلفة لها زعاماتها ونخبها، فيثور السؤال كيف نضمن تمثيل أولئك أجمعين، فقد تتفاوت جهات الولاية الواحدة أو الإقليم فى حظوظ التنمية، حيث سيظل الإحساس بالتهميش ماثلاً حتى فى الولاية الواحدة؟ وقد تجد مثلاً مناطق فى ولاية الخرطوم أقل حظاً في الخدمات الضرورية من منطقة فى ولاية طرفية؟ ولا أملك إجابة شافية هنا. لكن يمكن أن تفتح التجربة الباب لقيام أحزاب سياسية ولائية كما هو الحال فى الهند تضم عضويتها أعراقاً وقبائل مختلفة يضمها الحرص على تطوير الإقليم، وأن ينال حظه فى قسمة السلطة والثروة، فتتراجع المشاعر القبلية والعرقية. وهذه الأحزاب تتحالف مع الأحزاب القومية ذات الامتدادات العابرة للجهات والأقاليم حسب مقتضيات التحالفات. والانتخابات الحرة النزيهة هى التى تحدد أنصبة المشاركات كما فى النظرية. وبهذا التدبير نتحاشى تكريس العرق والقبيلة عبر التوافقية.
والخلاصة أن هذه السطور ليست وصفة دقيقة للحل، لكنها دعوة للنقاش حول الورقة والنظر فى اتخاذها أرضية لحوار شامل وجاد لوقف نزيف الدم وحماية البلاد من المزيد من التقسيم والتشرذم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.