من هو الصحافي؟ ما هي مطلوباته؟ كيف يوائم بين الالتزام بأخلاقيات المهنة والإيفاء بمعاشه والانفلات من كماشة الترغيب والإغراء التي تحاصره هنا وهناك؟ وهل لتدفق المعلومات وحجبها علاقة بالالتزام الصحفي نحو الحقيقة؟ وهل القوانين السائدة في الصحافة تشجع على الانفلات المهني؟ وهل وكلاء النيابة ينبغي أن يلموا بمطلوبات الصحافة كشرط لازم للنظر في القضايا؟ وكم عدد الصحافيين الذين يمارسون المهنة فعلاً من أصل خمسة آلاف يضمهم السجل؟ كل هذه الأسئلة وغيرها كانت محور النقاش قبل حوالي ثلاث سنوات في الجلسة التي استضافت فيها الصحيفة رئيس لجنة ترقية أخلاقيات المهنة بالمجلس القومي للصحافة والمطبوعات آنذاك، الأستاذ عباس الخضر والأستاذ محمد سعيد شلي مقرر اللجنة في ذلك الوقت، وبما أن الأجندة المطروحة تستبطن الكثير من الجدل والمناقشات رأينا أن نذكر بعضاً منها وكان من الطبيعي أن تثير قدراً من النقاش الهادف وبالتالي نقاط الاختلاف والالتقاء باعتبار أن معيار الالتزام الأخلاقي وإن كان متفقاً عليه لكن تبقى الأسباب محل خلاف، كما أن المسؤولية نفسها تثير عدداً من النقاط الجدلية، فما هي مسؤولية الصحيفة في التجاوزات، ومن يتحمل وزرها، الصحيفة ككيان؟ أم رئيس التحرير؟ أم المحرر؟ وبما أن ميثاق العمل الصحفي الذي تواضع عليه رؤساء الصحف يعتبر المرجعية على الأقل حتى الآن، كان من الطبيعي أن يبتدر الأستاذ عباس الخضر رئيس اللجنة حديثه به، لكنه آثر ألا يفصل بين الميثاق المبدئي لأخلاقيات المهنة وبين مطلوبات الصحافي المتمثلة في وضعه المادي داخل المؤسسات الصحفية، لكنه بالطبع لم يصل إلى نتيجة حتمية يمكن الاتكاء عليها من شأنها أن تخرج الصحافي من دائرة المسؤولية الأخلاقية بالنظر إلى التحديات التي تواجهه، ولم يجد الخضر حرجاً من أن ينتقد ارتهان بعض الصحافيين لبعض الجهات سواء أكانت خاصة أو عامة، والارتماء في أحضان السفارات أو ما أسماه دون مواربة باستلام «الظرف». بيد أن الأستاذ الصادق الرزيقي رمى الكرة في ملعب الحكومة عندما حمّل بعض المؤسسات انتهاج سياسة الترغيب والإغراء، لكنه أشار إلى أن قضية أخلاقيات المهنة معقدة وتتداخل فيها العديد من الأدوار على صعيد المؤسسات والكوادر الصحفية والجامعات التي تتلقى منها العلوم الصحفية التي وصفها بأنها لم تقم بدور فاعل في تكريس تلك القيم الرسالية بما يكفي. وأشار إلى أن مكامن الخلل لا يمكن فصلها عن أهداف ومرامي المستثمرين في مجال الصحافة، وعما إذا كانت أهدافهم رسالية أم مادية؟ تلك كانت أهم ملامح ذلك النقاش، ولعله بالرغم من مرور فترة زمنية على هذا التحاور لكن القضية تبقى حاضرة بكل أبعادها المختلفة، فأخلاقيات المهنة الصحفية لا تنفصل عن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، فصحافة المقاولات أو ما يعرف باستلام «الظرف» لا تنفصل عن سلوك بعض السياسيين الذين يشجعون ويستقطبون البعض من أجل الترويج لأنفسهم أو لحماية مراكزهم إن كانت عرضة للاهتزاز بسبب تدني أدائهم أو خشية من الإبعاد من المنصب، إذن فهي أزمة أخلاق سياسية، فحين تصبح السياسة مجرد حرفة وتقفز بعيداً عن المبادئ تصبح المعاني القيمية قرباناً لهذه الرغبة، لكن بعيداً عن أقلام المقاولات، فالمهاترات الصحفية واستخدام لغة السوق هي أيضاً تعتبر تجاوزات لأخلاقيات المهنة، وسبق أن تورطت العديد من الصحف الرياضية بالهبوط كثيراً إلى مستويات متدنية في المساجلات التي تدور بين بعض الصحافيين، كما أن الصحافة الرياضية باستثناء بعض الأقلام أسهمت في إزكاء التعصب الرياضي وأصبح الوقوف حتى مع الفرق الأجنبية ضد الوطنية سلوكاً يسود وسط العديد من القطاعات الجماهيرية وأصبح شعار «ما بنطير برانا» هو السائد!!