ترحيل بكري حسن صالح إلى سجن كوبر    الجيش والفترة الانتقالية في السودان .. بقلم: د. الشفيع خضر سعيد    ممثل بنك أم درمان يقرُّ بتبعية البنك للجيش    وجهاز الدولة: تلاوي وتقلعه .. بقلم: مجدي الجزولي    اختفاء محامٍ حقوقي قسريًا في ظروف غامضة.. اختفاء محامٍ وناشط في حقوق الإنسان    الكُوزْ السَّجَمْ .. بقلم: فَيْصَلْ بَسَمَةْ    دعوة للإجتماع العام لشركة النيل للأسمنت المحدودة    قيام الجمعية العمومية لمساهي شركة سينما كوستي الأهلية    الخارجية : لا إصابات بفيروس (كورونا) وسط الجالية بالصين    الخارجية : لا إصابات بفيروس (كورونا) وسط الجالية بالصين    الأهلي ينعش آماله بفوز صعب على النجم الساحلي بأبطال أفريقيا    مُحَاكمة البَغَلْ الكَرْنَفَالِي المُجَنَّح سَتُثري قانُون الغَاب- مقتطف من كتابي ريحة الموج والنوارس- يصدر عن دار عزة    أمير تاج السر : تغيير العناوين الإبداعية    مبادرات: هل نشيد نصباً تذكارياً له خوار ؟ أم نصباً رقمياً ؟ .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    الحل هو الحب .. بقلم: أحمد علام    جمهور برشلونة يرغب في رحيل ثنائي الفريق    يوفنتوس يسقط أمام نابولي بهدفين    ريال مدريد يحصد فوزا ثمينا وينفرد بصدارة الليغا    والي شمال كردفان يصدر عدد من القرارات لحفظ الامن    إعفاء (16) قيادياً في هيئة (التلفزيون والإذاعة) السودانية    البدوي يدعو المبعوث الامريكي للتعاون مع السودان لازالة العقبات الاقتصادية    أسر ضحايا الثورة تطالب وفد الكونغرس بالضغط على الحكومة لتشكيل محاكم خاصة    قفزة كبيرة للدولار في سوق العملات الأجنبية    أنا ما كيشه ! .. بقلم: الفاتح جبرا    إسرائيل الدولة الدينية المدنية .. بقلم: شهاب طه    مكتوب استثنائي لامرأة خاصة .. بقلم: عادل عبدالرحمن عمر    تهريب كميات كبيرة من الدقيق عبر بعض مطاحن الغلال    الفاخر تنفي احتكارها لتصدير الذهب    الهلال يهزم بلاتينيوم الزمبابوي بهدف الضي ويعزز فرص تأهله للدور التالي في دوري الأبطال    تجهيز اسعافات للطوارئ ومركز للعزل استعدادا لمجابهة أي ظهور لمرض (كورونا)    الإمارات ردا على تقرير اختراق هاتف بيزوس: استهداف السعودية مجددا لن ينجح    ميركل تعلن دعمها للقاء ألماني تركي روسي فرنسي حول سوريا    فيروس كورونا يضرب الطاقم الطبي الصيني بالتزامن مع ظهوره في دول مجاورة    تعلموا من الاستاذ محمود: الانسان بين التسيير والحرية .. بقلم: عصام جزولي    قتل الشعب بسلاح الشعب .. بقلم: حيدر المكاشفي    ضبط شبكة اجرامية تتاجر في الأسلحة والذخائر    قيادي ب"التغيير": أعضاء قحت لا يتدخلون في عمل الجهاز التنفيذي    إصابة وزير الأوقاف في حادث مروري بالخرطوم    الشرطة: انفجار عبوة قرنيت بحوزة نظامي أدت لوفاته وأربعة اخرين وإصابة أكثر من خمسة وعشرين من الحضور بإصابات متفاوتة    السيليكا.. صلات مفترضة مع الإرهابيين .. بقلم: كوربو نيوز .. ترجمها عن الفرنسية ناجي شريف بابكر    الفاتح جبرا:قصة (إستهداف الدين) وإن الدين في خطر والعقيدة في خطر ده كلو (حنك بيش) كما يقول أولادنا    يدخل الحاكم التاريخ بعمله لا بعمره .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    الرشيد: جمعية القرآن الكريم تمتلك مناجم ذهب بولاية نهر النيل    محمد عبد الكريم يدعو السودانيين إلى الخروج "لتصحيح مسار الثورة"    استأصلوا هذا الورم الخبيث .. بقلم: إسماعيل عبد الله    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    الهلال يستقبل اللاعب العراقي عماد محسن    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    النجم الساحلي يعلن غياب "الشيخاوي" عن مباراة الهلال    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    "المجلس الدولي" يدعو السودان للتوعية بخطر نقص "اليود"    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





"خليك مع الزمن " وضد العنصرية


ياسر عرمان
المصانع التي انتجت رمضان زائد جبريل ؛أغلقت أبوابها وتوارت خلف سحب الغياب ، وأفل البلد الذي أنجب رمضان زائد قبل الشروق ، ولم يعد موجوداً في الخريطة مثلما كان ذاخراً باطياف البشر واللغات ،آخذاً من مساحة الكرة الارضية مليون ميل مربع! وذلك لأن رمضان زائد المولود في مدينة ملكال من أمٍّ من قبيلة الشلك أو الشلو( نياندينق خديجة عبدالله الجاك) وأب يمتهن التمريض من نواحي كردفان (زائد جبريل) وفي رواية أخرى من العباسية تقلي ، تلك المملكة التي صعد الى جبالها الامام محمد المهدي ثم قفل عائداً الى السهل ، ولد رمضان في الثلاثينيات على ضفاف النيل وكان فارعاً ونيلياً جميلاً مثل النهر نفسه ،كان سودانوياً أضاف من أبداعه نكهة جديدة الى عبق السودانوية ، وكان يحمل جوازاً واحداً في رحلته القصيرة الى بلدان الخليج ، أما اليوم فانه يحتاج الى جوازين من بلدين جنوباً وشمالاً للقيام بتلك الرحلة نفسها .
جاء رمضان الى مسرح الحياة من ازدهار الطبقة الوسطى وبدايات الاستنارة وخروج المستعمر،ومن مدني ،مارنجان والموردة والعباسية وديوم الخرطوم وديوم بحري وجمال الموسيقى وسحر الايقاعات السودانية و الافريقية ومدرسة الخرطوم الوترية ، وأطلّ مع اطلالة الطبقة الوسطى وتاثيرها على الابداع ومن سمات أحياء الخرطوم القديمة التي تحفل بقضايا التنوع ومعضلات البناء الوطني وجراح العنصرية ، تلك الاحياء التي قدمت اجيالا بعد اجيال للحركة الوطنية وللابداع واعطت ولم تبخل بالموسيقين والعازفين المهرة ( عبدالفتاح الله جابو ورهطه) ودفعت بالنساء نحو التمريض والطب وكانت خالدة زاهر وقبلها بدايات العسكرية والضباط الوطنيين الشجعان وسجلت تلك الاحياء العظيمة اسماء ابنائها في اعلى سجلات المراسم الوطنية ، ومن تلك الاحياء ومن محيطها الاجتماعي خرج علي عبد اللطيف وحاجة العازة محمد عبداللة وعبدالفضيل الماظ وطلبة الكلية الحربية وزين العابدين عبدالتام وادهم وعبدالله ومحمد عشري الصديق وعبدالمنعم عبدالحي ، ولازالت اسئلة البناء الوطني وبناء مجتمع لاعنصري معلقة على مشاجب التاريخ وعلى نوافذه وعند أبوابه ، ومن شرفة التاريخ نهض جيلا جديد هاتفاً ( يا العنصري المغرور كل البلد دارفور).
يطرح واقع اليوم اسئلة كثيرة حول البناء الوطني ، وأي مشروع وطنياً نختار ويظل السؤال قائماً دون اجابة حاسمة كاشفة تضئ الطريق .
سجل العم ستانسلاوس عبدالله بياساما (عبدالله كوجوك) في كتابه الشهير ( من عبد الى وزير) أو " كيف اصبح العبد وزيراً" الذي أرخ للعلاقة الحميمة والملتبسة بين دارفور وبحر الغزال مثلما هو التباس العلاقة بين ديم الزبير وبحر الغزال والزبير باشا، كان استانسلاوس صريحاً وهو الزعيم المبجل في بحر الغزال وفي السودان كله ،فحينما ذكر احد القساوسة ان اصله يعود الى الرقيق كتب قائلاً " أؤلئك الناس الذين يتخوفون من السؤال عما اذاكان الرجل الذي ورد ذكره في الكتاب هو شخصي ام استانسلاوس عبدالله بياساما اخر ولو انهم سالوني ذلك السؤال لاجبتهم بصراحة ولمضوا مقتنعين انني لا اخجل من القول انني كنت رقيقاً ، لقد تعهدت نفسي وربيتها وعلمتها ولذا فانني لا أخجل من قول الحقيقة " وياله من قول بليغ ومؤلم ، كما ارخ لنضاله من أجل الفيدرالية بديلاً للانفصال ، ،والتي وُوجِهت بصلفٍ وتجريم، ومن المصادفات ان ستانسلاوس بياساما رحل في 28 -ديسمبر- ورحل رمضان زائد في 17 ديسمبر 1985 1987 والرجلين رحلا وهما ينتميان الى ملكال وواو والسودان، وبعد عدة اسابيع ستمر الذكرى الرابع والثلاثين لرحيل رمضان زائد ،وكانت لكلا الرجلين رحلتهما مع اختلاف الدروب والانتماءات الاجتماعية والقبلية ولكن؛ قضية العنصرية في مجتمعنا لا تزال حية، مثلما هو صوت رمضان زائد الذي لا يزال حياً و لم يغيب مع صاحبه ، فالحياة ايقاعات مستمرة لا تنتهي في رحلة رمضان زائد ،ولا يزال الناس من امثالنا يستمتعون بابداعاته ويتأملون في رحلته وتعقيداتها الاجتماعية ،ويحلمون بان تحتفي بلادنا بتنوعها وبانسانها الذي هو مصدر الخير والثراء.
كان رمضان زائد صديقاً لعوض دكام وكان عوض دكام صديقاً للمدينة كلها ، سخر من عنصريتها وتسامى فوق جراحات العنصرية بالنكات ، ومثلما قدم العلاج والادوية للفقراء ، قدم النكات لمعالجة العنصرية لاسيما عنصرية الانقاذ المحشوة بالفاشية ، وتقول اشهر نكاته "ان أمرأة فقيرة حطت فوق رأسها عنصرية الانقاذ الممزوجة بالايات وبعض الاحاديث فاشتكت لعوض دكام وقالت له : ياعوض الجماعة ديل قالوا لي انك خادم فقال لها د. عوض دكام (يااختي ديل نبذوا خادم الحرمين الشريفين خليكي انتِ )،هل هي المصادفة ام حب الابداع والفكاهة التي ربطت بين رمضان زائد وعوض دكام ، ام للمعاناة الاجتماعية دور في ذلك؟على الرغم من معرفتنا بان رمضان زائد تمتع بصلات متنوعة وخارج اطار التصنيف النمطي وامتدت علاقاته من عبدالعزيز داؤد الى الكابلي والدكتور خليل عثمان وحتى جعفر نميري ، وكان في قلب المدينة ومن أضوائها خرج من فرقة الخرطوم جنوب ومن ازقتها استمد صلته الحميمة بالناس وتمكن مبكراً من الوصول الى الاذاعة في العام 1957 وتمتع برفقة ممتازة في الخمسينيات والستينيات ضمت محمد وردي والكابلي والجابري ومحمد حسنين و ذكي عبدالكريم والعازفين الكبار -عبدالله عربي وعبدالفتاح الله علي جابو وعلي مكي وعلي ميرغني ومحمدية ، وبالاجيال التي اتت بعده خوجلي عثمان والاخرين ، كان رمضان زائد متألقاً بالملابس الافرنجية وبالالوان الافريقية الزاهية ،أخذ من الصوفية بعض ايقاعاتهم ومن الشلك والنوير والدينكا الذين يشكلون نسيج مدينة ملكال وهي نموذجا لتماذج القبائل النيلية دفْ وحرارة طبولهم ، وعلى أكتاف ( ليتني زهرٌ) لمبارك المغربي صعد الى القمة ، ومكنته خفة الدم والذوق من التفاعل مع الجمهور ، وترك بصماته في ذكريات ماضيك مع اسماعيل خورشيد ،وهويتو ليه مع جعفر فضل المولى ، وياناس مع محمود ابوالعلا، وعيني يا سبب الاذى مع عوض جبريل والعذاب قاسي واخر الجزاء وبنات بحري وغصن الرياض المائد لعلي المساح ولم يترك عازف الاوتار للتاج مصطفى واغاني التراث كالشيخ سيرو وكان خفيف الروح والظل والانسانية وزع ابتساماته وضحكاته على الجميع ثم مضى .
في مؤتمرنا الاخير ناقشنا قضية العنصرية وضرورة أن تصدر قوانيين وعقوبات رادعة ، وان تشرب بلادنا من ضوء ثورة ديسمبر ترياقاً مضاداً للعنصرية ، وان نناضل جميعاً من اجل مجتمع لاعنصري ، نستمد ذلك من ادياننا وقيمنا ومن انسانيتنا ومن عدم مسامحة القانون للعنصرية واعتبارها جريمة في حقنا جميعاً .
كان رمضان زائد أنسانا ، مليئٌ بالبهجة والقفشات والمرح ، واسوداً كأديم الارض واسم بلادنا والتي هي في اصلها اللغوي جمع للسود، وتمتع بالأداء المسرحي وتشرب من ايقاعات السودان المختلفة وتربع على عرش ايقاع التمتم ولم يفوته في ( الشيخ سيرو ) أن يعرج على ايقاع الدلوكة ، وكان مثل (هلال العيد) عند ظهوره في المسرح ، و"نحن وحبه ترعرعنا ونشأنا ندائد من الزمن القبيل" وفي هذه المقالة أود أن أؤدي صلاة شكر وامتنان لرمضان زائد وان أردد معه لازمته الشهيرة " خليك مع الزمن " و نضيف اليها وضد العنصرية .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.