أسر الشهداء ولجان المقاومة يؤجلون مليونية السادس من أبريل ويوقعون ميثاقاً اليوم .. لجنة العمل الميداني بقوى الحرية والتغيير تعتذر عن الاحتفال بذكرى ابريل    الشيوعي التهاون في مواجهة الفلول تسبب في تمدد نشاط الثورة المضادة    المالية تنفي دفع الحكومة تعويضات المدمرة كول من أموال الضمان الاجتماعي    الجيش السوداني يستولي على مركز دراسات ووزير الرى يرفض ويصفه ب"التصرف غير المسبوق"    وزارة التجارة السودانية تلغي نظام الوكلاء وتتدخل بشكل مباشر في توزيع الدقيق    الجيش الإسرائيلي يريد تولي إدارة أزمة كورونا    صوت يمني يدعو الحوثيين لإطلاق سراح جميع الأسرى: كورونا لا يستثني أحدا    ترامب يشد من أزر جونسون ويؤكد أنه شخص يقوى على مواجهة كورونا    الكويت تعلن شفاء 4 حالات جديدة من فيروس كورونا    ملك الأردن يوجه بدراسة إمكانية التدرج في استئناف عمل القطاعات الإنتاجية    تحميل المُحوِّل الخاص للوحدة الأولى من مشروع "قرِّي 3"    حميدتي يفتتح مركز العزل الصحي لقوات "الدعم السريع"    ضبط أكثر من (47) كيلو هيروين بولاية البحر الأحمر    اطهر الطاهر يقدم نصائح تتعلق بالحجر الصحي    لجنة المنتخبات تهنئ لاعب الهلال وليد الشعلة    شداد: حديثي حول عمومية المريخ وفق قرار مجلس الإدارة    تجمع المهنيين يرجع عدم الاحتفال بالسادس من أبريل بسبب كورونا    اللجنة العليا للطوارئ تدرس فرض حظر التجوال الكامل    مزارعون بالجزيرة يغلقون أمس الطريق القومي بسبب حرائق القمح    الصحة : ارتفاع حالات الاصابة بكورونا الى 12    منفذ هجوم فرنسا سوداني "طلب من الشرطة أن تقتله عند اعتقاله"    الوراق والكهرمان .. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    الرأسمالية الطُفيلية والتكسُّب الرخيص في زمن الأزمات !! .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    رسالة من شفت وكنداكة عنوانا (القومة ليك يا وطن) .. بقلم: د. ابوبكر يوسف ابراهيم    الثوار لا ينسون جرائمك او جهلك!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    تفاصيل جديدة حول مصرع وإصابة (5) أشخاص على يد سوداني بفرنسا    السجن والغرامة لشابين واجنبية ضبطت بحوزتهم خمور بلدية    تجار مجهولون يغزون سوق العملة وهجمة شرسة على الدولار    محجوب شريف ، مات مقتولا !وبقي خالدا في ضمير شعبنا، أغنية وراية وسيرة في النضال لأجل الحياة .. بقلم: جابر حسين    وصول جثمان الطبيب السوداني من لندن    على هامش الحدث (25) .. بقلم: عبدالله علقم    عندما تحرك الكوارث والأمراض كوامن الإبداع .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    جائحة الكورونا في أفريقيا جنوب الصحراء والسودان: فرضيات لاتغير استراتيجيات منع الانتشار .. بقلم: د. عمرو محمد عباس محجوب*    سفاه الشيخ لا حلم بعده .. بقلم: د. عادل العفيف مختار    (التوبة) .. هي (الحل)!! .. بقلم: احمد دهب(جدة)    مساجد الخرطوم تكسر حظر التجوال وتقيم صلاة العشاء في جماعة    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    السودان وخارطة الطريق للتعامل مع إسرائيل .. بقلم: د. الشفيع خضر سعيد    سامح راشد : أخلاقيات كورونا    الموت في شوارع نيويورك..! .. بقلم: عثمان محمد حسن    أمير تاج السر:أيام العزلة    شذرات مضيئة وكثير منقصات .. بقلم: عواطف عبداللطيف    مقتل 18 تاجراً سودانياً رمياً بالرصاص بدولة افريقيا الوسطى    حكاية .. بقلم: حسن عباس    والي الخرطوم : تنوع السودان عامل لنهضة البلاد    محمد محمد خير :غابت مفردات الأدب الندية والاستشهادات بالكندي وصعد (البل والردم وزط)    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ثلاثية البلاد الكبيرة : المطاليق (الجزء الأول) رواية في شأن الرُّحَلْ والشايب جقندي
نشر في سودانيات يوم 24 - 08 - 2011


[b]ثلاثية البلاد الكبيرة:
المطاليق
(الجزء الأول)
رواية
في شأن الرُّحَلْ والشايب جقندي
أحمد ضحية
[email protected]
(1)
تمددا على سطح الماء.. تمددا فوق بعضهما, تخفيهما "عشبة معونة النيل", عن أنظار الشايب جقندي, الذي كان يتابعهما من "قيف النهر" بقلق .. كانا عاريان إلا من عذابهما.. وحدتهما, وإحساسهما القاسي بالفقد.. رويدا, رويدا.. كانت عشبة مياه النيل تدنو, وبلطف تداعب ساقي"ست البنات" العاريين.. مويجة صغيرة تتجشأ زبدها في مكامن الألم والبوح والإلتياع.. كانت العشبة تحفر عميقا.. عميقا تحفر العشبة.. عابثة, شقية.. تحمل في رغوتها الإحساس البطيء.. العميق بالغرق.. إنزلقت شفتا ست البنات على شفتي عاشميق, تتحسس لزوجة الماء.. كانت رائحة عشبة معونة النيل النّدية, لحظتها تتسرب خياشيمهما, وتبعث فيهما إحساسا مالحا بالخدر..
وعلى"القيف".. هناك.. ألقى "الشايب جقندي" برأسه إلى الخلف, يستعيد وقائع ما جرى, وصوت "ودالتويم" يدوي في فراغ ذاكرته المنهوبة:
يقولون أنهم جربوا كل السبل, ولم يعد لديهم خيار سوى الإنفصال..
ثم بلع أنفاسه اللاهثة وهو يضيف:
ماذا نفعل؟
كانت أزقة "وادي الذهب" المعتمة, تقذف لحظتها من أحشائها, كل الروائح الحادة. العطنة. والهواء الممزوج برماد القلق والتوتر, ورائحة الرّوث الدبغة, وأنفاس النهر المضمخة في رائحة السمك و"عشبة معونة النيل" و"أمبانقيقة", وثرثرة الضفادع المختلطة بإيقاعات "الواز" الحزينة, يتخلل أغنيات أسيانة تأتي من بعيد, لا أحد يعلم مصدرها .. حينها كان السلطان يتربع على عرشه, لا ليناقش هموم الناس والوادي المهدد بالعصف.. الوادي الآخذ في التآكل والتشظي!.. كان متربعا لتقديم عروسته الجديدة لاعضاء مجلسه من "المطاليق" القدامى والجدد, الذين كانوا يصورون له عن الوادي, صورة ليست موجودة سوى في أذهانهم المختلّة..
كانوا يخططون لمزيد من الإجراءات, التي تهدف للحفاظ على سلطة السلطان. فقد كانت سلطتهم رهينة بإستمراره, وهو نفسه كان يعلم,أن زوال أحدهما يعني زوال الآخر.. وهكذا أختاروا لحل مشكلة بقاءهم, وإستمرارهم في السلطة: القمع والإغراء.. فمضوا يغرّون بعض الأهالي للعمل معهم, بعد أن نجحوا في كسب كثيرون منهم, مثل: "ميجاوي الزّبال" و"بليمي الراعي" و "بنت ود أب عوا الحنّانة", وآخرون وآخريات كثر, من أهالي "وادي الذهب".. كما أخذ "أبوشوتال" زعيم المطاليق, يذلل للمطاليق كافة العوائق والعقبات, بتصريح مباشر من السلطان, فأصبحت سلطتهم وسلطانهم على الناس,أكبر من ذي قبل, وهكذا لم يكن ثمة ما يشغل بال السلطان سوى التفرغ التام لزوجاته العديدات..
"المطاليق" الذين تكاثروا كالنبات الطفيلي, هم في الأصل تلك النّواة, التي قبل عشرات السنوات, أنشأها "بادي" الشقيق الأكبر للسلطان, وتعهدها بالرِّعاية. في ذلك الزمان البعيد, عندما كان يخطط للإستيلاء على السلطنة. لكن بمرور الوقت كان لإبنه "الدود أبو حجل" رأي مختلف. فهو على عكس والده "بادي", كان يرى في بقاء عمه السلطان فائدة أكثر, إذا ما أستطاع التحكم فيه, فلاحاجة له بأن يكون سلطانا "رسميا" طالما أنه سلطانا فعليا, فيجني "هو" الثمرات ويتحمل "عمه" التبعات!. وبالفعل تمكن من نيل ثقة عمه الذي كان معجبا بمواهبه, فأطلق يده في البلاد والعباد .
و بعد عشرات السنوات ورِّث "أبوشوتال" عن أسلافه البائدين, هذه "النواة", التي أسسها جده الأكبر "بادي" وتعهدها من بعده إبنه "الدود أبوحجل" بالرعاية. إلى أن طورت على عهد "أبي شوتال" لتصبح قوة ضاربة وبموافقة السلطان. وفي الوقت ذاته الذي كان مجلس السلطان يحتفي بالعروس الجديدة, كان أبوشوتال يجتمع بكبار قادة المطاليق, بينما كانت سوميت والمشردون وقتها, يراجعون خططهم الخاصة بالخطابة في جموع الأهالي, الذين كان قد فاض بهم الكيل .
لم يكن السلطان ولامطاليقه يأبهون لتعاليم الروح العظيمة, ولم تجد كل تلك المحاولات الدؤوبة, التي بذلها جقندي بمساعدة "ودالتويم" لإقناع السلطان بتغيير سياساته, وكف يد المطاليق عن الأهالي. لكن السلطان أبدا لم يُعِر "الشايب جقندي" أذنا صاغية, وهو لا يفتأ يكرر على مسامعه, تعاليم الروح العظيمة: "لقد أطلعتكم على حقوقكم وواجباتكم, فإذا أردتم ان تكونوا (عيالي) فعليكم ألا تستغلوا معرفتكم من أجل القتل والتدمير (...) محظور عليكم أن تستغلوا ما وهبتكم لأغراض شريرة, وإذا لم تتقيدوا بهذه القوانين, فسوف لن تكونوا (عيالي)..." وكان السلطان الذي أستولى أبوشوتال على عقله تماما, لا يخشى شيئا في التنكيل بجقندي, سوى خشيته قومه "الرُّحَلْ" لذلك إستجاب لنصح أبوشوتال, بتأجيل النّظر في أمر جقندي, إلى حين إستقرار أوضاع السلطنة, التي كانت حواضرها في "الصعيد" و"دار الريح" و"السافل الأقصى" و"دار صباح" قد بدأت تتململ وتضطرب..
لذا في تلك الصبيحة التي تفجرت فيها الشمس من وراء جدر التاريخ, لتلقي بنفسها على الوادي البائس, الملتف على نفسه كشرنقّة مجهضة .. إرتخت الأعصاب التي تشد الدروب الضيقة, فأخذت تضيق, بينما هتافات المشردون تتعالى .. والناس يتضايرون داخلها ليفسحوا لجموعهم الهادرة, المدفوعة بآلاف الحسرات ..
لقد فات الوقت على فعل أي شيء يجنبنا ما سيحدث, ولكن لنحاول حتى اللحظة الأخيرة, فقد تحدث المعجزة..
ألقى جقندي بعبارته الجازمة بوجه ود التويم, والتي لا تخلو من أمل ضئيل, وهو يستعيد وقائع الحروبات المفتعلة, التي ظل"المطاليق" يشنونها على "دار الريح" وأقصى "السافل" و"الصعيد" و"دار صباح البعيدة", حيث أصبحت الشمس تشرق من هناك كل صباح منهكة.. زاوية وأكثر حزنا من حمامات "قطع الشك".. كان المطاليق يشنون هجماتهم بدعوى أنهم "أولاد بلد يقوموا ويقعدوا على كيفم .. فوق رقاب الناس مجرب سيفم", إذ أنهم أعادوا إحياء الأشعار القديمة البائسة, التي كتبها "بادي" قبل عشرات السنوات, وتم العثور عليها مدّونة في الكهف المقدس لجبل "كارناسي" المهيب, عندما إكتشفه مصادفة ذات صبيحة نديانة صياد مغرم بصيد"الجقور".. لم تسترع إهتمام "أبوشوتال" أيٌّ من الأحفورات, على جدران الكهف.. كل ما إسترعى إهتمامه فقط, كان هو بقايا القصائد الركيكة لجدّه الأكبر"بادي",التي كان قد قرر فيها عراقة أصلهم وفصلهم, دونا عن خلق أهالي الوادي الآخرين ..
وهكذا بدأت بطون الوادي وأفخاذه وعشائره تتململ, فما كان يشغلهم ليس قضية الأصل والفصل بحد ذاتها, ولكن إستغلال مثل هذا الأمر كرأسمال معنوي, لجنِّي مكاسب مادية, على حساب العشائر والبطون والأفخاذ الأخرى...
لنجتمع بعقلاء الوادي, فلربما نجد عندهم حلاً سريعا..
لا حل سوى إزالة السلطان والمطاليق.. ثم أن العقلاء خائفون.. لقد روعهم المطاليق, خصوصا أن الشائعات تفيد, أن الفتيات اللائي يتم إختطافهن, جميعهن من بنات الذين يشك "أبوشوتال" ومطاليقه في أنهم من المعارضين!..
ماذا نفعل إذن؟
على أية حال "سوميت والمشردون" يقومون بعمل جيد, نأمل أن يحقق ما نتمناه من نتائج..
قبل أن يتخذ جقندي قراره النهائي بالعمل على إسقاط السلطان, مضى يرافقه "ود التويم" ليقابله للمرّة الأخيرة. وجده متربعا على العرش, كنّمر, كان ثلاثتهم يعلمون أنه نمر من ورق.
وكان المطاليق حوله يخدمون الضيوف, الذين لم يكونوا سوى أعضاء مجلس السلطان, وقادة المطاليق أنفسهم. تحدث جقندي إلى السلطان في كل شيء:الفقر والظلم.. تهريب ثروات الوادي من قبل بطانته .. العذراوات اللأئي يختفين في غموض تام.. المعتقلات والتعذيب.. الجفاف والتصّحر والقلاقل في حواضر دار الريح والصعيد وأقصى السافل ودار صباح البعيدة, التي أصبحت شمسها تشرق منهكة. مكتئبة. وكئيبة.. شاحبة, كرمل الوادي المعلّول..غزو تجار "القِبَلْ الأربعة" لأسواق الوادي بالبضائع, التي لا يحتاجها الأهالي, ولا تفيدهم في حياتهم اليومية.. الحرّية والعدل.. لم يترك جقندي "فرضا ناقصا", وكان المطاليق يقاطعونه يدحضون كل شيء, ويعتبرون أن ما قاله لا يخرج عن دعاية المعارضين, والخارجين المدفوعين بالحقد والغبائن والأوهام المقيتة, وكان السلطان يتوارى خلف إبتسامة صفراء,لزجة. غضب جقندي, وحاول أن تكتم كلماته ما يشعر به من غيظ:
جلالتك المطاليق يغتصبون نساء دار الريح ؟
كان جقندي يظن أن السلطان سيغضب :
المطاليق دمنا ولحمنا,وناس دار الريح "فروخ" و"فرخات", وده شرف ليهن, فليه عايز تعملوا سُبّة ؟ "كسر" البكر عندهم ما عيب, بل أنهم يكرمون الضيوف بنسائهم!.. ودحين لما المطاليق يحسنوا ليهم نسلهم يقولو أغتصبونا!
أسقط في يد جقندي الذي أدرك تماما أن لا أمل. دارت الدنيا.. كل الدنيا برأسه.. همّ بقول شيء ما, قطعه عليه دخول أحد المطاليق, الذي مضى يهمس في أذن أبي شوتال, الذي سارع بدوره للهمس في أذن السلطان, الذي أنفرجت أساريره وهو يتوجه بالحديث إلى جقندي:
سنحتفي بك الليلة. لدينا حفل راقص على شرفك..
أمعن فيه جقندي النظر طويلا دون أن ينطق بحرف, وكان ود التويم لحظتها يتصبب عرقا, فالرجل الذي يعتبره المطاليق رجلهم المقرب من جقندي, كان يحمل روحه على كفه, ويعيش توازنا دقيقا, ويخشى أن ينكشف أمره في أي لحظة.. لذا أفترقا عند بوابة الخروج وأتجها في طريقين متعاكسين..
توجه جقندي بعد سلسلة من المناورات التضليلية, إلى جبل "كارناسي" عبر دروب المدينة الضيقة والمتشابكة.وهناك وجد "سوميت" و"عاشميق" و"ست البنات" مجتمعون ببقية المشردين.أرادوا أن يقفوا لتحيته, فمنعهم بإشارة من يده, وجلس منشغل البال في أحد الأركان يراقب نقاشاتهم,التي كانت تحتد وتهدأ وتهدا وتحتد..
طريق بعيد جدا في نفق الماضي المظلم, تقطعه ذاكرته المنهوبة دون هوادة.. طريق محفوف بصرخات الألم والدماء والخراب والدمار.
كانت سوميت بين فينة وأخرى تختلس إليه النظر, بينما هو يخطط بأصبعه على الأرض طرقا متقاطعة ومتوازية, تعكس أفكاره في هذه اللحظة المشبعة بالمخاوف والغموض. وكان المشردون حول سوميت لا يزالون في نقاشاتهم. إنتبه للنظرات المختلسة, التي كان عاشميق وست البنات يتبادلانها..
كان الكهف هادئا, والشمس خارجة تتسحب بإتجاه دار الريح, وصوت عاشميق في أذن ست البنات يتناهى سرِّيا.. لكن هامسا.. ربما كانا يتناقلان الشعارات الجديدة, التي يجب أن ترسمهما مجموعتيهما, على جدر بندر الوادي.. بعد أن يغفل المطاليق قليلا!..
أنهت سوميت إجتماعها بالمشردين, وهي توميء لجقندي برأسها أن يتقدم. زحف جقندي نحوهم. أطرق لبرهة ثم قال:"أننا هنا للتعبد والتكفير عن ذنوبنا , ولشكر الروح العظيمة على نعمها الكثيرة علينا (..) لقد بدأتم الآن في تغيير الوادي, ولهذا ستتعرضون لقمع مؤلم, وبإمكانكم تحمل هذا القمع, فتحمل الألم يتعلق بالدماغ وليس الجسد, لكن ذلك يعتمد على مدى إيمانكم بما تقومون به, وإستعدادكم للتضحية في سبيله(...) تذكروا أن الألم يجب أن يزرع فينا حب الخير للآخرين, فالروح العظيمة دعانا للتسامح والإبتسام في وجوه الناس, وإلقاء التحية عليهم, فقد يخفف ذلك عنهم الكثير مما يحملونه من أحزان.. يجب ألا نحقد على أحد, فقد غفر لنا الروح العظيمة الكثير من ذنوبنا, فلماذا لا نغفر لبعضنا البعض, القليل من الذنوب .." ومضى جقندي في خطبته المؤثرة يحدثهم عن الإيمان والتطهر وتحمل الألم والشعور بآلام الناس.. ثم أبتسم وهو ينهي خطابه وقد خطرت على ذاكرته لحظة مشابهة, عاشها جده الأكبر "الجنزير" التقيل قبيل الدمار الثاني بقليل.. وقتها كان الروح العظيمة, قد أنهى خلق كائنات دمار العالم, من ألوان الطيف السبعة التي كان قد مزجها في الحكمة والقوة, بماء الأخلاق والإيمان. وعجنها في طين الرّحمة قبل أن يعرضها لنار الصبر,و يغسلها بعد ذلك بأمطار الصدق والحزن والإخلاص ثم يطلقها على العالم, تحمل بين كتفيها عناصر لطبيعة الأربعة.. تساءل جقندي : ترى ماذا يعد الروح العظيمة الآن لدمار هذا العالم؟ .. دمار هذا الوادي الكئيب الغارق في البؤس والعذاب؟!.. أسر جقندي لنفسه, وهو يمعن النّظر في وجه سوميت البيضاوي النحيل, حاد الملامح :"أنها تشبه جدتها حجب النورتماما!"..
كانت تقاطيع وجه سوميت, كالمرسومة بعناية فائقة.. كالمنحوتة بإزميل عاشميق..
سوميت حفيدة حجب النور.. أول فتاة تقع عليها عينا جقندي ويحبها من أول نظرة في مراهقته الباكرة. كانت حجب النور إبنة هذا الوادي, أحبت أحد "الرُّحَلْ" فغادرت معه, وظلّت طوال ترحالهم, تحن إلى العودة والبقاء في موطنها.. هذا الحنين الذي أرضعته لإبنتها "كاكا", والتي عندما سنحت لها الفرصة هربت.. عادت إلى هنا.. إلى وادي الذهب, مسقط رأس والدتها حجب النور.. تزوجت كاكا وعاشت حياة هادئة مع زوجها وطفلتها أم كوراك التي أنجبت سوميت, التي حملت ملامح وقسمات حجب النور وكاكا الخالق الناطق..
لم تكن حجب النور جدة سوميت, هي الوحيدة التي هربت من حياة "الرُّحَلْ" بتنقلهم المستمر, فكثيرات غيرها عبر تاريخ الوادي, ظللن إما يهربن ليتزوجن من "الرُّحَلْ", أو يهربن من "الرُّحَلْ" ليتزوجن من أهالي الوادي..
عندما أخبر جقندي سوميت أول مرة أن لها ذات ملامح نساء قومه "كاكا" و والدتها "حجب النور", ضحكت سوميت كثيرا وأخبرته أنهن جداتها, فقد حكت لها أمها أم "كوراك" الكثير..
فأخذ جقندي يروي لها تاريخ القرابة بين قومه "الرُّحَلْ" وأهل الوادي.. حكى لها عن كيف هربت جدتها حجب النور, في تلك الليلة البعيدة, عندما حطّ قومه "الرُّحَلْ" برحلهم على وادي الذهب, فاشترى والد حجب النور, سبعة بقرات من أحد "الرُّحَلْ" ونقده ثمنها كاملا, وفي منتصف الليل جاء ذلك الرجل. وقف قبالة الزريبة, وأطلق عدة أسماء بتنغيم محدد, فقفزت البقرات خارج السور, وتبعته إلى حيث لا يدري أحد. كان الرجل قد إختفى والرُّحَلْ قد إختفوا وحجب النور قد إختفت. لم يكن ثمّة أثر لها أو للبقرات أو للرُّحَلْ..
(2)
لم تمض سوى أيام قليلة, حتى انجزت سوميت والمشردون مهمتهم بنجاح تام .. جن جنون المطاليق وأخذوا يجدون في البحث عن راسمي الشعارات .. لأول مرة يرون المطاليق مزعورين وهم يفتشون بيوت النااس عند الفجر .. كانت شعارات بسيطة ,ثائرة ومعبرة تمكنت من النفاذ إلى قلوب الأهالي الذين كانت دواخلهم تمور بالغضب ..
يتذكر الشايب جقندي الآن وقائع كل ما جرى, وهو يرى سنوات عمره تتبدد كزبد الماء الذي يغطي جسدي ست البنات وعاشميق خلف عشبة معونة النيل, الطافية في دعة وحبور على سطح النّهر..
كان الألم لا يزال يعتصره إعتصارا لا يحتمل, حتى أنه عندما يفكر في الكلمات, التي تعبر عن الألم, يجدها تتقاصر دون أن تقوى على وصف هذا العذاب المقيم, الذي يحاصره من الجهات الأربعة. للحد الذي يشعر بنفسه ضعيفا, إلى أقصى حد وبحاجة للمواساة و"الطبطبة".
يود لو أن كل مواساة الدنيا تتجمع الآن لإختراق آلامه, لتخفف عنه شعوره القاتل بالوحدة والبؤس, الذي يحاصره ويهد كيانه, الذي أصبح كالقلاع القديمة..
لكنه يخشى فكرة اللجوء لأي شخص كي يواسيه, أو يخفف عنه, فمجرد نظرة عابرة في هذه اللحظة, التي تتملكه بحزنها المقيم من عاشميق أو ست البنات, تكفي لتحظيم أسطورته تماما.. أسطورة"الرُّحَلْ" وتعاليم الروح العظيمة و .. و كان إحساسا مزمنا ما يتنامى داخله: أن من قتل سوميت ليس المطاليق بل هو!!..
عدّل من وضع رأسه على "قيف النّهر" وذاكرته تبتعد أكثر, ترحل إلى ذلك اليوم المطير..
كان المطر قد بدأ يهطل في الخارج. "ضُبانة" خضراء كبيرة "رّكت"على ساقه", التي أنحسر عنها جلبابه الفضفاض. إقشعّر جسمه وهو يشعر بخطاها بين الشعيرات المتفرقة, تشعل ذلك النداء القديم..
النداء ذاته الذي دفع به إلى المجيء إلى وادي الذهب والبقاء فيه.. يسمعه في حفيف خطى الذبابة على ساقه النحيل.. في زفيف الريح "القبلي والخماسين والهبباي والبرق العبادي".. في هتاف الحنين الخفي في أفق حياته الغائمة, التي لا يفتأ يغوِّيها الرِّهاب.. رِّهاب الأيام, ربما.. رِّهاب العمر, ربما ..رِّهاب وجه كاكا التي لطالما حاول نسيانها.. تجاهل وجودها في مكان ما من هذا العالم.. لكنه الرِّهاب اللعوب يدفعه دفعا إليها.. يمضي يتبع وجهها المتلفع بالرِّهاب.. تتلاشى فيه ,وتتوغل بعيدا, بعيدا ..
أحب كاكا بجنون, وعندما أراد مصارحتها, كانت قد غادرت المضارب إلى مكان لا تعلمه سوى أمها حجب النور, وظلت لسنوات طوال تطارده بطيفها, تتحكم في أحلامه, وكثيرا ما أنتزعته من طقوس الروح العظيمة, ليكتشف نفسه بشكل مباغت يصلي لها وحدها..حاضرا بين يديها هي, يتآكله القلق والتوق.. وهكذا إستجاب.. قرر البقاء في وادي الذهب..
و في تلك الصبيحة النعسانة مضى منحدرا إلى الوادي.. عندما خرجت سوميت من بين سيقان الدخن, كانت كاكا ذاتها الخالق الناطق, تخرج من بين القناديل مخلفة وراءها الرِّهاب, الذي بدأ يتراجع بعيدا, بعيدا.. من بين شقوق الأرض برزت فجأة. وقفت قبالته.. إبتسما بوجه بعضهما.. تماسك, وسألها عن ود التويم..
لحظتها كانت عصافير الوادي تغني غناء اللهفة والأشواق, فأخذ يرتعش وفي رأسه يدوي ألف خاطر.. هل كان كل ذلك وهما أم حقيقة؟.. هل عرف بالفعل يوما مراهقة بدوية جميلة بلون الكاكاو تدعى كاكا.. وهل أحبها حقا.. وهل غادرت مضارب الرُّحَلْ بليل, وأختفت كالفقاعة مخلفة وراءها طيفها الغامض, في قلب الرِّهاب؟!!..
طيفها الذي يطارده الرُّحَلْ في كل مكان.. إذن لماذا لم يصارح سوميت بهذا الحب من قبل؟.. هذا الحب الذي وئد قبل أن ينمو ويكبر, عندما قررت جدتها كاكا الهرب!.. لماذا لم يصارحها قبل أن تمضي في اللانهاية تلحق بجداتها؟!..
كان جقندي مهزوما ومنسحقا إلى أقصى حد, وعينا ست البنات وعاشميق المترعتان بالشك والأحزان, وكل مخاوف الوادي وآلامه الضّارية والضاربة في تاريخه عريق الهواجس والظنون, تفيض بأمواج هادرة تقمع داخله أي رغبة لطلب المواساة, التي أيضا كانا بحاجة ماسة إليها, ربما أكثر منه.. إذ كانا وقتها يتحسسان جرحيهما, دون أن يريا هذه الطعنة التي أصابته في القلب تماما.. هذا الجرح الغائر المميت الذي يحمله ككفن يتغطى به ويندفن..
في تلك السنوات البعيدة كان خارجا من خيمة جدته المدببة. كان أطفال الرُّحَلْ شبه العُراة بأجسامهم الناحلة, وملامحهم الغبشاء, يلعبون بين الخيام لعبة السهم والرّمية, يحاولون إصابة أهداف متحركة ,ربما تكون رجلاً أو إمرأة عابرين من الرحل.. طفل, بقرة, بعيرأو أي شيء.. في تلك اللحظة رأى كاكا وهي تتهادى في مشيتها:عينان شقيتان موغلتان في الأسى تضجان بالفقد.. أي فقد كانت تعانيه؟ أنه الحنين.. فقد الوادي.. الحنين إلى الوادي الوادع, الذي رسمته حجب النور في خيالها, بكل ملامحه وقسماته وحياته.. بطيوره ووديانه ونهره وجبل كارناسي المهيب..
أشعلت فيها تلك الصّور المختزنة في ذاكرة حجب النور, حنينا لا يوصف, ورغبة سرِّية عميقة للحياة هناك, حيث طيور الغارنوق وأشجار القمبيل وغناء الوازا النّدي..
وهكذا أصبح يتعمد رؤيتها كل يوم "من بعيد لبعيد".. يتأمل بشرتها الكاكاوية.. جسمها الناحل.. شفتيها الغليظتين وملامحها الحادة التي تبدو (غالبا) كالمنقطعة عن الدنيا: لا مبالية. لا تحفل بالألم. لا تتأثر بهموم الرُّحَلْ.. تتألق في نور النِّداء الخفي لعينيها الواسعتين, وهما ترِّفان في الظلام, الذي يكلكل قوافل الرُّحَلْ منذ مئات السنوات.. تتثبتان كجوهرتين, فيتزاحم القمر والشمس والنجوم, وترتخي قبة السماء لتلامس قمم القمبيل, وجبل كارناسي وماء النّهر.. تصبح الأرض أقرب من حبل الوريد!..
وهناك خلف قمة كارناسي, خلف السراب المتبدد, تزرع الألق والحنين الجارف.. فيتبعها جقندي خفية في كل مكان: وهي تضجع على الرمل تعبث فيه بأناملها.. وهي في الخيمة مع أمها, حيث فتح "شقا" صغيرا يسمح لعينيه يمراقبتها خلسة, آمنا دون رقيب.. دون مواجهة مباشرة.. دون .. ومع ذلك كانت ملامح وجهها تنطوي على شيء من الحزن الغامض, الذي لا حدود له!..
لم يقترب منها أبدا أو يحاول تسرِّيب عواطفه المكبوتة.. المرّة الوحيدة التي ضبطته يسترق النظر إليها, تمعنت وجهه طويلا دون أن ترمش.. كانت كاكا لا ترمش!.. زرعت داخله قلقا رهيبا.. كل لوعة الترحال وأساه.. كل قلق الرُّحَلْ وأحزانهم لحظتها كانت ترمش في قلبه, الذي كان يخفق بشدة وينتفض..
ترى هل أحب حفيدتها سوميت حقا؟ أم أحب فكرة كونها حفيدتها.. فكرة الحب القديم.. بقدر ما كانت عينا كاكا مترعتان بذلك الأسى الغامض, كانت عينا حفيدتها سوميت حانية, شقية كعالم المشردين الذى أدمنته, وهكذا في لحظة منهكة بسنوات الترحال والعذاب قرر البقاء. رحل القوم. تركوه خلفهم يواجه قدرا غامضا. يواجه وحده مأساته ومأساة الوادي الوجودية الكبرى, في غنتظار نهايات وشيكة!..
ما أن توقف المطر حتى خرج ثلاثتهم من الكهف, توجهوا إلى المقابر. كانوا يشعرون بأنها نظرة الوداع الأخيرة.. تراءى جبل كارناسي لحظتها بعيدا, وقمته غارقة في الغسق الحزين الوسنان.. غيمة عابرة حطت قبالة قبر سوميت بكت فلطمت أوراق القمبيل بكفها أرض الوادي, الذي بدا مهتزا وغارقا في المأساة ..
قبلها بساعات كان الظلام قد خيم على الوادي المسكون بالقلق والتوتر, ثم غيم كل شيء كعين"قطع الشك" وهي تغالب دموعها, وجاء صوت الوازا من بعيد كئيبا, مهلهلا كنشيج الوادي الغارق في الكآبة والعتمة والأحزان..
الآن فقط أصبحت رؤية وسماع كل شيء أكثر وضوحا, من أي وقت مضى.. زحف جقندي داخل خيمته. تأمل جسد سوميت المتمدد على تراب الخيمة. كانت نصف عارية والدماء تغطي كل شبر فيها, ومع ذلك كانت بإبتسامتها الملائكية تبدو كنائمة وليست ميتة.. كانت تبدو كالغارقة في نوم عميق, تحلم أحلاما يانعة لطالما طمحت لتحقيقها..
أشعل جقندي حبات القضيم السبعة, الراقدة في قاع كدوسه الأبنوسي الطويل, وترك فمه مفتوحا يتسرب منه الدُّخان حاملا صلواته المجيدة, وسوميت تتراءى له من بين التموجات الدائرية, وغير المنتظمة للدُّخان كأنها تفتح عينيها بين آن وآخر, تنظر إليه في محبة, وربما تضحك ضحكتها المميزة, تلك التي كهمس ممزوج في أنغام "أم كيكي" المحبة الودودة في حزنها النقي..
كانت تتراءى له تحاول شد ثوبها الممزق, لتغطي جسمها نصف العاري دون جدوى, فدائما ثمّة نصف عارٍ, مكشوف.. تخلل باصابعه النحيلة شعرها الأجعد , وهمس وهو ينفث الدخان:
رحلت إذن؟
رحلت؟
ألقت ست البنات الزاحفة عند مدخل الخيمة بسؤالها الدهش الموجوع, وهي تكرر بشكل آلي:
إغتصبها المجرمون. عذبوها. وفي القلب تماما غرسوا شوتالاتهم.. كانت جائعة وعطشى ومنهكة إلى حد فظيع.. لم يعطوها حتى جرعة ماء!..
ثم ألتفتت إلى جقندي بصورة مباغتة:
أولم يكن في مقدورك إنقاذها؟
فرد بألم مرير:
هوهل استطعت إنقاذ الوادي لأنقذها ؟
على الرغم من أنه لم يشعر يوما بأنه تقدم في السن, إلا أنه لحظتها شعر بنفسه كم هو طاعن, ومنهك ومنتهك إلى اقصى حد. الآن فقط يشعر بأن كل شيء وشيك النهاية.. كان كئيبا ومتعبا.. محاصرا بالكوابيس ومشاعر الغضب والقلق والتوتر. وكان كل شيء للمرة الأولى في حياته يتجمع دفعة واحدة ليحاصره, ويجعل كل حواسه متحفزة.. مرهفة فيرى بعيدا خلف الأفق, ويسمع حتى طرقعة "طرقة" القمبيل على الأرض الرطبة, فيهمهم في دخيلته "دائما هناك مكان.. ودائما هناك دمار لهذا المكان"..
في تلك الصبيحة بعد أن تركته سوميت ومضت, شعر بخوف مفاجيء. حاول اللحاق بها, لكنها كانت قد إختفت.. مضى يحاول العثور عليها. إجتاز دروب وشوارع البندر المكتظة بالأهالي الثائرين, الذين كانوا يصطدمون ببعضهم البعض في الزحام, دون إعتذار.. دون إبتسامة, مدفوعين بغضب هادر..
كان يتفرس في كل الملامح.. ولم تكن سوميت هناك.. كان المطاليق قد إعتقلوها حتى قبل أن تصل, لتختلط بالجموع الثائرة..
لم يفهم طوال ما مضى من وقت, حقيقة ما تعنيه له سوميت بالضبط إلا الآن فقط, يكتشفها تسكن داخله كشيء من السرمدية والأبدية, كالسِّر الطفولي الذي لا يعرفه أحد.. كان ينظر إلى جثمانها الممدد الهاديء, كملاك حزين على أرض الخيمة المتلفعة بدخان القضيم,والمتلهفة لطقوس الإنتقال الأخيرة..
غابت ست البنات وعاشميق في صلاة طويلة أمام مقبرة سوميت المتمددة بهدوء تحت شجرة القمبيل العجوز.. التي نثر جقندي تحتها حبات القضيم ووعشبات "السناسنا" و"المحريب"..
إنكفأت ست البنات على القبر بعينيها اللتان وسمتهما المأساة بحزن مقيم, وحاولت في إستماتة تجنب عينا جقندي الداكنتان الحزينتان, وهي تغالب نفسها للتملص من مشاهد تلك الليلة المظلمة, التي أبطل فيها المطاليق مفعول كل شيء يمكن أن يهدد بقائهم. كانتا وحدهما هي وسوميت فقط.. حاولت أن تصمد لكن لم تستطع أن تتمالك نفسها.. فأعترفت بكل شيء.. قبلها كانت تجهش بالبكاء على أحضان سوميت المجروحة.. بدا جفنها المتسع في إنكفاءته كأنه يحتوي القبر, متغلغلا في طبقات الأرض كلها, وفي الفضاء الحزين الواسع الذي لا حدود له.. حيث تتناهى من كل مكان فيه أصوات كرابيج المطاليق, وهي تلهب ظهر سوميت التي سال دمها سخيا يوشح أرض الكهف الصلدة..
إنكفأ جقندي على قبر سوميت, وأخذ ينتحب بشدة كطفل صغير فقد أمه.. لقد ماتت أمام عينيه دون أن يتمكن من فعل شيء.. لحظتها كان طيف سوميت يخرج من القبر ينتصب أمامه وديعا, مبتسما و محاطا بهالة من الضوء الشفاف. أخذت تمسح دموعه بحنو دون أن تنطق بكلمة, ثم أختفت فجأة كما إنبثقت من القبر فجأة, فالتفت بسرعة إلى ست البنات وعاشميق:
هل رأيتماها؟
تبادلا النظرات بينهما ولم ينطق أحدهما بحرف, فسأل بصوت حاول أن يجعله هادئا, خاليا من التوتر:
كيف كانت نهايتها؟
أطرقت ست البنات برأسها وعيناها تسافران بعيدا, مع تلك السحابة الصغيرة, التي ظهرت بمحاذاة الشمس, فبدأت القبور كلها تزهر زهورا ملوّنة, مغمورة في ضوء شفيف يغسل كل شيء حولهم..
ستمر على الوادي آلاف الغيمات الأخرى, التي تنبع من مصدر الزوبعة داخلهم, دون أن تغمر أرواحهم بالسلام.. دون أن تطوف إبتسامة سوميت الغامضة, التي تفتش في أعماق الوادي عن البلدة المدفونة بالحكايا والأحجيات التي داخلهم..
إنتفض عاشميق إنتفاضة مبهمة, كأنه يتحسس النار التي تتقد داخل جقندي, وتسآل في نفسه:"ترى لو لم يظهر جقندي في أفق حياتهم هل كانت سوميت ستعيش؟.. وترى لو كانت سوميت عائشة هل سيحدث ذلك فرقا في الوادي أو في حياتهم؟.. وهل كان من الممكن أن تجنب حياتها الوادي نهايته الوشيكة, التي لطالما تحدث عنها جقندي محذرا؟"..
كانوا جميعهم مشوشين لهول الصدمة.. وكان عاشميق وست البنات.. كلاهما يدرك أن فقدههما لسوميت يتم ليس بعده يتم.. يتم لهو أشد وأقسى من ذلك الضياع الذي كانا يحسانه, عند فقدهما لأبويهما في غارات السلطان على دار الريح..
حدق عاشميق في عيني ست البنات كأنه يعزي نفسه:
رحلت لكنها تركتك لي.
فأبتسمت ست البنات في حزن:
وتركتك لي أيضا.
للمرّة الأولى يشعران بأنهما وحيدان في هذا الكون الواسع, ليس لهما سوى بعضهما البعض.
قبل أن يغادرا المقبرة إنتحت به ست البنات بعيدا عن جقندي, وأخبرته رغبتها في مغادرة الوادي.
وأنا؟
يجب أن تغادر معي.
إلى أين؟
بلاد الروح العظيمة واسعة.
لكننا هكذا نبيع دماء سوميت.. دماء إخوتنا المشردين ودماء الأهالي الذين قضوا!! .
أخشى أن نلحق بهم إن لم نغادر. لن يتغير شيء في هذا الوادي الملعون.
وهكذا عند السحرغادرا الوادي, وهما يمسكان بيدي بعضهما.. مشيا عبر طريق متعرج, يفضي إلى عوالم غامضة مجهولة, سيقبلان عليها بكل ما يحملانه من مخاوف وهواجس وظنون.
وقبيل مغادرتهما حدود الوادي,عرجا نحو النّهر يلقيان عليه نظرة الوداع الأخيرة. بدا لهما النّهر رقراقا ومستأنسا لا يزال على شاطئه ما رسمه الأهالي بأقدامهم الحافية من حكاياغير مكتملة, لبشر يحاولون أن يجدوا موطيء قدم في حياة الوادي الموحش. يحاولون مقاومة الموت على طريقتهم, بالنسيان ودفن القصص والحكايا في الرمال, التي تناثرت عليها قطع المحار السوداء والقراقير الصغيرة, التي يرمي بها الموج أثناء تدفق المد في طريقه إلى المجاري المتفرعة, التي تربط الجروف ببعضها البعض..
تفتت التراب الهش تحت قدميهما. كانا يمشيان على حافة القيف المنسرح إلى جرف النهر, حيث تنعكس الشمس على صفحة الماء, كشعلة المعرفة, وهي تذوي في أتونها الأزلي..
على صفحة الماء الذي بدا كمرآة محفوفة الحواف, كانا يريان وجهيهما مظللين غامضين.. فيتدفق البريق الخابئ الحبيس في عينيهما في توتر قلق.. إستنشقا الهواء المكحل برماد فجر زاو.. وتجردا من ثيابهما.. تقدما يضعان قدميهما على الماء, وهما يمسكان بيدي بعضهما, ثم ألقيا بنفسيهما في المياه ببطء, وعاشميق يتملى في عينيها, اللتان كانتا لا تزالان تتقدان بنيران ما جرى لسوميت, على مرأى ومسمع منها.. كانتا لا تزالان مجروحتان نازفتان بغضب مكتوم وأسى لا حدود له. كان حزنه على سوميت أيضا كبيرا, يتراءى له طيفها الآن فتسيطر عليه مشاعر متضاربة, أشد من أن توصف بمجرد كلمة واحدة :"الحزن!".. مشاعر تفجر كل المخزون الأزلي لأسى الوادي ولوعته وعذابه.. كان كل ما يمور بداخله من مشاعر متضاربة متفجرة, ينعكس على عيني ست البنات, فتبدو قلقة متعبة وجسمها المتتليء يبدو ضئيلاوحزينا في الماء.. ووجهها أغبشا رغم القطرات التي بللته علاه شحوب لا نهائي.. كانت كمأساة متدفقة يسعى الماء للإمتزاج بها, وغسلها فتتدفق, مع الموج على رمل الشاطيء بقوة, وتمضي إلى مجاري الجروف لتغمرها..
فيما مضى(قبل الإعتقال), نعم سيبدأ عاشميق منذ الآن يؤرخ بالإعتقال لمرحلتين في حياته وست البنات.. فيما مضى كانا دائما يقضيان أوقاتا ممتعة. رائعة ورائقة, خلسة بعيدا عن عيون سوميت والمشردين والشايب جقندي.. كانا يتدفقان فيها على بعضهما دون هوادة.. يمنحان بعضهما ما حرموه من حنان ومحبة,وينسيان في غمرّة أحاسيسهما الفياضة, كل ماضي الحرمان. الذي ظلا يقتاتان منذ الطفولة على ذكرياته..
لم يعودان يعيشان في الماضي. كانت أحزانهما قد أخذت تتراجع شيئا فشيئا بفعل طاقة الحب الفياضة.. الآن كل ما حاولا نسيانه من عذاب تنبشه مشاعر الحزن من أعماق الذاكرة, كلعنة تضع مشاعرهما وأفكارهما تجاه كل شيء, على مفترق الطريق..
كانت ست البنات من ركنها المنزوي في كهف جبل كارناسي.. الركن الذي لطالما عشقت من زاويته مراقبة عاشميق, أثناء إنهماكه بحرص شديد على إزالة النتؤات البارزة على جدران الكهف. كان يريد لصفحة الجدار أن تكون ملساء. خالية من النتؤات أو الثقوب أو الشقوق, التي كان عندما يكتشقها يملؤها بالطين الصلصال.. كان يفعل ذلك بمحبة شديدة, كأنه ينحت جسد محبوبته ست البنات, التي كان يشعر بها في ركنها المنزوي, تتابع بعينيها كل ضرباته على الإزميل الصغير, وكانت هي تتخيل ضربات إزميله كالطير الكاسر, الذي ينقض على الطيور المرتاعة أسفل "جنقل السلطان". لطالما حلمت ست البنات بمغادرة وحشة التشرد وكآبته إلى بيت يجمعهما وحدهما: هي وعاشميق. يعيشان فيه حياتهما الطبيعية, دون إحساس بالحرمان أو الغبن أو الخوف أو الجوع.. تلك الظهيرة الغائظة, كانت هي المرّة الأولى التي يختلي فيها بست البنات.. كان قد ذهب إلى الكهف مبكرا لينهي ما بدأه من تدوينات أُحفورية على الجدار. في تلك اللحظة جاءت ست البنات تحمل صُرّة من القضيم, عندما وقعت عيناها على عينيه.. إرتبكت وتعثرت قدميها بقدمه في الفضاء الواسع للكهف..
كان الكهف فجأة قد بدا ضيقا كحضن.. لكن حميما ودافئا وحنون.. سحبت قدمها بسرعة ووجهها يعلوه شبح إبتسامة خجول, ثم استدارت لتفلت خارجة.. في اليوم التالي جاءا في التوقيت نفسه, دون إتفاق مسبق.
كانا وحيدين. خائفين. حالمين, وثعبان أبو الدّفان الذي بداخلهما يزحف على قلبيهما, كالزاحف على الرمضاء, لكن ببطء شديد.. يعاني لهفة الزحف الأزلية, على جسد مزغب عار.. وهكذا بدا لهما الوادي لأول مرة: جميلا ومكانا يصلح للحياة.. فقد عثر كلاهما على ما يريد في هذا المنفى, الذي صار وطنا حميما..
لم يشعرا بالارض تحتهما, ولا بالمياه التي كانت دافئة كالدمع.. دفء غريب.. كما لو أنهما ليسا هما.. خفيفين كنباتات المعونة الطافية في دعة وحبور.. إستلقيا على سطح الماء كالمعونة.. كأنهما يستلقيان على أرض الكهف الصلبة. الجافة, وغابا في إغفاءة هادئة, غير آبهين للمويجات الصّغيرة, التي تداعب جسديهما في شقاوة ولطف.. إختبأا خلف عشبة المعونة.. كانت الوحدة التي ظلت تحاصرهما منذ مقتل سوميت, قد بدأت تغرق, والمياه تغسل أحزانهما بحنو, دون أن يلحظا عينا جقندي, التي كانت تراقبهما من بعيد..
كانت أعصاب جقندي المشدودة في موضعه على قيف الشاطيء, لحظتها قد بدأت تخفف من إنقباضاتها.. إنتظمت أنفاسه وبدأت أطرافه تسترخى, وكل جسمه يرتخي, في أفق الشاطيء الذي بدت تلوح على مداه, أشباح الحوريات, فتبدو أشجار القمبيل على الضفة الأخرى, كالرُّحَلْ وهم داخل خيامهم المدببة, يقيمون طقوسهم الروحانية الغامضة.. لحظتها كان حنينه إلى قومه يشتد.. بالأحرى حنينه إلى الرحيل والتنقل, الذي أصبح هدفا بحد ذاته, دون رسالة يحملونها هنا أو هناك.
لوّح لهما جقندي بيديه, قبل أن يتواريا خلف عشبة معونة النيل, عاريان إلا من حبهما لبعضهما.. إنتظرهما جقندي طويلا بقلق, ورعشة مباغتة تهز كيانه هزا.. هو الذي منذ قتل المطاليق سوميت فارق النوم عينيه..
كان مجهدا وحزينا, وكانت شمس الصباح قد بدأت تلسع فيه الوجه والقفا.. وأصوات الأسلاف المتداخلة داخله, تتراجع شيئا فشيئا, فتتركه يعاني وحدة وغربة هذا الوادي شديد البؤس واللوعة..توغلت عشبة معونة النيل قد بعيدا.. طافية وحدها على سطح الماء, ولم يكن عاشميق وست البنات هناك.. حيث أختبأا خلفها!..
(3)
توجه "الشايب جقندي" نحو الخيمة الصغيرة, التي لا يتجاوز قطرها ثلاث أمتار, وإرتفاعها متر ونصف.. زحف على الأرض عند مدخلها الضيق, عاريا إلا من مئزره القصير. إتخذ موقع جلوسه على تراب الخيمة, بينما كان آخرون من "الرُّحلْ", قد أنهوا لحظتها صنع الدائرة الترابية الكبيرة, أمام مدخل الخيمة, ووضعوا عليها رأس الجاموس و"الكدوس" والسهم الطويل, الذي ربطت أطرافه "بصرتين" من "القُضِيْمْ".
وبعيدا قليلا من الخيمة الصغيرة المدببة, وضع أحد "الرُّحَلْ" على النار"المشعللة", أحجارا صغيرة ملساء, ومن ثم بدأ أفراد "الرُّحَلْ" يزحفون إلى داخل الخيمة, عراة إلا من مئازرهم القصيرة, ليتخذوا مواقعهم في شكل دائري, بحيث لم يبق فراغ, سوى دائرة صغيرة في الوسط, الذي وضعوا فيه أربعة إحجاراً صغيرة بإتجاه"القِبَلْ الأربعة", ثم أخذوا يتمتمون بصلوات طويلة. بعدها أخذوا يشمون ثمار "القُضِيْمْ", قبل أن يعبئوا بها "الكدوس", الذي أخذوا يتبادلون تدخينه, ويرسلون مع تموجات دخانه, صلواتهم إلى "الروح العظيمة" , وهم يهزّون "نشاشيبهم" وسهامهم بخشوع, ومن ثم أخذ الأربعة الذين بإتجاهات"القِبَلْ الأربعة", يتحدثون في وقت واحد عن العدل والخير والإحساس بآلام الآخرين, وعندما أنهوا أحاديثهم, رفع "الشايب جقندي " عقيرته بغناء حزين, تجاوبت معه طبول "الرُّحَلْ", التي بدأت ضرباتها القوية, حالما سمعت صوت غناء جقندي الحزين, تتبعها "الوازا", لتزيد من أحزان السهل الفسيح المنسرح, خارج وادي الذهب, و الذي حط عليه"الرُّحَلْ" رحالهم.. ومن ثم تبع الجميع "الشايب جقندي" زاحفين إلى خارج الخيمة, ليتوسطوا حلقة الغناء والرقص, التي تكونت أثناء أداءهم طقوسهم المقدسة.
شعب الرُّحَلْ" الذي أقام دائما في مساكن مدببة. مؤقتة. بعيدا عن عيون الناس, في الأماكن غير المطروقة. ظلت حياته على الدوام, تكتنفها الكثير من الأسرار والقصص المبهرة, التي تناقلها المغنون والرواة, عبر الأجيال, من أقاصي الدنيا ودوانيها, وحيث تنشغل الحكايات في جنوحها بحثا عن أصل و"فصل" "الرُّحَلْ", ترتد راجعة مرة أخرى, إلى نقطة بدايتها.. في الغموض الذي يلفها, عندما قرر "الرُّحَلْ" نهائيا إثر الدمار الثالث, أن يتحولوا من شعب مقيم إلى شعب مرتحل.. كل بلاد الدنيا بلاده!..
كانت نساء الرُّحَلْ الجميلات "بالشلوخ" التي رسمت على وجناتهم و "شلاليفهم" السفلى "المدقوقة", يكاد لا يحس بوجودهن أحد, فقد كن يتشابهن, حتى لكأنهن إمرأة واحدة, مستنسخة.. بعباءاتهن التي تغطي أجسامهن الفارعة, بحيث لا يبين منهن سوى عيونهن الواسعة, كعيون المها. وربما ذاك هو ما دفع أمهات قطع (الشك وسوميت و الدود أبو حجل وأبو شوتال) وآخريات كثر, يهربن من مضارب "الرُّحَلْ" عبر مختلف الأجيال, جانحات لحياة البندر والإستقرار, يحلمن بحب متجدد في مكان ثابت, مألوف وأليف.
وعلى عكسهن تماما كان الرجال "الرُّحَلْ" بوجوههم الموشومة وثيابهم المزركشة, عديدة الألوان , التي زينت بقطع المرايا والخرز و"الترتر" وقصاصات الجلد الصقيل الصغيرة, الملأى بالأوشام والنقوش, التي تشكل الخرتيت والعنقاء والتنين. فتزيد أشكالهم غموضا ورهبة .
شعب "الرُّحَلْ" على الرغم من كونه ليس شعبا من المحاربين, إلا أنهم كانوا يجيدون إستخدام"النشاب", الذي يصيدون به الحيوانات في مهارة فائقة, حتى لو كانت متحركة, ودون أن ينظروا إليها, وربما أن ذلك يعود إلى براعتهم المدهشة في تقدير المسافات, التي تضاهي براعتهم في قراءة الطالع وسبر أغوار النفس.
منذ الدمار الثالث و"الرُّحَلْ" لا يمكثون في مكان واحد , فعندما قرر"الروح العظيمة" قبل مئات السنوات إغراق وطن الرُّحَلْ, بسبب طغيانهم وإستبدادهم وتجبرهم, وإستخدامهم ل"شعلة المعرفة" التي منحهم إياها في أعمال الشر والقتل والخراب والدمار. أختفى من الوجود عالمهم الذي لطالما ألفوه, وأبدعوا فيه كل ما هو ضروري لحياتهم, بل كانوا وقتها قد تمكنوا من الوصول إلى النجوم القريبة, بعد أن عرفوا المغناطيس والمعادن, وجنح بهم الخيال فأخترعوا وسائل التعذيب وأدوات الدمار,كانوا قد بدأو يقتربون كثيرا من أسرار الروح العظيمة, وهكذا لم يتركوا له أي خيار سوى إهلاكهم, وإغراقهم بمياه البحر الملون, التي فاضت إلى أن إلتحمت بمياه النهر, وشكلّت مع الأمطار الغزيرة, فيضانا غطت مياهه كل شيء.
قبلها كان بعض العقلاء والصالحين, قد هربوا على متن الدروع الطائرة, وأجنحة العنقاء, والقوارب.. وعندما أنحسر الماء ووطأت أقدامهم اليابسة, أخذوا يتنقلون من مكان لآخر, دون أن يقيموا فيه.
وكانوا في حلهم وترحالهم, يقيمون مع نساء البلدان التي يمرون بها علاقات غامضة, لكنها تتمخض على أية حال, عن أطفال شديدي الذكاء والجمال, ف"حبوبات" سوميت وقطع الشك والدود أبوحجل وأبو شوتال وغيرهن, كن ثمرة مثل هذه العلاقات الغامضة, التي زرعت فيهن حنينا غامضا لمواطنهن, التي هجرنها منذ تركن ديارهن وتبعن الرُّحَلْ, فأرضعن هذا الحنين أطفالهن, الذين تمكنوا من الهروب بعد ذلك, ليبدأوا حياة جديدة في وادي الذهب, الذي كان يشعر الرُّحَلْ بإنتماء غامض له.. هذا الشعور الذي وقف خلف قرار الشايب جقندي للبقاء.
منذ خطى الرُّحَلْ على اليابسة , كانت قد إستقرت في نفوسهم قناعة أن يستمروا في التنقل عبر واحات الصحراء والوديان, لينقلوا أخبار الكارثة التي حلت بشعبهم, إلى الأجيال المختلفة في كل مكان, وهكذا مضوا يقطعون الفيافي والغفار, دون أن يقيموا هنا أو هناك, إلا قليلا ريثما يواصلون الرحيل مرة أخرى.
الآن حيث يقيمون في السهول, التي عند أطراف حاضرة الوادي, يشعرون.. جميعهم يشعرون بنزر الكارثة الوشيكة التي ستعصف به, والتي يعتقدون أنها مقدمة للدمار الرابع. بحيث لا يتبقى للبشر.. كل البشر سوى ثلاث مراحل أخرى, لينتهى العالم بعدها تماما, وتطوى صفحته إلى الأبد, فلا ناجون يعمرون الأرض بعدها.
على تراب الخيمة وضع جقندي سبعة دمي صغيرة, تمثل الأسلاف الذين قضوا في دمار العوالم الثلاث, والأحفاد الذين لم يأتوا بعد في العوالم الثلاثة المقبلة.. كانوا أحياء في هذه الدمي الصغيرة الملوّنة.. غاب جقندي في صلاة عميقة .
إنشقت الدمي عن طيوف ساكنيها, الذين تحلقوا في دائرة حول الخيمة, توسطتهم قطع الشك ترقص عارية, وعينيها اللتين كبحيرتين واسعتين, إستحالتا لبحرين من الغضب والنار!.. رقصت على أنغام الوازا والطبول التي تناهت من الخارج كأنها تأتي من البعيد.. من أعماق الأسرار الخفية والغامضة للرُّحَلْ.. رقصت كحوريات وادي الغزلان, والطيوف السبعة تغوص عميقا.. عميقا في فضاء الخيمة الدائري, تحلق في الفضاء المتمدد, إذ أخذت الخيمة لحظتها تتسع وتطول. ثم تبددت قطع الشك في الفراغ, وعادت الخيمة إلى حجمها الصغير وسكن كل شيء, فلم يعد جقندي يسمع سوى زفيف ريح الخماسين في الخارج, ممزوجة في أنفاسها اللاهثة, التي خلفتها وراءها ..
تنحنحت الطيوف السبعة, تنتزع جقندي من إسغراقته العميقة. أخبرهم جقندي برغبته في المكوث بوادي الذهب.. إبتسموا وهم يديرون رؤوسهم نحو بعضهم البعض, وهزوا رؤوسهم وتلاشوا في فراغ الخيمة الصّغيرة يتبعون طيف قطع الشك الذي تبدد.
وعلى "هدب الدَّغَشْ" عندما شد "الرُّحَلْ" رحالهم, ودعهم جقندي ومضى متوجها إلى بندر الوادي, عبر "حواشات" الذّرة والدُّخن, حيث رأى "البِنَيَّة" الجميلة سوميت فخفق قلبه بشدة وأنتفض.
بعد أن هيأ جقندي في كهف جبل كارناسي سكنا له, مضى يلتقي السلطان. فشلت مفاوضات جقندي مع السلطان الذي رفض كل ما أسداه جقندي من نصح. ولم تمض سوى أيام قليلة, حتى بدأت علاقته تتوطد بسوميت التي جمعت المشردون ليبنوا له دارا, في أطراف "دبة أم قنيطير", التي تتوسط "فجيجة ودالتويم". فبعد أن فشلت مفاوضات جقندي مع السلطان, وفشل السلطان في إغراء جقندي بالإقامة في أي دار من الدور السلطانية, تمكن ود التويم من إقناع جقندي بإقامة دار له في "الفجيجة" التي يملكها, بل وأهداه هذه "الفجيجة" التي تتجاوز مساحتها الألف عود. وفي الحقيقة أن ود التويم لم يتمكن من إقناع جقندي, فهذا ما كان جقندي يريده بالضبط!..
أنهى المشردون تشييد دار جقندي, الذي حرص تساعده سوميت وعمسيب وعاشميق, أن ينصب بنفسه في الطرف الشرقي منها.. قبالة "وادي الغزلان", خيمة مدببة كخيام قومه الرُّحَلْ.
(4)
موجة شقية تنتشر على قيف الشاطيء, ترش وجهه بالرزاز, تهدد وسنه الأسيان . ينكفيء بوجهه بعيدا حيث تلوح سوميت غارقة في خدر ست البنات وعاشميق. وقطع الشك قبالتهما تلوح بيديها وهي تتماهى في زبد الموج المتبدد خلف عشبة معونة النيل, وترحل.
إختفت قطع الشك.. إختفت وما عادت تظهر إلا في الليالي شديدة الحلكة, تعترض السابلة وتخيفهم, وتستدرج المطاليق, برقصها الساحر على أنغام مزامير خفية, لا يدري أحد مصدرها. يشعرون بالخدر لدى سماعها, ويصبحون كالمنومين مغناطيسيا, فلا يفيقون إلا بعد أن يشعروا بآلام حادة في أنوفهم المدماة! .
ولدت "قطع الشك" لأبوين مجهولين!لا أحد يعرف عن نسبهما وحسبهما أي شيء. فقد وجدهم الناس هكذا.. فجأة.. يسكنون بينهم في منتهى الزقاق المفضي إلى الساحة, التي تتوسط بندر وادي الذهب. كانا مألوفان بشكل غامض, ويبدوان كجزء من الذاكرة المنهوبة للوادي!.
حين ولدت "قطع الشك" في البدء لم يشعر بوجودها أحد.. وعندما شعروا بوجودها, كانت سطوة عيناها الواسعتان, قد ملأت "قِبَل" الأرض الأربعة. فقد كانت دائما مغطاة بعباءة لا تكشف منها شيئا سوى عينيها الدعجاوين. وكان الآخرون يشعرون بوجودها بمجرد سماعهم وقع خطواتها الهامسة, ونكهة "المحريب" التي تسبق الرّنات المميزة لحجولها, التي تعلن عن مرور طاغ لسحر لا يقاوم!.
كانت "قطع الشك" بقوامها اللدن, تتثنى في مشيتها الهادئة كالهفيف, وأنفاسها المبثوثة في نكهة المحريب, تكاد تحرق كل من تمر بقربه, مخلفة وراءها "هبود" الدنف والإثارة القاتلين!.. كانت أشبه بلعنة خالصة, لا تحتك بها إلا وتملؤك رهبة تدك أعتى القلاع المشيدة من أحجار جبل كارناسي المقدس.
في ذلك المساء البعيد.. قبل عشرات السنوات , سد عليها "المطلوق الدود أبوحجل" الزقاق الضيق, مستعينا بمطاليق الصحراء.. حاول أخذها عنوة. تمنعت. قاومته.. تمكنوا منها. قيدوها. وأخذ الدود يعريها وهي تبكي, والمطاليق قد تسمروا أمام سطوة جسمها العاري.. كانوا كالذين صعقهم تيار "البرق العبادي", وصواعقه الرهيبة في "سنة نجع الناس لديار سافل" .
تملصت قطع الشك من زراعي الدود, وأخذت تركض عارية, وعيناها اللتان كبحيرتان واسعتان, إستحالتا لبحيرتين من الغضب والنار.. لحظتها كان الدود قد لحق بها. إرتميا على الأرض يتصارعان, تحاول الإفلات, ويحاول السيطرة. كانت روحها وقتها تحلق بعيدا نحو السماوات البعيدة, لتعود مرة أخرى بعد عشرات السنوات, لتولد في البنية الجميلة "سوميت", التي ستغادر في لحظة كارثية, وتترك "الشايب جقندي" متمددا على الأرض القردود, أوقيف شاطيء الوادي الحزين.. تركته لوحدته المجيدة, بعد أن أخبرها عن مداولاته مع ود التويم حول كل شيء في وادي الذهب, الذي كان "المطاليق" يوشكون على فصل حاضرة صعيده.
تركت"سوميت" "جقندي" في عزلته البديعة, يتمدد على الأرض "القردود" المخددة "بالشقوق", دون أن تدري لحظتها أنها تمضي إلى قدرها المحتوم! فوقتها كان "المطاليق" يقودهم"أبوشوتال" قد إحتلوا دارها. قيدوا والدتها أم كوراك إلى "شِعَب التُكُلْ", وربطوا والدها في "الراكوبة" الملحقة.. بينما الشايب جقندي, لا يزال متمددا على الأرض الطينية الجافة.
أغمض جقندي عينيه, يستعيد أنفاسه اللاهثة. لم يكن قد نام لعدة أيام, وعلى الرغم من التعب الذي سكن مفاصله, كان عقله يتقد كأتون أزلي, وخواطره تل


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.