مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





حكومة الانقاذ وسياسة الخداع!!
نشر في السودان اليوم يوم 08 - 03 - 2017


بسم الله الرحمن الرحيم
حكومة الانقاذ وسياسة الخداع!!
يبدو ان حكوة الانقاذ من حيث تدري او لا تدري، تسير علي هدي مقولة منسوبة لغرامشي (ان الطريقة التي تصل بها جماعة الي السلطة هي التي تحدد حتي النهاية اسلوب وطريقة حكمها). فمنذ مكيدة الشيخ الترابي (اذهب للقصر رئيسا وساذهب الي السجن حبيسا) التي رفعتها حكومة الانقاذ علي اسنة الانقلاب، اصبحت سياسة الخداع هي النهج الحاكم للمشروع الحضاري واداته التنفيذية الانقاذ. وعلي سبيل المثال وليس الحصر، رفعت شعار نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع، لتشرع من فورها في تحطيم المشاريع الزراعية والصناعية والمؤسسات الخدمية والراسمالية الوطنية، وتستبدلها جميعا بسياسة الاستيراد لكل السلع والبضائع من اصغرها الي اكبرها، وبما فيها سلع بسيطة كالخضروات والالبان والملبوسات، في بلاد لم يهبها الله موارد كالارض والمياه وتنوع المناخ! وذلك مرده ليس مصادفة او خطأ في التقدير، ولكنه يستجيب لمفهوم يطابق بين الاقتصاد والتجارة، وتاليا يدرج الاقتصاد في خانة النقود وتداولها والسلع وترويجها والثروة واكتنازها، وليس خانة التنمية وانفتاحها علي ترقية اوضاع الانسان واستغلال موارد البيئة والمحافظة عليها. وكذلك استقدمت الانقاذ نهج القوي الامين (آلية التمكين) ليحل محل الكفاءة والمؤسسية والحيادية في التعامل مع اجهزة الدولة ومؤسساتها، لنشهد بعده الاجهاز علي الدولة بالكامل، وذلك من خلال ممارسة اكبر عملية سطو علي منظومة عمل الدول ومواردها، وبصورة لم يسبق لها مثيل، مما يذكر بحملات التتار والمغول، وعموما الفارق ليس بعيد من جهة البدواة والهمجية، إذا ما تجاوزنا المظاهر الشكلية للإسلاموية الانقاذوية، وهو ما يستشف من منطق الغلبة وثقافة الغنيمة واسلوب التحدي والعنترية، الذي يحكم اقوال وافعال مكونات هذا التنظيم في المحكات او حتي دونها. وعموما ذات النهج يمكن ان يقال عن ثورة التعليم ومشكلة الجنوب واسلمة المجتمع، وهلم جرا.
وفي ظل هكذا اوضاع معادية للوضوح والشفافية، كنتيجة منطقية لتغييب قيمة الحرية ونهج الديمقراطية، تعرضت العملية السياسية كجدلية مجتمعية وثيقت الصلة بالمسألة السلطوية، لطيف واسع من التشويه والتضييق والتلاعب وصولا للانقلاب الكامل في الادوار والمفاهيم! اي كانت ضحية لمنطق (ان الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)! والسبب ان هكذا منطق مكيافلي غير تخفيضه لمرتية القرآن روحيا (قدراته الذاتية علي الاقناع وتاليا الاحترام)، إلا انه يسخر من التدين والمتدينين، قبل ان يؤسس للطغيان ويمنحه الاطلاقية في السيطرة علي الآخرين. الذين يَفترض سلفا قصورهم وفجورهم وحاجتهم للضبط، وتاليا قسرهم علي الاستقامة (قانون النظام العام، الامر بالعروف وغيرها!) وكل ذلك يتم ليس دون وجود وسيلة للتأكد من درجة الانطباط ومعايير الاستقامة فقط، ولكن المثير للسخرية ان الطاغية او الحاكم او الخليفة غير مساءل عما يفعل، وبما فيها افعال انتهاك حرمة الدين وحقوق المتدينين؟ وهذا ان اكد علي شئ فهو يؤكد علي ان مطلب دولة الحياد، يفترض ان يكون مطلب ديني قبل ان يكون علماني، وهذا بالطبع إذا ما صدق تدين المتدينين! والسبب ان الدين نفسه، في ظل الطغيان يفقد اهم عوامل مشروعيته وهي الحرية والاختيار، وهذا في حال لم يكسبه الطغيان سمات القهر والاذلال، او اقلاه ينتج عنه التدين المصنوع (المظهري) بديلا عن التدين الطبيعي او الفطري (الشعبي) او العقلي (العلماء) او عدم التدين من الاصل، الذي يؤكد حرية وتسامح بل ومنطق الدين، وليس العكس كما يتوهم المتطرفون. وكل هذا ما كنا في حاجة اليه، لولا خدعة الدولة الدينية التي تبنتها الانقاذ، وتوسلت في ذلك الانقلاب في سبيل الوصول اليها، وهي مدفوعة بتوجهين:
اولها، غياب المشروع السياسي الحقيقي، الذي يخاطب الواقع بلغة سياسية لها مفاهيمها وادواتها وافق شرعيتها، وتاليا الاصرار علي ملء هذا الفراغ، بمشروع ديني بقدر ما هو فارغ، بقدر ما هو قابل لملء الفراغات بالاوهام والترهات! اي المشروع الديني السياسي هو في حقيقته عدم وجود مشروع في الاساس. وثانيها، رغبة مرضية في السلطة والتسلط، تغذيها عقد نقص او اوهام تفوق من ناحية، وحرص طفولي علي الوجاهة واحتكار الامتيازات، من ناحية مقابلة. والمحصلة، ان الانقاذ هي مشروع حكم ولكن من غير مشروعية او مجرد منهجية للحكم! وعليه، اصبحت الانقاذ مجبرة علي تبني وسائل الخداع والعنف والارهاب من جهة، وتغييب السياسة والتضييق علي الفاعلين السياسيين، من الجهة الاخري.
وعلي ضوء الخلفية السالفة الذكر، نجد ان قضية الحوار والتعديلات الدستورية والتغيير في الوظائف والمسميات الحكومية من وقت لآخر، لا تعدو كونها استجابة فقط، لازمات واخطاء ما انفك يخلقها ويقترفها نظام الانقاذ! او هي آلية هروب الي الامام من دفع استحقاقات اصلاحات حقيقية، والاصح هي اصلاحات ليس لها مكان اصلا، علي اعتبارها تطاول الاسس والمرجعيات الانقاذية، وإلا انتفي مبرر وجودها! اي الاصلاح والانقاذ لا يلتقيان إلا بانطباق السماء علي الارض! والسبب ببساطة أن اسسها ومرجعياتها من الهشاشة والخواء بمكان، بحيث لا تحتمل اي ضغوط اصلاحية جادة وحقيقية. بمعني آخر، كل الطروحات الانقاذوية المذكورة آنفا، بادرت بها الحكومة، كرد علي حالة عجزها عن إدارة الدولة، اكثر من كونها استجابة لمقتضيات عقلانية، تستوجب بدورها مساهمة الجميع في شأنها.
وكمثال علي ذلك، فقضية الحوار التي يدور حولها الجدل وحول مخرجاتها، ظلت علي الدوام تطرح من منظور سلطة الانقاذ، وتاليا تشغل بها اوساط السياسة واجهزة الاعلام، وبدرجة تتناسب مع تمسك الانقاذ بالسلطة وبصورة تكاد تكون احتكارية، قبل ان تؤكد ما سلف، ان مشروع الانقاذ هو مشروع سلطة اصلا، وليس مشروع ادارة دولة، تشرف عليه مؤسسة، وتترتب عليه مسؤوليات، كتقديم الخدمات والخضوع لرغبات المحكومين. والحال كذلك، اصبح مفهوم الحوار محكوم بسقوف متدنية، يجسدها التنازل الشكلي عن بعض السلطات الهامشية، وليس آلية لإعادة اقتسام الراي والمشورة، من منطلقات المشاركة والمساواة في الشأن العام. وعليه، اصبح الحوار احد وسائل الخداع الكبري الحاكمة لمنظومة الانقاذ، وتاليا الوطن المختطف! الشئ الذي جعل الحوار يفتقد للمفهوم والمضمون والمسؤولية، ليتحول الي مجرد حلقة مفرغة لا تفعل اكثر من اعادة انتاج الفشل والمحن والكوارث من جهة، وآلية لذر الرماد في العيون، بقصد إطالة بقاء منظومة غير شرعية، لا تتجاهل فنون ادراة الدولة الحديثة فقط، ولكنها تتنكر لموجبات احترام حقوق المواطنين.
وما حوار الوثبة الاخير الذي انتج كل هذا الحراك الزائف، إلا تتويج لرحلة طويلة من الحوارات الكاذبة علي طول عهد الانقاذ! وبقول آخر، هو حوار فرضته ظروف الربيع العربي، وما احدثه من زلزال هزَّ عروش الطغاة، القائمة علي ارضية سلطوية في غاية التصلب الاستبدادي، والذي يتمظهر من خلال العمل بمنظومة امنوارهابية، جردت المواطنين من الكرامة والحقوق والانسانية، ولم تفتح لهم طاقة امل، سوي التدجين والاسترقاق والبحث عن المخارج الفردية! اي اضعفت فيهم روح الانتماء والتواصل والتضامن، قبل ان تفرغ الوطن من كافة المعاني والقيم! بل من شدة استبداديتها واخطبوطيتها ولا معقوليتها، احتكرت مجمل الفضاء العام، وليس قليلا من الحيز الخاص! لتتحول المنطقة برمتها لسجن او معتقل عريض، يتناوب السجانون علي ممارسة فنون التعذيب والحرمان تجاه مواطنيهم المفترضين! والحال كذلك، ليس مصادفة ان تتجذر ثقافة السجون في هذه البقعة المظلمة من العالم، بقيمها ومنظومة عملها، من بناء حواجز تفسية بين الافراد والمجموعات والتنظيمات والمناطق..الخ، وكذلك الخوف والتردد وانعدام الامل والثقة والامان، والابتعاد عن كل ما يختص بامر السياسة والسلطة، في سياق عمل منظم وجاد، لتغيير الاوضاع او قلبها راسا علي عقب! لكل ذلك، كانت إنتفاضة الربيع مفاجئة للمواطنين وما يملكونه من قدرات، قبل ان تشكل صدمة للنظم الاستبدادية! التي لم تستفق منها، حتي بادرت باستنفار كل ادواتها ووسائلها القذرة (لا تملك غيرها) الظاهرة والخفية، للحد من الثورات من جهة، ولتثبيط مفاعلها الايجابية من جهة مقابلة. ويستبين ذلك من خلال اشتغال وسائل اعلامها ومثقفيها المكرسين، علي شن حملات مدفوعة الاجر، لإشانة سمعة الثورات وتجريم الثوار، وهم يخادعون الناس ولا يخدعون إلا أنفسهم، عبر رفعهم شعار كلمة الحق (الاستقرار) والمراد به باطل (تثبيت الاوضاع الفاسدة علي حالها، وما تمنحه من امتيازات غير مستحقة لغير مستحقين؟!) وهو شعار لابد ان يجد مردود في بيئات مقموعة سلفا، ومحرومة ليس من ابسط الحقوق الاساسية فقط، ولكن حتي من التطلعات البديهية، وهذا غير تربيتها علي كره الحرية والمسؤولية والرضا بما قسم الدكتاتور. في هذا السياق تحديدا حدثت هبة سبتمبر في السودان، وما اعقبها من ردة فعل عنفية ودموية وعديمة المروءة والوطنية، اريد منها ليس قتل المتظاهرين فقط، ولكن ارسال رسالة واضحة لبقية المواطنين، ان موضوع السلطة خط احمر وغير قابل للمساومة او التلاعب، او ان هنالك امكانية لإعادة سيناريو الربيع العربي في السودان! ورغما عن كل ذلك، إلا ان رسالة الهبة (التي افتقدت التنظيم والمشاركة الشاملة) ابت إلا ان تفعل فعلها في خشب الانقاذ المسندة! خاصة وان تكرارها غير انه وارد، إلا انه غير مأمون العواقب، في ظل فضاء عالمي شبه مفتوح او يستعصي علي ستر الفضائح والجرائم والقتل المجاني في الهواء الطلق. واستباقا للاحداث والمفاجآت ومع تأزم الاوضاع السياسية والاقتصادية داخليا، تم طرح مسألة حوار الوثبة (القديم المتجدد) بعد التمهيد له وكأنه عصا موسي، القادرة علي فك كل اختناقات البلاد، ناهيك عن اعادة تأهيل النظام؟ لتبدأ بعدها خطوات الحوار المارثوني الذي يدور حول نفسه، او يتحاور في كل شئ إلا موجبات الحوار الاساسية (كيفية ادارة البلاد وفق الرضا العام، طريقة النهوض باوضاع البلاد والعباد المتردية، معالجة المظالم والانتهاكات الآنية والتاريخية..الخ). وبعد أخذ ورد واصرار الانقاذ علي فرض رؤيتها للحوار، ورغم التنازلات التي قدمتها القوي المعارضة، استجابة لضغوط دولية راعية شكليا للحوار الذي اتخذ سمة (الدولنة!) إلا ان الحوار واصل في تدني سقفه، بل واستمرار التدني مع مواصلة جولات التفاوض! والسبب الاساس في ذلك، يرجع لإصطدامه بعقبة المؤسسة الرئاسية التي وضعت نفسها مسبقا فوق الحوار، قبل ان تسعي لتوجيه دفة الحوار نحو شرعنة وضعيتها غير المشروعة! والحال كذلك، اصبح الحوار عبارة عن ملهاة في اجلي عبثيتها، قبل ان يعكس درجة العجز والافلاس والانحطاط التي وصلت لها حالة السياسة السودانية! اي انحدر الحوار الي مجرد (طق حنك) وفرصة لظهور (طفابيع) او مكونات سياسية ومجتمعية لم يسمع بها احد، وشيوخ اسلاموية اكل عليها الدهر وشرب، وهي تتدافع بالمناكب لنيل مصلحة عاجلة او رضا سلطان لغاية آجلة! الشئ الذي اتاح بدوره الفرصة امام الانقاذ، لممارسة نهجها في الحيَّل والتلاعب وضرب الخصوم بل حتي الاتباع ببعضهم؟ قبل ان يُوظف كآلية لشراء الوقت والانتهازية السياسية التي تجيد اللعب في الاجواء الرمادية (تتقن مهارة جني المكاسب الخاصة علي ايقاع الحرص علي المصلحة العامة واستقرار الوطن). والاسوأ من ذلك، ان الخدعة لم تنطلِ علي القوي الداخلية التي اضناها الانتظار علي رصيف السلطة، ولكن حتي القوي الخارجية فضلت ان تجاري هذه اللعبة القذرة الي نهايتها العدمية، ولو انها كعادتها تجيد دور المساعد والحريص علي سلامة البلاد اكثر من اهلها! وهي تعلم قبل غيرها انها واحد من عوامل تعنت الانقاذ، واصرارها علي افراغ كل حوار من محتواه، وتجبُرها علي الخصوم وتكبُرها علي كل حلول موضوعية! خاصة وهي تجد لها المخارج وتقدم لها المساعدات وتقبل منها الاعذار؟ أي كل ما يخدم مصالحها حصريا علي المدي الطويل. بمعني، هنالك فارق جوهري بين تقديم مقترحات مهما كانت درجة صحتها، وبين ممارسة ضغوط جادة تملك ادوتها! والحال هي افيد وبما لا يقاس من تقديم المقترحات، التي يُفترض ان يضطلع بها اهل الداخل، الادري بشعاب دولهم وطبيعة قضاياهم ونوعية دكتاتورياتهم، وتاليا مصالحهم. والمحصلة، هكذا حوار موسوم بالتهافت والابتذال والخداع، أريد له انتاج مخرجات دستورية، تنهض علي القيام باعباء دولة يلامس واقعها درجة الحطام، ولا يصدف ان يتم ذلك بذات الآليات والمناهج والشخوص التي انتجت الدمار.
وهي ذات الظروف او المقدمات التي انتجت الجدل حول حدود وصلاحيات جهاز الامن، وكأن النصوص الدستورية نفسها ملزمة، ولا تعلوها مؤسسة الرئاسة السالف ذكرها! والحال هكذا، اما ان ينصاع الدستور لرغبات الرئاسة، او يتم تعديله وتحويره او الغائه بالمرة والعودة للعمل بقانون الطوارئ، إذا استدعي الامر! بمعني آخر، الدستور الذي يجري الحديث عن مواده، هو اصلا ليس المرجعية المعتمدة، بل لا يقوي حتي علي حماية نصوصه وهيبته، عندما تتعارض مع مصالح راعيه، علما بانها صممت خصيصا لتلبية رغباته! الشئ الذي يحيِّل الدستور الي احد آليات السلطة، وليس مرجعية او مشرع للسلطة او غيرها من تفاصيل الدولة، وتاليا لا معني لنصوصه او تجاوبها مع العهود والمواثيق الدولية، ولا لمراعاتها مقتضيات العدالة والصالح العام ولا محاولاتها البائسة للفصل بين السلطات! طالما هنالك سلطة اعلي، تملك حق المراجعة والالغاء، وتعيين الهيئات والمؤسسات الدستورية والقضائية. لكل ذلك اجدني في حالة دهشة، من مجادلة الاجهزة الامنية في حدود دورها وصلاحياتها وغيرها من التمويهات والاقنعة المضحكة، التي يحاول ان يتستر بها جهاز قمعي بامتياز، وتاليا لا تحركه قونين مكتوبة وإن بماء الذهب وعلي استار الكعبة، بقدر ما تحركه عقيدة، لا يصدف انها محصورة في حماية مؤسسة الرئاسة، التي تؤول حصريا لشخص البشير وخلصاءه. والحال، انه بني سمعة داخلية غاية في السوء، وخلق اجواء من الارهاب، عبر بيوت الاشباح والاعتقالات الجزافية والايقاف المتكرر للصحف (بعد الصدور!) والإشتباه المتواصل في منظمات المجتمع المدني، والعداء الواضح للاحزاب المعارضة، والتحرشات المتعمدة داخل الاوساط الطلابية ..الخ! بمعني البيئة العامة التي خلقها جهاز الامن، والقائمة علي انتهاك كل حقوق المواطنين ومصادرة كافة خياراتهم، دون مساءلة، فرضت علي المواطنين نوع من الرقابة الذاتية، والانصراف الجمعي عن الشأن العام، وصولا لحد الذعر من مجرد ذكر سيرته المشينة! والحال، هذا ما لا يستقيم معه لا سياسة ولا اجتماع ولا دولة ولا وطن ولا يحزنون، وهو ما يجعل حديث الدستور ومواده، والقانون واحترامه خارج السياق، ناهيك عن لغو الحديث حول تضييق او توسيع الحدود والمهام والسلطات.
عموما ومن خلال التجارب العملية، كانت الاجهزة الامنية علي الدوام هي العصا التي تتوكأ عليها النظم الاستبدادية، وتستخدمها في مآربها الدنيئة وما زالت! وذلك ليس بسبب غياب الشرعية فحسب، وانما في الاساس لعدم ثقتها في شعبها الذي تذيقه الامرين! وهذا غير ان هنالك فجوة (تمايز/تربص) بين النظم الاستبدادية الحاكمة وشعوبها، وهي التي تُملأ بواسطة الاجهزة الامنية، وعبر آليات ووسائل عمل غير مساءلة، لدرجة تتهم فيها هذه الاجهزة بأنها المحرك الفعلي لدولة الاستبداد! اي دولة الاستبداد تعمل من خلف جدر وراءها جدر وكأنها معدة مجترات؟ والحال كذلك، هذا ما خلق المساحة العريضة التي تتحرك فيها هذه الاجهزة بكل حربة، مما ضخَّم دورها وشعَّب اهتمامتها، وجعلها تتمدد في كل الاتجاهات المجالات والانشطة! والمؤسف ان ذلك لا يتم في الداخل فقط، ولكنه مد نشاطه للخارج كذلك، وهو ما قد يعرض وسطه الاجتماعي للتسمم بعد ان افسد الوسط الداخلي، وكأنه يسخر من المغتربين بان الامن الذي تفرون منه فانه ملاقيكم، وما خلية السعودية المكتشفة حديثا، وما تعرض له الناشطون في المملكة، الا مجرد نموذج؟ والحال كذلك، ليس غريبا ان نجد للاجهزة الامنية اذرع اقتصادية ودبلوماسية واعلامية..الخ تعمل بصورة متكاملة! اما المضحك المبكي في آن، فهو ادعاء هذه الاجهزة ان لها مهام كبيرة، تتجاوز الصغائر الداخلية الي الكبائر الخارجية، وكأنها وكالة الاستخبارات الامريكية! بل لها هموم تتعلق بالمخدرات واحتمال المواصفات وتجارة العملة..الخ. وهكذا حديث (متفرعن ومنتفخ) غير انه يطاول اختصاصات ومهام جهات اخري مختصة (رغم انها في الغالب مخترقة من الداخل أمنيا!) إلا انه يشكل دليل ادانة، قبل ان يفرض مراجعة دوره! بدلالة انتشار المخدرات والبضائع الفاسدة والنفايات السامة، لدرجة دخول حاويات وشتول مضروبة جهارا نهارا، ومؤكد ان ما خفي عن اجهز الاعلام اعظم؟ مما يعني انهم شركاء في الجريمة، ولو من باب التقصير في المهام الموكلة له، والتي لا يري لها ساحل او عنوان؟! وعموما في دولة كالسودان يغيب فيها القانون ويحكمها اللصوص، تصبح مؤسسات الحماية هي اكبر راعٍ للجريمة المنظمة، والقوانين تشكل غطاء للفساد المستوطن، والامثلة علي قفا من يشيل؟! وعليه، جهاز علي هذا القدر من السوء والتجاوزات، يستوجب إلغائه بالمرة وإقتلاع عقيدته الفاسدة من جذورها، إضافة الي إدانة ممارساته واسلوب عمله، وقطع الطريق امام اعادة انتاجه باي صورة وكيفية. فالدول الحقيقية يحميها الالتزام بالمفهوم الحديث للدولة، وبما فيها من مؤسسات ومؤسسية وثقافة ديمقراطية ومواطنية. والدليل ان الدول القوية اليوم هي التي تحترم وتخدم مواطنيها، وتُسيج السلطات فيها الدساتير المقدسة (بالمفهوم الوضعي للتقديس) وتنضبط اجهزتها بالمهنية، وليس بالعسعس والمخبرين واعتقالات المعارضين وتعذيب الناشطين (خيرة ابناء الوطن) داخل اقبية تجرد المواطن من الوطنية والكرامة وصولا للروح ذاتها. وهذا غير ان التجربة اثبتت ان حكومات الطغاة والمستبدين، هي اكبر مدخل لاختراق البلاد والتلاعب بثرواتها، وزرع الفتنة بين مكوناتها الأهلية، وذلك من خلال الاستثمار في التناقضات الداخلية والرعب من القوي الخارجية، وتاليا استعدادها الدائم للقيام بكل شئ، من اجل تثبيت سلطاتها غير الشرعية. والمفارقة، في اللحظة التي يحتج فيها جهاز الامن علي حدود سلطاته المقترحة (ولو انها غير ملزمة كما سلف ذكره) يقبع في معتقلاته ناشطون سياسيون ومدنيون من دون تقديم صحيفة اتهام محددة، وكذلك منع كتاب من الكتابة ودور تنوير من فتح ابوابها، وكل جريرتهم انهم اشاروا للبغلة في الابريق، إضافة الي ظلال الايقاف المخيمة علي ناشري الصحف المستقلة، بل مجرد ذكر اسم هذا الجهاز او احد منسوبيه، يثير انقباض النفوس والاشمئزاز من البلاد برمتها، وهذا غير هدره موارد الدولة التي يعاني مواطنيها الجوع والمسغبة، علي المباني والتجهيزات المترفة ومراكمة الامتيازات والثروات. وبكلمة محددة، إذا كان وجه السلطة المستبدة من القبح بمكان، فمصدر هذا القبح هو اجهزتها الامنية، وتاليا لا عزاء للشعارات المخادعة والوداعة الكاذبة التي يتلفحها هذا الجهاز القمئ.
وعلي ذات النهج المخادع يأتي تعيين نائب البشير (الجنرال الصغير) بكري صالح رئيسا للوزراء، ليطعن بدوره في منصب الزور المستحدث لغرض خلق نوع من الترضيات، وذلك ليس بوصفه غير مؤهل لإدارة منصب سياسي، لم يُظهر ما تتطلبه الوظيفة السياسية من مواهب وقدرات، ولكن في الاساس لانه لم ينتخبه احد، حتي ولو علي طريقة الانقاذ الصورية (المخجوجة) في الانتخابات، اضافة الي ان هكذا منصب (منجور) يشكل بدعة في ظل نظام ليس رئاسي فقط، ولكنه ما فوق رئاسي او سوبر رئاسي، مُنح فيه البشير سلطات اوسع رغم عدم حاجته لها، ولكن لتوفير مزيد من التطمينات والضمانات و لبعث رسائل الانذرات، التي تجرد هكذا منصب من سلطاته، رغم شكلانيته التي لا ينكرها إلا مكابر. والاهم ان التعيين يثبت ان البشير لا يثق في اعضاء المنظومة الاسلاموية (الاقرب لهذا المنصب حسب خلفيتهم (المدنية!) داخل التركيبة الانقاذية) حتي وان كانوا مدجنين، فضلا عن غرام اصحابها بالترف والانغماس في الملذات، علي حساب اظهار اي نزعة مقاومة لسلطات البشير المترامية الاطراف، او توجهاته الاحتكارية للسلطة والنفوذ. وكذلك هذا التعيين يضمن ولاء المؤسسة العسكرية، كأحد الركائز الاساسية التي تستند عليها السلطة ضد شعبها. وهذا بدوره يشير الي ان المكون العسكري هو الاصل في اي سلطة انقلابية، وما المكون المدني إلا قشرة او غطاء يسهل رميه والتخلص منه عند اي منعطف، او بعد استنفاد وظيفته الايدويولوجية التمويهية أغراضها. اما الملمح الاكثر وضوح في هذا التعيين الذي يحاكي الاوامر العسكرية، فهو يشير الي ان كثرة الحديث عن الدستور والديمقراطية والمشاركة وغيرها من معسول الوعود الجوفاء، ينتج عنه مباشرة مزيد من السلطات للبشير ومنظومة حمايته، علي حساب حرية وحقوق المواطنين وفرص بناء دولة عصرية؟! وكل هذا ينسجم مع ما ذكر اعلاه، عن اتباع نهج الخديعة والتمويه والشعارات البراقة، لإخفاء واقعة انعدام المشاريع السياسية والتنموية الحقيقية! وهذا بدوره يؤكد، ان حالة غياب المشاريع الواقعية والنظم المؤسسية والمنهجية العلمية، عندما تلتقي مع سلطة مغتصبة، ينتج عنها الفساد العميم والخراب العظيم من جهة، والمكابرة والعناد والمغالطات العبثية من جهة مقابلة. وهذا حصيلة ما يسمي المشروع الحضاري، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
آخر الكلام
في ظل حالة التعدي علي حقوق الناشط الدكتور مضوي ابراهيم وصحبه من المعتقلين الكرام، وعطفا علي تجارب المعتقلين السابقين في زنازين هذا الجهاز. يشعر المرء بالدهشة بل والحزن والاسي علي حال من يقف موقف الحياد، ناهيك عن الدفاع بطريقة مباشرة او مواربة عن هكذا نظام تالف بامتياز، يقوم علي حمايته زبانية (امنجية) متبلدين قيميا ووطنيا.
واخيرا (وطن يحميه الانقاذيون معرض للنهب الضياع، وجدير بالمقاومة الايجابية (المواجهة) والسلبية (المغادرة) قبل حاجته للشفقة والرثاء، قال انفاذ قال، الله ينقذنا من الانقاذ!!). ودمتم في رعاية الله.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.