شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    البرهان يتفقد مستشفى الرباط ويوجّه بتطوير الخدمات الطبية الشرطية    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    مجلس الهلال يترقب قرار الانضباط ويعلن الاستعداد للتصعيد.. والكاف في مأزق كبير    حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدكتور غازي العتباني: مسؤولية انفصال جنوب السودان واستنساخ نيفاشا
نشر في الأحداث يوم 27 - 05 - 2012


(1)
من التوجيهات المبدئية والأولية التي يتلقّاها طلّاب دراسة علم التاريخ هي توخي الحذر والحيطة في كتابات الأشخاص الذين هم طرفٌ في الأحداث موضوع المقال أو الكِتاب. فهؤلاء الكُتّاب قد يرتكبون واحداً أو أكثر من ثلاثة أخطاء هي: أولاً تضخيم دورهم الإيجابي، وثانياً عدم ذكرأيٍ من الأخطاء التي وقعت، أو التعرض لها بصورةٍ غير متكاملة، وثالثاً تقديم التبريرات غير السليمة أو الصحيحة للأخطاء، إذا تمّ التعرض لها.
طرق ذهني هذا التوجيه بشدّةٍ وأنا أقرأ مقال الدكتور غازي صلاح الدين العتباني بعنوان «قرار الاتحاد الأفريقي استنساخ للإيقاد ثم نيفاشا جديدة». وقد وصلني المقال عبر بريدي الإلكتروني عدّة مراتٍ من مجموعةٍ من الأصدقاء، وأوضح الكاتب أنه قد تمّ نشر المقال في ثلاث صحفٍ هي الانتباهة والسوداني والرأي العام في 29 أبريل عام 2012.
افتتح الدكتور غازي مقاله بالآتي «بين حين وآخر أستصوب ألا تنحصر نصيحتي في دوائر الاستشارة الضيقة التي يفرضها المنصب الرسمي. ويكون ذلك عندما أرى أن موضوع النصح جدير بأن يتفاعل معه الرأي العام بحسبانه أمراً يتعلق بالحقوق الوطنية التي تهم جميع المواطنين، وهو ما يحدث كلما مرت البلاد بمنعطف مصيري.» وهكذا أوضح لنا الدكتور غازي أن دوره ينحصر فقط في تقديم النصيحة في دوائر الاستشارة الضيقة. ثم يواصل الدكتور غازي «في سبتمبر من عام 1994 انتُدبت لقيادة وفد مباحثات السلام في كينيا بدلاً من الرئيس السابق للوفد. كان ذلك التكليف لمرة واحدة فقط، وكانت المهمة التي أوكلت إليّ واحدة ومحددة للغاية وهي إلغاء إعلان مبادئ مبادرة الإيقاد الذي صاغه الوسطاء أو إلغاء مبادرة الإيقاد من أساسها..... أدى الوفد مهمته بكفاءة عالية، إذ دام الاجتماع حوالي خمس وثلاثين دقيقة فقط. رفض الوسطاء؛ الذين نصبوا أنفسهم قضاة في ذات الوقت، تعديل إعلان المبادئ فكان البديل هو أن تموت مبادرة الإيقاد التي أصبحت بالفعل بعد ذلك الاجتماع العاصف كبيت مهجور تخرقه الأنواء من كل جانب.... بصفتي رئيس الوفد في تلك المهمة الفريدة تعرضتُ لهجمة شرسة من الإعلام الغربي وُصفت فيها بأسوأ النعوت ومن بينها بالطبع أنني شخص متطرف، لكنني على الصعيد الشخصى لم أنم أقرّ عيناً ولا أشفى صدراً من نومي في تلك الليلة.»
ويواصل الدكتور غازي مقاله فيتعرض بالشرح والنقد للقرار الصادر عن مجلس السلم والأمن الافريقي بشأن السودان وجنوب السودان في الرابع والعشرين من شهر أبريل ويختتم مقاله بمجموعة من النصائح من بينها «على الصعيد السياسي ينبغي إشراك كل القوى والشخصيات السياسية السودانية والخبراء والمختصين في صياغة قراءة موحدة للأزمة ومن ثم سياسة وطنية موحدة تجاهها.... . وسيكون من المفيد أن تشارك في هذه الحملة كل القوى السياسية والمؤسسات القومية والشخصيات السودانية ذات العلاقات الإقليمية والدولية.» نكتفي بهذا الاقتباس من مقال الدكتور غازي.
(2)
أندهشت كثيراً وأنا أقرأ مرةً بعد الأخرى مقال الدكتور غازي. فقد اختزل الدكتور غازي كل دوره في عملية السلام في إلغاء إعلان مبادئ مبادرة الإيقاد، وهي المهمة التي قال إنه قد أدّاها بكفاءة عالية تسببت في وصفه بواسطة أجهزة الإعلام الغربية بأنه شخص متطرف.
لم يتطرق الدكتور غازي إلى دوره في بروتوكول مشاكوس، ولم يذكر أنه كان رئيس الوفد الذي فاوض على هذا البروتوكول، وأنه هو الذي وقّع نيابةً عن حكومة السودان مع السيد سلفا كير على بروتوكول مشاكوس في 20 يوليو عام 2002، كما لم يذكر للقارئ من أين جاءت مبادرة الإيقاد التي قام بإلغائها وما هي أوجه الشبه بينها وبين إعلان فرانكفورت، وكيف تختلف عن بروتوكول مشاكوس الذي فاوض ووقّع عليه.
سوف نقوم في تعقيبنا على مقال الدكتور غازي بإثارة مجموعةٍ من الأسئلة والرد عليها.
(3)
ما هي مبادرة الإيقاد ومن أين أتت؟
الإيقاد منظمة تم إنشاؤها عام 1986م بواسطة دول شرق أفريقيا (إثيوبيا وجيبوتي وكينيا ويوغندا والسودان والصومال) لمواجهة التصحر والجفاف في الإقليم. وقد عدّلت هذه المنظمة أهدافها لِتُركّز على التنمية، وقد انضمت لها إريتريا عام 1993، ثم دولة جنوب السودان في العام الماضي. وليس لهذه المنظمة دورٌ أو إنجازٌ يُذكر سوى اتفاقية السلام الشامل السودانية والتي جرّها للعمل فيها ما سُمّي بمجموعة شركاء الإيقاد من الدول الغربية والتي دفعت جلّ تكاليف المفاوضات من فنادق وطعام وشراب وسفر ومطبوعات.
في مايو عام 1991م سقط نظام منقستو هايلي مريم الحليف الرئيسي للحركة الشعبية. وفي أغسطس من نفس العام انشقّ كلٌ من الدكتور لام أكول والدكتور رياك مشار عن الحركة الشعبية وكوّنا جناح الناصر (أو الجناح المتّحد) وأعلنا مطالبتهما بانفصال جنوب السودان. في سبتمبر عام 1991م اجتمعت الحركة الشعبية الأم في توريت وتبنّت (فيما يبدو أنه رد فعلٍ لهذين التطورين) خيار تقرير المصير فيما عرف بمقررات مؤتمر توريت، سبتمبر عام 1991م.
في 25 يناير عام 1992م، وفيما يبدو أنه رد فعلٍ لكل هذه التطورات، حدث أكبر وأخطر تطور في تاريخ العلاقات بين شمال وجنوب السودان. فبعد أربعة أيامٍ من الاجتماعات التي بدأت في 22 يناير أصدر الدكتور علي الحاج والدكتور لام أكول إعلان فرانكفورت. وقد وافقت حكومة السودان بمقتضى الفقرة الثالثة من ذلك الإعلان على الآتي «بعد نهاية الفترة الانتقالية يُجرى استفتاء عام في جنوب السودان لاستطلاع آراء المواطنين الجنوبيين حول نظام الحكم الذي يناسب تطلعاتهم السياسية دون استبعاد أي خيار.» وهكذ وببساطةٍ شديدةٍ ومتناهية وافقت حكومة السودان ولأول مرةٍ في تاريخ السودان على حق جنوب السودان في تقرير مصيره دون استبعاد أي خيار. لم يكن ذلك الإعلان شأناً خاصاً بالدكتور علي الحاج أو الحزب الحاكم. فقد نصّت الديباجة على أن الوفدين اللذين أصدرا ذلك الإعلان هما حكومة السودان واللجنة التنفيذية الوطنية الانتقالية للحركة الشعبية لتحرير السودان.
عليه فقد فتح إعلان فرانكفورت صندوق بندورا وخرج الجنّيُّ ولم يعد بإمكان أحدٍ إعادته إلى مكانه. لم يعد حق تقرير المصير بعد 25 يناير عام 1992م جُرماً يُعاقِب القانون من يتبناه، بل أصبح حقاً لشعب جنوب السودان بمقتضى اتفاقٍ وقّع عليه أحد كبار المسئولين السودانيين في الدولة والحزب الحاكم، وتمّ التوصل إليه في دولةٍ أوروبيةٍ دون وسيطٍ أو طرفٍ ثالث يمكن أن يُتهم بأنه مارس ضغطاً ً على الطرفين، أو على أحدهما.
اتفق الطرفان على اللقاء في أبوجا في مارس عام 1992م، وقد تمّ ذلك اللقاء وتواصلت الاجتماعات والمفاوضات في عام 1993م ولكنها ركّزت على مسألة الدين والدولة ولم تتوصل إلى نقاط التقاء، فانفضّ المفاوضون وفقدت نيجريا حماسها للوساطة بعد أن انتهت فترة رئاسة السيد إبراهيم بابنجيدا.
قفزت دول شرق أفريقيا إلى داخل حلبة النزاع السوداني وقررت أن تملأ الفراغ الذي خلّفته نيجيريا. عرضت هذه الدول باسم منظمة الإيقاد وساطتها التي قبلها الطرفان. والوساطة أمرٌ لايتم بدون الرضا التام والصريح للطرفين، ويحق لأيٍ من الطرفين إنهاء الوساطة في أي وقت. إنّها مهمةٌ سياسيةٌ مبنيةٌ على التوافق وليست إجراءاً قانونيا يُفْرض على الطرفين أو أحدهما. وافق السودان وكذلك الحركة الشعبية على وساطة منظمة الإيقاد ورحبا بدورها. ولكن الإيقاد فاجأت السودان بتقديمها إعلان المبادئ في 20 يوليو عام 1994م والذي تضمّن حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. أبدى السودان دهشته ورفضه الكامل لإعلان المبادئ ذاك. ولكن منظمة الإيقاد (أو من يقف خلفها) ذكّرت السودان بإعلان فرانكفورت، وأنه يتضمن حق تقرير المصير أيضاً. وأوضح عرّابو الإيقاد أن مبادئ الإيقاد لم تأتِ بجديد، وأصرّوا عليها. بالإضافة إلى حق تقرير المصير فقد نصّ إعلان الإيقاد صراحةً وفي مادةٍ منفصلةٍ على علمانية الدولة السودانية.
هنا جاءت المهمة التي تحدث عنها الدكتور غازي وهي إلغاء إعلان مبادئ مبادرة الإيقاد أو إلغاء مبادرة الإيقاد من أساسها، والتي قام وفده بأدائها بكفاءةٍ عالية كما ذكر. لكنّ هذه مهمةٌ لم تكن لتتطلّب أكثر من تسليم خطابٍ رسميٍ بواسطة أحد دبلوماسيي السفارة السودانية بنيروبي أو جيبوتي لمكتب الإيقاد هناك معلناُ انتهاء المبادرة. ولكن دعونا نتوقف عند الكلمة التي ألقاها الدكتور غازي في ذلك الاجتماع في يوم 22 سبتمبر عام 1994م مع ممثلي الايقاد. فقد بدأها بالقول: «بالنسبة لحق تقرير المصير فإن مصير السودان كان قد تحدد في عام 1956م عندما نال السودان استقلاله.» وأوضح أن جنوب السودان لم يحدث أن تمّ التعامل معه ككيانٍ سياسيٍ منفصل بل إن الحركة الشعبية – حركة التمرد – اشتهرت بنهجها الوحدوي وأن تبنيها مؤخراً خيار الانفصال هو تكتيكٌ تفاوضي. (تناسى أو تجاهل الدكتور غازي مقررات مؤتمر توريت الصادرة في سبتمبر عام 1991م). أشار الدكتور غازي إلى أن حق تقرير المصير لجنوب السودان سوف يكون له رد فعلٍ كبيرٍ سيؤثّر على كل افريقيا، وأوضح أن ذلك يتعارض مع مقررات منظمة الوحدة الافريقية التي أكّدت على ضرورة الإبقاء على الحدود الموروثة من الاستعمار. وختم الدكتور غازي كلمته بأن «حكومة السودان ملزمةٌ بتسليم نفس السودان للأجيال القادمة، وأن حق تقرير المصير تحت أية مسميات قد تؤدي إلى الانفصال أمرٌ غير وارد، وأن الحكومة غير مستعدة للتباحث حوله.»
ما الذي حدث لإعلان فرانكفورت الذي صدر قبل عامين ونصف؟ ألم توافق الحكومة بمقتضاه على استفتاءٍ عام في جنوب السودان لاستطلاع آراء المواطنين الجنوبيين حول نظام الحكم الذي يناسب تطلعاتهم السياسية دون استبعاد أي خيار؟
(4)
واصلت الخرطوم موقفها الرافض لإعلان مبادئ الإيقاد حتى عام 1996م عندما بدأت التفاوض مع الدكتور رياك مشار ووقّعت معه الميثاق السياسي ذاك العام، ثم اتفاقية الخرطوم عام 1997م والتي انضم إليها الدكتور لام أكول فيما بعد بمقتضى اتفاقية فشودة. وقد نصّ الميثاق السياسي واتفاقية الخرطوم على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وكمدخلٍ ونتيجةٍ لاتفاقية الخرطوم فقد وافق السودان رسمياً في نفس العام (1997م) على إعلان المبادئ الذي صدر من الإيقاد في يوليو عام 1994م متضمناً حق تقرير المصير والذي كان الدكتور غازي قد رفضه باسم الحكومة في سبتمبر عام 1994م. وصدر دستور السودان لعام 1998م وتضمّنت المادة 139 منه نصّاً صريحاً على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. بالطبع فقد سهّل إعلان فرانكفورت مهمة الدكتور رياك مشار والدكتور لام أكول. كما ذكرنا فقد تضمّن إعلان الإيقاد مسألة علمانية الدولة السودانية أيضاً.
ما الذي حدث لخطاب الدكتور غازي ومهمته التي أداها بكفاءةٍ في سبتمبر عام 1994م؟ بل ما الذي حدث لوعده وتصميمه أن يسلّم السودان كاملاً للأجيال القادمة؟ وماذا عن تأكيده أن حق تقرير المصير تحت أية مسميات قد تؤدي إلى الانفصال أمرٌ غير وارد، وأن الحكومة غير مستعدة للتباحث حوله؟.
في يناير عام 2002م اجتمعت دول منظمة الإيقاد في الخرطوم. عرضت كينيا إحياء مبادرة الإيقاد بعد أن وافق السودان عليها، واقترحت بدء المفاوضات في نيروبي. رحّب السودان بالفكرة ووافق عليها، ووافقت عليها أيضاً الحركة الشعبية. بعد المشاورات الداخلية تمّ اختيار الدكتور غازي العتباني رئيساً للوفد المفاوض وعضوية كلٍ من السادة ادريس محمد عبد القادر، ويحيى حسين بابكر، ومطرف صديق، وسيد الخطيب. وقامت الحركة الشعبية باختيار السيد نيال دينق رئيساً لوفدها وعضوية السيد دينق ألور والدكتور جستين ياك والسيد سامسون كواجي. ضم كلٌ من الوفدين مجموعةً أخرى من الأعضاء السياسيين والفنيين. بدأت المفاوضات في ناكورا في كينيا في مايو عام 2002م، ثم انتقلت إلى مشاكوس في 17 يونيو عام 2002م. وشارك في المفاوضات شركاء الإيقاد ممثلين بالولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج (والتي سُمّيت بمجموعة الثلاثة أو الترويكا) مع مجموعة كبيرة من الفنيين والقانونيين من عدّة دول من بينها جنوب افريقيا وسويسرا. وقد لعب الجنرال الكيني لازاروس سومبييو والوزيرة النرويجية السيدة هيلدي جونسون دوراً فاعلاً خلال المفاوضات كوسيطين، وأصدر كلٌ منهما فيما بعد كتاباً عن المفاوضات (كتاب السيدة هيلدي عنوانه اندلاع السلام وهي ترجمة غير موفّقة، وعنوان كتاب الجنرال لازاروس هو الوسيط). وقد استندنا على هذين الكتابين ومجموعة من التقارير التي صدرت عن مفاوضات اتفاقية السلام الشامل كبعض المصادر لكتابة هذا المقال.
(5)
لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال تلخيص ما دار في تلك المفاوضات الصعبة في مقالٍ صحفيٍ قصيرٍ مثل هذا. غير أن المفاوضات انتقلت من فكرة «دولة واحدة بنظامين» إلى مسألة الدين والدولة ونظام الحكم في السودان وتعثّرت كثيراً في هذين الأمرين. فجأةً أصرّت الحركة الشعبية على أن يتم نقاش مبدأ تقرير المصير والاتفاق عليه قبل معالجة الأمور الأخرى. رفض الوفد السوداني في بداية الأمر مسألة تقرير المصير ولكنّ الوسطاء الأوربيين والأمريكيين والأفارقة ذكّروا الوفد السوداني بإعلان فرانكفورت والميثاق السياسي واتفاق الخرطوم ودستور السودان لعام 1998م والتي تضمنت كلها مبدأ حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وحذروا الوفد أنه لايمكن النكوص عن تلك الالتزامات.
وافق الوفد الحكومي إثر هذا على مبدأ تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وطلب الدكتور غازي (حسب كتاب الوسيط) التركيز على نقاطٍ أربع هي أسبقية الوحدة مع الاعتراف بالتعددية، احترام إرادة الشعب السوداني والاتفاق على إجراءاتٍ دستورية.
ولكنّ الوفدين اختلفا في مدة الفترة الانتقالية التي تسبق إجراء الاستفتاء. فقد أصرّ الوفد الحكومي على أن تكون الفترة عشر سنوات بينما أصرّت الحركة على مدة عامين فقط. قام الوسطاء بجمع الرقمين واستخراج المتوسط وهو الرقم ست سنوات التي تضمّنتها اتفاقية السلام الشامل فيما بعد.
صاغ الوسطاء في 19 يوليو 2002م ما أسموه ب «الوثيقة الإطارية للتفاوض» والتي تضمّنت حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان بما في ذلك حق الانفصال بعد فترةٍ انتقالية مدتها ست سنوات، مع الإبقاء على تطبيق الشريعة في شمال السودان. وقد أوضحت السيدة هيلدي جونسون أن الوثيقة هي مختصر لاتفاقية الخرطوم للسلام. ومنحَ الوسطاءُ الوفدين مدة ساعةٍ لقبول أو رفض الوثيقة، مع التهديد بإنهاء الوساطة إذا رفض الطرفان أو أحدهما الوثيقة. قبِل الطرفان هذا الإجراء واختار الوفد الحكومي السيدين يحيى حسين وسيد الخطيب بينما اختارت الحركة الشعبية السيدين نيال دينق ودينق ألور لمناقشة الوثيقة معاً. طلب الوفدان مزيداً من الوقت ووافق الوسطاء على ذلك، وبعد أربع ساعاتٍ من النقاش خرج الطرفان باتفاقٍ تمت صياغته النهائية والتوقيع عليه في 20 يوليو عام 2002م تحت مُسمّى «بروتوكول مشاكوس» الذي قنّن وأطّر مبدأ حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
وقد قام الدكتور غازي العتباني والسيد سلفا كير بالتوقيع على بروتوكول مشاكوس في مساء يوم 20 يوليو 2002م بالقصر الرئاسي في نيروبي بحضور الرئيس الكيني السيد دانيال أراب موي وعددٍ من أعضاء السلك الدبلوماسي والوسطاء. وقد أصدر مجلس الأمن بياناً رحب فيه بالاتفاق، وفعلت ذات الشئ مجموعةٌ من الحكومات من بينها الامريكية والبريطانية والنرويجية والايطالية. كما تناولت الصحف ووكالات الأنباء العالمية خبر الاتفاق وأشادت بإنجاز الوفدين. وكانت هناك إشادة خاصة بالدكتور غازي والسيد سلفا كير وتمّ وصفهما بواسطة القادة الغربيين والصحف الغربية بأنهما رجلا دولة يتميزان بالحكمة والمسئولية.
(6)
أشارت السيدة هيلدي جونسون في كتابها إلى رأي الدكتور غازي في بروتوكول مشاكوس ودوره في التفاوض والتوقيع عليه. وأوضحت أنه ذكر لها أنه لم يكن هناك تطابقٌ في الآراء حول بروتوكول مشاكوس داخل الحكومة، ولكنه تشاور مع أعضاء الوفد واتصل بالسيد رئيس الجمهورية وكبار المسئولين قبل التوقيع عليه. وأضاف «بالنسبة لي فقد كانت هذه فرصة العمر التي لايمكن إضاعتها. لقد كان أمامي في تلك اللحظة بالذات مستقبل السودان. إنه لا يمكن لقائدٍ يملك عقلاً سوياً إضاعة تلك الفرصة.»
تواصل التفاوض حول قضايا الثروة والسلطة والإجراءات الأمنية والتي أصبحت بعد موافقة الحكومة الرسمية على حق تقرير المصير تفاصيل لا أكثر ولا أقل. وظل الدكتور غازي رئيساً لوفد التفاوض حتى 29 نوفمبر عام 2003م حيث حلّ محله النائب الأول الأستاذ علي عثمان محمد طه رئيساً لوفد التفاوض. وهذا يعني أن الدكتور غازي ترأّس وفد السودان لمفاوضات السلام لمدة عامٍ ونصف (مايو 2002 حتى نوفمبر 2003م) تم خلالها اتخاذ أهم وأخطر قرارٍ في تاريخ السودان.
(7)
لقد خرج اتفاق نيفاشا (الذي بُني على بروتوكول مشاكوس) من رحم مبادئ الإيقاد كما أشار الدكتور غازي. ولكن مبادئ الإيقاد نفسها خرجت من رحم إعلان فرانكفورت والذي عرضته الحكومة نفسها على الدكتور لام أكول، ووقّعت عليه دون وساطةٍ أو إكراهٍ أو تهديد.
لقد اقترح الدكتور غازي «إشراك كل القوى والشخصيات السياسية السودانية والخبراء والمختصين في صياغة قراءة موحدة للأزمة ومن ثم سياسة وطنية موحدة تجاهها.» وأضاف «وسيكون من المفيد أن تشارك في هذه الحملة كل القوى السياسية والمؤسسات القومية والشخصيات السودانية ذات العلاقات الإقليمية والدولية» حتى يمكننا تفادي استنساخ الإيقاد ثم نيفاشا في جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور. إنني آمل أن يتبنى الدكتور غازي بنفسه هذا الاقتراح ويخرجه إلى حيّز التنفيذ، فنطاق عمله ليس محصوراً في دوائر الاستشارة الضيقة كما ذكر في مقاله. إنه شخصٌ نافذٌ وقياديٌ بارزٌ ومسئول في الحزب الحاكم كما ذكر هو بنفسه للسيدة هيلدي جونسون.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.