ü يوم الاربعاء الماضي طالعتُ تصريحاً لوزير المالية علي محمود لجريدة «الصحافة» قال فيه: إن تجارة الدولار صارت تدار من سودانيين في خارج البلاد، يحصلون على تحويلات المغتربين وما يجنيه المصدرون من عائدات الصادر، ومنح أصحابها ما يقابلها بالجنيه في الداخل بسعر صرف أعلى من «الحقيقي»، ويرسلون سلعاً وبضائع إلى السودان من دون فتح اعتمادات عبر المصارف، واعتبرهم مُخربين للاقتصاد وهدد بملاحقتهم، ولم يستبعد منع دخول أي سلع تأتي دون فتح اعتمادات عبر المصارف، واتخاذ اجراءات عقابية في مواجهة أي مصرف يتلاعب في ذلك. ü هذا الجزء تحديداً من تصريح وزير المالية، ذكرني بقول المثل السوداني الدارج «الغلبا راجلها قالت أخير تأدب حماها»، فالسيد الوزير ومع قراره وقرار حكومته برفع سعر الدولار، ومع تراجع موجودات خزانته من العملة الصعبة، وجد أن أسعار الدولار تتصاعد يومياً.. وهو يعرف كما يعرف أعضاء حكومته تماماً أن «أزمة الدولار» يكمن سرها داخل الحكومة ذاتها والكيفية التي تدار بها- سياسةً واقتصاداً- وليس في بعض من هم على الهامش يحاولون الاستفادة من أخطاء الحكومة، فهؤلاء هم في أسوأ الأحوال ليسوا أكثر من عَرضٍ لمرض كامن في مفاصل الحكومة، فالحكومة هي «الزوج» الفالت الذي سيواصل غيِّه مهما فعلت بأبيه. ü فالحكومة بعد استقرار طويل لسعر الدولار في حدود (7.3) جنيه، وبعد ذهاب الجنوب بنفطه- مأسوفاً عليه- وتراجع مداخيله التي لم توظفها عندما كانت بين يديها لتعظيم الإنتاج والصادرات لمواجهة مقبل الأيام، التي كانت تقول كل المؤشرات والتوقعات بأنها ستكون انفصال الجنوب وخروج النفط كمكون أساسي في الموازنة، بدت هذه الحكومة وكأنها مفاجأة بما حدث، وبدأت تبحث عما ينقذ الوضع المالي المتردي والمتهالك.. لجأت لما سمي وقتها بسياسة «التقشف» عبر تخفيض عدد الوزارات ودمج المؤسسات، وانقاص عدد الدستوريين ذوي الحظوة، ولكنها لم تذهب في «تقشفها» إلى الحد الذي يوازن بين الدخل والمنصرف، واكتشفت أن ذلك في ظل «سياسة الترضيات» غير ممكن واكتفت في ذلك «بالتيمم» عوضاً عن «الوضوء» أو «الغسل الكامل»، فظلت الإدارة الحكومية على حالها «تصرف ما في الجيب ليأتيها ما في الغيب»، بذات النفخة و«الفشخرة» والاحتفالات والمهرجانات وركوب «الفارهات» ذات الدفع الرباعي، وآخر ما انتجه الألمان في «بارفايا» من (BMW) وما شاكلها من مارسيدس. ü وسط هذه الأجواء أتت الحكومة بالسيد علي محمود، والي جنوب دارفور الأسبق، ووزير الدولة بالمالية سابقاً وزيراً «كامل الدسم» لإدارة المالية والاقتصاد الوطني، وإذا به يكتشف أنه «وزير أزمة» وأن الخزانة خاوية على عروشها في المبنى الفخيم للبنك المركزي، وطُلب منه أن يتصرف حتى «يمشي الحال»، فلجأ أخيراً إلى رفع سعر الدولار، وإذا به يكتشف أن «الرفع الرسمي» للدولار في ظل خزينة لا تستطيع توفيرهُ للبنوك والصرافات سيعني بالضرورة وحتماً ارتفاعاً غير منظور ولا محسوب في السوق الموازية- «السوداء»، لأن الناس في حاجة للدولار والعملة الصعبة في بلد لا ينتج إلا القليل من احتياجاته الفعلية، فهم كما «الحكومة» عليهم أن يتدبروا أمرهم وإلا توقفت حياتهم، بعد أن وضعتهم الحكومة في مزنق «الكونر» ولم يعد أهتمامهم سوى «السوق الأسود» الذي لبس «الأبيض» في السودان تعبيراً عن «الحداد» كعادة أهل البلد. ü لعل وزير المالية لم يقرأ أو لم يتوقف كثيراً عند ما أعلنه محافظ بنك السودان السابق أمين أمانة الشؤون الاقتصادية بالمؤتمر الوطني في الملتقى الاقتصادي الذي انعقد في يومي 26- 27 نوفمبر الماضي، والذي أوضح من خلال ورقته أمام المؤتمر أن عرض النقود قد ارتفع من (35) مليار جنيه في نهاية ديسمبر 2010 إلى (56) مليار جنيه في نهاية اكتوبر 2012، أي أن هناك كتلة نقدية مقدارها (21) مليار جنيه أضيفت إلى السيولة العائمة في السوق تطارد السلع والبضائع التي لم تزد كثيراً، مما قاد إلى التضخم البالغ (46) في المائة بحسب المؤشرات الرسمية وشبه الرسمية، والذي ربما اقتصر على بعض السلع وليس جميعها، إذ أنني قبل يومين فقط اشتريت دواء «بخاخ حساسية وجيوب أنفية»، يسمى «راينكورت» ب56 جنيهاً، كنت اشتريته في الشتاء الماضي والذي قبله بنحو 20 جنيهاً تزيد أو تنقص قليلاً. ü بالعقل كده، من أين جاءت ال(21) مليار جنيه «المدلوقة» في السوق، فنحن نعرف أنه لكي تقوم بطباعة عملة محلية فعليك أن توازن بين كميتها وما لديك من تغطية بالعملات الصعبة أو الذهب، حتى لا تنتج هذه الطباعة تضخماً وتدهوراً في قيمة العملة المحلية أو الجنيه، لكنه «حل سهل» تلجأ إليه الحكومات غالباً في أوقات «الزنقة»، ولسان حالها يقول «بكرة ربك إفرجا»، وغالباً هذا ما فعلته حكومتنا بالموازاة مع الاستدانة من المصرف المركزي، وأظن وزير المالية، بحكم وظيفته ومتابعته يعلم كل هذا الذي ذهبنا إليه حتى لو فاتت عليه اعترافات زميله د. صابر في المؤتمر الاقتصادي. ü لكن أغرب ما في تصريح الوزير علي محمود هو تهديده بملاحقة تجار العملة بالخارج- «الحَمَا» في المثل السوداني- الذين وصفهم ب«المخربين» ولا أعرف إن كان وزير المالية يفكر في أن يتحول إلى ضابط شرطة كبير يدير وحدات بوليسية عابرة للأقطار ليلاحق هؤلاء، أم سيلجأ «للانتربول» لجلبهم إلى البلاد وتوقيع العقوبة عليهم، لكنه نسي أن المغتربين السودانيين يعملون في بلاد ذات اقتصاديات حرة، ولا تكترث لتصرف الناس في أموالهم باعوها أم خزنوها أم حولوها فهذا شأنهم، وعندها سيكون طلب الوزير كمن يطلب توقيع عقوبة على جريمة لم ينص عليها القانون.. أما قوله بعدم «استبعاد منع دخول سلع تأتي دون فتح اعتمادات».. فترى من يكون الخاسر في هذه الحالة؟ أليس هو الدولة التي تشكو لطوب الأرض طلباً للدولار.. ألم يوفر هؤلاء على الدولة توفير العملة الصعبة المطلوبة لاستيراد تلك السلعة الممولة من الخارج بأموال المغتربين، أو حتى بأموال الصادر «المجنبة»؟!.. وبمناسبة «التجنيب»، أليس لدى الدولة آليات ووسائل لضمان تحصل القيمة الحقيقية لعائدات الصادر، وإذا لم تكن لديها تلك الوسائل، فعلى من تقع المسؤولية وعلى من يجري الحساب؟!