د. سلمى سجلت نقطة لصالحها، إن تم قبول استقالتها ستخرج وقد رفعت الحرج عن نفسها    الأمم المتحدة تطلق التحذير تجاه أزمة السودان    (سبتكم أخضر ياأسياد)    الهلال يصارع لوبوبو لخطف بطاقة ربع النهائي    الشرطة في الخرطوم تنهي مغامرة متهم المستشفيات الخطير    من سلوى عثمان لهند صبري .. مشادات "اللوكيشن" تهدد دراما رمضان    نصائح صحية للاستعداد المبكر لرمضان    "الصحة العالمية": اعتماد لقاح فموي جديد لشلل الأطفال    علم النفس يوضح.. هكذا يتخذ أصحاب التفكير المفرط قراراتهم    أئمة يدعون إلى النار    الهلال السوداني يخوض مواجهة مصيرية في أبطال إفريقيا    موسيفيني يصدر توجيهًا لجهاز المخابرات بشأن السيارات السودانية    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    إتحاد جبل أولياء يكون اللجان العدلية    في مباراة مثيرة شهدت ضربتي جزاء وحالة طرد الأهلي يخسر أمام مويس بثنائية نظيفة في دوري شندي    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تأملات في مشاريع خلافة البشير
نشر في سودانيات يوم 15 - 05 - 2013


أبوذر علي الأمين ياسين
أبرز ما أفرزه صراع خلافة الرئيس البشير، أنه لم يعد محصوراً بين الكبار، فبعد أن كان الصراع يدور داخل أروقة الاسلاميين ومنذ مفاصلتهم الشهيرة، حدث تحول كبير حتى داخل هذا الاطار، عندما حاول "الكبار" توظيف الصغار، فانطلقت المذكرات من كل حدب وصوب وكان أشهرها مذكرة المجاهدين (السائحين)، والتي بدأت بمطالب تجديد دماء الحزب والحكومة بافساح المجال للشباب، لتنداح بعد ذلك إلى مطالبة قوية بالاصلاح كان لها تداعياتها الكبيرة.
تحرُك القطاعات الدنيا داخل الحزب عكست وبصورة غير مسبوقة هشاشة النظام الذي ظل يسيطر عليه نفر محدود، بل اوضحت مدى عزلتهم جميعاً داخل الاطار الذي هو مرتكز وجودهم واستمرارهم. ولعل أبرز حدث يوضح ذلك كان هبة المؤسسة العسكرية ضد "اتفاق نافع – عقار"، حيث وجهت المؤسسة العسكرية وعبر صحيفتها الناطقة باسمها كل اللعنات للمؤتمر الوطني الذي هو عندها "ليس بعزيز، وضعيف، ويستحق الرجم"، بل وصل مستوى تلك الحملة أنها سجلت في تاريخ السياسة السودانية أول "لحسة كوع" كان صاحبها هو نافع على نافع ذاته.
قبل ذلك شهدت أروقة جهاز الامن صراعاً كان مخفياً لكنه خرج للسطح فجأة، وكانت نتيجته تنحية صلاح قوش من رأس الجهاز وتعيينه مستشاراً للرئيس للشؤون الامنية. كان ذلك دافعاً لصلاح قوش لتوظيف موقعه الجديد مجترحاً مساراً غير مسبوق، نقل عبره الصراع لخارج اطار الاسلاميين، ذلك عبر قيادة مبادرة حوار مع القوى السياسية، ولكن وفق رؤية فيها تركيز عالٍ على حزبي الأمة والاتحادي، لكن ذلك المشروع لم تكتب له الاستمرارية، فقد فهم الكبار أن صلاح يقود مشروعاً ضدهم، ووئد المشروع عندما تسربت بوادر الاتفاق على التخلي عن الشريعة وراح ضحية ذلك الرجل الثاني بمستشارية الأمن "حسب الله عمر" كون التصريح خرج منه للفضاء. كما أنه تصاعد بداية بحرب تصريحات بين نافع وصلاح لتنتهي بالاطاحة بصلاح من جميع مناصبه ليبقى فقط عضواً بالمجلس الوطني.
لكن تداعيات الصراع الذي برز من داخل الجيش ضد المؤتمر الوطني، ومن داخل الامن (خارج اطار الاسلاميين) دفع بتفاعلات الصراع إلى مداها الاقصى. للدرجة التي لم يعد الجيش فيها هو السند الذي يُركن إليه في حماية الرئيس على أساس خلفيته العسكرية، كما لم يعد الاسلاميون انفسهم يثقون في بعضهم البعض للدرجة التي جعلتهم يتحولون إلى التآمر مع احزاب أخرى ضد بعضهم البعض.
أحدث ذلك هزة عنيفة وسط الحكومة وكل مؤسساتها بما فيها "الحركة الاسلامية"، شهد الناس جميعاً وقائعها أثناء وبعد المؤتمر الاخير للحركة الاسلامية، الذي ما أن انفض سامره حتى تم الاعلان عن انقلاب شراكة بين "الأمن والجيش". زادت من دفع الصراع للدرجة التي لم يعد أمام الرئيس البشير إلا اعلان "التنحي" بنهاية دورته الحالية معلناً أنه لن يترشح مرة أخرى، مُكْرهاً، فلم يعد هناك ضمان له بين الجيش أو الامن أو الاسلاميين، ليزيد ذلك من اشتعال الصراع درجات من ما كان عليه.
تُبرز هذه الصراعات ثلاثة مشاريع لوراثة السلطة، يمكن تسميتها: مشروع البشير، ومشروع علي عثمان، ومشروع نافع. هذه المشاريع الذي "يجمع" بينها من حيث التصنيف، أنها مشاريع تتعلق بشخص كل صاحب مشروع، بمعنى أن كل واحد من هؤلاء ينظر إلى مصيره واختياراته الشخصية، فذلك هو المحدد الأهم لمشروع كل منهم. ومن هذا الباب يأتي سبب الصراع بين هذه المشاريع، كون كل واحد منهم لن يسمح لمشروع لا يرى فيه نفسه وأهدافه أن يمر. وعليه ليس هناك ذرة أمل في حل أو حتى حلم أن ينتهي صراع السلطة إلى شئ سوى تداعي البلاد، وتزايد الانفصالات التي قد تطال حتى مشروع مثلث حمدي. أو أن يكون الحل في انقلاب عسكري، وهذا هو الأقرب عندي، أو ثورة شعبية يدفعها عجز المؤسسة العسكرية عن قيادة انقلاب، تدعمها القوى السياسية الضعيفة اصلاً. وكل ذلك لا يقدم ضمانات على درجة من الوضوح لتقسيم البلاد وزيادة الاجزاء المنفصلة عنها. لنقف على كل مشروع على حدة لنبرز الكثير من أبعاده وآليات تعاطيه مع مشاريع الآخرين داخل السلطة!!.
صحيح أن الرئيس البشير قد أعلن عدم رغبته في الرئاسة بعد انقضاء فترته الحالية وأنه لن يترشح مرة أخرى في العام 2015م. ولكن هذا الاعلان ليس إلا مناورة يتلمس الرئيس البشير عبرها مخرجاً له من احتدام صراع مراكز القوى التي لم تبقِ له أية قاعدة ارتكاز خاصة بعد نجاح نافع (بدون وعي منه) بشق المؤسسة العسكرية، في الوقت الذي يستهدف فيه صلاح قوش!!!؟، وهذا موضوع مقال آخر يحكي قصة الانقلاب الذي لم يكن إلا مؤامرة تَوافق عليها كل من نافع وعبد الرحيم كما تدلل على ذلك الوقائع والاحداث التي صاحبت ذلك الحدث، الأول كان هدفه التخلص من صلاح قوش، أما الثاني فكان يريد ابعاد ضباط بعينهم عن المؤسسة العسكرية!!، نجحت المؤامرة وحققت اهداف كل من نافع وعبد الرحيم، لكنها أضرت أيما اضرار بحائط ارتكاز الرئيس البشير.
اضطر البشير، بدفع من الصراعات المتتالية داخل الحكومة والحزب، وبينهما و"الحركة الاسلامية"، وبعد أن وضح له أن النهايات ستكون وخيمة، مؤثراً البحث عن مخرج عبر تسليم السلطة ولكن وفق شروط تضمن له أولاً: عدم الملاحقة الدولية، وانهاء قصة محكمة لاهاي، وأن تتم حماية ثروة اسرته (تشير لذلك وبقوة العنف الذي مارسته السلطات خاصة الأمن ضد كل من كتب بالصحف حول ثروة اسرة البشير)، وهكذا يمضي البشير في سلام خارج باب القصر لا يهمه ما سيحدث بعد ذلك، فقط ضمان حمايته واسرته لاغير. فجذر مشروع البشير يقوم على هذين المرتكزين لاهاي واسرته. واذا لم يحقق أي مشروع مقترح له هذه الضمانات فإن ذلك الاعلان لا يعدو أن يكون مثل قسمه المغلظ بعدم دخول القوات الدولية دارفور.
المؤكد أن البشير لا يهمه أن يرثه في الحكم علي عثمان أو الصادق المهدي أو حتى نافع على نافع أو حركة العدل والمساواة. الذي يهم البشير أن يكون مشروع وريثه واضحاً جداً في تحديد ضمانات سلامة البشير واسرته، وغير ذلك، سيكون البشير أول من يعمل ضد أي مشروع من أيٍ كان، وستكون سلامته محددة ببقائه في السلطة رئيساً لفترة أخرى تمتد حتى 2020م، ولن يهمه كيف. أكثر ما يهم البشير هو أن يمضي في سلام، وإلا لن يكون هناك شئ ملزم له، بل سيكون الاهم عنده هو تحقيق سلامته واسرته ولو عبر البقاء طويلاً على رأس السلطة مهما كلفه ذلك.
مشروع على عثمان هو الاقوى لوراثة مقعد البشير!!. ذلك أن على عثمان ظل ومنذ لحظة نجاح الانقلاب يعمل ويفكر في وراثة الدولة عبر تولي رئاستها، ووراثة الحركة الاسلامية بما أنه كان الرجل الثاني في قيادتها. ودفع به ذلك لازاحة زعيمها ورمزها غير آبه إلا بما يهئ له استلام كامل السلطة داخلياً، ولكنه يحتاج لترتيب ضمانات قوية لقبول لا يهتز، ويجد الدعم الدولي والاقليمي. لذلك مشروع على عثمان هو المشروع الاكثر تنظيماً والاكثر علاقات (خارجياً) وله خبرة طويلة في تلافي آثار الصراع الداخلي بل وتوظيفها بنجاح لصالحه أو لصالح ابعاد مجموعة خارج دائرة الصراع والمنافسة.
موضوع على عثمان الاساسي هو أن يكون رئيس جمهورية السودان، وفي سبيل ذلك جاءت نيفاشا لتتفتح له آفاق العالم، بل وضَمِن أن أوان ازاحة البشير سيكون بقدوم قرنق للخرطوم، ووقتها سيكون هو الرئيس، وقرنق نائب الرئيس، ولن يستطيع الجيش أن يقف في طريق اتفاق عالمي مسنود من أقوى رجال دولة هو الثاني في هرمها القيادي، وفوق ذلك سيتحقق التوزان بجيش قرنق الذي تتيح له الاتفاقية أن يكون موجوداً حتى في الخرطوم، وخارجياً بالدول الراعية لإتفاقية السلام. المهم لم يمضِ المشروع، فموت قرنق، وموقف الجيش من الترتيبات العسكرية التي اعطت قرنق كل الجنوب منفرداً بجيشه، ووجود بالخرطوم وتمثيل بكل الولايات، عرقل مشروع علي وكلفه كثيراً لكنه ما يزال يعمل على مشروعه الاساسي وهو أن يكون صاحب السلطة والمستحق لها، خاصة وأنه كان المشرف المباشر على تثبيت سلطة الانقاذ بينما كان الترابي بالسجن (حبيساً).
على عثمان عكس البشير ونافع الاكثر تنظيماً وخبرة، فقد عاصر النميري وعمل ضمن مؤسساته، وعاصر الديمقراطية وكان على رأس التآمر عليها، وتولى وبمركزية قابضة كل مراحل تثبيت سلطة الانقاذ اول عهدها. ويعرف جيداً أن الجيش (منفرداً) لن يفكر في قيادة انقلاب وضمان نجاحه، لكنه (أي الجيش) سيدعم ويقف مع أي مشروع جاهز ومضمون النجاح (انتفاضة أو ثورة شعبية أو ثورة تصحيحية من داخل نظام قائم).
لكن مشكلة علي عثمان أنه بلا رصيد بين الاسلاميين (الحركة الاسلامية ، أو المؤتمر الوطني) بل وحتى المعارضين بالمؤتمر الشعبي. فطن على عثمان لذلك مبكراً ومضي في حشد المايويين، والاتحاديين صانعاً قاعدة المساندة التي سيجدها وقتما احتاجها. ولأن على عثمان لا أيمان له بالديمقرطية ولا بالحريات (كما وضح ذلك من حواره الاخير مع على الحاج) لم يكن حريصاً على تجسير أي نوع من العلاقات أو التواصل مع القوى السياسية الأخرى خاصة وأن عقيدته تقوم على أن الاحزاب محض فوضى.
ولجسر الهوة بين التأييد الداخلي المحدود في المايويين، وبعض الاتحاديين، كان واضحاً لعلي عثمان أنه لا يحتاج إلا لسند خارجي قوي يضمن ويدعم مشروع استلامه السلطة رئيساً، فلم يأبه بالقوى السياسية الداخلية، بل طفق يتواصل مع الامريكان والاوروبيين وحقق في ذلك الكثير.
سيكون علي عثمان سعيداً بأي صراع داخلي يصرف عنه الانظار حتى ولو كان المستهدف أحد اركان مشروعه، فعلي عثمان لا يتورع في التضحية بأيٍ كان في سبيل تحقيق مشروعه. ولان ذلك سيتيح له فرصاً واسعة لترتيب ما هو اساسي لحسم الصراع لصالحه. فقد خبر الرجل طوال هذه الفترة الطريقة التي يعمل بها خصومه، ولا بأس عنده أن يلهيهم بكل من ارتبط به ليجد فسحته في ترتيب مشروعه، بعدها يفعل بهم ما يشاء، وقد آلت له السلطة ممركزة في شخصه وقد اصبح رئيساً.
أهتمام علي عثمان بالدعم العالمي أنقص من قدره كثيراً، ذلك أن رحلته الاخيرة والتي قابل فيها علي الحاج بالمانيا، وأجرى لقاءً سرياً مع الامريكان والاوروبيين بتركيا!!؟. وليصرف النظر عن هذا اللقاء جاء الرجل الى تركيا في زيارة (غير رسمية) اجرت له السفاره السودانية هناك لقاءً مع أحد وزراء الحكومة، لكن على عثمان كان همه هو ابعاد انظار السفارة ذاتها عن ما يريد أن يفعل، فجرى اللقاء بينه والامريكان والاوروبيين هناك بسرية تامة، لكن المصادر على تعددها نقلت لنا اختلافاً طفيفاً في تفاصيل ذلك اللقاء. كل المصادر اتفقت أن الامريكان والاوروبيين شددوا مع علي عثمان على ضرورة ذهاب البشير، وأن يشرك القوى السياسية والحركات المسلحة في (الحل) القادم، وقيام الانتخابات. لكن أهم المصادر ذكرت (اضافة لكل ذلك) أن على علي عثمان هو من سيتولى مقعد الرئيس ضمن الحكومة الانتقالية.
الراجح عندي أن النقطة الاخيرة هي مطلب علي عثمان ذاته، أو أنه آثر الترويج لها لترد ضمن كل التقارير التي ستتداول عالمياً، ليعلم الكل أنه لن ينفذ شيئاً إلا إذا كان هو (أساسي) فيه. ورغم أهمية هذه النقطة إلا أن هناك ما هو أهم منها والذي يوضح مدى وعي علي عثمان واهتمامه وتدقيقه في ترتيبات أيلولة الامور إليه!!. ذلك هو ما يكشفه الاعلان الاخير الذي تداولته صحف الخرطوم حول طلب الامريكان الحوار مع (المؤتمر الوطني) وليس الحكومة، وأن الوفد إلى امريكا سيقوده نافع على نافع، خاصة وان التصريح صدر عن القائم بأعمال السفارة الامريكية وليس الحكومة أو الخارجية السودانية أو المؤتمر الوطني، ولكن نافع هو أهم رجل بالمؤتمر الوطني ونائب الرئيس فيه.
الواضح أن علي عثمان اهتم بترتيب أمر نافع على نافع جداً في لقائه بالامريكان والاوروبيين، ونرجح أنه قد ناقش الأمر ورتبه ليلعب الامريكان ورقة تقريب نافع من مشروع علي ليكون ضمنه، ولما كان نافع لا يأمن علي ولا يثق فيه فإن الضمانات ستقدم لنافع من الامريكان وبأمريكا ضمن حوارهم مع وفد المؤتمر الوطني الذي سيقوده نافع ذاته. الذي يرجح عندنا هذه القراءة ماورد بوثيقة ويكيليكس الشهيرة بين القائم بالأعمال الامريكي وقتها ودينق ألور وزير الخارجية والتي ورد ضمنها حوار ألور مع صلاح قوش والذي يهمنا في ذلك الحوار ما ورد بتلك الوثيقة: "...وألمح قوش بصورة غامضة قائلا"....بعض جماعتنا جبناء إنهم لايريدون اتخاذ إجراء شجاع" وأشارقائلاً " إذا حدث شيء فان الجاز ونافع لن يكونا فاعلين بل تابعين، ويقصد بذلك أنهما سيتبعان علي عثمان.". انتهي الاقتباس عن الوثيقة. فتقريب نافع من مشروع علي احتمال راجح، ولكنه ليس الوحيد. يمكن مراجعة الوثيقة على هذا الرابط: http://www.sudanewsnetwork.com/index...-09-04-53.html .
كان علي عثمان ضمن لائحة المتهمين بتدبير افشال اتفاقية نافع عقار الشهيرة، والراجح أنه المتهم الوحيد عند نافع، ذلك أنه وعلى الهواء مباشرة تحدث عن علي عثمان وقدرات علي عثمان بما يدعم ما جاء بوثيقة ويكيليكس أن نافع سيكون (تابعاً) لعلي في حالة حدوث اي شئ. ولكن الإذلال الذي تعرض له نافع كان كبيراً لدرجة أن تصريحاته الجارحة لم يعد يعبأ بها احد، فالرجل اثبت أنه أضعف من خيال مآته وأفرغ منه، لكنه لن يسكت وقد انحنى لعاصفة كبيرة وهو الاحرص على ألا يكون خارج السلطة مهما كان. ومن هذا الجانب يهابه علي لانه سيدمر أي مشروع لوراثة على عثمان للسلطة وهو يتملكه الاحساس أنه سيكون أول المغادرين لمقاعد نفوذها، لكن علي عثمان كان عالماً بنقاط ضعف نافع ونجح في توجيه ضربة مباغتة له في زمان ومكان لا يمكن لنافع أن يتوقع تلك الضربة.
الواضح أنه عندما يكون نافع خارج المسرح (البلاد) أو بعيداً عن ما يدور في المسرح فإنه يمكن توجيه أكثر من هدف على مرماه دون أن يتمكن حتى من رؤية من أين تأتي الكرة أو يستطيع أن يقوم بفعل أو أي رد فعل. فالاحتمال الوارد هنا أن علي عثمان يعد لنافع مفاجأة من العيار الثقيل قد يتلقاها وهو يقود الوفد بأمريكا كما تلقى ضرب ونسف اتفاقه مع عقار قبل أن يصل عائداً للبلاد. ليس هناك شئء مستبعد فعلي عثمان يرتب لفعله بعكس نافع الذي لا يجيد سوى ردود الافعال بل ردود الافعال هو تخصصه الوحيد.
خلاصة هذه القراءة هي أن مشروع علي عثمان هو مشروع قديم وثابت، وقد أبدى هو حرصاً عليه شديداً ومثابرة. ومهدداته تحتاج منه أن يرتب لكل من البشير ومآلاته واسرته بعد ترك السلطة من جهة، وترتيب وضع نافع أو ابعاده، ولكن ليس هذا بالسهل ولا هو كل التحديات التي تواجه مشروع علي عثمان، خاصة وأن هذه القراءة محصورة ضمن حدود (صراع وراثة البشير داخل منظومة الحكومة والمؤتمر الوطني والحركة الاسلامية).
مشروع نافع على نافع باختصار هو البقاء بالسلطة!!، نعم بتلك المحدودية. فنافع لا يرى نفسه الا ضمن السلطة، وهذا هو أهم شئ له. قد لا يكون نافع متطلعاً لوراثة البشير، لكنه بالمقابل لا يرى نفسه ضمن أي بديل إلا في حالة كان أحد اركانه الاساسية مشاركاً فاعلاً فيه. لكل ذلك نافع يُعمل كل جهده للمحافظة على الوضع كما هو، بلا رغبة منه لحدوث أي تغيير، ولعله من الملاحظ أن أكثر ما يثير نافع ضد قوى المعارضة هو حديثها عن تغيير النظام، أو المشاركة فيه بشروطها (حكومة قومية مثلا) فكل ذلك عند نافع يقع تحت بند (تفكيك النظام) من ما يعني عنده تفكيكه هو ضمن ذلك.
ذلك لآن نافعاً (وهو أول مسؤول ومؤسس لجهاز الامن الحالي) عمل على أن يكون هذا الجهاز هو الحكومة والحزب والجيش والسوق وكل شئ تحت سيطرته. بالتالي أي تغيير ولو كان محدوداً سيمس هذه المنظومة السحرية التي سهر نافع على بنائها. ونافع سيكون هذا همه ودافعه للمشاركة في أي تغيير يبقي على أشياء نافع كما هي – وهذا مستحيل- غير ذلك سيكون أي تغيير مضر لنافع وستترتب عليه ابعاده عن السلطة طال الزمن أم قصر. فكل مشروع نافع علي نافع الآن هو الابقاء على كل شئ كما هو مهما كان الثمن، وغير ذلك يعني عنده الزوال وذهاب السلطه وإلى الابد. لذلك نافع يظهر دائماً على وسائل الاعلام باختلافها كمدافع جسور لا يماثله أحد ولا يجارية من رجال الانقاذ قادتها أو شبابها (لم ينجح أمين حسن عمر في لعب هذا الدور رغم محاولاته المستميتة).
ضمن هذا الاطار ينشط نافع، فهو يرغب - أكثر من أن يكون وريث البشير - أن يظل البشير وكل شئ كما كان. ولان نافع لا يعرف التخطيط والترتيب، فإن قادته الظروف والحظ أن يكون هو الرئيس فلا مانع عنده، لان ذلك سيمكنه من تحقيق كل أمنياته وأحلامه في المحافظة على سلطة أمنية مطلقة الصلاحيات، لكنها عندما يكون نافع هو الرئيس ستكون الدولة وكل من فيها هو الأمن فقط، وما اصعبه من حلم. سيبقى المحدود محدوداً مهما شد خياله أو اعمل فكره إن وجد.
لكن نافع رغم كل محدوديته يستوجب بعض الحساب. فالرجل مولع بالقوة والردع، ولذلك يركز على الامن والقوة الضاربة، وقد يلجأ إلى الترغيب بتوظيف المال. تلك هي خريطة التعامل مع من حوله، مهما كانوا، معه أو منافسيه وحتى معارضية. ومن هنا يأتي خطر نافع على الآخرين، فقد يكون رد فعله مدمراً وربما طال الجميع بما فيهم نافع نفسه، ودائما يقود عدم الحساب والتخطيط والتدقيق والتوقع إلى كوارث، وكل خصوم نافع يخشونه من هذا الباب. وهذا الباب ليس ببعيد لمن خبر منهج الانقاذ طيلة سني حكمها أن يُصبح الناس يوماً وقد أصبح نافع الرئيس الجالس على رأس دولة السودان. فعجائب الانقاذ لا تنقضي كما أنها مثل المصائب لا تأتي فرادى. وخلاصة القول أن نافع لا يعمل إلا على الابقاء على الحال كما هو، بل لا يرجو فيه أي تغيير مهما كان حجمه، فهو لا يتوجس إلا من التغيير خاصة وأنه لا يعرف مآلاته ولا تفاعلاته ولا إلى أين ستنتهي. فالافضل عنده دوماً بقاء الحال كما هو، رغم أنه يعرف أن ذلك من المحال.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.