مشهد تجمع القوى السياسية في دار المؤتمر الوطني، الحزب الحاكم يعيد للذاكرة التأريخية الاجتماع داخل قبة البرلمان وإعلان الاستقلال كان اجتماعاً وفاقياً نزع كل الخلافات والمكايدات السياسية، واجتماع الاثنين كان لقاءً وطنياً أبطل مفعول التمزق والتشتت، فمشاركة الترابي والصادق المهدي وغازي ومنصور خالد وجعفر الميرغني ود. الصادق الهادي وجلال الدقير ونهار وبقية ممثلي الأحزاب السودانية إجماع وطني لوفاق وطني يرسم خريطة الطريق لخروج السودان من أزماته السياسية والاقتصادية. فوثيقة الإصلاح الشامل التي طرحها الرئيس البشير انقلاب لإصحاح المسار، ولما يقدم نائب رئيس الحزب غندور بوصفه رئيس حزب ورئيس جمهورية فإن الحزب الحاكم تقدم بخطوات نحو الأحزاب من أجل وطن تحاصره مشكلات وتحيط به أزمات، مشكلات متوارثة وأخرى توالدت بسبب ظروف، فبعض الأقلام كتبت «تحليلات» لا تخلو من السذاجة عن حكومة قومية وتنحي الرئيس وتنازله عن بعض سلطانه فهذه «تحليلات» فجّة. فالقضية ليست أشخاص وتنازلات وسلطة فهناك «دستور» انتقالي يظل يحكم البلاد إلى أن يحل محله دستور آخر دائم ظل محل خلاف لأكثر من «58» عاماً، فالمشاركة للقوى السياسية رسالة للذي يقرأ ما بين السطور، وبالتأكيد أن الحضور قد سبقته لقاءات واجتماعات وتفاهمات واتفاق كانت مخرجاته هذه الوثيقة الوطنية التي لمست قضايا ومشكلات الوطن، فقد لمست الوثيقة التاريخية أهم القضايا وأكثرها تشعباً ألا وهي قضية «السلام»، القضية التي أرقت الوطن وأقعدته، فالسلام ليس هو تشكيل حكومة قومية كما يحسب «بعض» الجهلاء، فكتابات البعض كانت تشويشاً وبلبلة في الشارع العام، فالأهم هو الوفاق الوطني والاتفاق على دستور دائم تتراضى عليه القوى السياسية، ويتراضى عليه الشعب. فالذي يحكم هو الدستور وليس حزباً أو شخصاً، فالوثيقة التي طرحها البشير تعتبر تحدياً لا لحزبه بل للقوى السياسية، فالوثيقة قالت بتحرير العمل السياسي أي تنشيط الفعل السياسي، أي للوصول إلى توازن سياسي ، يرسم خريطة الطريق للأحزاب جميعاً ، بما فيها المؤتمر الوطني، لتصحو من غفوتها، وتنأى عن المصالح الخاصة.. وليكمل الوفاق السياسي.. والاتفاق على الطريقة والكيفية.. التي تحكم السودان وليس من يحكم السودان وبالتالي تكون القوى السياسية قد فوتت الفرصة على المتربصين بالوطن.. فالوثيقة التي «تركزت» على السلام.. عبر أدبيات الوثيقة و«آليات» تكون هي السفينة.. التي تحمل السلام فإن إرساء دعائمه تقود الى الوحدة الداخلية فمن حولنا من دول الجوار يعانون من الاستقرار بسبب تصدع الجبهة الداخلية.. فلا حكومة وحدها بقادرة على سلامة الجبهة الداخلية ولا أحزاب معارضة بقادرة على الجبهة الداخلية وحدها لذا لا بد من «الكل» الاعتراف بالآخر والإجماع الوطني الحصن المنيع الذي يحمي الجبهة الداخلية فمن حولنا من دول الجوار تعيش اضطرابات سياسية قادت الى خلق بؤر مشتعلة تنذر بخطر انهيارها فبلادنا تحدها عدة دول بها هشاشات ومتناقضات إفرازاتها بالتأكيد ستصل بلادنا فإن لم تتراض القوى السياسية وتصل إلى حد أدنى من الوفاق السياسي فلا محالة أن يضمن للسودان وحدته وعدم تمزيقه. ولكن لا سلام من غير «حريات».. فالوثيقة رسمت إشارات للحريات التي بدونها لا يكون الوفاق.. لا الاستقرار.. ولا دستور دائم.. فالوثيقة فتحت النوافذ لتعديلات دستورية.. في ملف الحريات.. فالمعارضة ظلت تتحدث عن «القوانين» المقيدة للحريات.. فهذه الوثيقة.. قد وضعت الحصان أمام العربة.. و«رمت» الكرة داخل الشبكة.. فهنا لكي تتنزل الحريات كاملة غير منقوصة يكون الاتجاه نحو «البرلمان» لتعديل بعض القوانين. التي تتقاطع مع قوانين أخرى.. وهنا لا بد من «لجان» تحمل ما جاء في هذه الوثيقة الى أرض الواقع، لجنة لتعديل القوانين وللسلام.. ولجنة لتعديل قانون الانتخابات مثلاً.. ومفوضيات للدستور.. وللانتخابات ألخ. ومن الجانب الآخر لقوى المعارضة غاب الحزب الشيوعي أحد أهم «عناصر» ما يسمى تجمع الإجماع الوطني المعارض ومن دون تقليل لوزنه فإن وجوده في الشارع السياسي.. وجود قديم.. وإن قل وزنه.. فإنه حزب وطني.. كان حضوره سيسهم في دفع عجلة الوفاق.. لكن «البلاشفة» غابوا.. وقالوا«حردان السوق منو البرضيهو».. وأما أبو عيسى «سياسي» بلا حزب .. قائد بلا جيش.. وزنه وثقله السياسي.. «في حلقومه» وزعيقه.. الذي ظل يمارسه لأكثر من خمسين عاماً.. وكما قالوا: أفشل الأشياء أجهرها صوتاً.. وأعظمها جثةً .