قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تراجيديا صناعة الدعاية السوداء من أميرة الحكيم إلى لبنى حسين
نشر في الأهرام اليوم يوم 14 - 12 - 2011

(يا أم ضفائر قودي الرسن)، ربما لم يتسق ذلك الهتاف الغنائي ساعتئذٍ مع المخيال الشعبي الذي يحتضن (الأنثى) بنعومة ورفق، مفرودة في خدرها فقط، مخيال لا يبالي (ببطولات) تنتسب للنساء، ولنساء السودان عموماً مزيج مدهش من المواقف المتمردة على (الأنظمة)، فمنذ (عجوبة) (والمهيرة) و(الكنانية) وغيرهن، وافر عطاء المرأة في ميدان السياسة لم ينقطع، ولكن مقاصد هذا الرصد تتقصى حالات نادرة الحدوث، ربما لغرابتها وإيغالها في التراجيديا خيط مثير للتساؤل، نساء سودانيات هددن بتقويض الأنظمة!! وأخريات أُختطفت قضيتهن واستغلت في العمل السياسي ونشر الدعاية السوداء، منذ أميرة الحكيم (الحسناء القتيلة) التي أجهزت على سمعة النظام الديمقراطي في النصف الثاني من ثمانينات القرن المنصرم وأجبرت سدنة الديمقراطية على التواري خجلاً، وحتى قضية الصحفية لبنى أحمد حسين بكل ملابساتها وما صاحبها من ضجيج قض مضجع النظام وأربك أجهزته الإعلامية، في الأولى كان الإسلاميون في جبهة المعارضة واتهمت صحفهم، وعلى وجه الخصوص (ألوان)، بصناعة حملة شرسة واستثارة الرأي العام ضد الحكومة، بينما طالت التهم الإعلام المعارض بالتحامل على الإنقاذ بسبب (ملابس) خادشة للحياء في الحالة الثانية، كما أشيع ساعتها، فيض من ذلك الجدل وحكايات غريبة.. غريبة جداً لدرجة الغموض، وملاحم لسودانيات شاركن بفعالية في معارضة الأنظمة ورفع البنادق على أكتافهن دون مبالاة.
{ أميرة.. الحسناء القتيلة!!
(بروباغندا) مكثفة تختمر في تضاعيف بعض من تلك الحكايات، ولكن حكاية أميرة الحكيم تبدو مثيرة في معظم تفاصيلها، ومدهشة.. فجأة ينصرف الرأي العام السوداني بعيداً عن نشوى انتصارات ثورة (أبريل)، وقصائد محجوب شريف، ومراقص الخرطوم، ومشاكسات النواب.. تصادر الأنفاس لزمن ليس بالقصير حادثة أميرة الحكيم.. كانت الطالبة الحسناء من بنات حي الصحافة وكانت تدرس في امتداد الدرجة الثالثة في الصف الثالث المتوسط بأسمال (زرقاء)، بدأت تفاصيل الحادثة في النصف الثاني من ثمانينات القرن المنصرم ببلاغ في قسم شرطة الخرطوم جنوب باختفاء شابة أثناء عودتها من المدرسة، وتناسلت الفجائع والاستفهامات القلقة إلى حين العثور عليها مقتولة ومدفونة في (خور) بعد أن تعرضت للاغتصاب. كانت أميرة في الحقيقة قد تعرضت لعملية اختطاف بدراجة نارية من قبل شخص أشهر لها (كارنيه) الشرطة، واتهمت الشرطة بالتهاون، بعد أن هرب الجاني من بوابة المطار، وانتحر ضابط آخر في قسم (البوليس) بسبب الجريمة.. ساعتها كانت صحيفة (ألون) هي منبر تصويب الرصاص في كل الاتجاهات التي انتاشت النظام، ابتداء بجهاز الشرطة وانتهاء برئيس الوزراء، مما تسبب في تشويه التجربة الديمقراطية ساعتئذٍ فعجزت عن درء الشبهات عن نفسها.
{ (تراجيديا) أزمة (البنطلون)!!
في مقهى وصالة أم كلثوم الشهيرة بالخرطوم جرت تفاصيل حادثة الصحفية لبنى أحمد حسين، كانت أرملة الراحل عبدالرحمن مختار بمعية عدد من الفتيات في حفل ساهر، فجأة داهمت الشرطة الموقع بحثاً عن فتيات يرتدين (البناطلين)، واعتقلت (لبنى) ضمن أخريات ووجهت لهن تهمة ارتداء ملابس فاضحة، بعضهن خضعن لعقوبة الجلد، ولكن لبنى قررت المضي بالقضية ورفضت دفع الغرامة، ومن ثم وجهت الدعوة للأجهزة الإعلامية لمتابعة وقائع الجلد المرتقبة في (تراجيديا) مثيرة، ولكن لم تُجلد «لبنى» وتحولت إلى السجن ثم غادرته سريعاً بعد دفع الغرامة. في ذلك الوقت ولغت كثير من الأقلام في سيرة الحكومة، مما أجبر بعض قادة الدولة على بناء منصة دفاع لتجميل وجه النظام، بين مد وجزر وسريان الشعور الغامض بفداحة الأمر خرجت بطلة الرواية متخفية من صالة المطار، وشغلت قضيتها الرأي العام العالمي لدرجة أنها توقفت لبرهة من الزمن جنباً إلى جنب مع الرئيس الفرنسي «ساركوزي» وكسبت تعاطف الملايين، فتمخض عن كل ذلك مؤلف خطير وهو (مائة جلدة بسبب بنطال)، وانفج رماد الأزمة عن ألسنة من اللهب الحارق بين بعض الصحفيين المحسوبين على المعارضة وأقلام أخر استماتت في الدفاع عن النظام، ولكنّ كائناً من كان لم ينكر قسوة الأزمة وطعنها في الرصيد الإنساني والحرية الشخصية بعيد أن استحالت إلى قضية عالمية لم تخل من الظلال السياسية.
{ (مريم الأخرى).. قصة غرام مع (البندقية)
رغد العيش ونعومة الأحلام لم تشغل أخريات عن الجهاد، سودانيات بالطبع كن في مواجهة الأنظمة الديكتاتورية أو الشمولية، سمها ما شئت، ولكنهن برزن في ثياب المقاتلين، لم تكن الصدفة هي التي رتبت موعداً مع (البندقية) للدكتورة مريم الصادق، ابنة زعيم الأنصار، بالرغم من رفاهيتها، إلا أنها تركت زوجها وأطفالها وتسللت خلسة للالتحاق ب (جيش الأمة) في متاهات الشرق، والذي كان يقاتل الإنقاذ ضمن جيش التجمع الوطني الديمقراطي، مريم كانت برتبة (رائد) في صفوف الضباط أو شيء من ذلك القبيل، تسعف الجرحى وتستخدم السلاح لإجبار الإسلاميين على التخلي عن السلطة التي أقصى منها والدها عبر الانقلاب المعروف مجازاً بثورة الإنقاذ.. ظلت مريم على ذلك الحال معارضة شرسة للنظام تحتمي بشعلتها المقدسة حتى بعد العودة، لم تكل تلك السيدة الأنصارية وقادت المظاهرات من قلب (أم درمان) للدرجة التي تعرضت فيها (لكسر يدها)، ولكن عزيمتها لم تنكسر ولا ونت في (جبص) الملاحقات الأخرى.
{ (فاطمة السمحة).. في مواجهة السلطان!!
مريم ليست وحدها بالطبع ولكن سواها نجحن في مواجهة الأنظمة الحاكمة، وفي الذاكرة القيادية بالحزب الشيوعي فاطمة أحمد إبراهيم، زوجة القائد العمالي؛ الشفيع أحمد الشيخ، بخلاف كونها أول من وطئت حرم البرلمان نائبة عن الشعب، فقد رصدتها التواريخ في نوازل شاهقة، كانت لها صولات في مناهضة نظام مايو، ويتذكر لها الكثيرون غضباتها في وجه الرئيس الراحل جعفر نميري في زمن صمت فيه كثير من الرجال، تلك السيدة الشيوعية انتصبت في ميادين القتال والمطر يغسل شعرها الأبيض النبيل. تقول فاطمة عن نفسها وهى تمسح دموعها بجسارة: «أنا متمردة ومهما حدث سوف أستمر في النضال إلى أن أموت».. الكثيرون شاهدوها في برنامج (ساحات الفداء) قبل سنوات وهي تحمس جيوش المعارضة على القتال وتتوعد من تسميهم بالانقلابيين، فيض من سيرتها لا يوارى بالرغم من بقائها في لندن، وإن كان الكثيرون يلبسونها لبوس (فاطمة السمحة) إلا أنها لا تكره إشهار أظافرها في وجه خصومها، كلها، في كل ما تفعل.
{ بدرية (الاتحادية)
من ثقب مفتاح هذه التفاصيل يتجلى مشهد آخر لامرأة أخرى ربما أخطر ما فيها أنها حُكم عليها بالإعدام لأسباب أمنية ونجت بأعجوبة من رقبة (المقصلة).. لم يعرف الناس لها شراسة بعد ذلك، ما زالت صرختها عالقة في (بيت المال) الذي ولدت فيه، انخرطت في النشاط السياسي وسط الاتحاديين وكانت تقوم بتوزيع المنشورات السياسية، مما أدى إلى اعتقالها في ليلة وفاة الأزهري وواجهت عقوبة الإعدام استناداً على الأمر الجمهوري الرابع إبان مايو، ولكنها خرجت من المأزق وحفظت الإجراءات بفهم أن الثورة ليس من مصلحتها أن تحاكم النساء بالإعدام، كانت تلك السيدة هي بدرية سليمان القيادية الحالية في المؤتمر الوطني.
{ الدكتورة المجاهدة
وفي ذاكرة التاريخ، تبرز صورة وصوت الدكتورة «سعاد الفاتح البدوي» أول (عميدة) لكلية جامعية في تاريخ السودان، كلية البنات بالجامعة الإسلامية، وأشهر عضوة برلمانية في مقاعد معارضة (الجبهة الإسلامية القومية). «سعاد الفاتح» كانت (مفتاح) الإسلاميين إلى بيوت نساء السودان، قادت المظاهرات من الستينيات إلى الثمانينيات، وهددت عرش (الديمقراطية الثالثة) بقيادة السيد الصادق المهدي، ونساء الجبهة يحتشدن في مواكب (أمان السودان) بالآلاف، يكبرن ويهللن، في زمن سبق (ثراء) نساء (الإنقاذ) وتقلبهن في المطايب والقصور والفارهات!!
{ حسين خوجلي.. مرافعة ضد الطائفية!!
الاكتراث لرجل بسط موهبته الصحفية محتشداً لإدانة النظام الذي جرت فيه مأساة أميرة الحكيم يبدو مهماً، رئيس تحرير صحيفة (ألوان)؛ الأستاذ حسين خوجلي، يغسل يديه من تهمة التآمر على الديمقراطية عوض أن يقتنص الفرص والنساء والرجال والأيديولوجيّات، يقول حسين ل (الأهرام اليوم) بعد أن يسترد أنفاسه: في ذلك العهد كانت هنالك تجاوزات حادة من قبل قيادات الشرطة وفي بيوت معروفة، فالقضية كانت لها رمزيتها لأن أميرة بنت اختطفت وقتلت وتركت مسلوبة الشرف، وشارك في الجريمة ضباط من الشرطة.. حتى من قام بعملية الاستدراج وجد مشنوقاً في غرفته، وبالرغم من ذلك حاولت الحكومة إطفاء الكارثة وتقييد البلاغ ضد مجهول. ويمضي حسين ممايزاً بين لبنى أحمد حسين وأميرة الحكيم بالقول: ثمة فرق شاسع، لأن لبنى بعيداً عن مشروعية المحاكمة، ناشطة سياسية استخدمت القضية في عمل معارض، وتنتمي إلى تيار محدد، ولذلك لم تكن بالبراءة والظلم الذي وقع على الطالبة المسكينة. ويستطرد حسين حاقناً شرايين المقاربة بنصل حاد: بصراحة لم تكن قضية لبنى لوجه الله والوطن، كانت معركة مفتعلة، ولذلك أمسكنا عنها، ثم يستدرك رئيس تحرير (ألوان) مشيراً إلى أن الإنسان في الثمانينيات كانت عنده قيمه، ولذلك الحكم على المسألة بقوانين وجرائم اليوم فيه ظلم للمرحلة، وأضاف أنهم كانوا شباباً وأمثال تلك الفجائع لم تكن متاحة، ولذلك أميرة فوق جمالها كانت رمزية لقيمة الإنسان السوداني وموجبات حمايته. حسين نشر مرافعته وأبرأ قلمه معزياً الأمر إلى أن جهاز الشرطة في ذلك الوقت كان فاسداً وموروثاً من عهد ديكتاتوري، وبالتالي المعركة لم تكن ضد الحكومة وإنما كانت ضد مفاهيم وقيم فاسدة أنتجتها حقب سابقة وأحزاب مريضة، وأردف أنهم كانوا يخوضون معركة ضد الطائفية التي تتسربل بالديمقراطية والحرية وساعة المحاسبة ترفع شعار الدين والقداسة، وكل الذي حدث أننا رفعنا عنهم القداسة وأعلناها (البقعد في فروة أبوه ما بنلحقو، لكن ما بنسيب الفروة تلحقنا).. حسين في ذروة حديثه قطع بعدم تبعية (ألوان) في تلك الفترة للإسلاميين، وقال إنها صحيفة كانت للشباب من شتى الملل وكان للحركة الإسلامية صحيفتها.
حسين خوجلي أيضاً رسم (بروتريه) لعدد من المقاتلات السودانيات اللواتي هددن بتقويض الأنظمة، ولكنه جانب بعضها وهو يتأملهن في علو شاهق، معتبراً أن الدكتورة مريم الصادق فصيل في حزب دؤوب، وعنده إرث في المعارضة بأشكالها المختلفة، أحياناً مريم تتحرك بغبن استثنائي لأن السلطة اقتلعت من بين يديها، في تلك الأجواء تربت مريم وقد كانت متحلقة حول والدها، ولذلك ما كان عندها طريقة إلا أن تلعب ذلك الدور البطولي، أما بالنسبة لفاطمة أحمد إبراهيم، يضيف حسين: فهي مثل ما قال سيدنا علي ابن أبي طالب عندما سب أحدهم الخوارج أمامه فقال علي كرم الله وجهه عبارته الشهيرة (إنما هم إخواننا طلبنا الحق فوجدناه، وطلبوا الحق فلم يجدوه).. فاطمة كانت صادقة جداً في البحث عن رسالة توفي حق المساكين برؤية اشتراكية، وكانت حارة في تمسكها بذلك المبدأ، ولكن للأسف الشديد لم تستبن كل الأشياء أمامها. ويصف حسين الشيوعيين السودانيين بأنهم مجموعات تطهرية، كان مدخلهم للماركسية مدخلاً اقتصادياً وليس فلسفياً، ولذلك تمسكوا بأشواقهم حتى النهاية وقاتلوا في سبيلها، ولكن عطاء الشيوعيين كان ضعيفاً لأنهم كانوا مأسورين بالمقيدات الحزبية والتقاليد أكثر من الثقافة، وفاطمة على ذلك الوجه هي مناضلة طيبة القلب لكنها لم تقتحم تعقيدات الفكر، ربما لأن من كانوا يديرون الشأن الفكري في الحزب يعدون على أصابع اليد، وبالرغم من ذلك كانت فاطمة تقاتل بإخلاص ومبدئية.
{ (الكنداكات) على رأس السلطة (المروية)
{ «آمال» تعترف..!!
الأستاذة آمال عباس وهي تقاوم شهوة الانضام إلى أولئك المغامرات، تنحاز مباشرة لبطولات المرأة السودانية، وهو أمر غير مستغرب. تاريخياً تتصور آمال ذروة ذلك النضال توج ببلوغ (الكنداكات) رأس السلطة في المملكة (المروية)، وتقول في فذلكة تاريخية إن الدور منذ تلك الحقبة وحتى اليوم ظل مشهوداً، في العهد المسيحي، مروراً بالدور الذي لعبته (بت رجب) في مملكتي تقلي وسنار، وقد أبرز كتاب (طبقات ود ضيف الله)، مقاتلات في الأحراش ومتآمرات على السلاطين، ولا يخفى عن البال بالطبع حكاية (عجوبة التي خربت سوبا).. بجمالها، وهو سلاح فتاك لا مفر من استخدامه. تمضي آمال في اختبار المقاربة بين جريمة أميرة الحكيم وقضية لبنى وتسحب مشرطها بعيد أن تتبين أن ما جرى للاثنتين هو في سياقه الاجتماعي وليس في الإطار السياسي، فأميرة - بحسب آمال - قتلت ظلماً ودفنت معها أسرارها، بينما قضية لبنى في الحقيقة (مشاغبة) مع النظام لا أكثر، لأن قضية المرأة لا تختصر في زي ربما يكون مستفزاً للمجتمع.. تمضي آمال في تجيير بعض من تلك البطولات وتقول ل (الأهرام اليوم): ليس غريباً، فكل معارضة تتربص بالنظام وتبحث عن أيما مطاعن لإجهاض السلطة أو تقويضها بالذات عندما تكون السلطة قابضة، بيد أن دور المرأة في العمل النضالي بهيج ومشرف ولم يكن ذلك الدور حكراً على (رابحة الكنانية) التي قطعت مئات الأميال لتخبر عن العدو وكانت سبباً في إنجاح الثورة المهدية، وفاطمة زاهر التي قادت المظاهرات ضد الحكم الاستعماري، وما فعلته (عزة) زوجة علي عبداللطيف في توزيع المنشورات وحماية الثوار. وتستفيض آمال بأن مريم الصادق ليست وحدها التي قاتلت في الأحراش وترقت حتى وصلت رتبة الرائد، ولكن مثلها (سارة الفاضل) التي ناهضت نظام نميري وعذبت وسجنت، وتخلص إلى أن المرأة في العمل السياسي ليست (أنثى) وإنما إنسانة لديها قاضية وأسلوب لبلوغ قضيتها مهما كلفها ذلك من ثمن.
في الخاطر أيضاً عشرات الأمثلة وربما نماذج لنساء يقاتلن اليوم جنباً بجنب مع الرجال وبذات الشراهة، وبلا استثناء (أم الجيش) التي تقاتل في أحراش دارفور وترتدي (الكدمول) وغيرها في الشرق والغرب، سيما وأن محاولة اغتصاب امرأة دعك من قتلها تمثل (برميل بارود) قابل للاشتعال، فما بالك إذا اختطفها الإعلام أو قوى المعارضة وزايدوا عليها.. ولكن تفاصيل هذه القدر الذي يكتبها ويمحوها من على صفحات التاريخ قبل أن تباغته بأنها لا تزال موجودة وتشعل مزيداً من الأسئلة، لا يزال شاخصاً، فكم يلزمها من العمر للثبات على ذات المبدأ، فالنساء اللواتي هددن بتقويض الأنظمة كثر، والأنظمة التي هددت بقمع ذلك النشاط، لدرجة أن شعراء الحقيبة ربما عنوا شيئاً آخر وهم يترنمون (طرفك الفتاك أذايا)..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.