البرهان يتفقد مستشفى الرباط ويوجّه بتطوير الخدمات الطبية الشرطية    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    مجلس الهلال يترقب قرار الانضباط ويعلن الاستعداد للتصعيد.. والكاف في مأزق كبير    (أماجوجو والنقطة 54)    حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد إيمي سمير غانم.. "كورال" مصري يغني أغنية الفنانة السودانية توتة عذاب "الترند" وشاعر الأغنية يعبر عن إعجابه    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السودان في مذكرات كوندليزا رايس: خالد موسي دفع الله
نشر في الانتباهة يوم 08 - 03 - 2012

اتساقًا مع ما درج عليه الرؤساء، ووزارء الخارجية في الإدارات الأمريكية المختلفة، أصدرت كوندليزا رايس أول امرأة سوداء في تاريخ أمريكا تتقلد منصبي مستشارة الأمن القومي، ووزيرة الخارجية مذكراتها بعد مضي ثلاث سنوات على مغادرتها كرسي الوزارة في فوقي بوتوم بواشنطون.سبقها في إصدار المذكرات من طاقم الإدارة، الرئيس بوش ونائبه ديك شيني الذي هاجمها في كتابه منتقدًا أداءها عندما كانت تتقلد منصب مستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي.. خرج الكتاب الي السوق في نوفمبر 2011 عن دار نشر شركة سايمون أند شوستر البريطانية العريقة تحت عنوان: )لا شرف أعلى(. وهذه المذكرات، وإن غلب عليها الطابع الروتيني في تسجيل الوقائع وشرح ملابسات الأحداث والقرارات التي شاركت فيها، فهي أيضًا تسلِّط الضوء على رحلة مواطنة أمريكية نشأت في مدينة برمينجهام في ولاية ألباما، حيث عاصرت جزءًا من مشاهد الاضطهاد العرقي ضد السود في الجنوب الأمريكي، وكذلك رأت تمظهرات وانتصارات حركة الحقوق المدنية.. برزت رايس في مسيرتها التعليمية في إطار برامج التمييز الإيجابي لخلق فرص تعليمية أفضل للأقلية السوداء في أمريكا.. وتدرجت في مسار الترقي والتميز الأكاديمي حتى درجة الأستاذية في جامعة أستانفورد في مدينة باولو ألتو في ولاية كاليفورنيا. نسبة لتخصصها في مجال الدراسات والشؤون السوفيتية اختارها أسكوكروفت مستشار الأمن القومي للرئيس بوش الأب لتعمل ضمن طاقم إدارته مسؤولة عن ملف الاتحاد السوفيتي وأوروبا.. وأصابت قدرًا من النجاح عندما ساهمت إدارة بوش في تفكيك الإتحاد السوفيتي، وإنهاء الحرب الباردة، وتوحيد الألمانيتين، وإطلاق موجة الديمقراطية في منطقة شرق أوروبا. نسبة لعلاقتها الوطيدة مع الرئيس بوش الأب، وجه اليها الدعوة لزيارة منزل الأسرة لمقابلة حاكم تكساس حينها بوش الابن الذي كان يفكر في الترشح للرئاسة. وظلت من يومها ضمن الدائرة الضيقة التي يثق فيها بوش الأبن، لذا لم يكن غريبًًا أن يوكل اليها منصب مستشار الأمن القومي في فترة رئاسته الأولى، ومنصب وزير الخارجية في فترته الثانية.
كانت رايس تدرك منذ اليوم الأول لرئاسته اهتمامه المبكر بقضية السودان نسبة للضغوط الموجهة من قواعد اليمين الديني التي تمثل جزءًا كبيرًا ومؤثرًا من قاعدته السياسية لا سيما مجموعة الكنائس الإيفانجليكية. وأعرب لها الرئيس بوش عن رغبته في دفع عملية السلام في السودان لإنقاذ المسيحيين المضطهدين في الجنوب، من عسف العرب المسلمين في الشمال حسب وصفها. لذا جاءت رايس الى المنصب وهي تحتقب قدرًا من التحيز ضد الحكومة السودانية، زادها في ذلك أكثر، موقف جوانداي فريزر المساعد الخاص في البيت الأبيض للشؤون الإفريقية التي تضمر مواقف عدائية حادة ضد السودان.
اختارت كوندليزا أن تؤدي عملها في البيت الأبيض وفقًا لفلسفة أسكوكروفت مستشار الأمن القومي السابق الذي فضل أن يعمل منسقًا بين الوكالات الأمريكية المختلفة وأن يمثل وجهة نظرها بحيادية أمام الرئيس.. اختارت هذا الأسلوب، مقابل مدرسة أخرى يمثلها هنري كسينجر الذي فضل أن يخلق مركز قوة موازيًا بدلا عن الدور التنسيقي، عندما تقلد المنصب في عهد نيكسون.
وفقًا لهذا النهج كانت كوندليزا تواجه الضغوط من الوكالات المختلفة، لا سيما عندما اشتعل الخلاف بين وزارتي الدفاع والخارجية، أو بين كولن باول ودونالد رامسفيلد. ولما استحال التعايش بينهما اضطر الرئيس بوش الى التضحية بكولن باول، والاحتفاظ برامسفيلد لضرورات الحرب في العراق وأفغانستان. وبمقارنة بسيطة كما تقول رايس، فإن ميزانية البنتاغون تمثل خمسين ضعفًا من ميزانية وزارة الخارجية. وإذا كان عدد دبلوماسيي وزارة الخارجية 57 ألفًا فإن عدد الموظفين المدنيين فقط في وزارة الدفاع 750 ألف.. لذا فإن كفة وزارة الدفاع دائمة الرجحان في أي صراع مع وزارة الخارجية. ولكن الأغرب كما تكشف هذه المذكرات، فإن رؤية بوش لاستخدام القوة العسكرية ضد السودان لم تعترض عليها وزارة الخارجية كما هو متوقع، بل عارضته وزارة الدفاع. وأنا أطالع هذه المذكرات تذكرت ذلك المشهد الدرامي في الطابق السابع في وزارة الخارجية الأمريكية يوم 11 سبتمبر عام 2006 بين جونداي فريزر مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية وبين وزير الخارجية الأسبق د. لام أكول، وهما خارجان للتو من اجتماع مع وزيرة الخارجية كوندليزا رايس.. كانت جونداي فريزر تصرخ في وجه لام أكول وتهدده بطريقة لا تمت الى الدبلوماسية بصلة وذلك في رد فعل لرفضه تسليم كوندليزا خطابًا رئاسيًا من الرئيس البشير الى الرئيس الأمريكي بوش الابن مشيرًا الى أنه غير مخول بتسليم الخطاب الى اي مسئول آخر.. كانت رايس قد استقبلت وزير الخارجية السوداني بشيء من الفتور، وابتدرت الحديث بنبرة هجومية وتجريمية ضد السودان. وعندما بدأ د. لام أكول في الرد قاطعته بطريقة جعلته يحتج على الأسلوب غير الديمقراطي.. ومن ثم اعتدلت واقفة في إشارة الى انتهاء الاجتماع. وما إن خرج د. لام أكول من مكتب رايس حتى تجهمته مساعدتها جونداي التي قالت متوعدة إن القطار الأمريكي قادم في الطريق، وسيكسر عظام السودان إذا لم يستجب للمطالب الأمريكية دون تلكؤ. تصرف د. لام أكول بما يليق بالموقف الحرج، حيث حافظ على هدوئه مستدعيًا كل خبرته الدبلوماسية وحنكته السياسية، حتى خرج من مبنى الخارجية الأمريكية. وعلق بعد ذلك ضاحكًا أن نساء أمريكا )الفاتيات( تحرشن به سياسيًا، و لولا مسؤوليته كوزير لتصرف بطريقة تشفي غليله كرجل إفريقي إزاء تهجم أمرأة أجنبية تصرخ في وجهه.
هذا الموقف عبر بطريقة رمزية مختزلة عن مشاعر العداء السياسي والشخصي الذي تكنّه كل من كوندليزا رايس ومساعدتها جنداي فريزر للسودان.. كانت «جونداي» ومنذ عملها كمساعد خاص للرئيس بوش في البيت الأبيض للشؤون الإفريقية تعمل جاهدة عبر مكنزمات الإدارة لاتخاذ خطوات متشددة ضد السودان.. وكادت تبلغ قمة نجاحها عندما أصدر الرئيس بوش أوامره عام 2006 بإعداد خطة للتدخل العسكري في السودان.. ولكن اعتراض البنتاغون حينها على أي تدخل عسكري في بلد مسلم آخر، تنعدم فيه أي مصلحة حيوية لأمريكا أجبر بوش على التراجع عن قراره واستبدله بحزمة من العقوبات السياسية والاقتصادية القاسية ضد السودان.
)مرحبا كوندي.. شكرًا أمريكا(.. كانت هذه بعض الشعارات التي رفعها الأطفال والنساء في معسكر أبوشوك بالفاشر ترحيبًا بزيارة كوندليزا رايس الى دارفور في شهر يوليو 2005.. وعندما شق موكبها الطريق الى معسكر أبوشوك تتقدمه سيارات الحماية وصافرة النجدة السودانية.كان كل شيء معدًا بإحكام.. ترجلت من السيارة وتدافع نحوها الأطفال، وتفقدت مركزًا نسائيًا لصناعة المعجنات اليدوية كان يتكاثر حوله الذباب.. ضحكت في سرها لأن هذا الإنتاج إذا قصد منه التصدير فلن يجتاز أدنى المعايير الصحية.. وذهبت الى خيمة منصوبة في ساحة المعسكر، ووجدت عشر نساء في صحبتهن عدد من منسوبي المنظمات الطوعية.. وبدأن بانتظام في حكاية تعرضهن للاغتصاب بواسطة الجنجويد.. تكاد تكون ملامح القصة واحدة، حيث روت كل واحدة منهن ذات التفاصيل.» خرجت لجمع حطب الوقود في الصباح.. هاجمني عدد من الرجال الملثمين، ورموني أرضًا وبدأوا في نزع ملابسي...و... «ثم تنخرط في موجة من البكاء. فيربت منسوبو المنظمات على كتفهن تعاطفًا. فتقول رايس هازة رأسها، نعم... نعم.. فهمت،لا داعي لإكمال القصة. في هذا المسرح المفتوح، تختلط الحقائق بالأكاذيب.. كانت الدراما هي سيدة الموقف، لأنه لا توجد معايير لمعرفة الضحية الحقيقية من التي تم تلقينها لتؤدي هذا الدور أمام وزيرة خارجية أقوى دولة في العالم.. خرجت رايس من هذه الزيارة وهي أثقل صدرًا تجاه السودان، لتتبنى إصدار قرار من مجلس الأمن حمل الرقم 1820 في العام 2008، الذي أكد أن الاغتصاب يعتبر جريمة حرب.
لم تنته دراما زيارتها الى دارفور عند هذا الحد، بل عمدت رايس الى خرق بروتكول الزيارة الى دارفور، حيث كان من المفترض أن تلتقي الوالي محمد عثمان كبر بمكتبه. ولكن كما جرت العادة دائمًا من الجانب الأمريكي، اعتذر السفير نسبة لضيق الوقت.. واعترفت رايس في مذكراتها أنها لم تكن تريد أن تكرس لشرعية الوالي من خلال مقابلته، وبينما هي تهم بركوب طائرتها في مطار الفاشر، اقترب منها رئيس طاقمها الأمني، مشيرًا الى أن الوالي يود مقابلتها في غرفة الاستقبال بالمطار.. وكان رأيه ألا تتم المقابلة لأنه لم يتم تفتيش غرفة المقابلة.. وافقت رايس على المقابلة على مضض شريطة ألا تتعدى دقائق معدودة. ذهبت الى غرفة الاستقبال بالمطار ورئيس طاقمها الأمني يكاد يحيط بها من كل جانب. وحسب روايتها فوجئت بوجود ما يقارب الخمسين رجلاً مع الوالي يحملون العصي ويعتمرون العمائم البيضاء، ويهتفون )الله أكبر(. واختزلت رايس في روايتها طبيعة النقاش السياسي الذي تم بينهما، وذكرت فقط أن الوالي قدم لها هدايا في صناديق أثارت شكوكها لاحتمال زرع قنبلة في احداها.. شبيه بذلك ما ذكرته وزيرة الخارجية الأسبق مادلين ألبرايت التي ذكرت في كتابهاMighty and Almighty )الجبروت والجبار( أنها امتنعت عن تناول مشروب الضيافة مع الرئيس البشير خوفًا من أن يكون مسمومًا.
ولا تكاد تخلو زيارة مسؤول أمريكي الى دارفور من الدراما السياسية. ففي زيارة وزير الخارجية الأسبق كولن باول في نهاية شهر يونيو 2004، طلب منه والي شمال دارفور مقابلته في المطار، فاعترض ميلنغتون القائم بالأعمال حينها على المقابلة.. فتحدث وزير الخارجية مصطفى عثمان مع باول الذي صحبه في طائرته من الخرطوم الى الفاشر، فوافق على الفور وتوجه الى صالة الاستقبال بمطار الفاشر.. وحينها صرخ ملينغتون بصورة درامية )إنكم تختطفون وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية(. فهدّأ السفير الخضر هارون القائم بالأعمال بواشنطون من روعه.
وشبيه بهذا ما حدث لروبرت زويلك نائب وزير الخارجية الأمريكي في منطقة شعيرية يوم 10 نوفمبر 2005.. أراد زويلك أن يلتقي النازحين، فأصر المعتمد على مرافقته. ولما رفض زويلك مؤكدًا أنه لا يثق في حكومته وأنه يريد أن يسمع شكاوى النازخين مباشرة دون مرافق حكومي.ساعتها أحس المعتمد بالإهانة، فتمسك برفضه واعترض طريقه. فقال له زويلك أعطني اسمك وسأشكوك الى الرئيس البشير. فقال له المعتمد غير آبه : أنا البشير هنا.
كانت رايس أول مسؤول أجنبي كبير يستقبله قرنق كنائب أول لرئيس الجمهورية في مكتبه بالقصر الجمهوري، ووصفت اللقاء بالحميمية والإيجابية، وأعلنت حزنها على وفاة قرنق بعد ذلك كقائد لشعبه في هذا المنعطف التاريخي الهام. بعد مقابلة قرنق بدأ نوع جديد من دراما زيارات المسؤولين الأمريكيين الى السودان. حسب الجدول الرسمي المعد، ستقابل رايس السيد رئيس الجمهورية في بيت الضيافة. كان الجو مشحونًا ومتوترًا.. الترتيبات البروتكولية كانت مختلة شيئًا ما نسبة لضخامة الوفد الرسمي والإعلامي المرافق للوزيرة الزائرة.. هناك روايتان لما حدث في بيت الضيافة. رواية الجانب السوداني، ورواية كوندليزا رايس في مذكراتها.
كما وصف الرئيس الروسي بوتين الدبلوماسية الأمريكية بسوء النية، بعد أن كشفت ويكيلكس التقارير الرسمية لسفارات واشنطون بالخارج، فإن مذكرات رايس تكشف كذلك سوء النية المضمر تجاه السودان. تذكرت رايس وهي تدلف الى صالون الاستقبال لمقابلة الرئيس البشير ما قالته لها جونداي فريزر، وهي أن الرئيس البشير يتحدث الإنجليزية، ولكنه يتحول الى العربية عندما يتخذ مواقف أكثر صعوبة. ونسيت رايس أن الحديث باللغة الرسمية للدولة هو من أوضح مظاهر السيادة. وعندما دخلت رايس على الرئيس البشير، حسب الراوية السودانية الرسمية، تدافع وفدها الرسمي والإعلامي للدخول، فتدخل أفراد الحراسة وحبسوا بقية الوفد في الخارج. وأثناء هذا التدافع سقطت الصحفية أندريه ميتشل على الارض وهي تكافح لتوجيه أسئلة للرئيس البشير، فوجه بقية الصحفيين كاميراتهم لتصوير المشهد باعتباره وثيقة ضد جلافة الحكومة.. رغم سوء التقدير الذي لازم هذا الموقف، إلا أن الصحفية خرقت بروتكول الزيارة لأنها توجهت بعدة أسئلة للرئيس البشير قبل بدء الاجتماع في السانحة المتاحة لالتقاط الصور فقط. وبدا مدير الإدارة السياسية في الرئاسة غاضبًا ومشيرًا الى أن البيت الأبيض لا يسمح بدخول مثل هذا الوفد على الرئيس بوش. كانت ميتشل تبلغ من العمر 59 عامًا عندما زارت السودان مع كوندليزا رايس في يوليو 2005.وكانت وقتها تتقلد منصب كبيرة المراسلين للشؤون الخارجية لقناة NBC. وحسب رواية ميتشل نفسها بعد ذلك، فإن شين ماكروماك الناطق الرسمي باسم الخارجية، ومسؤولاً سودانيًا آخر تحدثا حول ضرورة تنظيم التغطية الإعلامية. الجانب السوداني أكدعدم توجيه أسئلة للرئيس.. قال ماكروماك أنه سيبلغ الصحفيين الأمريكيين بذلك ولكن لا يستطيع أن يلزمهم لأن الصحافة في بلاده حرة.رد عليه المسؤول السوداني بشيء من الحدة قائلاً: لا توجد حرية صحافة للأمريكيين في بلادنا.. سرعان ما التقطت الدوائر المعادية للسودان في واشنطون مشهد سقوط الصحفية على الأرض، وبدأت في بثه ونشره وتوزيعه على نطاق واسع.. ولعل مما زاد الأمر تعقيدًا هو الحديث الدائر عن أن ميتشل هي زوجة آلان قرين أسبان مدير مؤسسة الاحياطي الفيدرالي واسعة التأثير والنفوذ.
أشارت رايس أنها دخلت الى الاجتماع بشيء من الاشمئزاز، وهو ذات الإحساس الذي كان يبادله لها الرئيس البشير.. وقالت إنها عندما اكتشفت عدم تمكن بعض أعضاء وفدها الرسمي من الدخول بما في ذلك السفير، رفضت بدء الاجتماع حتى ينضموا اليها.. دخل الوفد يتقدمه بعض أفراد طاقم الحراسة. ومن ثم بدأت الاجتماع شاردة الذهن ، ناقلة للحكومة السودانية رسالتها المعدة سلفاً، وهي أن أمريكا تتوقع تعاونها مع الأمم المتحدة لوقف العنف ضد المدنيين في دارفور. لم تنقل رايس رد الرئيس البشير، وركزت على طريقة حديثه فقط التي وصفتها بالبطء والهدوء. عندما صعدت الى طائرتها متجهة الى الفاشر، طلبت من سفيرها الاحتجاج لدى الحكومة السودانية ومطالبتها بالاعتذار جراء وقوع الصحفية أندريه ميتشل.. قبل أن تحط طائرتها في مطار الفاشر كان د. مصطفى عثمان وزير الخارجية يبلغ اعتذاره لرايس عبر الهاتف.
قالت كوندليزا رايس إنها عندما غادرت موقعها في الخارجية لم تترك وراءها موضوعًا مؤرقًا للدبلوماسية الأمريكية أكثر من السودان.
لم تكشف كوندليزا رايس في مذكراتها شيئًا جديدًا عن علاقة بلدها بالسودان. وعمدت الى تقديم روايتها للأحداث بطريقة تقريرية، واجتهدت أن تقدم رؤيتها بطريقة إنسانية وقيمية أكثر منها سياسية.. وهو بعض أهداف نشر مثل هذه المذكرات، التي تقدم مبررات أخلاقية باردة لأحداث ساخنة بطريقة لا تخلو من التبسيط والاختزال والتجافي عن احترام ذكاء الآخرين.. وبالتالي فإن ما كتبته رايس في مذكراتها عن السودان يفتقر في كثير من أجزائه الى المصداقية الأخلاقية والصدقية السياسية، وهي بعض صفات إدارة بوش وسلوكها السياسي خلال الثماني سنوات التي تقلد فيها مسؤوليات الرئاسة، مخلفًا تركة مثقلة من الدماء والفشل الذريع وذلك بشهادة الأمريكيين أنفسهم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.