الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    الهلال يشكو لاعب نهضة بركان... وتحدٍ إداري جديد يلوح في الأفق    وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    دراسة: تناول 3 أكواب قهوة يوميًا يقلل القلق والتوتر    عائلة الممثل الكورى لى سانج بو ترفض الإفصاح عن سبب الوفاة.. اعرف التفاصيل    نبيل فهمي .. اختيار أمين عام جديد للجامعة العربية بإجماع عربي كامل    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحركة الإسلامية – الخطايا القاتلة وإعادة إنتاج الفشل.
نشر في سودانيات يوم 24 - 02 - 2012


بسم الله الرحمن الرحيم
في مقالةٍ له نشرت في جريدة الصحافة بتاريخ 19 فبراير تحت عنوان (خطايا قاتلة في مسيرة الحركة الإسلامية)، ذهب البروفيسور الوقور الطيب زين العابدين إلى القول بأن ( النموذج البائس للنظام الإسلامي الذي قدمته حكومة الإنقاذ طيلة تربعها المتطاول في السلطة جاء نتيجة لأخطأ قاتلة وقعت فيها ابتداءً الحركة الإسلامية ثم تبعتها في ذات الطريق المعوج حكومة الإنقاذ ليس عن طريق الصدفة أو الجهل ولكن عن تقدير استراتيجي خاطيء وإصرار على ذات النهج بسبب ضبابية الرؤية الإسلامية واختلال الأولويات وحب السلطة والجاه)، وبناءً على هذه التوطئة ، عدد لنا البروفيسور الطيب ستة أخطاء، (سماها الخطايا القاتلة في مسيرة الحركة الإسلامية)، مع أن هذه الأخطاء أو الخطايا التي عددها هي في حقيقة أمرها كلها نتيجة لسبب واحد، هو ضبابية الرؤية الإسلامية التي أقر البروفيسور في توطئة مقالته بتورط الإسلاميين فيها.
ضبابية الرؤية التي ذهب إليها البروفيسور الطيب تطابق في وجهة نظري تماماً غياب المنهج، لذلك كان حريٌ بالبروفيسور الوقور أن يقف بنا عند منهج الحركة الإسلامية يُشَرِحُهُ ويُعمل فيه مبضع الجرَّاح ليقف على مواطن الضعف فيه، بدلاً من أن يحيلنا إلى نتائج من بديهيات المقدمة التي ذهب إليها في مقالته - مقدمة(ضبابية الرؤية الإسلامية) أو غياب المنهج -، وفي ظني أنه ما تورط في هذا القصور النقدي إلا بسبب أيديولوجيا صحبها زمنا طويلا وما حرى لنفسه منها فكاكا، ذلك أن الأيدولوجيا دوماً تفسد مهمة المراجعة ونقد الذات حال كونها تنافي المعرفة وصرامتها الموضوعية، وعن مثل هذا التنافي يقول الدكتور حيدر إبراهيم علي في كتابه "مراجعات الإسلاميين كسب الدنيا وخسارة الدين" يقول لنا :
( ....هناك مشكلة تلازم أصحاب الأيديولوجيا والعقائد حين يحاولون النقد والمراجعة، فهم يعلنون خروجهم من الحزب أو التنظيم لكي يضفوا على مواقفهم قدراً من الحياد والموضوعية ،إنهم يخرجون من التنظيم ولكن التنظيم لا يخرج منهم)، ومع أن الدكتور حيدر إبراهيم ذهب في ذات كتابه السابق ذكره ، إلى أن البروفيسور الطيب تميزت كتاباته بقدرٍ كبير من النقد والمراجعة، إلا أننا نزعم أن جواد البروفيسور قد كبا في المقالة المنشورة له بعنوان (خطايا قاتلة في مسيرة الحركة الإسلامية)، فقد ذهب البروفيسور الطيب متعه الله بالصحة وأمد في أيامه يعدد علينا الخطايا على نحوٍ تراتبي مع إنها من بدهيات غياب المنهج، لكنه تحاشى أن يبين لنا منهج الحركة الإسلامية والآليات البديعة في ذلك المنهج التي أنتجها العقل الإسلامي السوداني خلال مسيرة الحركة الإسلامية الطويلة تحسباً لوقوع هذه الخطايا؟ إننا نزعم أنه لا يوجد منهج سوى منهج (ضبابية الرؤية الإسلامية) الذي أقرَّ به البروفيسور الطيب، وما اختلال الأولويات وحب السلطة والجاه ..إلخ ما ذهب إليه البروفيسور الوقور في مقالته إلا مترتبات حتمية لتطبيقات المنهج المذكور (منهج ضبابية الرؤية)، فمن يركب السفين ويمخر عباب البحر بلا بوصلة ولا هداية، فلا يحق له أبداً أن يحاكم نتائج اختياراته، حال كونه سلك من البداية طريق الإنتحار وتدمير الذات.وهذا في الحقيقة ما فعلته الحركة الإسلامية بنفسها وبأهل السودان جميعاً حين مخرت بسفينهم بحراً خضماً من غير أن تقف مع نفسها يوماً لتتقن ولو فناً واحداً من فنون ركوب البحر.
الإسلامية أعدت دراسة جادة في العام 1966م أورد ملخصها الأستاذ بابكر حسن مكي في كتابه (نميري – الإمام والروليت)، وموجز تلك الدراسة أن هناك عقبات عملية تقف حائلاً دون قيام الدولة الإسلامية في السودان ( عشر عقبات عملية) ، أهمها قضية الجنوب، والواقع الدولي العلماني، وعدم تقبل دول الجوار للمشروع الإسلامي والتحالف المتوقع بين الكنسية الحبشية والكاثوليكية ضد المشروع إلى غير ذلك من العقبات التي وردت في الدراسة، لكن للأسف ذهبت الحركة قدماً في تطبيق مشروعها الضبابي الرؤية من غير أن تجيب إجابة منهجية على الأسئلة التي طرحتها الدراسة المذكورة، وتماهت مع هذه القضايا الجادة بشيزوفرينا فكرية حادة، وطفقت تطرح طرحاً لا يختلف عن طرح التيارات العلمانية في شيء ثم يضطرها الشعار الإسلامي إلى إفراغ ما طرحته من مضمونه، وكل ذلك بسبب غياب المنهج، وخذ مثالاً على ذلك ما ورد في البند ثانياً من ميثاق الجبهة الإسلامية القومية (ميثاق السودان 1987م)، تحت عنوان الأصل والوطن فقد ورد فيه ( السودان وطن واحد يتحد شعبه بولاء وطني قومي، لكنه يتباين بأصوله العرقية وكياناته العرقية والثقافية المحلية..إلخ)، فالولاء هنا للوطنية والقومية لا للدين، وهذا تماماً مثل ما يقول به العلمانيون تحت شعار (الدين لله والوطن للجميع)، لكن في ظل غياب المنهج الأداتي سرعان ما يبلع الإسلاميون مثل هذا النص فقط ليمايزوا أنفسهم عن التيارات الليبرالية والعلمانية الأخرى ونتيجة لذلك شرعان ما يتورطوا في مواقق خطابية تناقض موقف الأمس تماماً، وللوقوف على كثير من مثل هذه التعارضات لك أن تلقي نظرة على دستور 1998م أو على القانون الجنائي لعام 1990م وتقارن بين ما جاء فيهما وبين الخطابة السياسية اليومية للحركة، ومثل ذلك كثير، لذلك فإن المسألة ليست مسألة خطايا ناتجة عن قصور في التطبيق، وإنما القضية قضية غياب منهجية كان المؤمل أن يكون وجودها عاصماً للحركة الإسلامية من الذلل.
يقول البروفيسور الطيب في مقالته : (أولى هذه الخطايا - أي خطايا الحركة الإسلامية - النظرة المبالغ فيها لدور السلطة في إحداث التغيير الإسلامي المنشود ،ومن ثم أهمية العمل السياسي على غيره )، ونحن نسأله أين منهجية الحركة الإسلامية العملية بشأن السلطة وما هو تصورها لهذه القضية ، بداءً من الوصول إليها؟ ومروراً بأدوات حفظ توازناتها وانتهاءا بالغاية منها؟ في مقالته موضوع هذا النقاش جفل البروفيسور الطيب عن هذا وأخذ يحدثنا عن أنهم في الحركة الإسلامية انقسموا إلى تيارين، تيار سياسي قح ، وآخر تربوي فكري دعوي إجتماعي، وقال لنا إن التيار الأول انتصر وتغلب على هذا الأخير وأدى ذلك إلى وقوع إنشقاق الحركة عقب مؤتمر فبراير 1969م، لكن لم يقل لنا شيئاً ولو قليلاً عن منهجية كلا التيارين المتغالبين من قضية الدولة الإسلامية وعلاقاتها بالسلطة وماذا يريدان أن يفعلا بها – أي السلطة - إن هي جاءتهما تجرجر أذيالها، لا شك أن ضبابية الرؤية الإسلامية ، هي إجابته الحاضرة، حال كونها المنهج الفكري الوحيد المتوفر لدى الحركة الإسلامية يوم أمس وحتى الآن، ولا شك أنه عند غياب المنهج فإن الوسيلة التي يتم بها الوصول إلى السلطة لا تصبح قضية، فأنا على مثل اليقين في نفسي بأنه حتى لو وصلت الحركة الإسلامية إلى السلطة بوسيلة غير الوسيلة التي تأباه عليها البروفيسور الطيب (الإنقلاب العسكري)، فإن النتيجة لن تكون أفضل من النتيجة التي جفل منها وحاول نسبتها إلى إنقلاب الإنقاذ، وكأنه لا يدري أن الإنقاذ هي بنت الشهوة التي انتابت الإسلاميين في فجر ذلك اليوم المعلوم ، يقول البروفيسور الطيب:
( إن المودودي رفض طريق العنف والإنقلابات العسكرية، وأنه حين سأله في مطلع السبعينات عن سبب رفضه الإنقلاب العسكري وهل هو ديني أو حكمة سياسية، قال له: حكمة سياسية)، وأقول في هذا الصدد إن الحكمة السياسية التي غابت عن كادر الحركة الإسلامية السودانية في الثلاثين من يونيو 1989م كانت حاضرة لدى المودودي لا لشيء سوى أنه كان صاحب منهج، وهذا ما ينقص الحركة الإسلامية السودانية، يقول المودودي في كتابه نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور «ص92» من طبعة مؤسسة الرسالة يقول ما نصه ( ... ومن الناس من يقول بتأسيس دولة قومية للمسلمين ولو غير مستندة إلى قواعد الشريعة الغراء، يقولون به ويدعون إليه ويغتنمون هذه الفكرة في المرحلة الأولى، ويزعمون أنه إذا تم لهم تأسيس دولة قومية يمكن تحويلها تدريجاً فيما بعد إلى دولة إسلامية بوسائل التعليم والتربية وبفضل الإصلاح الخلقي والاجتماعي ،ولكن شهادات التاريخ والسياسة وعلوم العمران تفند مثل هذه المزاعم ،وإن نجح مشروعهم فلا شك يكون معجزة (.....) فليت شعري كيف يمكن أن تكون دولة قومية مؤسسة على طراز الديمقراطية عوناً لنا ومساعداً في استكمال هذا الإصلاح السياسي وإنجاز مهمته)أ.ه، فالمنهج في ذهن هذا الرجل المفكر (المودودي) واضح ، فقد أدرك بعين الخيال علاقات المعطيات المتوفرة لديه، ومن ثم أيقن بأن الدولة القومية لن تنتج دولةً ذات رسالة إسلامية أبداً بغض النظر عن وسيلة الوصول للسلطة ، وما دام أن غايته دولة الإسلام فإنه رأي ألا داعي للمقامرة بانقلاب عسكري لا يحقق النتيجة المرتجاة، فلو كان للبروفيسور ورفاقه منهج واضح مثل هذا المنهج لكان عاصمهم من الذلل وتوريط أنفسهم والناس معهم في هذا الفشل الذي نحصد ثمرته الآن تمزقاً وشتاتا.
يحدثنا البروفيسور الطيب زين العابدين في مقالته ويقول لنا: بعد تحقق الهدف المرجو (الإنقلاب) وقعت المفاصلة بين المنشية والقصر وأن الصراع فيها أساساً كان على السلطة والنفوذ، ويحدثنا عن الهزيمة الأخلاقية التي لحقت بكادر الحركة الإسلامية بعد الإنقلاب وميلهم إلى الدنيا، وذبحهم في سبيل ذلك للحركة الإسلامية بحلها..إلخ ما ورد في مقالته في هذا الصدد، وفي هذا نقول ما قال هوبز المجتمع المدني مقابل الطبيعة )، بمعنى آخر ،أنه بني على قوانين ونواميس وبنيات لا شعورية صارمة تماماً مثل تلك التي تهيمن على الطبيعة، الإنسان هيمن على الطبيعة نسبياً بإكتشاف نواميسها وقوانيها، وهذا ما ينبغي على المفكر الإجتماعي أن يسعى إليه فيما يخص المجتمع، وبما أن السياسة ضربٌ من الاجتماع والعمران ، فإن السائس لا يكون ناجحاً إلا إذا خبر النفس البشرية وذهب يوجد آليات تقويمها وإصلاحها، الإنسان – أي إنسان – مجبول على حب السلطة والنفوذ وميال إلى الشهوات طبيعةً، على هذا النحو خلقه الله ، (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب) الآية، هذه هي الطبيعة والفطرة البشرية، كلنا نحب السلطة والنفوذ ونميل للشهوات ومنها المال أنا وأنت وبروفيسور الطيب، والسؤال ما هو المنهج العملي الأداتي التطبيقي الذي أوجدته الحركة الإسلامية السودانية - كحزب سياسي يريد إصلاح الحال – لضبط وتهذيب هذه الطبائع البشرية، بغض النظر عن آلية الوصول إلى السلطة، (إنقلاب أو إنتخاب ديمقراطي)، لا شيء، لقد أحالتنا الحركة الإسلامية إلى شعاراتية ساذجة وكانت أداتها في ذلك الإرتكان إلى مسألة طبعها الزيادة والنقصان ،هي مسألة التقوى، بعد أن أجتزأت آية (إن خير من استأجرت القوي الأمين) من سياقها وأفرغتها من مضمونها، ولم تقف على معنى أن موسى عليه السلام – وهو نبي معصوم - تحدث في هذه الآية عن حاله هو لا عن حالنا نحن الضعفاء ، لكن بطريقة سحرية انسحبت هذه الآية ليكون موضوعاً لها كل من أرخى لحيته وتمظهر بمظاهر التدين، ففي ظل غياب المنهج العملي الأداتي الزمني عند الإسلامين أصبحت التقوى والتدين الشكلي الآلية اليتمية الوحيدة المناط بها حفظ النفس البشرية من الإنحراف، مع أن أمر التقوى والتدين في تذبذب دائم، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم ( بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً يبيع أحدهم دينه بعرض الدنيا)، فإذا كان أمر التدين على هذا النحو من التقلب فما هي الآلية العملية التطبيقية التي أوجدها منهج الحركة الإسلامية لمناضهة أمراض النفس الإنسانية حين تحفها شهوات المال والسلطة والجاه؟. نفس هذا الأمر يقال بصدد موقف الحركة الإسلامية من قضية التدافع ، فقد اكتفت بالخطابة ترتل صباح مساء قوله تعالى ( ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) لكنها في ذات الوقت لم توجد آليات عملية تطبيقية لإنزال هذا النص القرآني إلى واقع حياة الناس،لا بل بدلاً من ذلك سعت بموجب سياسة التمكين إلى تكسير آليات التوزان والتدافع الموروثة من العلمانية السودانية، فأصبح حالها كالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، وكل ذلك بسبب غياب المنهج، فلا منهج سوى منهج ضبابية الرؤية، كما ألمح إليه البروفيسور الطيب، فأنت مثلاً إذا ذهبت تقارن بين فكرة منهجية مثل فكرة ( حزب الجامع) عند الصادق النيهوم – على العلمانية المتهم بها – أو بين فكرة (إجماع الأمة) عند علال الفاسي، وبين مصطلح (التوالي) الذي صكه لنا الشيخ الترابي، تجد الأول والثاني واضحين في طرحهما وضوحاً لا يقبل التأويل، بينما تجد الأخير محاطٌ في طرحه بطلاسم من الغموض تماماً مثل طلاسم العرافين والكهان، هذا في إطار التعاطي مع قضية ظاهرة هي حكم الأغلبية والتدافع السياسي كأدوات خبرها العقل البشري لحفظ توازن مصالح الناس المتعارضة، وكيف يتم التأصيل لها من الدين، فكيف بالمسائل التي تقبع في البنيات اللاشعورية للمجمتع؟، نعم لقد كان غياب المنهج كارثة الحركة الإسلامية السودانية حين تقدمت إلى القيادة وليس في جعبتها إلا فن الخطابة، فكانت النتيجة هذا الحصاد المر الذي نتجرعه الآن، والأخطر من ذلك محاولة إنتاج الفشل، بإعادة تنظيم الإسلاميين المحبطين من تجربة الإنقاذ بتأسيس حزب إسلاميٍ سياسي جديد يجمع شتاتهم ويواسيهم في مشروعٍ توزع دمه بين قبائلهم الفكرية، ووجه الخطورة الذي أخشاه في هذا الصدد ليس في مجرد إعادة التنظيم، وإنما في المبادرة إلى ذلك بلا رؤية ولا منهج عملي تطبيقي، فكلنا سمعنا عن مبادرة الأستاذ أحمد المصطفى إبراهيم عبر صحيفة الإنتباهة ودعوته إلى أن يكون البروفيسور الموقر الطيب زين العابدين رباناً لهذا التنظيم الإسلامي المقترح، وسمعنا كذلك عن الدعوة لتسجيل حزب باسم الحركة الإسلامية السودانية ، لكن للأسف لم نسمع حراكاً فكرياً أو نقاشاً معرفياً جاداً يتعرض بالنقد المعرفي الموضوعي لنقائص حركة إسلامية خاضت معترك الحياة السياسية منذ الأربعينات ولم تنتج إلا الفشل، فإذا كان ذلك كذلك فإن مجرد إعادة الهيكلة والإهتمام بالجانب الحركي التنظيمي لن يحل أزمة الحركة ، ولن يعالج داء الشيزوفرينيا الفكرية الملازم لها في مجابهتها لقضايا السياسية السودانية، فالجانب الحركي مجربٌ وقديم وأنه مثل الثور تماماً لم ولن ينتج لنا حليبا، في ظل غياب الرؤية وضبابية المنهج، ولا أعتقد فيما يتعلق بقضية السياسة أن لدى كوادر الحركة الإسلامية المقدرة على الإتيان بما لم يأت به الأولون، فالبشرية بتجاربها وبتراكم خبرتها الطويلة وصلت بعقلها الزمني إلى أن آلية الديمقراطية بصورتها الليبرالية هي الأداة الوحيدة الكفيل بها حفظ توازنات القوى والتدافع في المجتمع، بل زعم منظري الليبرالية وديمقراطيتها أنها نهاية التاريخ وخاتمة أفكار البشر، فهل يا ترى يبدع لنا العقل الإسلامي السوداني المحبط من ماضيه القريب منهجية ما بعد نهاية التاريخ لتكون تنزلاً عملياً تطبيقياً لقوله تعالى ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)، أم أن الأمر لن يجاوز التماهي مع إبداعات العقل الغربي الليبرالي؟ هذا ما تكشف عنه الأيام مثلما كشفت عن الوهن في فكرٍ سياسي أعتقد بعض الناس - حد التصنيم - بصلاحه زمناً طويلاً ، والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل،،،.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.