تجار بشر يحتجزون 11 سودانيا في ليبيا ويطالبون بملياري جنيه لإطلاقهم    والي سنار يوجه بالتقصي حول حالات التسمم    طموحات الشباب ما بعد الثورة ... آمال محفوفة بالصبر والقلق    تشكيلية سودانية تفوز بجائزة "الأمير كلاوس"    أمريكا والسودان يعتزمان تبادل السفراء بعد انقطاع دام 23 عاما    ياسر عرمان: الوضع الحالي هش ويحتاج ألا تحتكر أي جهة واحدة الحقيقة .. لا يمكن استئصال فكرة الإسلام السياسي ويجب ألا نأخذ الإسلاميين ككتلة صماء    الجبهة الثورية تتمسك بإرجاء تعيين الولاة    مطالبة بضرورة تحسين الوضع الغذائي    وزير الطاقة يكشف عن سياسة تشجيعية لمنتجي الذهب    مسؤول أمريكي يبلغ حمدوك بالإجراءات لإسقاط السودان من لائحة الإرهاب    اتفاق سوداني امريكي على رفع التمثيل الدبلوماسي    اتفاق بين الخرطوم وواشنطن على رفع التمثيل الدبلوماسي    النطق بالحكم في قضية معلم خشم القربة نهاية ديسمبر الجاري    بنك السودان يسمح للمصارف بشراء واستخدام جميع حصائل الصادر    العطا: المنظومة العسكرية متماسكة ومتعاونة    مؤشرات الفساد (5) – الشركة العربية للنشا والجلكوز (أ) .. بقلم: سعيد محمد عدنان – لندن – المملكة المتحدة    مجلس الوزراء يُجيز توصية بعدم إخضاع الصادرات الزراعية لأي رسوم ولائية    لماذا يجب رفع الدعم عن المواطنين ..؟ .. بقلم: مجاهد بشير    د. عقيل : وفاة أحمد الخير سببها التعذيب الشديد    نوم العوافي .. في الشأن الثقافي .. بقلم: د. أحمد الخميسي    مش لما ترفعي الستار عن نفسك أولاً!! .. بقلم: كمال الهِدي    أساتذة الترابي .. بقلم: الطيب النقر    تعلموا من الاستاذ محمود (1) الانسان بين التسيير والحرية .. بقلم: عصام جزولي    الطاقة تكشف عن سياسة تشجيعية لمنتجي الذهب        إكتمال تنفيذ الربط الكهربائي السوداني المصري    اتّحاد المخابز يكشف عن أسباب الأزمة    والي الخرطوم يتفقد ضحايا حريق مصنع "السيراميك"    في بيان من مجلس الوزراء الإنتقالي: حريق هائل بمصنع سالومي للسيراميك بضاحية كوبر يتسبب في سقوط 23 قتيلاً وأكثر من 130 جريح حتي الان    مقتل 23 شخصا وإصابة أكثر من 130 في حريق شمال العاصمة السودانية    بعد ثلاثة عقود من قَبْرٍ حلف وارسو، هل الناتو في مفترق طرق؟ .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    قراءة سياسية في أغنية ألف ليلة وليلة لأم كلثوم .. بقلم: الطيب النقر    مصالحة الأقطاب ودمار العقول .. بقلم: كمال الهِدي    مبادرات: مركز عبدالوهاب موسى للإبداع والإختراع .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    من يخلصنا من هذه الخرافات .. باسم الدين .. ؟؟ .. بقلم: حمد مدنى حمد    وفاة الفنان الشعبي المصري شعبان عبد الرحيم    حريق هائل في المنطقة الصناعية بحري يؤدي لوقوع اصابات    تدشين الحملة الجزئية لاستئصال شلل الاطفال بمعسكر ابوشوك        الهلال يستعد لمواجهة الأهلي بالفوز على حي الوادي نيالا .. تحديد أسعار تذاكر مباراة الأهلي المصري والهلال السوداني    هلال الفاشر يعلن وفاة لاعبه كرومة        "دي كابريو" ينفي صلته بحرائق الأمازون    انضمام السودان إلى أوبك .. بقلم: د. أنور أبو العلا    الفلاح عطبرة.. تحدٍ جديد لنجوم المريخ    الحل في البل    مولد وراح على المريخ    بعثة بلاتينيوم الزيمبابوي تصل الخرطوم لمواجهة الهلال    الهلال يطالب بتحكيم أجنبي لمباريات القمة    فرق فنية خارجية تشارك في بورتسودان عاصمة للثقافة    انفجار جسم غريب يؤدي لوفاة ثلاثة أطفال بمنطقة تنقاسي    والي كسلا يدعو للتكاتف للقضاء على حمى الضنك بالولاية    حملة تطعيم للحمى الصفراء بأمبدة    أنس فضل المولى.. إنّ الحياة من الممات قريب    ضبط كميات من المواد الغذائية الفاسدة بالقضارف    وزير الثقافة يزور جناح محمود محمد طه ويبدي أسفه للحادثة التي تعرض لها    مولاَّنا نعمات.. وتعظيم سلام لنساء بلادي..    وزير الشؤون الدينية والأوقاف : الطرق الصوفية أرست التسامح وقيم المحبة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الحكومة الدينية فكرة خاطئة لا سند لها في القرآن الكريم، ولا في السنة المطهرة، ثم هي دعوة مناقضة للدستور وللإعلان العالمي لحقوق الإنسان


[b]بسم الله الرحمن الرحيم
" واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة"
بدرالدين يوسف دفع الله السيمت
مقدمة
لقد تمادى السيد رئيس جمهورية السودان، أو على وجه الدقة، ما تبقى من السودان، في دعوته الباطلة، لإقامة حكومة دينية في شمال السودان... حكومة لا تعترف بالتعدد الإثني والثقافي كما قال في القضارف... حكومة تحكم بالجلد والبتر والصلب... حكومة تستجدي امريكا، بعد أن قالت يوما إن أمريكا والعالم الغربي تحت أقدامها!!
وقبل الخوض في هذا الموضوع، فلا بد أن نبارك لمصر الشقيقة، إنتفاضة بناتها وأبنائها، وإنقشاع ظلمة الحكم المباركي الساداتي الناصري، الذي جثم على صدرها، أكثر من نصف قرن من الزمان، لقيت مصر والعالم العربي، خلاله الويلات والدواهي.
في ذات الوقت، فإننا نحزن كل الحزن، ونأسف أسفا شديدا، لسقوط الضحايا، ليس في ميدان التحرير فقط، وإنما طيلة العهود الناصرية الساداتية المباركية... نرجو أن يفتح الله الآفاق لأهل مصر فيدخلوا في السلم كافة، ويطوروا ثورتهم العاطفية ، إلى ثورة فكرية سلمية، لا تبتغي شيئا، سوى الحرية والكمال والحق... ثورة سلمية يكون الفرد فيها غاية، لا يضح به في سبيل الجماعة.
إن مصر اليوم في مفترق طرق، والخيار متروك للشعب المصري، إما أن يختار الطريق الصاعد إلى مشارق النور ومشارف الحرية، وإما أن يختار الطريق الهابط إلى مزالق السلفية والهمجية والحروب.
ونعود لرئيس شمال السودان، والذي صمتت أجهزته الرسمية، عن أخبار ثورة مصر، التي تابعها العالم أجمع، وشغلت نفسها بمتابعة خطب الرئيس العجيبة، والمحشود إليها مسبقا.
نعود للسيد الرئيس، فنجده، قد أعلن في ختام خطبة له بقرية الكباشي، على رؤوس الأشهاد، أنه إما أن يعود للإسلام مجده، او أن تراق فيه الدماء!! والسؤال الأول هو: لماذا لم يفلح السيد رئيس الجمهورية في إستعادة مجد الإسلام خلال أكثر من عشرين عاما، حكم فيها السودان حكما مطلقا إستبداديا ؟؟ ولكن السؤال المحير هو: أي دماء سوف يريقها السيد رئيس الجمهورية؟
أهي دماء شعب شمال السودان، الذي يزعم الرئيس ، انه حقق له السلام ، بفصل الجنوب عن الشمال؟ إن هذا الحديث غير المسئول، ليس مجرد فلتة لسان، وإنما هو تدبير مبيت، و نهج قديم ومتواتر عن السيد الرئيس بصورة خاصة، ولبعض مستشاريه ووزرائه، بصورة عامه... هؤلاء جميعا، بما فيهم السيد الرئيس ، يتكلفون الحديث عن الديمقراطية والسلام، ولكنهم سرعان ما يعودون لطبعهم القديم، في التلويح بالعنف:
وأسرع مفعول فعلت تغيرا تكلف شئ في طباعك ضده
ولذلك فإن حديث السيد رئيس الجمهورية غير المسئول، يجب الا يمضي عابرا، ويجب أن نقف عنده طويلا، درءا لصد الشر القادم من كل الأبواب، والمطوي في تأسيس حكومة دينية في شمال السودان.
ومن حقنا، أن نتساءل: لماذا اعلن السيد رئيس الجمهورية وقبيله الجهاد على سكان الجنوب، وسفكوا دماء الأبرياء، ثم عادوا للتباهى والتفاخر ، بتحقيق السلام ، بفصل الجنوب من الشمال، مثل الطبيب الفاشل الذي يفتخر بأنه قد شفى المريض، وأزال عنه الوجع، لأنه قتل المريض!! لماذا لم تفصل هذه الحكومة الجنوب منذ الوهلة الأولى؟
هل تظن هذه الحكومة أن شعب شمال السودان، شعب بلا ذاكرة!! أو لم يكن أكرم لحكومة شمال السودان، أن تعلن للشعب السوداني، أنها إكتشفت أن فكرة الجهاد في جنوب السودان، هي فكرة خاطئة وباطلة، وأنها رجعت إلى الصواب والحق، فوقعت إتفاقية السلام ، لأن الرجوع للحق فضيلة، بدلا من أن تتخذ من عجزها فضيلة، تمتن بها على الشعب السوداني... إنها حكومة لا تشعر بالآم ذوي الضحايا ، ولا تحس بأية مسئولية دينية أو أخلاقية أو مادية تجاه مئات الآلاف من الضحايا الذين ضحوا بنفوسهم، وفقدوا مهجهم، وسفكت دماؤهم ، في سبيل فكرة جهاد الجنوبيين الخاطئة الباطلة.
وبعد كل هذا، بأي وجه يتكبر هذا الرئيس على شعبه، ويزدريه ويحتقره، ويعتبر معارضيه، مجرد نمل، يمكن أن يحطمهم بكلمة واحدة لمؤيديه الذين يبلغون 90% من شعب السودان حسب زعمه!! ولكنه لم يفعل رحمة بشعبه المسكين، وتمسكا بأخلاقه الفاضلة!!
ولنفرض أن للسيد الرئيس أغلبية ساحقة، وأجهزة أمنية مسلحة بمال الشعب ، أليست هذه دعوة للإبادة الجماعية لكل الأقليات ، تلك التهمة التي لا يزال سيفها معلقا على رقبة السيد الرئيس في جميع المحافل الدولية؟
أو لم يقل هذا الرئيس، في يوم من الأيام ، أنه لا يريد أن يرى أسيرا ، أو جريحا في دارفور!! ماذا يريد أن يرى سيادته؟؟ أيريد أن يرى شعبه نملا يحطمه جنوده، وهم لايشعرون!!
لقد ظن السيد الرئيس، بعد أن مهد لفصل الجنوب بالإصرار على نظامين قانونيين في البلاد، وتضمين ذلك في إتفاقية السلام الشاملة، وبالمضي في سياسته الظالمة التعسفية، المقيدة للحريات، ظن انه سينفرد بالشمال ويطبق عليه قوانين سبتمبر المهينة المذلة، التي لا تعترف بحرية العقيدة.
تلك القوانين التي إبتدعها جنرال مثله، زعم يوما أنه إمام المسلمين، وجمع حوله أدعياء التصوف، وفلول الطائفية، الذين يدقون الطبول للرئيس اليوم، ويحرقون له البخور، ويبايعونه نفس بيعة الرئيس نميري، تلك اليمين الغموس الكاذبة، التي لا تزال معلقة في رقاب أهل الإنقاذ الذين بايعوا نميري، ثم نقضوا بيعته.
لماذا يصر الرئيس ونائبه وقبيلهما على إبقاء ما يسمى بحد الردة في قانون عقوبات السودان؟
أريد أن أشق هونا ما،على السيد الرئيس وقبيله ونائبه، الذي كان محاميا يدافع ويرافع أمام المحاكم بالنيابة عن الذين كانوا يحرضون على قتل الأستاذ الجليل محمود محمد طه!! أريد أن أشق عليهم هونا ما، وأسألهم عن حكم الردة المنصوص عليه في قوانينهم المزيفة؟ ولماذا يصرون عليه حتى الآن، وعلى من يودون تطبيقه، وهم يزعمون أنهم دعاة لحرية العقيدة!!
لقد قتل بإسم قوانين سبتمبر الباطلة ، رجل من أنبل الناس وأميزهم وأزكاهم وأذكاهم وأكثرهم علما.... لقد قتل بإسم قوانين سبتمبر الرجل الوحيد في السودان، الذي أقترح حلا نهائيا، لمشكلة الجنوب، بدعوته الصريحة منذ عام 1955 لتطبيق نظام الحكم الفدرالي ليس للجنوب فحسب، وإنما للشمال وللشرق وللغرب وللوسط؟؟ لقد قتل بإسم هذه القوانين الجائرة، الرجل الذي كان يسمي مشكلة الجنوب، بمشكلة الشمال؟؟ أليست هذه تسمية حقيقية، وإستباقا لمشكلة دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة وشرق السودان؟
لماذا يصر الرئيس وقبيله على قوانين سبتمبر التي قتل بإسمها صاحب اليقين الذي كان يسكن في بيت الطين؟ بأي حق قتلوا المتصوف الحقيقي الزاهد المنقطع لذكر الله ومحبته وتعظيمه، حقا وصدقا، رقا وتعبدا؟ بأي حق قتلوا رجلا يقول ربي الله؟
لماذا يصر السيد الرئيس على حد الردة الذي قتل بتنفيذه الرجل، صاحب السيرة العطرة الممجدة، عند كل أهل الفكر الحر، والذي أفنى عمره في الدفاع عن الإسلام، والذي نجح في إبراز فردية الإسلام، بلسان عربي مبين... تلك الفردية التي رفعت الدين الإسلامي إلى مرتبة فكرية سامقة ودرجة روحية عالية، يقصر عنها تطاول كل متطاول!!
فليطمئن السيد الرئيس، وليطمئن نائبه وقبيلهما، أن الله إستجاب لعبده الصالح محمود محمد طه، يوم نادى ربه نداء خفيا بقوله:" إن كان هناك يوم ، لا أحب أن أرى فجره، فهو اليوم الذي تكون عندنا فيه، طبقة تموت من التخمة، وطبقة تموت من الجوع" لقد أكرم الله عبده الصالح ، فلم يشهد عهد الإنقاذ.
فليطمئن السيد الرئيس ونائبه وقبيلهما، فإن الرجل النبيل، قد إبتسم لجماهيرهم ، وهو على حبل المشنقة، إبتسامة الأب الشفوق، الحاني على الإبن العقوق، ثم عفا عنهم ولسان حاله يقول: اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
الآن ، بفضل من الله ونعمة، وبمدد دائم من الحي الذي لايموت، فإن قوم شمال السودان يعلمون، ولن يستطيع السيد الرئيس، ولا نائبه، ولا قبيلهما، ان يفعلوا ما فعله سلفهم وصاحبهم نميري، وينفردوا بشعب شمال السودان العظيم، في دولتهم المزعومة، والتي أسموها سخرية بالجمهورية الثانية، وهيهات هيهات لما يظنون.
ليعلم السيد الرئيس ونائبه وقبيلهما، أن يدا علية سوف تناهضهم مناهضة سلمية فكرية، بسلاح الآيات القرآنية، وبالإعتصام بالله، وبالتوكل عليه بالكلية. ليعلموا منذ اليوم، أنهم سيواجهون من لا يقتل أحدا، ولكنه لا يخاف أن يقتله أحد... سيواجهون من يقول لكل واحد منهم ، نهارا جهارا: " لئن بسطت إلي يدك لتقتلني، ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك"
إن آيات القرآن تهد الجبال، ولا يوجد جبل يعصم السيد الرئيس ونائبه وقبيلهما من ماء أسرار القرآن!! إن جميع آيات القرآن لهم بالمرصاد، فإن لم يصبهم وابل، فالطل يكفي، فإن القرآن كله موجود في بعضه!! ليعلم هؤلاء، أن جذوة أكتوبر لم تمت، وإن غمرها رماد كثيف، وأن شعب الشمال لم يمت، وإن غشيه نوم طويل ، وما قيام الشعوب على الظالمين ببعيد.
لقد قلنا في مقالنا السابق،إن الحكومة الدينية فكرة خاطئة لا سند لها في القرآن الكريم، وقد تمكنا بفضل من الله ونعمة ، من تجريد السلطة الحاضرة في شمال السودان من سلاح الآيات القرآنية، في لمحة خاطفة، هي أول الغيث.
ونعود اليوم، بإذن الله لتجريد سلطة شمال السودان من سلاح الأحاديث النبوية، حتى تقف عارية أمام الناس، كما هي عارية أمام الله، إذ أن الحكومة الدينية فكرة خاطئة لا سند لها، في السنة المطهرة، والآثار النبوية الشريفة، وعند الله وحده نلتمس العون والسداد.
نبي الإسلام العظيم لم يكن ملكا ، ولا رئيسا، ولا حاكما، ولم يكن يخاطب إلا بالرسول
وبالنبي، وبالأسماء الأخرى التي تدل على التبجيل والإشراق، وعلى التعليم والإرشاد
معلوم أن النبي الكريم، قد خير بين أن يكون نبيا ملكا، أو نبيا عبدا، فاختار أن يكون نبيا عبدا لها ... إختار الله، فاختاره الله، جزاء وفاقا، ونسبه إليه تعالى ، نسبة متواصلة، ومتواترة، ظاهرة بائنة، كأنها الوردة البيضاء في زهرة شجرة الأنساب العلوية.
ومن الميسور إلتماس تلك النسبة العلوية، تسبيحا وتقديسا في قوله : " سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى" وقيومية ورفعة في قوله تعالى : " وأنه لما قام عبدالله يدعوه" وحمدا وتنزيلا في قوله تعالى: " الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا" ثم وحيا وإشراقا، وتحقيقا، وإنسلاخا من ظلمة الطين، في قوله: " فكان قاب قوسين أو أدنى* فأوحى إلى عبده ما أوحى* ماكذب الفؤاد ما رأى"
وأحب أن الفت نظر القراء الكرام، إلى أن الله لم يمدح نبيه العظيم، في القرآن الكريم، بملك أو برئاسة، وإنما مدحه بنبل الأخلاق وكرمها وعظمتها : " وإنك لعلى خلق عظيم" ولم يقل النبي قط، أنه بعث لإنشاء مملكة، وإنما قال : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"
ولم يحصل قط، أنه عليه السلام، قد خاطبه أصحابه، طيلة بقاء نفسه الطاهرة في إهاب الهيكل البشري، أثناء بعثته المشرفة ، لمدة ثلاث وعشرين سنة، بأي لفظ يدل على الملك ، أو الحكم أو الرئاسة، وعن الملك والحكم تعالى عليه السلام علوا كبيرا، فقد كان النبي مذكرا ولم يكن مسيطرا، سيطرة الحكام والملوك: " فذكر إنما أنت مذكر* لست عليهم بمسيطر"
ولست أقصد بهذا التقليل من شأن الملك والحكم، والزراية بهما، ولكنني أقصد أن أضعهما في موضعهما الصحيح، من حيث أن الحكم، وظيفة دنيوية مدنية ، لها مهامها المرحلية في إدارة أمور الناس، وسياسة وتدبير معاشهم، تقتضي الحكمة في تنظيمها قدرا من السيطرة والتحكم والتفرغ، شأنها في ذلك، شأن الزراعة والصناعة والهندسة والطب والتجارة وهلم جرا... وإن كانت السيطرة والتحكم في أمور، الإدارة والقضاء، والشرطة، والحكم، أظهر مما في سواهم، بطبيعة الحال.
ومعلوم أنه عليه السلام قد مارس التجارة، قبل بعثته المشرفة ، بل إنه في بداية الأيام الأولى للرسالة ، كان يمارس التجارة ، ليكسب قوت يومه، ويعول عياله، فأعاب عليه الجاهلون ذلك: " وقالوا ما ل هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق" ولكنه ترك التجارة، وتفرغ بكليته، للنهوض بأعباء الرسالة، ونشر تعاليم الإسلام ، عندما إستعلن النور الإلهي به عليه السلام، بظهور شمس النبوة، حيث لم يكن من الممكن عمليا ممارسة أي عمل آخر معها ، فاغناه الله عن التجارة : " ووجدك عائلا فأغنى"
ثم توكل النبي الكريم على ربه ببلوغ الحق المبين: "فتوكل على الله، إنك على الحق المبين" وتفرغ بكليته لتبليغ ما أنزل إليه ، وأداء ما ائتومن عليه، ففعل ذلك فعلا وليس قولا فقط ، وإن لم يفعل، فإنه ما بلغ رسالة ربه: " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس" فعصمه الله من ملك الناس، فلم يكن مسيطرا على أحد، بل كان متفرغا لوظيفته الجليلة في التذكير بالله: " وما أنت عليهم بجبار، فذكر بالقرآن ، من يخاف وعيد"
وغني عن البيان، ان النبي الكريم قد سماه ربه، وعرفه الناس بمئات الأسماء ليس من بينها الملك، أو الحاكم ، أو الرئيس، فهو عبدالله ، وهو الرسول النبي الأمي، وهو أحمد، وهومحمد، وهو محمود، وهو حامد، وهوالسراج المنير ، وهو المبشر، وهو النذير، وهوالداعي إلى الله، وهو طه، وهو يس، وهو الطيب، وهو الطاهر، وهو الحاشر، وهو المتوكل، وهوالمأمون، وهو الأمين ، وهو صاحب الفتح المبين، وهو المصطفي، وهو المجتبى، وهوالشفيع، وهو الوسيلة، وهو صاحب الدرجة الرفيعة ، وهو الهادي، وهو المهتدي، وهو النور، وقديما قال أصحابنا:
فإنك أنت نور النور باد وإن سموك لي طه الأمينا
إنه نور الرب العظيم ، الذي كان متجليا على وجه النبي الكريم، من شدة تسليمه لربه: " أفمن شرح الله صدره للإسلام ، فهو على نور من ربه"
تأمل جميع هذه الأسماء!! هل من بينها الملك؟ أو حاكم الولاية؟
وتحضرني هنا قصة طريفة، أن إعرابيا قدم من البادية، فلما رأى النبي محمدا، أخذته هيبته، المعلوة بأنوار الرضا والتسليم، فلجلج في الكلام، فتبسم له عليه السلام، وقال: " هون عليك، فإني لست ملكا، وإنما أنا إبن إمرأة من قريش ، كانت تأكل القديد"
لماذا ينفي عليه السلام عن نفسه الملك؟ ولماذا كان يقول لإصحابه : " لا تعظموني ، كما تعظم الأعاجم ملوكها، فإنما أنا عبد، أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد"
نبي الإسلام العظيم، لم ينظم دواوين حكومة
أو بلاط دولة، ولم يدبج موسوعة قوانين
لو كانت الحكومة الإسلامية، فريضة دينية، لا يكتمل تبليغ الرسالة ، إلا بها، لأنشأ النبي الكريم بلاطا، ولنظم الدواوين، ولأعلن نفسه حاكما، أو ملكا، أو إمبراطورا، ولا يظنن ظان، ان هذه الأمور لم تكن معلومة، في ذلك العصر، فقد كان بلاط الروم، على مرمى حجر من يثرب، ولقد زار النبي الكريم، بنفسه بلاد الشام مرارا وتكرارا، بل إن قصص الملوك والدول مبسوطة في القرآن الكريم.
لماذا لم يأمر النبي بتشييد السجون لحبس المجرمين، وسجن فرعون مذكور في القرآن الكريم؟ لماذا لم يصدر النبي الأوامر والمراسيم، وهو عليم بأخبار القياصرة والأكاسرة، بل إن من هم دونه من العرب كانوا يروحون ويغدون لحواضر جيرانهم أصحاب عرش كسرى العتيد؟؟
لماذا لم يدبج النبي موسوعة للقانون الإسلامي، وقد دبج حمورابي قوانينه، قبل ميلاد المسيح؟ و لايستطيع أحد أن يحتج بأن النبي الكريم لم يكن يعلم ذلك والقرآن الكريم ، قد ذكر قصة الذي آتاه اله الملك مع أب الأنبياء إبراهيم ، في أرض حمورابي.
لم يفعل النبي الكريم كل ذلك ، لأنه لايوجد نظام حكم في الإسلام.
الحكومة الدينية ليست فريضة، ولا ركنا من إركان الإسلام
لو كانت الحكومة الإسلامية، فريضة دينية ، لما تردد النبي الكريم، في تضمينها مع أركان الإسلام الخمسة، كما فعل بالشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج؟
لم يفعل النبي الكريم كل ذلك، لأنه لا يوجد نظام حكم في الإسلام.
ما هو شكل الحكومة الإسلامية المزعومة؟
معلوم في مبادئ القانون الدستوري، والعلوم السياسية، التي تدرس أنظمة الحكم، إن هناك أشكال مختلفة لإنظمة الحكومات، ولإنواع الدول، ولكننا لا نجد أثرا لذلك في الدين الإسلامي، لأنه لا يوجد في الأساس نظام للحكم في الأسلام، وليست هناك طريقة شرعها النبي الكريم لإختيار رأس الدولة.
لو كانت هناك حكومة إسلامية لبين النبي الكريم، طريقة إختيار رأس الدولة، ولكنه لم يفعل ... هذا أمر لايفوت على حكمة أي سياسي يدبر أمور الناس، دع عنك حصافة وذكاء النبي الكريم، إن لم نقل وحي بصيرته وإشراق نبوته.
لهذا السبب العتيد ، فإن الأصحاب، قد إختلفوا في أمرإختيار رأس الدولة، إختلافا موبقا، من قبل أن ينفضوا أيديهم من تراب قبر رسول الله!! هل يعقل أن يختلف الأصحاب الكرام في أمر بينه لهم نبيهم؟؟
فقد قال الأنصار ، الذين هم كتيبة الإسلام، للمهاجرين الذين هم السابقون الأولون، قالوا يومذاك : منا أمير ومنكم أمير!! أي أنه أمر مدني لتدبير الأمور، فليكن من المهاجرين أمير ومن الأنصار أمير.
ولو كانت الخلافة والحكومة أمرا من أمور الدين، وركنا من إركانه، لما تردد فيه أنصار رسول الله الذين قال الله فيهم في محكم التنزيل: " والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم، يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة" ومعلوم أن الأنصار قوم يكثرون عند الفزع، ويقلون عند الطمع، حسب وصف نبي الإسلام العظيم لهم.
إن الأنصار غير متهمين في دينهم، وهم الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وفوق ذلك فإن أبابكر غير متهم في دينه، فهو الصديق، وهو صاحب رسول الله، بنص القرآن، وإن عليا غير متهم في دينه، وهو باب مدينة العلم، وهو أخ رسول الله ، الذي قال عنه النبي: " علي مني بمقام هارون من موسى"... وإن إبن الخطاب غير متهم في دينه، وهو الفاروق، بشهادة نبوية... وكذلك السيدة فاطمة التي قال عنها أبوها العظيم: " فاطمة بضع مني يضيرني ما يضيرها" وما يقال عن هؤلاء الكرام الأماجد ، يقال عن البقية الباقية من السلف الصالح من كبار الصحابة على إختلاف في درجاتهم : " هم درجات عند الله"
إذن لماذا أختلفوا؟ إن المتأمل في التاريخ الإسلامي، يجد انه لا يوجد أي أساس لإختيار رأس الدولة، ومن هنا كان الخلاف، الذي سالت حوله الدماء أنهارا.
كيف تمت بيعة أبي بكر؟
تمت بيعة إبي بكر في سقيفة بني ساعدة ، دون حضور عدد كبير من الأصحاب، على رأسهم على بن أبي طالب والزبير بن العوام، وعبدالله بن عباس، ورهط من كبار المهاجرين والأنصار... ومعلوم أن عليا إبن أبي طالب، قد إمتنع عن مبايعة أبي بكر لمدة ستة اشهر كاملة، ولم يبايع علي ابابكر إلا بعد إنتقال السيدة فاطمة إلى ربها، وتعليل ذلك أن عليا لم يبايع عن قناعة، وإنما بايع درءا للفتنة، كما إتضح فيما بعد.
وكذلك إمتنعت السيدة فاطمة بنت رسول الله، من مبايعة إبي بكر حتى وافتها المنية، بل إنها قد أوصت الا يصلي عليها أبوبكر ولا عمر، وقد نفذ علي وصيتها، بحذافيرها.
إذن ، فإن بيعة أبي بكر رضي الله عنه، قد تمت في جو كثر فيه الصخب، وعلت فيه الأصوات، كما يحدثنا إبن هشام في سيرته... في مثل هذا الجو المتوتر، تمت بيعة أبي بكربمجرد الصدفة، أو الفلتة على حد تعبير الخليفة الثاني عمر الذي قال:" لقد كانت خلافة أبي بكر، فلتة وقى الله الناس شرها"
ويلاحظ أن أبابكر رضي الله عنه، في بداية خلافته قد شرع ليمارس التجارة، ليكسب عيشه، لولا أن منعه عمر، وقال: نجعل لك جعلا من بيت مال المسلمين، والذي لم يكن منظما يومئذ، لأن تنظيم المال مسألة دنيوية مدنية وليست مسألة دينية... وهذه الواقعة وحدها تكفي دليلا يثبت أن الخليفة الأول، لم يكن يرى وجود حكومة، ولم يكن ير أن إستخلافه وظيفة تستحق أجرا.
نسبة لأن النبوة لا تورث، فإن وضع أبي بكر وصفته لم تكن واضحة في أذهان الأصحاب أنفسهم ، فناداهم أحدهم بقوله: " ياخليفة الله" فأجابه أبوبكر: " ذاك عيسى إبن مريم" ثم اصطلحوا على تسميته خليفة رسول الله، وسموا عمر خليفة خليفة رسول الله، ولكن عمر خشي أن يشق ويطول ذلك على من يجيئون بعده، فسمى نفسه أمير المؤمنين، كمصطلح مدني لتصريف أمور الحكم .
ومهما يكن من أمر، فإن أبا بكر نفسه، لم يكن ير أن الخلافة مسألة دينية ، عهد بها إليه النبي بدليل قوله لعمر : "خذوا عني خلافتكم وردوا إلي ديني" وذلك عندما رفض بكل حزم وبكل قوة، حرق علي وفاطمة في بيتهما ، عندما هم عمر بذلك ، لإجبارهما على مبايعة أبي بكر، كما هو مثبت في جميع كتب التاريخ، وكما رواها حافظ إبراهيم الملقب بشاعر النيل في عمريته الشهيرة، بقوله:
حرقت دارك لا أبقي عليك بها ، إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها
هل يمكن ان تكون هناك فكرة إسلامية، توحي، ولو في الخاطر، ولو سهوا، بحرق علي كرم الله وجهه، وفاطمة البتول التي هي من خير نساء العالمين!!
إن هذا احد الشواهد الكبرى التي تدل على أن فكرة الحكومة الدينية، لا أصل لها في الإسلام، بل في الحق ، فإنه لا يجوز دينا مبايعة كائن من كان سوى رسول الله ، بنص القرآن: " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله" وذلك بسبب أن طاعة الرسول هي طاعة الله:" من يطع الرسول فقد أطاع الله".
فهل يمكن أن يقبل دينا، أو عقلا، أن الذي يبايع الرئيس عمر البشير قد بايع الله، طالما أن حكومته حكومة تزعم أنها حكومة إسلامية، وطالما أن رئيسها يدعي أنه يحكم بشريعة الله!! وكيف تجوز مبايعة الرئيس البشير، والرئيس البشير نفسه قد نقض بيعته للدكتور حسن الترابي!! والدكتور حسن الترابي نفسه، قد نقض بيعته للرئيس نميري!!
وفي الحق، فإن أبا بكر ، قد كان تقيا ورعا، ولكنه قد أجبر في ظروف مربكة على تولي خلافة، ضاق بها ذرعا، وقال لعمر: " خذوا عني خلافتكم وردوا إلى ديني" سماها خلافتهم، وسمى الدين دينه، رضي الله عنه وأرضاه، فإنه صديق رسول الله، المخصوص بالصحبة، ومن أختص بالصحبة، فإنه لا يضل ولا يشقى. ... وتحدثنا كتب التاريخ، أن أبا بكر رضي الله عنه، قد بذل جهودا عديدة لكسب ود السيدة فاطمة، وهذا ليس بمستغرب، إذ أن أبا بكر بفضل صحبته المجيدة وصداقته الطويلة لرسول الله كان يعلم المكانة الروحية السامية للسيدة فاطمة، وأن رضاها أعظم من كل الحكومات.
ومهما يكن من أمر ، فإن السيدة فاطمة، لم تتنازل، ولم تبايع أبا بكر، حتى آخر يوم في حياتها المبرورة، مما يلقي ظلا كثيفا من الشك، حول الحكومة الإسلامية... ليس ظلا كثيفا فحسب، وإنما يلقي يقينا محققا عند أولي البصائر، الذين يعرفون أسرار الدين.
كيف كانت خلافة عمر؟
لقد قلنا، ان أبا بكر قد ضاق ذرعا بالخلافة، وما جرته من عواقب دينية على شخصه الكريم ،فلما حضرته الوفاة، لم يجد شيئا غير رد الخلافة لعمر، إذ أنه لا يوجد منهج ولا طريقة لإختيار رأس الدولة.
ولما كانت بيعته في أعناق المسلمين ، فقد كان أبوبكر يعلم سلفا، أن المسلمين لا يملكون مخالفة أمره، إلا إذا أمرهم بمعصية، ولذلك فقد رأى حسما للخلاف المتوقع، وبناء على إجتهاده الخاص، أن عمر هو أصلح من يتولى هذا الأمر، فعهد بالخلافة لعمر.
ولوكان أبوبكر يعلم أن الشورى هي النظام الملزم، لما تردد في أن يترك الأمر شورى، إذ لا يعقل أن يتعمد رجل في مقام أبي بكر مخالفة تعليمات صريحة في الدين.
وعلى نفس هذا النهج ، فإن عمر نفسه لم يعمل بالشورى، فقد حصرها في ستة، وإستبعد منها كل أنصار رسول الله من الأوس والخزرج، سكان عاصمة الخلافة الأساسيين، وملاك أراضيها، كما إستبعد منها بقية كبار الصحابة، أمثال عبدا لله بن عباس الذي هو حبر الأمة وترجمان القرآن، وعمار بن ياسر الموعود بجنان الرحمن... أكثر من هذا، فإن عمر، قد أمر بضرب عنق، كل من يخالف من الستة، في حالة إتفاق الباقين!! هل بعد كل هذا، يمكن أن يزعم زاعم، بوجود حرية إختيار.
ولا يظنن أحد أن الموضوع قد كان مجرد خطأ في التطبيق، وان النظرية صحيحة... في حقيقة الأمر لا توجد نظرية، لأنه لا توجد حكومة دينية ، لا في نصوص القرآن الكريم، ولا في نصوص السنة المطهرة.
وفي هذا المقام، لا بد أن نشير إلى أن الشورى التي يتحدث عنها السلفيون كثيرا، لا تعطي الحق في تأسيس أي نظام للحكم، لأن الشورى غير ملزمة للنبي الكريم، بطبيعة مكانته الروحية، وملكاته العقلية، وبنص القرآن أيضا، الذي ترك الأمر لعزيمة النبي، وليس لرأي أصحابه: " فإذا عزمت فتوكل على الله".
ثم أن الآية الكريمة، قد قررت لين جانب النبي ، رحمة من الله بأصحابه : " فبما رحمة من الله لنت لهم" ثم أمرت النبي بالتجاوز عن أخطائهم، والعفو عنهم والإستغفار لهم، وتطييب خواطرهم بمشاورتهم:" فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر" هل يستطيع من عفي عنه، إلزام من منحه العفو، ومن إستغفر له؟ مالكم كيف تحكمون؟
ونعود لخلافة عمر، فنجد أن ما نسب من نجاحات لخلافته، فإن أغلبها يرجع لأسباب مدنية وإدارية، إذ أن عمر لم يكن يختار معاونيه على أسس دينية، فهو قد ولى عمرو بن العاص على مصر، وعمرو هذا، رجل ليست له سابقة في الإسلام ، بل كان من ألد أعداء النبي ... وكذلك ولى معاوية بن أبي سفيان على الشام، ومعلوم أن معاوية وأهل بيته، قد كانوا قوما لدا في خصومتهم لرسول الله، وفي كيدهم لأصحابه ،حتى تم فتح مكة، فكانوا من الطلقاء، الذين عفا عنهم رسول الله.
لقد فعل عمر هذا ، بأكبر أقاليم خلافته، مع وجود أهل الفضل والسابقة في الإسلام، وحفظة القرآن الكريم، لأنه كان يعلم أنه يدير دولة مدنية، يجوز فيها الإجتهاد العقلي وليس حكومة إسلامية، لا يوجد أي نص يسندها. وقد كان عمر يعلم أن رسول الله لم يستخلف احدا، أليس هو القائل: ( إن لم أستخلف أحدا، فقد فعل ذلك من هو خير مني، يعني النبي، وإن إستخلفت فقد فعل ذلك من هو خير مني، يعني أبا بكر).
إذن لا يوجد أي أساس، إلا الإجتهاد المدني، وهذا هو السر، في أن عمر قد الغي عطاء المؤلفة قلوبهم مع وجود النص القرآني الصريح، وعطل تطبيق حد السرقة في عام الرمادة، مع وجود النص القرآني الصريح، ومنع زواج الكتابيات مع وجود النص القرآني الصريح، وحبس كبار الصحابة بالمدينة، دون سند من القرآن أو من السنة، وإنما هو الرأي والتدبير، في الأعمال المدنية، التي يقع في تقديرها الخلاف ، والأخذ والرد، وليس هذا المقال مجال إحصاء تلك الأعمال والقرارات التي تفوق الحصر.
ومعلوم أن عمر قد أخذ الناس بالشدة، ولما كان لكل فعل رد فعل، كان طبيعيا - إلى جملة أسباب أخرى - ان ينتهي عهد عمر، على ابواب فتنة كبرى، سالت فيها دماء المسلمين، عبر التاريخ ، وحتى يوم الناس هذا، فإنه حيثما فتح موضوع الحكومة الدينية، فانتظر بوائق المحن وجوائح الشرور، وسفك الدماء.
الفتنة الكبرى
لست أبتغي في هذه العجالة الخوض في تفاصيل أحداث دامية، ضرب فيها المسلمون رقاب بعضهم بعضا، ويكفي أن تعلم أن أم المؤمنين عائشة ، والزبير بن العوام حواري رسول الله، وطلحة بن عبيد الله، وكلهم من أهل الفضل والسابقة، قد خرجوا على علي كرم الله وجهه، في واقعة الجمل، التي حصدت صحابة رسول الله حصدا.
ولا أريد أن أفصل قتال معاوية لعلي كرم الله وجهه في واقعة صفين، حيث لجأ معاوية لإستغلال الدين لأغراض السياسة ، حينما هزمت جيوشه، فرفع المصحف الشريف على أسنة الرماح طالبا التحكيم!! هل هناك إستهزاء بآيات الله أكثر من هذا؟
ثم إضطر على رضي الله عنه، لقتال أصحابه الذين خرجوا عليه في واقعة النهروان فسالت الدماء أنهارا... عندئذ إستيقن علي كرم الله وجهه، أن الأمر، ليس أمر دين، وإنما كله فتنة ، فطلب الإلتحاق بربه، فنادى ربه نداء خفيا، قائلا : متى يخرج أشقاها؟ فخرج عبدالرحمن إبن ملجم الفارسي، ففعل فعلته الشنيعة وصدقت نبوءة رسول الله، الذي قال يوما لعلي: " أشقاها هو الذي يشج هذه ويخضب هذه" واشار عليه السلام إلى جبهة علي ولحيته.
إذا لم يستطع أصحاب رسول الله، وهم أهل الفضل والسابقة، تأسيس حكومة إسلامية، فهل يستطيع الرئيس عمر البشير وقبيله وغيرهم فعل ما عجز عنه أصحاب رسول الله؟ وهل يمكن أن تعتبر حكومة بني أمية التي قتلت الحسين رضي الله عنه، وسبعين من الطاهرين الطيبين من آل بيت محمد في يوم واحد، حكومة إسلامية؟
وهل يمكن أن ينسى المرء أن يزيد بن معاوية، قد قتل عشرة الآف من أنصار رسول الله في واقعة ذات الحرة، التي إستباح فيها مدينة رسول الله؟ أو ليست هذه إبادة جماعية لأنصار رسول الله، الذين آووه وعزروه ونصروه؟ ما هي جدوى حكومة دينية ، تلتحف قداسة الإسلام، ثم تدوس على كل المحرمات والمقدسات، التي يمكن أن تحميها أية حكومة مدنية ، متوسطة المقدرات!!
ولا أريد أن أخوض في دولة بني العباس وفي الخلافة التركية ، وما شابه ذلك ، ويكفى أن تعلم أن الخلافة العباسية ، إفترعها خليفة ملقب بالسفاح، وأن المأمون أعظم خلفاء بني العباس ، قد قتل أخاه الأمين، مثلما قتل أبوه هارون الرشيد وزراءه وأعوانه من البرامكة، ومثلما فعل أبو جعفر المنصور، بوزيره وساعده الأيمن أبي مسلم الخراساني، ولا داعي للخوض في بقية المآسي.
ومع هذا ، فإن تلك الدول، تعتبر دولا ناجحة في المجال المدني، إذا ما قورنت بدول زمانها، بل إن جميع الدول القائمة في يوم الناس هذا، إنما قامت بدهاء الساسة، ومكر الجنرالات، على أشلاء الموتى، وجثث الجنود المجهولين... ولكن لا يمكن أن يزج باسم الدين المقدس، في أوحال مثل هذه الدول .
لذلك لم يكن مستغربا، أن تفتتح الإنقاذ عهدها بسفك الدماء، ثم تسير بعد ذلك في نهج دموي تسلطي يعلمه الجميع، فأرجو أن يخفف الله على عباده عواقب ذهاب هذا العهد، الذي أرجو أن نكون الآن نعيش في أخريات أيامه، وما ذلك على الله بعزيز، فإن لم يكن ذلك كذلك، فالحكم لله العلي الكبير.
هل تريدون الحق!! لا يوجد شئ إسمه الحكومة الإسلامية، ونعود لرسول الله العظيم، لنرى كيف كان يخاطب الملوك، وكيف كان يترك للناس أمور دنياهم.
كيف كان يخاطب النبي الكريم الملوك والأباطرة المعاصرين له
وهل كان يطلب منهم إقامة حكومة إسلامية؟
من حسن التوفيق، أن كتاب التاريخ قد حفظوا لنا مراسلاته عليه السلام إلى من عاصره من الملوك، في رسائل عديدة، مختومة بختمه، منها تبين لنا كيف كان عليه السلام ، يخاطب الملوك مخاطبة تليق بهم كعظماء أٌقوامهم.
فقد خاطب هرقل ملك الروم وإمبراطورهم وسماه عظيم الروم، حسب رواية إبن حجر العسقلاني، ولا يوجد في الخطاب، أية دعوة لحكومة إسلامية، بل العكس من ذلك ، فقد دعا النبي الكريم لأن يثبت الله ملك هرقل ، وقال له: إني أدعوك بدعاية الإسلام " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء" وطلب منه الدخول في الإسلام، لأن هذا هوسبب البعثة النبوية، ولم يطلب منه أي طلب آخر.
وبنفس الأسلوب خاطب النبي الكريم، المقوقس عظيم القبط، وكسرى عظيم فارس، والذي ورد في الرسالة المرسلة إليه: " أدعوك بدعاء الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة" ولم يعرف عليه السلام نفسه، بغير رسول الله، فهو ليس غازيا، ولا جابيا ، ولا ملكا، وإنما رسول الهدى ودين الحق.
واستهل رسالته إلى النجاشي بالثناء على عيسى روح الله، ومريم البتول، وفي هذا منتهى البراعة في الإستهلال، فلكل مقام مقال، ولم يزد عليه السلام على النصيحة، وعلى قوله: " أقبلوا نصيحتي" فأين الحكومة الإسلامية هنا، وهل كان من الممكن، ألا يبلغ رسول الله، أمر الحكومة الإسلامية، لو كان مكلفا من الله بذلك؟
أكثر من هذا، فقد خاطب النبي الكريم المنذر بن الحارث صاحب دمشق بقوله: " يبقى ملكك" وخاطب المنذر بن ساوي حاكم البحرين بقوله: " أجعل لك ما تحت يديك"
فلماذا لم يذكر النبي الكريم الحكومة الإسلامية في اخص المواضع وهو يخاطب الملوك.
أنتم أعلم بأمور دنياكم
معلوم أن النبي الكريم، قدقال في حديث تأبير النخل، وتلقيحها قولته المشهورة، التي سارت بها الركبان: " أنتم أعلم بإمور دنياكم" وهذا تأكيد لما سبق أن قررناه من أن الزراعة، وكل أمور الدنيا، من سياسة وحكم وإدارة وصناعة، وتجارة، لا تقع في دائرة المسائل الدينية، والتي هي امور روحية، لا تفهم إلا بعقل المعاد، و ببصيرة نورانية، أما عن طريق الوحي، أو بنور يهدي به الله من يشاء من عباده، كما هو واضح من قوله : " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ، ولا الإيمان ، ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا" وكما هو واضح من قوله: " يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده"
إذن الحكومة ، من أمور الدنيا، والناس أعلم بأمور دنياهم، وقد دلت التجربة البشرية الطويلة على ذلك، وسوف نعود لبعض التفصيل في الحلقة الثالثة عن الدستور والقانون.
أقول قولي هذا وليس غائبا عني، أن النبي الكريم، قد قصد تعليم أصحابه ، دروسا في التوكل على الله، في حديث تأبير النخل، ولكن العبرة بعموم اللفظ، وليس بخصوص السبب، كما يعلم الفقهاء... أقرأ مرة أخرى: " أنتم أعلم بأمور دنياكم" أليس هذا حديثا واضحا، شديد الوضوح، فمن أين جاء اللبس إذن؟
لقد جاء اللبس من أسباب شتى، أذكر لك أهمها:
أولا: إن تداعيات الجهاد قد تمخض عنها ، ممارسة النبي الكريم بعض الأعمال التي تشبه أعمال الحكومة، كتوجيه الجيوش، وتوزيع الغنائم، وإقامة الحدود.
وثانيها: أن بعض الأنبياء قد تولوا إدارة بعض الممالك.
ونجيب على هاتين المسألتين بما يلي:
النبي الكريم يضع الأساس الديني لإلغاء الجهاد
نحن نقول ان الجهاد مرحلي، بسبب تدرج آيات القرآن من الآفاق إلى النفوس، وإلى بيان الحق، وشهود الحق، المطوي في قول الله تعالى:" سنريهم آياتنا في الآفاق، وفي أنفسهم ، حتى يتبين لهم أنه الحق، أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد" فلكل كلمة في القرآن معنى في الآفاق، ومعنى في النفوس، ومعنى في بيان الحق، ومعنى في شهود الحق، ولذلك فإن للقرآن ظاهر جلي وباطن خفي، وحد أخير ومطلع أول: " هو الأول والآخر والظاهر والباطن"، وقد فصلنا ذلك في مواضع أخرى في كتبنا.
لهذا السبب العتيد ، فإن النبي الكريم، قد كان يقول عقب كل غزوة: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" يعني رجعنا لتطبيق آيات النفوس التي هي اكبر من آيات الآفاق، وأخذا من هذا فسر أصحابنا الصوفية كلمة الكفار في قوله تعالى: "قاتلوا الذين يلونكم من الكفار " بالحواس ، وهذا معنى لطيف في آيات النفوس، لأن حواسنا هي التي تلينا، وهي أقرب إلينا من الكفار الخارجيين، ولكن هناك من دقائق المعاني ما أعمق من ذلك بكثير .
وقد إجتهد بعض المفكرين الإسلاميين، لإلغاء الجهاد، في القاديانية والبهائية، ولكنها كانت إجتهادات فطيرة، تفتقر إلى التعمق، وإلى العلم المستوفي لكل النصوص ، وإلى الدراية بالحكم الخفية وراء النصوص، حتى جاءت المحاولة الناجحة، على يد العبد الصالح محمود محمد طه، إلا أن محاولات الأستاذ محمود تحتاج إلى تطوير وتجديد وتفصيل ، ولم يكن كل ذلك غائبا على الأستاذ الجليل محمود، وقد أشار إليه هو بنفسه في بعض مواضع كتاباته، ولكن ليس هذا هو موضوعنا الآن.
وما يهمنا هنا، ان النبي الكريم، قد كان يضع بذرة إلغاء الجهاد بعد كل غزوة يغزوها، بل كان لا يشارك في الحرب بسيفه، وإنما يجلس على عريش ينصب له، وهذا في حد ذاته، إشارة لمرحلية الجهاد، إذ لو كان الجهاد فرضا وأصلا، لما تردد النبي الكريم في المجالدة بسيفه، والمبارزة بنفسه.
ولما جاء يوم فتح مكة، كشف النبي الكريم عن مرحلية الجهاد في خطبته العظيمة، التي جاء فيها :
" إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، ولا يحل لإمرء يؤمن بالله واليوم الآخر، ان يسفك بها دما.. لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد يكون بعدي، ولم تحل لي إلا هذه الساعة... فلا يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرا، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله، فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب"
وقد ظهر هذا الإذن بصورة جلية في قوله تعالى: " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ، ولكن الله رمى" بمعنى آخر، ان النبي غير مسئول، عن سفك تلك الدماء، لوجود أمر إلهي قاهر، تولت به الإرادة الإلهية قتل أولئك المعارضين واستعملت أصحاب النبي الكرام في تنفيذ ذلك القدر القاهر: " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم"، وهذا من الأسرار العرفانية الدقيقة التي إختص بها النبي الكريم، ولم يحل سفك الدماء لأحد من قبله ولا يحل لأحد يكون من بعده، كما قال عليه السلام.
معلوم أن تعظيم مكة، إنما يرجع لوجود المسجد الحرام وللقبلة التي بها أعني الكعبة المشرفة، ومعلوم أن رسول الله قد قال: " جعلت لي الأرض مسجدا طهورا" إذن مكة، إشارة إلى الأرض كلها.
فإذا علمت أن الله موجود في كل مكان: " وهو معكم أينما كنتم" وإذا علمت أنك حيثما وليت شطرك، كان هناك وجه الله :" فأينما تولوا فثم وجه الله" أي أن القبلة في كل مكان ، ولكنها سامية عالية، لا يراها إلا أهل الرضا: " قد نرى تقلب وجهك في السماء ، فلنولنيك قبلة ترضاها"
إذن هذا الحديث، إذا صادف أذنا واعية، فإنه يمهد لتحريم سفك الدماء، في أي مكان ، وفي أي وقت، ولإلغاء الجهاد إلغاء نهائيا، والذي لم يكن يملك أحد الإذن لإعلانه ، سوى رسول الله، والذي لم يأذن الله له ، إلا في ساعة من نهار، إي في مرحلة محددة من الزمان، إنتهت بإلتحاق النبي الكريم بالرفيق الأعلى.
والغريب في الأمر ، أن أحد الأصحاب الذي كان شاهدا فتح مكة، قد قال عند روايته لهذا الحديث، كما يحدثنا صحيح البخاري : " لقد سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي" فنضر الله وجه إمرء ، سمع مقالة عن رسول الله ، فبلغها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع.
وعليه فلا يستطيع أن يحتج محتج ببعض مظاهر الإدارة التي باشرها النبي الكريم لتنفيذ احكام الجهاد المرحلي، لأنه حتى في هذا المستوى المؤقت، فقد كان النبي يحكم بما يريه الله في كل لحظة : " لتحكم بين الناس بما أراك الله" فمن من حكام الإنقاذ اراه الله شيئا يحكم به؟؟
هذا فضلا عن أن الرؤية في الآية تعني الرؤية العرفانية، كما أن كلمة الناس في الآية تشير إلى الناس في جميع الأزمان، لأن النبي الكريم موجود بروحانيته اللطيفة في جميع الأزمان، وما يعقلها إلا العالمون، وإني لأعجب لمن يعلم أن عيسى روح الله، ولا يعلم أن محمدا روح الله، ومن باب أولى.
وحتى في ذلك التنزل لأرض الناس ، فقد كان النبي مخيرا أن يحكم أو يعرض " فاحكم بينهم أو أعرض عنهم" وهذا وحده يثبت عدم وجود حكومة دينية... فإذا كانت هناك حكومة دينية، فإن النبي يكون ملزما بالحكم ، والا يعرض عنه في أي وقت، هذا بالإضافة، إلى ان كلمة الحكم ليست مشتقة من الحكومة، كما سلف القول.
إذا كان النبي الكريم، على جلال قدره، لم ياذن له الله له بالجهاد إلا في ساعة من نهار، أو وقت من زمان، فمن أذن للرئيس البشير ان يسفك الدماء، في كل الأوقات؟
النبي الكريم يضع الأساس الديني لإلغاء الحدود
لاأريد أن أطيل هنا، إذ أن موضوع الحدود، قد تمت دراسته وبحثه، في مواضع أخرى، وقلنا يومئذ، إن كلمة الحدود لم تنسب للعقوبات في القرآن، وإنما سميت العقوبات حدودا، كمصطلح فقهي، مأثور عن النبي الكريم.
ولكنني ، ما أحب أن أزايل مقامي هذا، قبل أن أشير الى الحديث المشهور : " أدرأوا الحدود بالشبهات" والذي يعني الغوا الحدود بالشبهات، ويؤخذ هذا من معنى فعل الأمر " أدرأوا " كما هو مبسوط في القرآن:
أقرأ قوله تعالى: " وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها" أو قوله: " فادرأوا عن أنفسكم الموت" أو قوله : " ويدرأون بالحسنة السيئة" ألا تعني كل هذه الآيات الإلغاء والإذهاب بالشئ المذكور فيها نهائيا، كما هو واضح من قوله: " إن الحسنات يذهبن السيئات".
وقد توسع الممتازون من الفقهاء المسلمين، مثل أبوحنيفة النعمان، في معنى الشبهات، حتى ذهب أبوحنيفة إلى القول، بإن المتهم بالسرقة إذا إدعى كذبا، ملكيته للمال المسروق، لا تقطع يده، لقيام الشبهة، والجدير بالذكر ان الإمام اباحنيفة ، كا ن يقتفي آثار استاذه الإمام جعفر الصادق، مؤسس الفقه الشيعي الجعفري، مما يدل على إتفاق جميع المدارس الفقهية، على التوسع في معنى الشبهات.
التوسع في معنى الشبهات، مطلوب دينا وعقلا وقانونا، إذ أن الخطأ في العفو، خير من الخطأ في العقوبة، ولئن تبرئ ألف مذنب، خير من أن تدين بريئا واحدا، ومن الخير دائما الستر والغفران، وعدم الجهر بالسوء من القول، وكل ذلك من المروءة، وحسن الأخلاق.
إن قيام الكثير من الشبهات، حول وقائع أي إتهام بإية جريمة، هو أمر كثير الورود، ويعلم هذا كل من له إلمام صالح بمبادئ القانون الجنائي، وعلم الإثبات ، والإجراءات الجنائية، ولكن يهمنا أكثر أن درء الحدود بالشبهات، يعني إلغاء الحدود.
ما شأن الأنبياء الذين مارسوا بعض الأدوار الإدارية؟
بادئ ذي بدء، لابد من تقرير أن ملك الأنبياء، هو ملك الكتاب والحكمة: " فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة، وآتيناهم ملكا عظيما" وهذا الملك العظيم، لا يرى إلا بالرؤية الثانية المتأملة العميقة، المثبتة في قوله: " وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا" .... وهذا هو بعض من السر، الذي حدا بالزاهد الصالح إبراهيم بن أدهم، أن يقول قولته المشهورة: " نحن في لذة، لو علمها الملوك ، لجالدونا عليها بالسيوف"
معلوم أن كبار الأنبياء، والرسل أولي العزم، المأمورين بإقامة الدين، والمذكورين في قوله: " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا، والذي أوحينا إليك، وما وصينا به ، إبراهيم وموسى وعيسى، أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه" لم يمارسوا ملكا، ولم يقيموا دولة، لسبب عرفاني، يتطلبه التفرغ لأعباء الرسالة، والتعليم والإرشاد، بصورة لا تمكنهم من القيام بأي عمل آخر ، مع تلك المهام العظيمة، والأعمال المستجدة ، كل صبح جديد.
ويلاحظ أن الآية لم تقل " الأديان" وإنما قالت " الدين" لأن الدين في القمة دين واحد، هو التسليم للواحد القيوم... هذا هو الإسلام الذي لا يقبل الله دينا غيره:" ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه" لأن الإسلام هو الدين الذي عند الله " إن الدين عند الله الإسلام"... بهذا المعنى، فإن دين الإسلام، موجود قبل محمد... فإبراهيم مسلم، وموسى مسلم، وعيسى مسلم: "النبيون الذين أسلموا" أو : "إنا كنا من قبله مسلمين"... هذا هو الأسلام بمعنى الفطرة الوجودية، وليس العقيدة الدينية.
وبالطبع فإن إلاسلام في هذا المكان السامق عند الله، لا يعني إسلام الهوس الديني، عند الناس، والذي تحكم به حكومة السيد البشير، وتحشد له الحشود، كل يوم من أجل إرهاب المعارضين، مع تلويح السيد الرئيس، بإستعمال العنف، في خطبه العجيبة.
ويلاحظ أن بعض الأنبياء، في بعض الحقب التاريخية، قد إكتفوا بالتأييد الروحي لبعض الملوك المبعوثين ، لمهمات خاصة، كما هو وارد في قوله: " وقال لهم نبيهم ، إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا"
إن القول بأن كبار الرسل، لم يكونوا ملوكا، لا يعني أن من هم دونهم في المرتبة من الرسل ، لم يتولوا ملكا مرحليا ، في ظروف خاصة، أملتها ضرورات معينة. فقد تولى داؤد الملك، بعد أن بلغ درجة الخلافة في الأرض التي يقف عليها: " يا داؤد إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق "
قال: فاحكم بالحق، ولم يقل: فاحكم بشريعة معينة، لأنه لا توجد حكومة دينية محددة الشكل، إذ أن منازل الحق، تتنزل في المنازل، من يوم إلى يوم... لهذا السبب، فإن داؤد نفسه، وعلى مكانته السامية، لم يتبين له وجه الحق تماما، عندما حكم في الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم، فقصر أن يفهم ما فهمه إبنه سليمان، وقد ورد في ذلك قول الله: " ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكما وعلما"
هذا الفهم وهذا الحكم وهذا العلم،هو الذي جعل النبي الكريم ، يختار أن يكون نبيا عبدا، ولم يختر أن يكون نبيا ملكا... إن مجرد التخيير إنما يعني فيما يعني، جواز تولي الملك للنبي في تنزل، ولكن النبي الكريم إختار الخيار الأعلى، إختار العبودية مع النبوة، ولم يختر الملك مع النبوة، ومن هناك كان الأصل الأصيل في الإسلام ، هو عدم وجود حكومة دينية في الدين الإسلامي.
وعندما نقول أنه لا توجد حكومة دينية في الإسلام، فإن هذا لا يعني الا تسترشد الحكومات المدنية، ببعض المبادئ الدينية في معاني العدالة والحق والمبثوثة في القرآن أو في أي دين آخر، أو أي فكر آخر من التراث البشري بطوله وعرضه وعمقه. هذا موضوع آخر سوف نفصله، في الحلقة الثالثة من هذا المقال، والمتعلقة بالدستور والقانون.
ولكننا نعني أن نقول، أنه لا توجد في الإسلام حكومة دينية يرأسها شخص ، يتسمى بالخليفة، أو ما يعادله من أسماء، لأن مقام الخلافة هومقام رتبة عرفانية، يمنحها الله لمن يشاء من عباده، كما هو واضح من الآية: " إنا جعلناك خليفة" ولذلك ، فإنه لا يستطيع أحد أن يجعل نفسه خليفة يبايعه الناس، ولما قال عثمان، وهو صحابي جليل: " لا أنزع قميصا قمصينه الله" حدثت أكبر فتنة في التاريخ، راح ضحيتها خلق كثير، على رأسهم هذا الصحابي الجليل.
وما زالت دماء الفتنة تجري في نهر الزمان، حتى تقمصه


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.