فلنأكل مما نزرع كان هو البيت الأول من أنشودة الثورة التي خاطبت إنسان السودان ووجدانه فالتف حولها وحول الثورة، ولكن هيهات! جاء البترول ولكن بلا أناشيد فاشتاق الناس بعد ذهاب البترول مع دولة الجنوب لتلك الأغنيات الوطنية التي دفعت بالتنمية والإنتاج وجعلت الزراعة في ذاك الوقت هي حلم الماضي والحاضر والمستقبل، عدنا للزراعة الآن بعد أن صحونا من حلم البترول بعد فوات الأوان ولكن هل تعود تلك الكلمات الخالدات؟. ولأن المرء لا ييأس على قاعدة لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس، استقبل الكل آمال وتطلعات وغايات النهضة الزراعية وبالتأكيد يجب أن لا ننسى أن رأس رمحها ومربط فرسها وحادي ركبها هو المزارع. إذن هي دعوة لشراكة وطنية قوية مع المزارع أياً كان وجوده وعلى قواعد تقوم على الرضا وجلب المصلحة للكل وأولهم الدولة والمزارع. وحتى ندخل في الموضوع بصورة مباشرة كما يقولون فلقد دار في الصحف خلال اليومين الماضيين حديث كثيف حول مشروع أم جر الزراعي الذي يشكو أهالي المنطقة هناك من أنه يراد له أن يتحول إلى الزراعة في قصب السكر بدلاً عن الزراعة التي عرف بها أصلاً وهي القطن والقمح والذرة مع ممارسة نشاط تربية الحيوان، مواطنو تلك المناطق والقرى هم «حامدين وشاكرين» للمحاصيل التي يزرعونها ويعرفونها بل وصارت جزءا لا يتجزأ من حياتهم وبالتالي لا يتوقعون في يوم من الأيام أن يذهب كل تاريخهم الزراعي الذي خبروه إلى واقع جديد لم يعرفوه وربما يشكل ضرراً عليهم في معاشهم وحياتهم. مؤخراً اتصل بالصحيفة العمدة السيد عبد الله ممثل الإدارة الأهلية هناك، وقدم لنا فذلكة تاريخية عن مشروع أم جر الزراعي، فقال إنه مشروع للإعاشة نشأ منذ العام 1940 في شكل حواشات منحت مقابل أرض عمرت منذ قيام خزان جبل أولياء في العام 1936م. ويواصل العمدة فيقول إن المشروع هو شريان حياة لعدد 24 قرية ذات نسيج اجتماعي وترابط لأناس جمعتهم الأرض والحياة والمياه والزراعة. يقول العمدة السيد عبد الله إنه وفي ظل التحول الجديد الذي يراد للمشروع أن يمضي فيه «زراعة قصب السكر» ستتهدد وتتأثر من جراء هذا التحول عدد 24 قرية لأن المزارع ببساطة سيفقد مزرعته، مناشداً رئاسة الجمهورية التدخل لمعالجة هذه الأوضاع. المشروع كما قال عمنا العمدة يضم في ثناياه 24 قرية ويحيط به النيل الأبيض من كل جهة وهو مشروع حياة وإعاشة ويمتاز بوجود بيارة ثابتة للمياه طيلة أيام العام. العمدة يقول إنه تم توقيع عقد لزراعة قصب السكر ويتساءل ما الضرورة لتحويل نمط معاش الناس وفي ظل عدم رضا تام ودون تفويض من المزارعين، العمدة يقول إن أملهم الآن هو أن تمتد إليهم يد المركز إن كان ذلك من رئاسة الجمهورية أو البرلمان. فيا أهل بلادي دعونا من كل شيء وتوافقوا على قاعدة لا ضرر ولا ضرار فكفانا خلافات في هذه الدنيا الفانية، وأرض الله واسعة ولنتذكر دوماً قول الشاعر: لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيق ولنا عودة